الحساب والعقاب كما افهمهما

، بقلم وليد رباح

لست شيخا او قسا أو رابايا أو راهبا بوذيا ولا معمما سيخيا ولا احب أن اكون .. فالمظهر الخارجي لكل اولئك لا يعجبني فشكلهم يدل على انهم آتون من الفضاء الخارجي .. وقد يستفاد منهم فقط في افلام هوليود.. فلم يرد في النصوص الدينية والالهية لباسا مميزا لرجل الدين .. وانما اختاره اولئك الذين يودون ايقاع الرهبة في النفوس منذ بدء التصاقهم بالاديان.. ودرج على لبسه من بعدهم لانهم رأوا فيه ضالتهم من حيث الرهبة والتخويف والتميز ..و ان اولئك اكثر الناس عذابا يوم القيامة اذا لم ينتفع الناس بعلمهم .. وانا لست عالما كي ينتفع الناس بعلمي .. فالعلم عندي هو المخترعات الحديثه المبنية على التجربه .. ولم اخترع في حياتي حتى(قطة دمية) بذيل يتحرك ميانيكيا.. أما العلم الديني فذلك في نظري ليس علما، وانما اجتهادا لانه يعتمد في عقله على الغيبيات وليس التجربه المحسوسة .. خاصة في الامور التي لم يرد فيها نصوص تفصيليه .. فلقب (عالم ديني) على من هو متبحر فيه انما هو اجتهاد لانه يعتمد في عقله على الغيبيات .. ولكن عقلي (القاصر ) يقول لي: اذا كان عالم الدين ايا كان دينه يفتي حسب فهمه للامور مع التزامه أحيانا بظروف الزمان والمكان .. وقد يصيب أو يخطىء.. واذا كان التخيل في موضوعة الترهيب والترغيب تعتمد على فكر المجتهد .. فلماذا لا ادس انفي لآقول ما افهمه وقد اصيب أواخطىء ايضا .. ( مع الاعتذار للسلفيين الذين يسمون اليوم بالتلفيين)!!

واني لاعتقد ان الدين ايا كانت تسميته هو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ( الدين المعامله ) وليس صياما وصلاة وحجا واعتمارا وايمانا بالغيب فقط .. فليس في الدين من المحسوسات ما يدلنا على صحة اعتناقه .. وانما هو الايمان الذي يكتنف الانسان فيلقي احماله وهمومه على القوة التي يؤمن بها .. وقد يخالفني البعض فيشتمني .. وقد يرضى آخر فيفكر فيما اقول ..

فكم ممن يعتنقون الديانات الوضعية أفضل في تعاملهم مع الناس والبشر والحياة ممن يعتنقون الديانات السماوية .. مما يجعلنا نؤكد ان الديانات سواء كانت سماوية او وضعية تنهل من منبع واحد .. وانها تعتمد على الايمان بدين المتلقي ..وكم اضحك هازئا ممن يقولون ان اتباع دينهم هم ممن يدخلون الجنة فقط .. اما الاخرون فمأواهم النار وعذاب الجحيم ..

وبما أن كل الاديان على مختلفها سواء كانت سماوية او وضعية .. تستحضر النار والجنة والحساب والعقاب كل حسب رؤية كتابه .. وبما انني اؤمن بذلك لسبب بسيط جدا دون غيبيات.. هو ان هذا الكون الفسيح المعقد المترامي والمنظم من صنع خالق واحد لا شريك له .. والا لتقاتلا وتصارعا واختلفت وجهات نظرهما وضاع الخلق بين هذا وذاك .. وبما أن تصور التفصيلات في الجنة والنار مختلفة في كل الاديان مع اتفاقهم على الشي والحرق وتغيير الجلود والخلود في النار .. والنعيم المقيم مع تفصيلات لم يذكرها كتاب منزل في ماهية الجنة .. سوى ما يقوله البعض من فواكه الجنة وعنبها وخمرها وحورياتها ونعيمها .. ويقيسون كل ذلك بتخيلات ربما كانت مستهجنة مثل ان حورية الجنة التي يمتلكها الرجل شفافة ترى الماء (يخر) من مريئها عندما تشرب مع اننا نعرف ان كل الاديان لا تعطي تفصيلات في هذاالمجال .. وان الحوريات من الملائكة ورد انها لا تأكل ولا تشرب .. فاذا كان الرجل يمتلك من الحوريات ما يعجبه فلماذا لا تمتلك المرأة المؤمنة ايضا ثلة من (الحواري) الذين تعجب بهم.. مما يعطينا دلالة واضحة على ان التفصيلات والتخيلات في الجنةوالنار من صنع الرجال (وهم اكثر من النساء) في تفصيل الفتاوي والتخيل الا ما ندر . وجلهم انانيون يريدون لانفسهم ما لا يريدونه لزوجاتهم او بناتهم او امهاتهم ولا بأس من ان يذهبن الى الجحيم ..

