السبت ٦ تموز (يوليو) ٢٠١٣
بقلم مهرناز مويسات

المسرحية السورية؛ ظهورها، روافدها، وموضوعاتها

الملخص

المسرحية السورية المعاصرة وليدة الستينات، وهي متأثرة بغيرها من المسرحيات العربية، وبخاصة في مصر ولبنان، وهذا المجال يحتاج إلى دراسة خاصة، وقد بدأ الكتّاب السوريون يجرّبون كتابة النص المسرحي في الخمسينيات وينشرونه في المجلات الأدبية، وبخاصة في "الآداب"، ولكنّ معظم المؤلفين كانوا أدباء قبل أن يكونوا مسرحيين، وهم يشتغلون بالأجناس الأدبية الأخرى قبل أن يشتغلوا بالمسرحية، ومع ذلك لايمكننا أن ننكر أدوارهم، ويمكننا أن نستعرض هنا أهمّ الأعلام وأهم أعمالهم النثرية المكتوبة بالفصحى: [1]

وليد إخلاصي:

- العالم من قبل ومن بعد - 1964
- الصراط -1976
- سبعة أصوات خشنة - 1979
- سهرة ديمقراطية على الخشبة - 1979
- هذا النهر المجنون -1980
- أوديب - 1981
- أغنيات للممثل الوحيد - 1984
- من يقتل الأرملة - 1986
- مسرحيتان للفرجة - 1988
خالد محيي الدين البرادعي:
له مسرحيات شعرية كثيرة، وأهم مسرحياته النثرية:
- أبو حيّان التوحيدي - 1983
- الوحش - 1976
- الطريق إلى العصر الحجري
- الجراد - 1978
- الشيخ بهلول وأفراد عائلته
فرحان بلبل:
- الحفلة دارت في الحارة - 1973
- الممثلون يتراشقون الحجارة - 1975
- العشاق لايفشلون - 1977
- لاتنظر من ثقب الباب - 1978
- الجدران القرمزية - 1980
- العيون ذات الاتساع الضيق - 1980
- القرى تصعد إلى القمر - 1980
- ثلاث مسرحيات غير محايدة - 1982
- ياحاضر يازمان - 1982
- لاترهب حدّ السيف - 1984.
غسان ماهر الجزائري:
- عالم واسع الأرجاء - 1983.

مصطفى الحلاج:

- القتل والندم - 1957
- احتفال ليلي خاص لدريسدن - 1970
- الدراويش يبحثون عن الحقيقة -1970
- أيها الإسرائيلي حان وقت الاستسلام - 1974
أحمد يوسف داود:
- الخطا التي تنحدر -1972
- مالكو يخترق تدمر -1980

فيصل الراشد:

• المخرج والطباخ
• زوج متين من الجوارب
• امرأة حافية

الأب إلياس زحلاوي:

- المدينة المصلوبة - 1973
- الطريق إلى كوجو - 1976
- وجبة الأباطرة -1981
مرادي السباعي:
• الحكاية ذاتها - 1967
نجم الدين سمان:
- حكاية تل الحنطة- 1986
- درب الأحلام 1989

عبد المعطي سويد:

• القمر والشياطين - 1979

مصطفى صمودي:

• الوان وضباب.
• أغنية البحر.
• المتوازيان.

ممدوح عدوان:

- محاكمة الرجل الذي لم يحارب بغداد 1970
- ليل العبيد - 1977
- هملت يستيقظ متأخراً - 1977
- حكايات الملوك - 1989
- كيف تركت السيف -1989
- الوحوش لاتغني - 1989
علي عقلة عرسان:
- ثلاث مسرحيات (زوار الليل -الشيخ والطريق -الفلسطينيات) -1971
- السجين - 1974
- الغرباء - 1974
- رضا قيصر - 1975
- عراضة الخصوم - 1976
- الأقنعة - 1987

رياض عصمت:

- نجوم في ليل طويل -1979
- طائر الخرافة ومسرحيات أخرى - 1974
- الحداد يليق بأنتيغون - 1978
- لعبة الحب والثورة - 1978
- هل كان العشاء دسماً أيتها الأخت الطيبة ؟ - 1978
- السندباد -1982

نذير العظمة:

- سيزيف الأندلسي -
- طائر السمرمر - 1982
- أوروك تبحث عن جلجامش - 1986
- دروع امرئ القيس -1992
- المرايا - 1992

زكي قنصل:

• تحت سماء الأندلس -1965

وليد فاضل:

