المغرب الجنّة، المغرب الجحيم

، بقلم محمود سعيد

مارسيا لاينكس كوالي

صدر هذا الصّيف رواية زنقة بن بركة، المكتوبة سنة 1970، لمحمود سعيد. مترجمة إلى اللغة الإنكليزيّة، عن دار إنتر لينك. نيويورك. بترجمة: كاي هيكن.

سي الشّرقي هو الرّواي، وهو الشّخصيّة الرّئيس في رواية زنقة بن بركة. عربيّ جاء إلى المغرب للعمل كمدرّس كالمؤلف، الرّواية لم تذكر اسمه، لكنّنا عرفنا أنّه هرب من الاضطهاد في العراق. تبدأ الرّواية في عطلة الصّيف، في مدينة صغيرة على ساحل مغربي، (يبدو وكأنّه الجنّة). في منتصف السّيتينات "سنوات الرّصاص" كما يطلق على زمن أعقب حلّ البرلمان في المغرب من قبل الملك الحسن الثّاني، ليتم مطاردة الزّعيم اليساريّ بن بركة، ثم اغتياله، لتبدأ بعدئذ حملات القمع والاعتقالات، والممارسات العنيفة الأخرى.

يقدّم الكتاب عالماً برّاقاً، شخصيّات شابة جميلة، ساحرة، شواطئ بديعة مثيرة، علاقات دافئة، عطلة صيف مريحة، لكنّ كلّ ذلك ما هو سوى قشرة برّاقة تخفي طبقات فوق طبقات من الفساد، والفقر، والعنف.

تحت إبط القارئ بالإنكليزيّة الكثير من أسماء الشّخصيات التي يتوجب عليه حفظها مبدوءة بأل كي يحيط بالقصّة، مثل اسم "ال شرقيّ"، "ال شقرا"، و "ال جزائريّ،" بدلا من شرقيّ "، و" شقراء "، و" جزائريّ". كما عليه أن يحيط علماً بالمترادفات التي تعطي معنىً متماثلاً ك: المحمديّة: فضالة. شارع الزّهور: زقاق بن بركة، الرّجل الصّيني: مسيو بورجيه. في الصّفحتين الأولى والثّانية. هذه التّسميات المتعددة هامة، تعكس الهويّات المتنازع عليها، ولكنّها تخلق حاجزا أوليّاً عند القارئ.

تنتهي هذه الإشكالات بعد صفحة 20. بوصول رقيّة، حينئذ تبدأ أحداث الرّواية بالتّدفّق والحيويّة والتّحرّك بقوّة لتصوّر الكفاح في الحبّ والحياة من خلال تشابك شخصيّات تسعى بجهد لخدمة مستقبلها ومستقبل البلاد.
يقع الرّاوي على الفور في حبّ فتاة حسناء لعوب، يصعب فهمها "رقيّة" لأنّها تعلن من جانبها حبّها لسي الحبيب، "أحد القادة السّابقين في المغرب، والذي يخضع آنذاك لرقابة صارمة من قبل حكومة الملك". ولكنّ هناك طرفاً آخر ينازع سي الشّرقي حبّها "سي إدريس"، شخصيّة شبه منحرف، كان مريداً لسي الحبيب في الماضي، وهو الآن من الأثرياء، إنّه يسعى ليثبت انتصاره عن طريق المال.

ومن خلال اكتشاف الرّاوي حقيقة الصّراع بين سي إدريس، ورقيّة، وسي الحبيب، يبدأ الشّرقيّ في معرفة المزيد عن البلد الذي هو فيه. يكتشف فقر عمال المزارع الرّهيب في مزرعة سي إدريس الفاخرة ويكتشف فقر المدقعين في يوم آخر، في مجموعة من أكواخ من الصّفيح، حيث: ينام طفلان صغيران بالقرب من صبيّة في الظّل، يستحمّون في عرقهم، عارون إلا من طبقة من التّراب. الصّبيّة هزيلة، عيناها مرعوبتان، تروح الهواء على الأطفال بقطعة صغيرة من الورق المقوى. خداها شاحبان مشدودان على ألم مخفيّ.

لكنّ ألم الجنة يبدو ليس في شكل الفقر، بل أيضا في اليأس. على الشّاطئ الشّاعري، شاب كامل يراه الشّرقي وهو يتخيّل "كان ينتظر ضربة حظ تحمل إحدى النّساء الأوروبيّات كي تقع في حبّه، تنقذه من البطالة، والخراب، والموت انتظاراً لشيء يأتي ولا يأتي ".

التّرجمة متراصّة جادّة عموما، لكنّها تخفّ في بعض الأحيان فتصبح أشبه بالنّكات المغلقة الإنجليزيّة - مثل إطلاق لقب اللبنانيّ على بطل الرّواية بدل (سي الشّرقي)، فلبنان آنذاك متألّق ساطع في عموم العالم العربيّ. وهناك أيضا عدد قليل من الجمل فضفاضة "بدأا في الضّحك معا في ألفة تعتادها مع أيّ شخص تتحدّث معه."
ولكنّ العمل إن أخذ بشكل متكامل يصبح صورة لمدينة مغربيّة ساحليّة تتموضع في صيف عام 1965، حيث تحدث جريمة قتل غامضة في وسط حوادث رومانسيّة مع شخصيّات أكبر من الحياة.