ملامح الحداثة في كتابات صبري موسى السيدة التى والرجل الذي لم - صبري موسى

، بقلم أمل جمال

إطلاله علي القصة :

عبر كل السنوات التى تتخلل الفواصل الزمنية بين روايات صبري موسي نجده ينسج عالمه القصصي الذي بدأه عام 1958 بـ " القميص لأحد يعلم " 1962، حكايات صبري موسي 1963 ، وجها لظهر 1966 ، ثم مشروع قتل جاره 1970 وأخيراً ( السيدة التى ..والرجل الذي لم ) (1) فبراير 1999 .

نجده ومنذ البداية خلال هذا المشوار الطويل الذي مر فيه بمجتمع ما بعد الثورة وتحولاته ، ومجتمع النكسة بآماله المجهضة ورؤاه المكسورة ثم مجتمع اكتوبر بانفتاحه الذي خلخل الطبقات الاجتماعية وفتح الطريق للكسب السريع والانسحاق البطئ لبعض الطبقات فى المجتمع من ذوي المهن الصغيرة ، ووصولاً إلي مجتمع العولمة أو الكوننة علي حد تعبير البعض ، خارج كل التنظيمات السياسية والإنتماءات الأيدولوجية التى قامت وانهارت أو التى ما زالت قائمة وفي سبيلها للتداعي ، يعيش انتماءه الوحيد للطبقات البسيطة الطيبة فهوعلي حد قول الدكتور غالي شكري " يستضيف العاهرات والسكاري وعاثري الحظ والمطاردين ويتعمد أن يكون هؤلاء جميعا من الناس الطيبين الفضلاء " (2) . تأملوا مثلا قصة " تجمهر " لنري الحاوي الذي يبتلع النار من أجل قروش معدودة وتأتي الشرطة لتفرق الجمهور قبل أن تجمع زوجته النقود بحجة أن ذلك تجمهراً ، قصص أخري عن المومس الفاضلة فى ( القميص ) ، ( الساعة ) ، ( تفاح ) و التغيرات الاجتماعية فى ( علي باغة محلك سر ) و ( البنت الفلحوسة ) و ( استقالة الست أم علي ) وغيرها ومن هذا التحول السريع بين عالم صبري موسي القصصي نجده قد اختار طريقا مضاداً للمألوف الأدبي فى ذلك الحين مقارنة بجيله الستيني وواقعيته الاشتراكية التى ظهرت فى كل الأعمال الستينية والتى تعتمد علي الرؤية الواضحة لفكر معين تشجعه أو تبشر به . ما أقصده هنا بالتحديد هو امتلاك هذا الجيل لرؤية جمالية محددة سلفا . وخروج صبري موسي من دائرتهم ليبحث لنفسه عن ملامح خاصة بل وصياغة خاصة علي مستوي الجملة والبناء الدرامي للأحداث تدخله فى دائرة الحداثة وتشهد له بالأسبقية بين أفراد جيله .

ملامح الحداثة فى كتابة صبري موسي :

لقد أشار ( ستيفن سبندر ) (3) أحد شعراء الحداثة الأوروبية ومنظريها إلي بعض عناصرها فى سياق التمييز بين الحديثين ( Moderns ) والمعاصرين ( Contemporaries ) فوصل المعاصرين بما أسماه بالأنا الفولتيرية ( Volteren I ) التى تنطوي علي الأقانيم الأساسية لمفهوم الكاتب المصلح المبشر وما يقترن بهذا المفهوم من إيمان الكاتب بنوع من النبوة يجعل منه مبشرا بعقيدة ليست من صنعه فى آخر المطاف . ووصل سبندر الحديثين بما أسماه الأنا الحديثة ( Modern I ) تلك التى تعيش العصر الصناعي دون أن تذعن لمحتواه وتمارس اختيارها فيه معاناة تتمرد بها علي هذا العصر علي نحو يجعل من ابداعها نتاج عمليات لا واعية وممارسة لحس نقدي فى الوقت ذاته . قد يسهم الكاتب المعاصر فى الصراع الدائر فى عصره فيما يقول ( سبندر ) ولكن اسهامه يظل مرتبطا بقواعد العصر مذعنا لقواعد اللعبة التى وضعت له فإسهامه نوع من الرقص فى السلاسل وعلي عكس ذلك الكاتب الحديث الذي ينظر إلي أوضاع عصره بوصفها كلاً رافضاً حتى الإذعان للرفض داخل قواعد اللعبة الموضوعة سلفا ولذلك فهو ليس نبيا واثقا من صحة عقيدته التى ليست من صنعه ولكن خلقه كصنعه ينطوي علي حس الشك أو مراوغة السخرية . والكتابة الحديثة هي فن المراقبة الواعية للحدث والملاحظة اليقظة للشروط ، التى تنسرب فى الحساسية ، علي نحو ينطوي فيه الحس الناقد علي نقد ذاتي ساخر ، ولذلك كان هذا الحس النقدي الساخر عنصراً حاسما فى تمييز الحداثة عن المعاصرة ) .