- جلجامش - 1981
- حلم في محطة قطار - 1981
- العشاء المقدس - 1983
- ايفا - 1983
- السمفونية الهادئة - 1985
- أوروبة أميرة صور - 1986
- لميس والقطط - 1986
- سوناتا الخريف والدمية - 1992

محمد الماغوط:

- العصفور الأحدب - 1967
- المهرج - 1974
وليد مدفعي:
- وعلى الأرض السلام - 1961
- البيت الصاخب - 1965
- وبعدين - 1970
- أجراس بلارنين - 1982

يوسف مقدسي:

• دخان الأقبية - 1973

حمدي موصلي:

• الجرذان -1983
• أحداث الليلة الثالثة عشرة – 1986
• الفرواتي مات مرتين- 1990

عبد الكريم ناصيف:

• المستشار الأعظم -1994.

سعد الله ونوس:

- حكايا جوقة التماثيل - 1965
- حفلة سمر من أجل 5 حزيران
- الفيل ياملك الزمان ومغامرة رأس المملوك جابر
- سهرة مع أبي خليل القباني
- مأساة بائع الدبس الفقير
- رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة -1990
- الاغتصاب -1990
- يوم من زماننا وأحلام شقية - 1995

لايعني هذا العرض لأهم المسرحيات السورية المعاصرة أنه كامل، فالأرشفة ليست وظيفتنا من جهة، ثم هي تكون عملاً مستقلاً من جهة أخرى، ولايعني أيضاً أن كلّ هذه المسرحيات النثرية ذات سوية واحدة حتى عند المؤلف الواحد، ففي بعضها شعارات ومباشرة أكثر مما فيها من فنّ في توصيل الفكرة التي يريد المؤلف توصيلها ويهتمّ بعضها بالأناقة اللفظية وشعرية اللغة.

كثير من هذه المسرحيات يلقى قبولاً جماهيرياً لما فيه من عزف مباشر على وتر حسّاس، كالعزف على صلة المواطن بالسلطة أو النظام أو ماشابه ذلك، وهذا عزف جديد في العالم العربي انتشر بعد النكسة، وإن كان هذا العزف أحياناً على حساب أدبية المسرحية وتقاناتها ورموزها ، وكثيراً ما يظل الرمز إلى مناسبة محددة كما فعل سعد الله ونوس في مسرحيته "حفلة سمر من أجل حزيران"، فهي مسرحية سخّر فيها الكاتب رموزه وشخصياته ليعبّر عن حدث واقعي، وقد نجح في هذه المسرحية في الدلالة على واقع مرّ، وكانت إحدى مسرحياته التي سبّبت له الشهرة والذيوع، ولفتت الأنظار إلى المسرح السوري المعاصر، ولكننا نستطيع أن نقول إن الرموز والشخصيات في هذه المسرحية وأمثالها تظلّ تومئ إلى مرحلة محددة ومناسبة معروفة، وهي بنت هذه المناسبة منذ العنوان، ويحقّ لنا أن نتساءل: ماذا يبقى بعد مرور قرن على مثل هذه المسرحيات؟ فغنى هذه المسرحية وأمثالها يكمن في حدثها والمناسبة التي يشير إليها ذلك الحدث، وهي لا تحتوي على شخصيات مسرحية خالدة كأوديب سوفولكيس وهملت شكسبير وفقير موليير. ونحن أخيراً لا نتوخى من هذا العرض للمسرحية النثرية المعاصرة في سورية الدراسة الكاملة وملاءمة معظمها للمسرح، ولأن بعضها لم يُمثل، وربما لا يتاح له ذلك، ولذلك فإننا سنتوقف عند أهم الموضوعات التي عالجتها هذه المسرحيات. [2]

موضوع المسرحية السورية المعاصرة

إنّ الاتجاهات الفكرية التي احتضنت المسرحية المعاصرة في سورية وحّركتها، كانت كثيرة، لكن أهمها ثلاثة اتجاهات:

1- الاتجاه القومي، ويمثله علي عقلة عرسان.

2- الاتجاه الوجودي، ويمثّله وليد إخلاصي.

3- الاتجاه الماركسي، ويمثّله سعد الله ونوس وفرحان بلبل.