اذن .. فاني اعتبر ما ورد في الكتب السماوية بل وحتى الوضعية عن دخول الجنة او النار والتفصيلات فيهماصحيحا دون اضافات آدمية أو (عنعنات) ترهيبية ..( تلك الاضافات التي تقول لك ان حبة العنب بحجم الفيل والرمانة بحجم الديناصور والتفاحة (التي اجبرت سيدنا آدم على مغادرة الجنة) بحجم طائر الرخ ٍ..) ضربا من الخيال .. واني افضل ان اذهب الى سوق الخضار فاشتري كل ذلك بما لا يتجاوزالدولار للكيلو غرام الواحد . فمعدتي لا تحتمل ان احشو فيها تفاحة بحجم طائر الرخ اضافة الى ان الفواكه في هذا الزمان مهدرجة وملوثة بالاشعاعات وتؤذي القلب والعقل معا ..الا ثمار الجنة التي خلقها الله من شجرة فرعها طيب فيه كل الفيتامينات التي تجعلك تفرد هامتك في الجنة ولا يصيبك المرض .. كل ذلك صحيح اذا ما قسنا امور دنيانا على آخرتنا.. واني لاعتقد ان الامر مختلف عما يجري في دنيانا .. فهل نصل الى لب الموضوع .

بدءا نستعرض عالم الموت .. أنه عالم يعود فيه الانسان الى مرحلة العدم .. فقبل ان يولد الانسان لايدري ولا يعلم ولا يحس او يشعر بوجوده .. وكذا الميت .. مستشهدا بقول الرسول (ص)وهل تحس الشاة بسلخها بعد ذبحها .. او هكذا قال: مما يعني عودة الميت الى عالم آخر لا ندري كنهه ولكننا نعلم انها مرحلة ( العدم ) .. ولا نريد ان نتخيل كما يتخيل رجال الدين ما الذي يجري .. انهامعلومة لم ترد فيها نصوص مقنعه ومؤكدة في كل الاديان .. حتى عذاب القبر هنالك شك في امكانية حدوثه وتفصيلاته من صنع البشر .. ودعونا من قال وقلنا .. مستندين في اقوالنا الى بشر سبقونا وتخيلوامثلنا عما جرى ويجري .. حتى الاحاديث النبوية التي وردتنا ويقال انها مسندة بحاجة الى تشذيب وكم من مجتهد ديني قال ذلك على ملآ من الناس في الفضائيات التي يلهف فيها المجتهد في الحلقة الواحدة ما يوازي راتب العبد لله لسنة او اكثر من ذلك .

ومن بعد ذلك تبقى الروح التي كانت في الجسد .. ولا يعلم احد الى اين ذهبت .. وقد قال تعالى في محكم كتابه: ويسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلا .. ولا ندري ان كانت عملية الاستنساخ استجلابا للروح او جزءا منها مما بقي في المستنسخ (بفتح السين ) من نطفة تعيده الى حياته الاولى فلم يستنسخ بعد من البشر احد.. واقتصر ذلك على النعاج والحيوانات وتفعيل منتجاتها اللحمية لمنفعة البشر .. مما يعني ان حياة اخرى مختلفةكليا عن الحياة الدنيا تجري ولا نعلم مستقرها او موطنها أو شكلها. ومما يجعلنا نتساءل ايضا .. هل العذاب والحساب تستأثر بهما الروح التي لا نعلم اين مستقرها ام يشمل ذلك الجسد الذي اصبح رمة يعيده الخالق الى سابق عهده عندما كان حيا .. كل ذلك لا نعلمه.. ولا يجوز التخيل فيه والصاق موضوعة الترهيب والترغيب في ماهيته .. فهو عالم مبهم لا ندري كنهه.. وتلك من آيات الله التي يصعب تخيلها .. وفي كل ذلك لا نريد الخوض فيها لأنها غيبية وفوق طاقة استيعاب عقولنا .. !! عوضا عن التخيل الذي قد نبديه في الكلمات التاليه:

تصور ان ابنك قدجرحته سكين حاد ونزف الدم من اصبعه .. فانك تركض فورا باتجاه الطبيب لوقف النزيف ومعالجته مع ما يصيبك من الهم والغم على مصير ابنك .. وتنتابك الظنون : هل الجرح عميق او صعب المداواة بحيث لا تدخل فيه الجراثيم فيضاعف الالم .. ام ان الطبيب اعطاك الدواء المناسب للأم الجرح تمهيدا للشفاء .. ونحن لا نلومك لان ابنك من لحمك ودمك .. فكيف بالله الرحيم الذي يمكن ان (يتسلى ) بشى وقلي عباده وهم اولاده .. الم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ان: الخلق كلهم عيال الله .. واحبهم الى الله احبهم لعياله.. او هكذا قال .. فكيف يرى الله اولاده وهم يشوون ويقلبون في الجمر متألمين .. هذا ان اقتنعنا ( ويجب ان نقتنع ) ان الله سبحانه وتعالى له من الاسماء تسعة وتسعين اسما ولم يرد في احداها اسم (السادي ) حاشا لله .. انه يغفر الذنوب جميعا .. انه هو الغفور الرحيم ..!!

والعقاب والحساب في مثل تلك الحالة لا يقاس بموازين دنيانا .. فلا موازين مرئية هناك تحشى في كفتيها السيئات والحسنات .. فالله يعلم ان كان العبد صالحا ام طالحا .. ويحكم عليه بناء على ما يقرره سبحانه .. والموازين في الكتب السماوية هي كناية في اللغه .. وليست حقيقيه .. فاما العبد في الجنة او في النار .. فاما الجنة فقد علمنا انها لعباد الله الصالحين مع تكامل معطياتهم الحياتية في هذه الدنيا .. واني لاعتقد انها ليست لعباد الله فقط .. بل يضاف اليها تعامل العبد مع بيئته ومع الناس ومع مجريات الحياة ومع كل تنهيدة او نأمة تذكر فيها اسم الله وتخشاه .. وأما النار فليست لمن ارتكب هفوات يغفر الله فيها الذنوب .. وانما لاولئك الذين ارتكبوا الموبقات ضد البشر اولا .. وضد تشريعات الله ثانيا .. بمعنى انها تليق فقط بالمجرمين من امثال القذافي وبشار الاسد وعلي عبد الله صالح وحسني مبارك اضافة الى الرئيس السابق بوش ( وحواشيهم ومن ساعدوهم في الدنيا ).. ومع من أتى وسيأتي بعدهم .. اولئك الذين استرخصوا دماء عباد الله وشربوها عن طيب خاطر .. اولئك لهم النار حتما .. أما الاخرون فقدخلق الله الانسان خطاء لا يستقيم على حال مهما بلغ من التدين .. وقصص ابينا آدم وأمنا حواء في الجنة معروفة ومزينة متونها بالخطأ لانهم عصوا اوامر الله سبحانه .. فيقضي ( المدان) ايامه العقابية في سأم وضيق حتى يفرج الله كربته بان يسامحه.. والا لاكدنا ان ابانا آدم ليست له الجنة لانه عصى امر ربه .. الم يقل الله انه غفور رحيم .. ؟