وانطلاقا مما سبق فإننا نلاحظ بما لا يدع مجالاً للشك أن أعمال صبري موسي الأدبية بدءاً من الستينات وحتي الآن عبارة عن عملية بحث دائم بل وعملية شك أيضا ومراجعة ، وإعادة نظر فى ترتيب القيم والنظام السائد للعلاقات وما يستجد من مداخلات نتيجة تغيرات سياسية أو ثقافية واردة ، وعملية البحث هذه لا تمنحه البديل مثل قصص ( لست متأكدا ) ، ( فى الغربة ) ، ( الفضيحة ) وغيرها من القصص الجميلة وهي ذاتها صراع مع المعوقات غير المنظورة . أشباح القبضان والإذلال هزيمة الحس الإنساني فى الأفراد والمشروعات والعلاقات . فهو يكتب بل يبحث عن جسر بين الحاضر المهزوم .. والمستقبل الغائب ملخصا فى عبارة واحدة رؤيته ( أنت تكتب .. أكتب للأجيال القادمة ملخصا لتاريخ العالم ، وأهم النظريات العلمية والفنية ليكون لديهم شئ يبدأون به .. وضعه فى زجاجة ، وألقها فى البحر) فماذا إذن عن ( السيدة التى والرجل الذي لم .. ) باعتبارها أحدث ما كتبه صبري موسي ؟!

إذا تصفحنا المجموعة بسرعة سنجد ثلاث عشرة قصة بانتظارنا لكل منها عنوانا خاصا بها لكنها بشكل عام تقع تحت معني كبير " للالتباس " ، الذي لا يتحقق حتما إلا بالعديد من المفارقات ، التى لا تخلو من الكوميديا خمس قصص تعتمد علي الالتباس بشكل رئيسي وتام وهي ( التباس ) ، ( امرأة فى رحلة ) ، ( وحشة ) ، ( رجل وامرأة)، ثم ( الوولف ) وتدخل حيز الكوميديا ثلاث قصص هم ( هابي كريسماس ) ، ( الأب والابن والحمار ) ، ثم ( السيدة التى .. والرجل الذي لم .. ) يتبقي من القصص ( الأحلام ) ، ( الزيارة ) ، (ذكريات)، ( فاعل خير ) ، ( هواجس ) وجميعها تعتمد علي المفارقة بشكل رئيسي .

لقد أدرك صبري موسي مهمة الفن وهي أن يعيد إلينا الوعي بالأشياء التى أصبحت مألوفة لوعينا اليومي المعتاد . لينتج أثر التغريب الذي عنى به الشكليون الروس ويوضح شكلوفسكي ذلك فى دراسته ( الفن تقنية ) (4) بقوله : " إن غرض الفن هو نقل الإحساس بالأشياء كما تُدرك وليس كما تُعرف ، وتقنية الفن هي إسقاط الألفة عن الأشياء أو تغريبها ، وجعل الأشكال صعبة وزيادة صعوبة فعل الإدراك ومداه لأن الإدراك غاية جمالية فى حد ذاتها ولابد من إطالة أمدها " .

شخصيات ملتبسة – واقع ملتبس :

فى قصة ( إلتباس ) ندخل حياة أسرة مصرية معاصرة يعاني فيها الأب من الوحدة والعزلة . فالابن يعيش فى نفس المدينة ( القاهرة ) فى شقته الخاصة ، والبنات المتزوجات يكتفين بتحية الأب عندما يحضرن ولا ينتظرن إجابته ، ويثرثرن طويلا مع أمهن . يرصد صبري موسي حالة كبار السن فهم عندما يشيخون يصبحون متشابهين فى إحساسهم بالوحدة والعزلة . نجد ذاكرة الأب تختلط فهو ينادي زوجته وكأنها أمه، وينادي شقيقاته المتوفيات من سنين بعيدة كأنه يبحث عن دفء الماضي الجميل ، يختلط المكان أيضا عنده فهو لا يفرق بين منزله واللوكانده ، يلتبس عنده الزمان الماضي بالحاضر وتلتبس العلاقات الأسرية نفسها ، ويمتد هذا الالتباس إلي باقي الشخصيات ( صديق والده ) ،( وزوجته ) ليصبح القانون العام هو الالتباس .