إن هذه الاتجاهات جعلت المسرحية المعاصرة تقترب من الالتزام بقضايا الشعب، وتحقّق مقاربتها من المشكلات اليومية الحسّاسة بموضوعاتها المختلفة من جهة، وتتطور المسرحية المعاصرة في سورية من جهة أخرى.
وموضوعات المسرحية المعاصرة كثيرة، منها ماهو اجتماعي، ومنها ماهو ثقافي، ومنها ما هو سياسي، والفصل بين الاجتماعي والثقافي والسياسي في أي عمل أدبي عمل تعسّفي، وهو ضرب من العبث، فإننا نجد الاجتماعي في الثقافي، والثقافي في السياسي، والسياسي في الاجتماعي والثقافي، ولكن لابدّ في أيّ عمل أدبي من أن يبرز جانب على حساب الآخر، وأن يهيمن موضوع على حساب الموضوعات الأخرى، ونحن في هذه المرحلة المصيرية الحرجة في الوطن العربي بعامة وفي سورية بخاصة، نهتمّ، ولاسيما بعد حزيران، بالجانب السياسي وتحليلاته المتفاوتة بين مؤلف وآخر حسب المنظور الذي ينطلق منه والاتجاه الذي يلازمه، ولذلك كثرت المسرحيات السورية المعاصرة التي تتناول الجوانب السياسية والاجتماعية وأهم موضوعات المسرحية السورية المعاصرة:

هزيمة حزيران

كانت الصدمة التاريخية في حزيران كبيرة، استطاعت أن تكون نقطة تحوّل في الأدب العربي بعامة والمسرحية بخاصة، ومن أهم الأعمال التي تناولت هذا الموضوع مباشرة مسرحية "حفلة سمر من أجل حزيران" لسعد الله ونوس، وقد حاول فيها المؤلف أن يعرّي الأنظمة الفاسدة المسؤولیة عن الهزيمة، فهي في واد والشعب في واد آخر، والأنظمة تحاول دائماً طمس الحقائق وتغييب الشعب عن مسرح الحياة، وإبعاده عن مشكلاته وتسخيره لمصلحة النظام،وتهميشه، وإلغاء دوره، إضافة إلى تجزئة الوطن الواحد ولذلك كانت هزيمة حزيران متوقعة، وهي نتيجة للخرافات والعطالة والفساد وتزييف الواقع والجري خلف الشعارات البرّاقة، ولذلك نجحت هذه المسرحية نجاحاً باهراً، وكان نجاحها في جرأة المؤلف وطرحه لموضوعات يومية يحسّها الشعب، وقد كانت من قبل مهملة، فوضع ونوس يده على الجرح كما يقول المثل الشعبي. [3]

حرب تشرين

وهي مسرحيات سريعة تقوم على الانتصار والابتهاج به وتحجيم دور العدو الصهيوني، وأهمّ المسرحيات التي تناولت هذا الموضوع مسرحية يوم اسقطنا طائر الوهم لوليد إخلاصي ، ومسرحية أيها الإسرائيلي حان وقت الاستسلام، لمصطفى الحلاج، وهما مسرحيتان فيهما الكثير من المباشرة والتسجيلية، وبخاصة في المسرحية الثانية. [4]

القضية الفلسطينية

وهي تتجلّى في أعمال علي عقلة عرسان، ففي الفلسطينيات يتحدث عن القضية الفلسطينية منذ هجرة اليهود إلى فلسطين إلى حرب1948م و خروج الفلسطينيين عن وطنهم، ثم ظهور العمل الفدائي، وفي "الغرباء" يصّور عرسان الصراع العربي الإسرائيلي من خلال الصراع بين جماعة أبي داود وأهل القرية، ثم إن موضوعات هزيمة حزيران وحرب تشرين وسواهما لاتخلو من الإشارة إلى القضية الفلسطينية مباشرة أو لامباشرة. [5]

السلطة والقمع

هو الموضوع المحبّب في المسرحية والمسرح العربيين المعاصرين، فالعلاقة بين المواطن والسلطة علاقة مرضية، فلا تقوم السلطة إلاّ على القمع والبطش، وأجهزة القمع جاهزة دائماً لكبح جماح المواطن وسلب حريته وإرادته وتسخيره لمصالحها دون النظر إلى مصالحه وحياته، ويمكننا ان نضرب على ذلك مثلاً بمسرحية "المهرّج" لمحمد الماغوط، ففيها إدانات سطحية وشعارات زائفة تُردّدها بعض الشخصيات، وفيها كذلك تمثيل لرموز من التاريخ العربي، فصقر قريش مؤسس الدولة الأموية في الأندلس لايحارب شارلمان لانه يدافع عن الحدود، لكنه يحاربه لأنه حرمه من الجارية كهرمان، ولذلك فإن شارلمان متآمر حقير، وهو مستعد للتخلي عن مملكته، ولكنه لايتخلى عن قلامة ظفر من أظافرها، والمؤلف يريد من خلال هذا الإسقاط التاريخي بيان الحالة التي وصلت إليها العلاقة بين السلطة والوطن من جهة وبين السلطة والشعب من جهة أخرى. [6]
وهو يبيّن في هذه المسرحية أن السلطة حوّلت الإنسان العربي إلى أرنب أو صرصور، وأن السلطة طوّرت نفسها للدفاع عن مصالحها ، وأن الانسان العربي لايستطيع أن يحارب العدو الصهيوني إذا ظل يعيش في ظلّ الإرهاب، وأن السلطة بهذا الشكل قادرة على إلغاء دور أيّ مواطن شريف، بل هي قادرة على اتهامه وتحويله إلى خائن وعميل.