ومن شطط القول ان نقول ان المقاييس هناك تختلف عن مقاييس الدنيا .. ماذا لو جاء بك الله يوم الدينونية هلاميا يتشكل حسبما يريده سبحانه .. او على شكل يختلف عن شكلك في الدنيا .. زاحفا او متكئا او طويلا او قصيرا او ذا أنياب مفترسة او مشوه الخلقة او حسنها او ما الى ذلك من التشبيهات والتشبهات .. لا أحد يعلم .. ورجل الدين ان رسم لك صورة يستحسنها ذوقه فلا تصدقه .. فهو جاهل في هذا الامر مثلما تجهل انت مصيرك في يوم الحساب .. فانت ان سألت عن الذنوب التي تلتصق باحدهم قال لك انه حسن السيرة يمشي في الارض بما يرضي الله مع انه يحمل على كاهله ما لم يحمله فرعون في زمانه .. وفي يقينه انه لم يرتكب الموبقه .. فاذا ما فتشت دفتر تاريخه فانك ترى النصب والاحتيال والغرور والقتل والبخل وأكل لحوم البشر نيئة من خلال الاستغابة واضطهاد المقربين منه والجري من اجل تكويش الاموال عن اي طريق .. وما الى ذلك من ذنوب ربما عصى على الجبال حملها .. ولكنه في يقينه وفي قرارة نفسه التي تطلب الدنيا دون الاخره .. تراه وقد تبرأ من نفسه مثلما تبرأ الذئب من دم يوسف . ولا ينسى في كل ذلك ان يقول لك ان مأواي الجنه .. ايةجنة ياهذا وانت هكذا .. وقد سأل الرسول (ص) اصحابه يوما قائلا : اتدرون من المفلس .. قالوا ، المفلس منا من لا يمتلك درهما ولا دينارا .. قال لا: المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة .. ويأتي وقدضرب هذا وشتم هذا واكل مال هذا فيعطى هذا من حسناته حتى اذا فرغت يضاف سيئات ذاك على سيئاته .. فطرحت عليه ثم طرح في النار .. او هكذا قال عليه الصلاة والسلام ..

قد يعجب المرء او القارىء اذا ما رأى تأويلا جديدا يخترق كل المسلمات التي سمعها او قرأها في حياته .. وكما اجتهد اولئك بالتخريفات حول ماهية الجنة والنار التي لمح لها دون تفصيل كبير في الكتب السماوية والوضعية .. فادرجت تلك التأويلات على انها مسلمات يجب الايمان بها تخويفا للناس وترهيبا لهم .. فان من حق الانسان الذي يمتلك عقلا ان يجتهد في هذا السبيل طالما ان اجتهاده لا يتعدى حدود كلمات الله التي وصفت الجنة والنار بكلمات تعطينا مفهوم العذاب والنعيم معا .. ولكن الله ( رحمة بالناس ) جعل للتفسير تأويلا يختلف فيه حتى المفسرون لتلك الايات .. فهل يفسر لنا المفسرون ما معنى الف لا ميم .. أو .. ك هـ ي ع ص .. او غير ذلك من اعجاز القرآن الكريم .. لم يصل احد من المفسرين لتأويلها .. خاصة اذا ما عرفنا ان العرب قديما كانوا ضليعين باللغة العربية ولم يصلوا الى محتواها .. فكيف بنا اليوم وقد ضاعت اللغة واصبحت المجامع اللغوية في زماننا تؤذي وتضر اكثر مما تنفع ..

حسبنا الله .. ويكفينا اننا نؤمن به .. والايمان بالاديان يعني أن ترضى بما فسره الاولون .. ولا بأس من ان تضيف الجديد طالما انه لا يخالف المألوف من الجهد والاجتهاد .. والا .. فان العقل الذي وضعه الله في رأسك بحاجة الى ممحاة كي تعيده ابيض اللون ليس فيه من المعرفة الا ركعات تصليها .. وصيام تؤديه .. وفروض ترضى نفسك بها .. مع سرحان اثناء الصلاة لتفكر بامورك الدنيوية ناسيا ما انت فيه من صلاة يجب أن تعطيها كل جوارحك .. وصيام تقوم به( ميكانيكيا) وربما رفثت أو سببت او شتمت هذا وذاك .. وفي كل ذلك تعتقد انك تصلي لله .. وانك تصوم له وهما بعيدان عنك بعد الارض عن السماء .. ولا بأس من ان تتذكر انك لست قيما على الناس .. ولم يعطك الله تفويضا بمحاسبتهم .. فلندع الخلق للخالق .. فهو الذي يحاسب .. وهو الذي يدخلك الجنة او يهوي بك الى النار .. انت وما عملت به في دنياك .. ونستغفر الله ان كنا شططنا .


وليد رباح

كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة

من نفس المؤلف