فالسيدة توافق علي استبدال زوجها بصديقة الذي يشبهه فى وجود زوجها الحقيقي الذي لم يعد زوجها بقانون الاستبدال بل أصبح زوجاً لزوجة زوجها الحالي .

والتى لا تعرف عن هذا الاستبدال شيئا بالمرة . وتأتي قمة الفنتازيا من الابن ( الصحفي ) عندما يأخذ صديق والده إلي أمه . ربما يلتبس عليها الأمر هي الأخرى . في ظل قانون الالتباس العام الذي أصبح بديلا للثوابت والقوانين الاجتماعية الراسخة الواضحة .

أما ( امرأة فى رحلة ) . فنقف علي فواصل اليقظة والحلم معا . نقف ونحن لا ندري زمن القصة الملتبس منذ اللحظة الأولي ولا ندري أيضا وحتى النهاية هل هي متزوجة وما زالت تفكر فى الطلاق ، هل تخون زوجها مع رجل له نفس سنها ولكنه أقل مجداً من زوجها ، هل تم قطع هذه العلاقة واستبدالها بأخري ؟ أم أن كل هذه المشاعر عن رحلة داخلية فى أرض الأحلام . فها هي السيدة تفتح نافذة علي الذاكرة المضادة فتهرب منها كوامن الذات العاجزة عن تغيير واقعها المحبط الذي لا تمل تأمله ورصده ، فتخرج كل مكنوناتها من آمال وتوترات ورغبة فى التغيير عبر الحلم الذي هو بنص فرويد " طريقة للتعبير عن المخاوف والآمال والرغبات الموجودة فى اللاشعور " (5) .

وتشترك قصة ( وحشة ) فى الحالة الحلمية الكابوسية نتيجة إلتباس الواقع بالحلم . فالراوي هنا هرب من واقعه المأزوم إلي السفر الذي أصبح بدوره كابوسا فى اللاوعي فتري الشخصيات فى القصة بلا ملامح ( كانت المرأة الممسوخة ) ، ( كانت بجوارنا أمرأة أخري وفتاة أخري ممسوختين ) نري الواقع الذي يهرب منه الحبيبة التي تنتظر وتركها لا أعرف هل سيعود إليها أم أنه لن يستطيع العودة إليها ويستيقظ من كابوس الحلم لكابوس الواقع الذي جعله يسكن فى غرفة داخل منزل لسيدة وابنتها كانتا تثرثران فى الصالون عندما فتح عينيه .

تقوم قصة ( الوولف ) أيضا علي الالتباس بشكل رئيسي بين الكلب والشاب الذي يعلب الراكت ، علي الشاطئ مع صديقته التى تجيد اللعب . يرفض الكلب الوحدة والعزلة ( كان ينبح فى الأرض الخالية حيث لا إنس ولا جن ) كان ينبح ليزيل عن نفسه الشعور بالوحدة يريد الكلب كسر الوحدة فيذهب إلي الشاطئ يقترب من الصيادين يرفسه أحدهم بقدمه ، يشترك فى لعبة فيضربه الشاب ويبكي الكلب ويجري ثانية إلي الصحراء دون أن ينظر خلفه ، يحدث الالتباس هنا نتيجة ضحك الفتاة ( يعتقد الكلب ذلك أمراً مبهجا فيكرره ) ويعتقد الشاب أنه يعانده فيضربه فيبكي يفهم الشاب مقصد الكلب وعندما يذهب إليه ليلعب معه يعتقد الكلب أنه سيضربه ويهرب مفضلاً الوحدة ثانية أو انهزامه وحيدا واستكمالاً لدائرة الخروج من الوحدة تأتي قصة ( رجل وامرأة ) حيث يوجد رجل وحيد فى بيت فارغ ، وفراغ موحش . تدق هاتفه فتاة برقم خطأ . وربما تكون مخطئة أيضا ، سيدة إلتبس عليها صوت حبيبها فلم تندهش تغير صوته ولم تندهش أيضا من نسيانه لموعد ومكان اللقاء المعتاد هل يستمر الالتباس كل هذا الوقت أم لأن الالتباس أصبح هو القانون ؟ ولذلك قرر الرجل الذهاب للزمان والمكان المحددين بثقة غامضة إنها لن تندهش أيضا عندما تجد شكله مختلفا أيضا عن حبيبها .