الفساد العام والموات

في مسرحيات سعد الله ونوس الأخيرة سواد يهيمن على المجتمع والواقع، ورجاء مفقود من إعادة التوازن إلى عالم ينهار أو انهار بانهيار القيم والمثل التي كنّا نتغنّى بها، ومسرحيته "يوم من زماننا" شاهدٌ جيّد على هذا الموضوع، فالشخصيات فيها قد وصلت إلى أقصى مايصل إليه الفساد والانحلال، ففي المشهد الأول يبيّن معلم الرياضيات فاروق الرجل المثالي الوحيد في المسرحية أنّ الدعارة وصلت إلى المدرسة التي يعلّم فيها، ويشرح ذلك لمدير المدرسة عبد العزيز الذي لايهتم بما يقصّه عليه فاروق، وهو يرى أنّ الفساد في الكتابات السياسية التي انتشرت على جدران المراحيض، وأن واجب المدير أن يحمي المدرسة من جرثومة السياسة، ولكن فاروق ويصرخ في وجه المدير إن بيت الستّ فدوى يمدّ أروقته داخل المدرسة، ويهدمنا من الداخل. [7]
إنّ هذه المسرحية بأحداثها وشخصياتها المختلفة وعباراتها تشير إلى أنه لامستقبل للفرد أو للمجتمع في عالم خربٍ عشش فيه الفساد، وتسلّل إلى أصقاعه الموات، وتلوّن فيه الناس بألف لون، وتقنّعوا بألف قناع، وطلوا وجوههم بالمساحيق وهي مسرحية النذير لاالمبشر، ولذلك تنغلق على رؤاها وتهدّم كل الجسور مع العالم.

تقانات المسرحية السورية المعاصرة

لاحاجة بنا إلى أن نذكّر هنا أنّ المقصود بالتقانات هو التقانات داخل النص، ولاصلة لها من قريب أو بعيد بتقانات العرضِ، هي تقانات كتابية تصّح على المسرحية العربية المعاصرة بعامة، والمسرحية السورية المعاصرة بخاصة، وأهمها:

استلهام التراث

حاول المؤلفون، بعد أن تنادوا لتأصيل المسرح العربي، الالتفات إلى التراث العربي واستلهامه وتوظيفه في قضايا معاصرة وتجارب واقعية، واستلهام التراث سمة من سمات الأدب العربي الحديث، ولاسيما في الشعر والرواية، فكانت الالتفاتة إلى التاريخ العربي كما فعل زكي قنصل في "تحت سماء الأندلس" ومحمد الماغوط في "المهرّج"، فقد استطاع الأخير منهما أن يُعيد صقر قريش إلى زماننا ليبرهن للمتفرج أو القارئ أن الفساد قادر على ترويض البطولات والابطال، وأنّ زمننا وصل إلى درجة لا تحتمل من النفاق والزيف والدناءة والعمالة، وقد يلتفت بعض الأدباء إلى التاريخ الغربي لتوظيفه في تجربة معاصرة، كما فعل علي عقلة عرسان في مسرحيته الشهيرة "رضا قيصر" التي استطاع من خلالها أن يفضح زيف المثقف الانتهازي، وأن يصوّر تذبذب مواقفه بين الشعب وبين القيصر حين يبيع مبادئه كلها ليقف صراحة إلى جانب قيصر، بل يصبح عوناً له وعيناً على الثقافة العامة.أما الالتفات إلى التراث الشعبي فهو الاعمّ والأغلب، فقد ذهب عمر النص إلى (شهريار) في "ألف ليلة وليلة"، وذهب سعد الله ونوس إلى حكاية "النائم واليقظان"، أو ذهب إلى الحكايات الشعبية في "الفيل ياملك الزمان". [8]

ولايعدم المرء أن يجد التفاتاً إلى الأساطير العربية لاستلهامها وتوظيفها، كما فعل نذير العظمة في مسرحية "أوروك تبحث عن جلجاش" او مسرحيته الأخرى "دروع امرئ القيس".

الأبعاد الزماني والمكاني

إن استخدام التراث والرموز سبّبته تقانة الإبعاد، وتقوم هذه التقانة على خلق واقع فني بديل للواقع، يبتعد عنه زمانياً ومكانياً، لكنه غير بعيد عنه دلالياً، كأن يستخدم المؤلف واقعاً تاريخياً أو تراثياً أو حكاية شعبية أو أسطورة، وهذا مايتلاقى مع مفهوم البديل الموضوعي.

ويقوم الإبعاد على عملية المشابهة بين الواقعين: الفنّي والمعيش، والماضي والحاضر، فيكون الحدث التاريخي أو الحكائي الوهمي خلفيّة يستعيرها المؤلف لأحداث اليوم، ليعرض من خلالها قضية معاصرة، وهذا كثير في مسرحنا المعاصر، وهو مافعله علي عقلة عرسان في مسرحيته "رضا قيصر"، وهو مافعله أيضاً ونوس في "منمنمات تاريخية" و"الملك هو الملك" وسواهما، والإبعاد وسيلة يعالج من خلالها الكاتب أفكاره بعيداً عن المباشرة والسطحية، وهذا مايترك المجال مفتوحاً للمتلقي إزاء تأويلات عدّة، فيثري الكاتب عمله، وتتفتّح آفاق المتفرج أو القارئ وذهنيته على فضاءات نصيّة لامحدودة، ودلالات غنية.

المسرح داخل المسرح

وهذا أيضاً تقانة معاصرة انتشرت في المسرحية المعاصرة السورية، .«فاستخدمها سعد الله ونوس في مسرحيته "سهرة مع أبي خليل القباني" واستخدمها علي عقلة عرسان في "رضا قيصر"، فعرض مسرحية في الفصل الأول أغضبت قيصر، وفعل ذلك الفعل في الفصل الثاني، وهذا ماأدى به إلى أن يساق إلى العمل الشاق في مقالع الرخام». [9]

المسرح الملحمي

أي امتزاج السرد الملحمي بالحوار الدرامي، أو التحول من هذا إلى ذاك، وهذا كثير في المسرحية السورية، ففي "الملك هو الملك" تتخلّل البنية الحوارية مقاطع من السرد الروائي، ولكنّ هذا السرد يهيمن على بنية مسرحية "يوم من زماننا"، وكثيراً مايتجاوز مساحة الصفحة الواحدة
هكذا نتوصّل أخيراً إلى النتائج التالية حول المسرحية السورية المعاصرة: [10]
1) تتجه المسرحية المعاصرة في سورية نحو المضمون السياسي التحريضي متخلّية في كثير من ظروفها عن الاتجاهات الأخرى، وهي كثيرة في العالم: الاتجاه الاجتماعي. الاتجاه العبثي- الفلسفي... إلخ والمسرح السياسي تسجيلي، تعليمي وتحريضي.

2) تلقى هذه المسرحيات انتشاراً واسعاً لتداخلها بالحياة اليومية، ولكنّ يظهر في بعضها الضعف الفنّي، والمسرح السياسي لايزدهر إلاّ في ظلّ الأزمات الاقتصادية والسياسية، فالمسرح الحزيراني -مثلاً- لايعيش إلاّ في ظلّ الصدمات التاريخية المماثلة، فإذا انقطع عنه الحدث المماثل لم يبق له وجود على نقيض مسرحيات الحكيم الذهنية، فهي صالحة لكّلّ زمان ومكان.

3) بعض هذه المسرحيات لايُمثل على الخشبة، أو لم يُتح له ذلك، وقد أصبحت المسرحية للقراءة،وهذا مايسيء إلى الحركة المسرحية أولاً وأخيراً.

4) المسرحية السورية المعاصرة، مسرحية حدث قبل أن تكون مسرحية شخصيات، وهي لاتحوي على شخصيات درامية غنيّة.