من أين أتت ثقة الراوي هذه ؟ من إيمانه بأن الإلتباس أصبح هو قانون العلاقات العام فى عصرنا الحالي . فهو بديل الثوابت الاجتماعية علي مستوي العلاقات الأسرية والأحلام التى لا تتحقق ، محاولات الفرار من الواقع المحبط دون جدوي . فعلاقة الفعل ورد الفعل أصبحت بلا قانون حتي إن الإنسان لم يعد قادراً علي تلقي أو فهم علاقة صحيحة كما يقصدها الإنسان الآخر وربما كان ذلك نتيجة للمتغيرات العصرية والثقافية علي عتبات القرن الواحد والعشرين .

العبث :

نظراً لطبيعة القرن العشرين التى تعتمد علي غياب المطلق والثابت ونسبية الوجود وتغيره ، نجد الكثير من الكتاب مثل : سارتر وبرخت وبيكت وجويس ، قد انصرف إلي تصوير عبثية الحياة .. فى غياب المطلق والثابت ، فصوروا إنسان القرن العشرين بموقفه ( المضحك الباكي ) مؤكدين عبثية كل شئ بعدة أساليب منها التهكم والسخرية والمفارقة التى تعتبر الفكرة الأساسية التى قام عليها هذا المنهج . لجأ أيضا كتاب هذا الاتجاه إلي أجواء الحلم ومحاولة تقديم احساس حدسى تخميني وهاتان السمتان كانتا واضحتين فى مجموعة القصص التى تحدثت عنها قبل قليل . أما فيما يخص تيمة المفارقة التى هي محور العبث فكانت هي السمة الرئيسية لعدد من القصص منها (الأحلام ) البنت الجميلة تريد الزواج بفارس أحلامها الذي لم تتوافر صفاته فى العدد الهائل من الخُطاب الذين يريدون الزواج منها وعندما تتعبها الحيرة وانتظار فارس أحلامها الذي لا يجئ ، تلجأ للحيلة ، وتعقد كل آمالها عليها فتخرج لها الورقة بيضاء بلا أسماء ، لتعود بعبثية شديدة إلي نقطة البداية . التى تردها إلي منطق الواقع علي لسان أمها وصديقتها بقولها ( كلنا نحلم بأوهام ) إذن لا داعي للحلم فى هذا الواقع الذي لا يقدم أحياناً سوي اللاقانون أو العبث .

قصة ( الزيارة ) يظل المهندس يحلم بزيارة الزائر الكبير ويبني أحلاماً كثيرة حول هذه الزيارة التى ستنهي جميع مشكلاته ، علي المستوي الإنساني والوظيفي وعندما يأتي الزائر الكبير ويوشك الحلم أن يتحقق نجده يمضي ولا يقدم أية حلول لأي شئ بل إنه حتى لا يناقش أي شئ وعاد من حيث أتي ليفقد المهندس كل أحلامه ومعها نظارته الثمينة ومن ثم يعود إلي نقطة ما قبل البدء أكثر انهزاماً وأكثر أحباطاً وفي ( ذكريات ) يقدم لنا صبري موسي مواجهة بين الماضي السعيد فى الذاكرة والحاضر الصادم الغير متوقع، مما يبعث بالكثير من الإحباط البطل يعود محملاً بالحنين بعد أربعين عاماً لبلدته فى أجازة المصيف لكن الواقع بمنتهي العبثية يثبت له أنه لم يكن علي حق فى ذكرياته الثمينة وبنفس السمات تبدأ سلسلة المفارقات فى قصة (هواجس) فتبدأ عندما يسير فلاح من كفر دياب إلي الأستاذ صفي الذي يقود سيارته عائداً إلي القاهرة . وعندما يذكر اسم القرية يوقف الأستاذ صفي السيارة ويقرر أن ينزله بسرعة خوفا من الموت وعندما لا يجد معه أسلحه يعود إليه بالسيارة مقرراً أن يوصله إلي أمه المريضة وعندما يصل معه للقرية يقابله أبناء عمه بفنجان قهوة به الموت الذي هرب منه فى شكله العادي والمتوقع . وكأنه يقول لنا علي طريقة العبثيين لا تنتظروا الموت فى أماكنه العادية فهو يكسر المنطقية لأن العبث وحده هو منطق الحياة ( " أنظر قاتل بلا أجر " ليونسكو )