5) يتجه المسرح السوري بنصوصه المسرحية نحو مسرح بريخت التعليمي الملحمي التغريبي ، وبخاصة في أعمال سعد الله ونوس ، وهذا الاتجاه يغني المسرحية السورية إذا كان تنويعاً لمسرحيات اخرى تنهج غير هذا النهج، ولكنه يكون سبباً لافتقار المسرح السوري إلى التعّدد والتنوّع إذا اقتصرنا عليه وظلّ وحيداً على الساحة المسرحية، وبخاصة إذا اقتصرنا عليه وظلّ وحيداً على الساحة المسرحية، وبخاصة عند المؤلفين المبدعين، وهم قلّة في بداية النهضة المسرحية الحالية، وفي ظلّ غياب بناء مسرحي ملائم وممثل ومخرج قديرين.

تطور المسرح العربي في سورية

لا نستطيع فصل الأدب المسرحي عن عملية إعادة إنتاجه عبر وسائل الاتصال، ولا سيما الخشبة والعرض أمام الجمهور، ففي مطلع السبعينيات، حقق المسرح العربي في سورية نهوضاً معتبراً من حيث اتساع روافده، ومن حيث شموله. ونذكر هنا تأسيس مسارح أخرى متعددةوانتظام عروضها في مواسم دورية مثل المسرح الجوال والمسرح الجامعي ومسرح الهواة، وسرح الشبيبة.

تسلم علي عقلة عرسان، وهو مخرج وكاتب، إدارة المسارح والموسيقى عام 1969م، فنظم تظاهرات مسرحية لهذه الروافد المسرحية، مثل مهرجان دمشق للفنون المسرحية، الذي انتقل إلى رعاية الدولة في دورته الثانية عام 1970م، وقد تخرج من هذه التظاهرات خيرة المسرحيين فيما بعد، مثلما عززت إرادة العمل المسرحي بين العاملين ومحبي المسرح. [11]

وقد ظل الريف محروماً من المسرح، إلى أن أنشأت مديرية المسارح والموسيقى المسرح الجوال، عام 1971م، وقد عمل فيه مخرجون وممثلون ومؤلفون معروفون مثل يوسف حرب وأحمد قبلاوي وأحمد قنوع وإسكندر كيني، وقد قدم المسرح الجوال عروضه في مختلف المحافظات والقرى في سورية. ومن أبرز أعماله تمثيلية «سهرة» لممدوح عدوان، و«دبابيس» لأحمد قنوع، و«أجراس بلا رنين» لوليد مدفعي، و«حكايا من الريف» لأسعد فضة. تحول المسرح الجوال، في الفترة الأخيرة من أغراضه الشعبية ونشر الوعي المسرحي في الريف إلى تقديم مسرحيات عالمية وعربية لجمهور مدينة دمشق وبعض المدن في مراكز المحافظات. [12]

أما تظاهرة المسرح الجامعي، فقد أصبحت منتظمة منذ عام 1970م برعاية الاتحاد الوطني لطلبة سورية، فتبوأ المسرح الجامعي مكانة طيبة في حركة المسرح في سورية، وبخاصة أثناء مهرجان دمشق للفنون المسرحية. إن المسرح الجامعي قد أعطى الحياة المسرحية في سورية حيوية دافقة ومواهب كثيرة، وأغنى المسارح بمفاهيم متطورة. ومن أهم عروضه: «مهاجر بريسبان» لجورج شحادة و« في خدمة الشعب» لحسيب كيالي، و«هوبلا نحن نحيا» لارنست توللر، و«كيف تركت السيف» لممدوح عدوان، و«نكون أو لان كون» لرياض عصمت وممدوح عدوان، ودراكون و«رسول من تميرا» لمحمود دياب. [13]

وهناك فرق مسرحية أخرى عامة في القطر، مستمرة في رفد الحركة المسرحية، مثل مسرح الشعب (مسرح حلب القومي فيما بعد) الذي تأسس عام 1967م، والمسرح العمالي بحمص (بدأ عروضه عام 1973م).أما الفرق الخاصة فهي كثيرة وأشهرها فرقة محمود جبر، وهي امتداد لمدرسة عبد اللطيف فتحي، وفرقة «الأخوة قنوع» و«مسرح القهرة» لطلحت حمدي وأحمد قبلاوي، و«فرقة المسرح» لمجموعة فنانين، و«فرقة غربة» لدريد لحام. [14]

وعلى الرغم من اعتماد المسرح القومي، في بداءته، على نصوص المسرح العالمي أساساً، فإنه اتجه منذ مطلع السبعينيات إلى نصوص الأدب العربي، وشجع التأليف المحلي، وهكذا قدم كتاباً من الأقطار العربية هم: محمود تيمور وتوفيق الحكيم ويعقوب الشاروني وعلي سالم وألفريد فرج (أكثر من مسرحية) ومحمود دياب (أكثر من مسرحية)، ونعمان عاشور، ومحفوظ عبد الرحمن (وجميعهم من مصر)، ويوسف العاني (العراق) والطيب العلج (المغرب). [15]