وفى قصة ( فاعل خير ) تأتي المفارقة الأولي مع العنوان الذي يؤهلنا لرجل فاضل وخير ما سيفعله هذا الرجل . الذي نكتشف أنه قاتل محترف وأن الخير هذا فعل قتل وقد كنا ننتظر فعلاً خيراً يصل به إلي حالة التطهير الأرسطي التى مهد لها بأنه يبحث عن عمل صالح ينهي به حياته وعندما يقتل الأرسطي التى مهد لها بأنه يبحث عن عمل صالح ينهي به حياته وعندما يقتل الفتاة تشكره الأم وتتمتم له بالدعاء بينما هو يجهز لها الافطار ويعطيها حماره ويقوده لها عائداً بها إلي قريتها وقد تخلصت من عارها . وهنا يجدل لنا صبري موسي المعقول باللامعقول ويترك لنا التأمل باحثين عن القانون المفقود ، أو المطلق الغائب الذي يجعلنا نتحسر علي هذا الغياب وهو ما يقصده العبثيون من اتكائهم في الكتابة علي عنصر المفارقة .

الكوميديا :

يلجأ كتاب العبث إلي الكوميديا التى تولدها المفارقة الحادة والتضاد الجذري بين التافه والمستحيل ، بين الرقة والدمامة بين المضحك والمأساوي وهو ما يولِّد الفارس التراجيدي المضحك الذي يصبغ هذا الضحك بصبغة مأساوية قاسية وفظة .

واستخدام عنصر الكوميديا أو الضحك يشحذ وعي القارئ لإدراك التناقض بين عنصرين علي عكس التراجيديا التى تستلب وعي القارئ لمصلحة رؤية معينة للعالم توهمه بها .

والكوميديا فى هذه المجموعة تتجلي بوضوح فى (هابي كريسماس) ( الأب والابن والحمار ) ، ( السيدة التى والرجل الذي لم ) .

( هابي كريسماس ) تحكي بشكل كوميدي عن مغامرة ديكين روميين مع سائق عربة اليد الذي يحملهم فوق قفص دجاج ويذهب بهم جميعا إلي سيدة فى جاردن سيتي لحفل عشاء الكريسماس . فيصور لنا معركة غير متكافئة بالمرة بين ديك رومي والرجل بلا ذنب اقترفه الديك غير الانزلاق والسقوط من فوق قفص الدجاج فيضربه الرجل بمنتهي القسوة ( الديك يميل مع حركة العربة التى يجرها الرجل فيهتز فى المطبات فتفلت رجله من فوق القفص فيسقط ) الديك لا يفهم لماذا يضربه الرجل أساساً ولا يعرف كيف يدافع عن نفسه . ولكنه بشكل آلي حين تهتز العربة يقترب منقاره من رأس الرجل فينقره ، فيتصور الرجل أن الديك يناصبه العداء ، فتشتعل المعركة من جديد . لا يكتفي صبري موسي بذلك فقط وإنما يصور لنا حواراً ضاحكاً بين الديكين وأيضا قراءة الدجاجة فى الجرنال الذي يغطي أرضية القفص حادث القبطان الذي مل البقاء علي السطح المهتز وفضل الجلوس علي مقهي عادي فى بور فؤاد لتعتقله السلطات المصرية وتعيده ثانية إلي السطح المهتز فكل من يحاول الهروب من هذا الذنب وتجنبه يُعد مذنبا بشكل أو بآخر ولذلك فمحاولة الهرب منه يعاقب عليها بالعودة إليه . لتأتي جملة تصور بشكل رمزي أن الموت هو الوحيد طريق الخلاص وعلي لسان الديك ( رأيتهم جميعا يرقصون عندما حدث لهم ذلك ) .

ما الذي يدعو للرقص عند الموت ؟ ولماذا المزاوجة بين الديك والقبطان والسفينة والحياة كلها ؟ أما المفارقة الكبري أن كل ذلك يحدث فى الشارع والسيدة تُعد بطاقات الدعوة للأصدقاء وتسأل زوجها عن الويسكي وكأن العالم ليس به مشاكل علي الإطلاق والحياة وردية جداً .

أما قصة ( السيدة التى والرجل الذي لم ) والتى تحمل عنوان المجموعة فتعتمد هي الأخري علي المفارقة الضاحكة فالسيدة بعد أن تدخل سريرها وتنام هي وزوجها ، تتركه نائما وتخرج لجنوحها وعندما يكتشف ذلك يصدمنا برد فعله . فالسيدة ( صفية ) تخرج بعد أن ينام زوجها وفجأة يكتشف خروجها ويظن بها الظنون ويخبر أهله وأهلها وعندما يعود لشقته يجدها نائمة فى سريرها ليظن كل الموجودين أن عقله قد اختل فهي تنكر أيضا خروجها أمام الجميع . ويحدث ذلك مرة أخري فيمسك بها وهي داخله إلي المنزل هذه المرة ويظل يهددها ويلين لها القول وهي لا تعترف وأخيراً تحكي له قصة وهمية لا يصدقها طفل لتبرر له ممارستها للبغاء وتخرج له الدولارات من حقيبة يدها ليصبح دليل الإدانه هو دليل البراءة ليقول لها بمنتهي البراءة أو البلاهة ( منك لله يا صفية .. شغلتي بالي وخلتيني أفتكر فيك شئ بطال ) .

أما ( الابن والأب والحمار ) فهي تمثل فعلاً الفارس التراجيدي الكوميدي شدوان الفقير الذي يعرف حدود قدراته المالية التى هي 2 جنيه يدخرهم لغدر الأيام . وشدوان الضمير الذي أطلق عليه صبري موسي ( المعلق من عرقوبه ) ( فى عجلة الحياة ) وكأنه سيزيف مصري لا ولن يستطيع أبداً إيقاف العجلة ولا استعادة رأسه لأعلي ورجليه لأسفل حتي ولو لبعض الوقت . وهو رمز قطعا له دلالات كثيرة عند تعدد مستويات التلقي .

المهم أن شدوان يذهب بأبيه إلي عيادة طبيب خاص بآخر 2 جنيه لديه يحمل والده علي الحمار ويذهب للطبيب ( بعد أن سئم من الذهاب إلي عيادة كل الناس التى تعطي علاج جميع الأمراض ) ويقرر الطبيب إجراء جراحة عاجلة للوالد تتكلف عشرين جنيها لا يمتلك منها سوي جنيه واحد فيقرر المعلق من عرقوبه بيع الحمار . ويبيعه فعلاً وعندما يعود يدس الطبيب النقود فى جيبه ويخبره أن الجراحة نجحت لكن العجوز ( مات ) . يحمل شدوان جثة والده علي كتفه ويعود من نفس الطريق الذي حضر منها ووالده علي الحمار صباحاً . وهو يشعر بمنتهي القهر ويبكي بحرقة ( قمة التراجيديا ) إلا أنه من عمق هذه التراجيديا يولد الكوميديا وهو يقول ( أنا أعرف العجوز جيداً . لم يشأ الرحيل قبل أن يأخذ حماره معه ) .

حول السرد :

إذا استحضرنا نظرية باختين من حيث تعدد الأصوات فى الرواية والقصة القصيرة ، وتعدد اللغات حسب الشخصيات والحوار القائم بينهم نجد أن هناك نوعين ، أحدهما يحمل رسالته بشكل مباشر وواضح والآخر تبدو رسالته غائمة ، وغير واضحة وتحتاج إلي بعض التأويل من القارئ الذي يعنيه صبري موسي بالدرجة الأولي . ولذلك فهو يستخدم النوع الثاني وهذا يتضح جليا من حالة الالتباس التى تلف معظم القصص والمفارقة أيضا التى يقول عنها كير كجارد : " إنها أسلوب متفوق ينظر إلي الأساليب العادية باستعلاء وترفع " وذلك لأنها تضعنا دلاليا علي " الحافة المسنونة فى الموقع الوحيد الذي يتيح لنا رؤية الجانبين فى لحظة واحدة " (6) وهنا يجب أن نرجع إلي ملامح الحداثة التى تحدثت عنها قبل قليل .