أما الكتاب العرب من سورية فهم: عبد اللطيف فتحي (أكثر من مسرحية، وغالياً ما تكون معدة أو مقتبسة) ووليد مدفعي (أكثر من مسرحية) وأحمد قنوع، ويوسف مقدسي، وعلي عقلة عرسان (أكثر من مسرحية) وحكمت محسن، وعلي كنعان، وأحمد يوسف داود، وسعد الله ونوس (أكثر من مسرحية)، وصدقي إسماعيل، وعيسى أيوب، ومصطفى الحلاج (أكثر من مسرحية)، وفرحان بلبل، وممدوح عدوان (أكثر من مسرحية، وأغلبها معد)، ووليد إخلاصي ونذير العظمة.ومن الملحوظ، أن غالبية هؤلاء الكتاب انتقلوا لكتابة المسرح، بعد انتشاره، من فنون أخرى الشعر مثل علي كنعان وممدوح عدوان وأحمد يوسف داود ونذير العظمة، والرواية مثل صدقي إسماعيل والصحافة مثل يوسف مقدسي. [16]

وقد برزت أيضاً ظاهرة الإعداد والاقتباس عن نصوص تراثية عربية وعالمية كما هو الحال مع سعد الله ونوس وممدوح عدوان عبد اللطيف فتحي.أما الملاحظة الأهم فهي حرص المسرح القومي على تقديم عروضه باللغة الفصحى، ثم لجأ في السنوات الأخيرة إلى تقديم عروض تجريبية كما هو الحال مع مسرحيات «الكوميديا السوداء» و«مقام إبراهيم وصفية» و«حكاية بلا نهاية»، وهكذا ما شجع الكتاب على ارتياد تجارب جديدة في التأليف المسرحي والتزام اللغة الفصحى في الوقت نفسه، وهي ظاهرة تؤيد النجاحات الكبرى التي أحرزتها الكتابة المسرحية في سورية من حيث لغة الحوار ومخاطبة الجمهور، واستطاعة الفصحى على الاستجابة قضية المسرح الحديث بصورة عامة. [17]
ونورد هنا بعض الملاحظات حول تطور الأدب المسرحي في هذه المرحلة: [18]

أولاً: استمداد الظواهر المسرحية القديمة في بناء المسرحية كشكل «الحكواتي» أو الراوي الشعبي مثلما فعل سعد الله ونوس في مسرحيته «سهرة مع أبي خليل القباني» (1973م) وثمة أشكال أخرى مستمدة من الاحتفالات الشعبية، إذ أعاد عبد الفتاح رواس قله جي احتفالات العرس والذكر طلباً لمشهدية تتميز بالسلامة والقوة والأصالة في «عرس حلبي» (1984م). وتجري هذه المحاولات، ومثيلاتها، في إطار تأصيل المسرح العربي والبحث عن هوية متميزة.

ثانياً: عناية الكاتب المسرحي بلوازم التجسيد ومتطلباته، والانتقال خطوات واسعة من مسرح الأفكار باتجاه المسرحة. فقط أصبحت غالبية النصوص تحتاط لحاجات التجسيد، أو هي مكتوبة لتلبي طبيعة «المسرحة»، ومن النادر أن نجد مسرحية ما مكتوبة للقراءة وحدها، ومايزال الكتاب البارزون اليوم من المخرجين أو رجال المسرح والأدب الذين عايشوا العمل المسرحي فترة طويلة، مثل علي عقلة عرسان ودريد لحام وسعد الله ونوس وفرحان بلبل وممدوح عدوان ووليد مدفعي.إن أصوات مسرح الأفكار قليلة في خريطة التأليف، ومثالها مسرحيات إلياس زحلاوي وعبد العزيز هلال وأحمد داود.
ثالثاً: انتعاش الكتابة المسرحية في أنواع لم تكن تجد إقبالاً مثل المسرح الشعري ومن أبرز مؤلفيه عدنان مردم بك، وخالد محي الدين البرادعي، وعلي كنعان، والمسرح التسجيلي، ومن مؤلفيه جان ألكسان ومحمد أبو معتوق، وتعالج غالبية مسرحياتهم الموضوعات القومية من خلال استخدام الوثيقة بالدرجة الأولى، ومثل المسرحية القصيرة ذات الفصل الواحد، وبرز في هذا المجال مصطفى الحلاج ووليد إخلاصي وفرحان بلبل وسعد الله ونوس، ومثل المسرح التاريخي، كما فعل ممدوح عدوان وأحمد يوسف داود وعلي ونوس ونذير العظمة.