ويجب أن نشير أيضا إلي اختفاء الراوي العالم بكل شئ ، الموجود فى كل قصة ليؤكد ذاته . ووجود أكثر من راوٍ . الأول يصف من الخارج وهو موجود فى كل القصص تقريباً والثاني يتحدث بضمير المتكلم عن تداعياته مثل الأستاذ صفي فى ( هواجس ) ، السيدة فى ( امرأة فى رحلة ) ، ( وحشة ) وغيرها . وحتى هذا الراوي ليس راويا واحداً، لأننا نجده ينتقل من تداعيات الشخصية إلي تداعيات شخوص أخري منفصلة عنه داخل القصة يتضح ذلك من قصة (وحشة) علي سبيل المثال والتى ينتقل فيها الراوي من تداعياته إلي تداعيات حبيبته وحوارها مع صديقتها عن حبيبها الغائب .

أما الراوي الثالث الذي يقص بضمير الغائب فهو يحكي بشكل موضوعي محايد لا يشارك فى الأحداث ولا يُعلق مقحما نفسه فى الحدث مثل ( فاعل خير ) ، ( الوولف ) و ( الزيارة ) .

وهنا يجب أن نلاحظ أن :

1- نماذج القصص التى استشهدت بها لتمييز أنواع الرواة الثلاثة ليست مقصورة علي نوع الراوي الذي ذكرته باعتباره مميز لها وإنما فقط لأن وجوده له الغلبة علي النوعين الآخرين أو أحدهما المشارك معه فى النص .

2- لقد ترك صبري موسي الحرية للشخصيات لتعبر عن نفسها بلغتها الخاصة ووجهة نظرها التى قد لا تتفق مع وجه نظره هو كمؤلف. بل إن حواراتها تتسم بسمات لهجتها هي لتعطي المصداقية التى يجب توافرها فى العمل الفنى ، انظروا مثلا حوار الصحفي مع والدته وحواره مع زوجة صديق والده ، نجد أن لغة الأم تختلف عن زوجة صديق والده . يختلف عن لغة صفية فى ( السيدة التى ) وحوار الأستاذ صفي مع الفلاح تختلف لغته في بنيتها عن لغة الفلاح . أو الصحفي فى ( التباس ).

ينفلت من هذه القاعدة فقط حوارات المعارك بين الرجل الذي يجر عربة اليد والديوك الرومي فى ( هابي كريسماس ) والتى جاءت بالفصحى بدلاً من العامية التى توقعتها ملائمة أكثر للشخصية ( والله لأحطمن رأسك وأقصف رقبتك .. إلخ ) لا أخجل من اعترافي بأنني لم أفهم قصد المؤلف من اختيار الفصحى وأيضا لم أفهم سبب كتابة الأربعة سطور الأولي من قصة ( امرأة فى رحلة ) والتى بدت وكأنها تمهيداً لما سيقابلنا من تداعيات يلتبس فيها الزمان والمكان والحدث فى المنطقة الفاصلة بين الوعي واللاوعي .

3- لعبة الأقنعة إن صبري موسي فيما قدمه لنا فى هذه المجموعة لم يقتصر علي القص فقط دون أن يعبر عن وجهة نظره كشاهد علي العصر فاستخدم لعبة الأقنعة مثل كُتاب العبث فها هو يختفي خلف قناع الأستاذ صفي ( هواجس ) ليعبر عن وجهة نظره فى المجتمع ( يلوم المدينة والمدنية والطموح والحضارة والوزارة والرجعية والإقطاع والانفتاح والثورة والثقافة والمثقفين ) (7) . وقناع خال الأستاذ صفي ليعبر عن غضبه " نحن الآن نزرع التفاح والأناناس والفراوله ..ثم نستدين لنشتري القمح الذي نصنع منه خبيز اليوم " (8) .
وتحت قناع المهندس ينتقد من الحياة العصرية ( مصاريف الدروس الخصوصية للأولاد الذين لا يتعلمون شيئا فى المدارس ، والرسوب الوظيفي والبيروقراطية ) وتحت قناع الضمير يحتضن الفقراء فى قصة ( الأب والابن والحمار ) فهم يبرز لنا صورة الفقراء فى ( عيادة كل الناس ) التى يذهب إليها المعدمون فيعطونهم ( علاج كل الأمراض ليستمر الألم ).

سينمائية القص :

( البوسطجي ، الشيماء ، رغبات ممنوعة ) وغيرها من السيناريوهات التى كتبها صبري موسي وتميز فيها تركت أثرها الواضح فى كتابته للقصة والرواية وعلي مستوي هذه المجموعة تظهر الكثير من تقنيات السينما فنجد مثلا بلاتوه كامل ( الطريق الزراعي ) فى قصة ( هواجس ) ، بل ونكاد نسمع صوت سيارة الأستاذ صفي فهو ( أوقف سيارته وعاد بها إلي الخلف حتي حاذي الرجل وما كاد يتوقف حتى اندفع الرجل وفتح باب السيارة متهللاً ) (9) . أيضا اللقطة الأخيرة فى القصة لحظة وصوله لكفر دياب وشربه لفنجان القهوة لتسقط رأسه علي صدره من أثر المخدر Close upوفى قصة ( سيدة فى رحلة ) والتى تعتمد أساسا عي عوالم حلمية قائمة علي أحلام يقظة أو الـ Flash back أيضا متابعة الكاميرا لدخول السيارة إلي مقر عملها وخروجها ثانية وركوبها ثانية لتاكسي ما تلبث أن تظهر من جديد من مدخل المبني وتنادي تاكسيا تركبه ، ثم تتنهد وهي تريح رأسها علي مؤخرة مقعده بينما ينطلق بها فى اتجاه مختلف (10) .

فى وحشة أيضا يرسم كادراً سينمائيا كاملاً ( فى الأول ظهرت أنا بين يدي امرأة تدلك ظهري وكنت عاريا وكانت المرأة ممسوخة ليس لها ملامح ) (11) .

ويستكمل الوصف مستخدماًFeed in والFeed out ليظهر الراوي باستخدام حركة الكاميرا Feed in ووجه السيدة والبنت والرجل باستخدام الـ Feed out يبدو بلا ملامح .
وفي الوولف تظهر لقطة بانورامية Panoramic للشاطئ كله ثم تتابع الكاميرا حركة الكلب بعد ذلك وأيضا تقنية الـ Zoom لنري دموع الكلب . وعندما يختزل من الزمن أربعين عاما فى قصة ( ذكريات ) ليعود إلي أيام المذاكرة والمدرسة وأيام الطفولة ليقارن عن طريق Flash back بين الواقع الحالي المشوه وذكريات الماضي الجميل .

أخيراً :

أري أنه من المهم الإشارة إلي أن هناك خمس قصص من المجموعة قد نشرت من قبل فى الأعمال الكاملة الصادرة فى التسعينات عن هيئة الكتاب المصرية . وهي ( هابي كريسماس ،فاعل خير ، ذكريات الوولف والسيدة التى والرجل الذي لم ) والرائع فى الأمر أن اختيار هذه القصص لتنضم إلي باقي المجموعة لم تثر فنيا أية ريبة لأي فاصل زمني فالأحداث طازجة تحمل فكر وحرارة اليوم وذلك لأن معين الكتابة لدي صبري موسى والذي اتسم بالحداثة منذ بداياته يجعل فكره وقلمه يحفران بدقة ملامح عوالمه الكريستاليه دائمة البريق .

قائمة المراجع

1- صبري موسي ، السيدة التى والرجل الذي لم ، الهيئة العامة لقصور الثقافة سلسلة أصوات ، فبراير سنة 1999 .

2- غالي شكري ، مقدمة الأعمال الكاملة لصبري موسي ، الجزء الرابع ، ص 23 .

3- Stephem spender , the struggle of the modern , Hamish Hamekton , London , 1963 .
4- رامان سلدن ، النظرية الأدبية المعاصرة ، ترجمة د. جابر عصفور ، دار قباء .

5- برنارد الأسطة ، القاموس العام فى تفسير الأحلام ، بيروت ، دار ميوزيك للصحافة والطباعة والنشر ص 20 .

6- صلاح فضل ، أساليب السرد فى الرواية العربية ، هيئة قصور الثقافة ، كتابات نقدية 1995 ، ص 34 .

7- صبري موسي ، السيدة التى والرجل الذي لم ، الهيئة العامة لقصور الثقافة فبراير 1999 ، ص 30 .

8- نفسه ص 30 .

9- نفسه ص 31 .

10- نفسه ص 62 .

11- نفسه ص 89 .