رابعاً: شيوع النزوعات التجريبية لدى الكتاب الجدد كالتعبيرية والرمزية والانطباعية مما يوقع المسرحية أحياناً في الالتباس أو الغموض أو الإبهام، ونذكر من هؤلاء الكتاب على سبيل المثال أمين صالح وغازي حسين العلي وسامي حمزة وفيصل خليل، ومثل هذه النزوعات تصب في وضعية التأليف المسرحي: انقطاع صريح عن تراث المسرح من جهة، واحتفال شديد بفكرة عصية على التجسيد من جهة أخرى. بينما ظهر كتاب جدد آخرون يتميزون بالوضوح الفكري والاستجابة السياسية والاجتماعية المباشرة مثل محمد أبو معتوق ورياض سفلو ولؤي عيادة.

خامساً: استغراق العروض المسرحية في العقد الأخير في كتابة المؤلف أو المجموعة المسرحية المباشرة على سبيل الكتابة للعرض المسرحي دون الاعتماد على نص أدبي مكتوب، فصارت العروض المسرحية المعتمدة على نصوص أدبية قليلة أو نادرة، على الرغم من وفرة النصوص المسرحية المكتوبة. ولعلي أورد ثبتاً للمسرحيات المكتوبة والمنشورة مما يؤيد فاعلية تطور التأليف المسرحي، وقد اعتمدت على الفهارس التي أعدهاالدكتور أحمد زياد محبك حتى عام 1985، وأكملتها بنفسي حتى عام 2002، مثلما عدّلت بعض المعلومات الواردة.

سادساً: تنامي عمليات التأليف النقدي والبحثي حول المسرح العربي المعاصر تنظيراً وتطبيقاً، ومعاينة حول مختلف الظواهر والقضايا في الجوانب الكثيرة لواقع المسرح العربي المعاصر. وكنت نشرت ثبتاً بالكتب المؤلفة كلياً أو جزئياً عن المسرح العربي في سورية وعلائقه المحلية والعربية والعالمية، وتقصيت حركة التأليف حول المسرح حتى عام 2002 للتعرف إلى أمداء التطور النوعي والكمي.

مهرناز مويسات:
خريجة جامعة آزاد الإسلامية في کرج، إيران.

Department of Arabic Literature, Karaj Branch, Islamic Azad University, Karaj, Iran.


[1ابن ذريل، عدنان: الأدب المسرحي في سورية، نشر صالة الفن الحديث، دمشق، 1970م، ص42.

[2بلبل، فرحان، المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1984، ص122.

[3إدريس، يوسف، نحو مسرح عربي، الوطن العربي للنشر، القاهرة، 1974م، ص132.

[4المصدر السابق، ص135.

[5كرم، رئيف، في المسرح ومكانته في حياتنا الاجتماعية، مجلة الفكر العربي، بيروت، ع14، آذار، 1980م، ص41.

[6ابن ذريل، عدنان، المسرح السوري منذ أبي خليل القباني إلى اليوم، دارالفکر، دمشق، 1973م، ص72.

[7ابن ذريل، عدنان، المسرح السوري منذ أبي خليل القباني إلى اليوم، دارالفکر، دمشق، 1973م، ص72.

[8بن زيدان، عبد الرحمن، قضايا التنظير للمسرح العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1992م، ص261.

[9المصدر السابق، ص205.

[10قطاية، سلمان، المسرح العربي من أين؟ وإلى أين؟، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1972م، ص72.

[11بن ذريل، عدنان، مسرح علي عقلة عرسان، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1980م، ص62.

[12ابن ذريل، عدنان، رواد المسرح السوري بين أواسط العشرينات وأوساط الستينات، وزارة الثقافة، دمشق، 1993م، ص114.

[13المصدر نفسه، ص121.

[14أطيمش، محسن، الشاعر العربي الحديث مسرحياً،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1977م، ص78.

[15المصدر السابق، ص81.

[16الأدب المسرحي في سورية، ص152.

[17المصدر نفسه، ص153.

[18سليمان، نبيل، النقد الأدبي في سوريا، ج1، دار الفارابي، بيروت، 1980م، ص263.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

ناقدة وباحثة إيرانية، ماجستير في اللغة العربية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى