فكره السياسي من خلال رسوم الكركاتير :

ناجي العلي فكرا رسماً نضالاً إعداد محمد مسلم

ناجي العلي التحم فكرا وعملا باللاجئين الفلسطينين في المخيمات ، ونجح في حماية مدار ريشته من التلوث ، كمااختار موقعه بين الفقراء و المقهورين في شتى انحاء العالم ، فعبر عن كل مواقع الالم والصمود ، كما يتميز رسمه بدقة عالية وتعبير رائع عن مواضع الخطأ والانتقادات.

يقول ناجي العلي في احدى المقابلات :

" ولكن ماذا لو دب في الوهن ؟ ماذا لو خالجني الاحساس بالهزيمة والتراجع ، او اغراني مجتمع الاستهلاك ؟ حتى لو اردت فانني لن استطيع ذلك فولدي حنظلة موجود في كل لوحة من لوحاتي يراقب ما أرسم ، انه ذلك الرمز الصغير الذي اثار جدلاً دون أن يدير وجهه ، ورسومي لاتباع لان حنظلة عنصر ثابت فيها ، حنظلة وفي لفلسطين ، انه نقطة عرق على جبيني تلسعني إذا ماجال بخاطري ان اجبن او اتراجع .هكذا بدأ حنظلة ، رمزاً ذاتياً ، ولكنه تحول بعد ذلك الى ضمير جماعي."

"حنظلة شاهد ، وشاهد شاف كل حاجة ، انه لا يستدير للقراءة ، ولكن القارئ الذي لا يفهم مرارته هو الذي يستدير له . يقولون ان حنظلة سلبي ، ادار ظهره وشبك يديه ووقف يتفرج ، انهم لا يستطيغوا ان يروا الدمعة المعلقة في عينيه ، والتي تنتظر أرض الوطن كي تعود الى حيث تنتمي . ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل في العاشرة من عمره ، ففي ذلك السن غادرت الوطن .وحين يعود حنظلة سيكون بعد في العاشرة. ثم سيأخذ بالكبر بعد ذلك.

- ومهمتك كمناضل فلسطيني ؟

مهمتي التحريض .تحريض هذه الجماهير ضد واقعها المزري .وهذه هي حدودي . وهذا هو دوري .كشف الواقع ، التعبئة ، والباقي مهمة الثوار.

خطه السياسي :

" فلسطين عندي الارض التي حدودها من المحيط الى الخليج ؛ لا ضفة غربية ، ولا غزة ولا الجليل ولا حيفا "

وحول انتمائه الى المخيم يقول " انا من عين الحلوة ، وعين الحلوة مثل اي مخيم من فلسطين آخر ، ابناء المخيم هم ابناء ارض فلسطين ، لم يكونوا تجارا ولا ملاكا ، كانوا من المزارعين ، فلما فقدوا ارضهم ، فقدوا حياتهم فذهبوا الى المخيمات "

علاقة ناجي العلي بالجماهير :

تحددت علاقته بالجماهير بهذه المحاور الثلاث كونه لاجئاً مشردا يحلم بالعودة دائما وكونه ابن مخيم .اذ لا يستطيع الحياة خارجه نفسيا ، وانتماؤه الى الفقراء أبدا ، وقد انتهت هذه العلاقة بزيادة الخبرة .

ناجي العلي وفلسطين :

إن فلسطين في نظره هي ثورة الفقراء في المخيم بعدها اضحى معسكرا شامخا يحمل البندقية على كتفه ويمضي به في دروب القتال والنضال دفاعا عن حقه في الحياة .

مصيره :

يقول د.عادل سمارة : " ان قاتل ناجي العلي هم كتاب وشعراء التطبيع و التبعية والكامب ، اذ كان الوطن بعضهم يباع ومصير شعبهم الفلسطيني لا قيمة له ، فكيف لا يهدرون دم ناجي العلي ثم يمارسون قتله في سهولة وكأنهم يمارسون لعبة مسلية.

موقفه السياسي :

يمكن تلخيص موقفه في السياسة إنه لا يرقص على الحبال ، وانه يرفض ان يبيع ضميره في سوق النخاسة ، ولذلك اغتيل .

دفنه :

دخلت الحسابات السياسية بعد مصرعه وتجاذب الناس الرأي حول مكان دفنه إذ كانت وصيته ان يدفن في مخيم عين الحلوة ، وقيل ان سوريا ستستغل دفنه هناك . ورأى اخرون ان يدفن في سوريا والاردن القريبين من فلسطين التي لم ينسها يوما . ومارس بعضهم ضغطاً سياسياً على أسرة ناجي العلي فقررت دفنه في لندن منعا لاي صراع قد ينشب حول مكان دفنه.

كركاتير ناجي العلي من الوجهة الفنية:

بدأ فن الكركاتير العربي خاصاً بفئة معينة من الرسامين وبدأ بالضحك ، ثم اقترب شيئاً فشيئاً منه الحياة السياسية والاقتصادية بعد الثورة المصرية .

وقد واصل ناجي العلي حمل رسالة الكركاتير كفن معبر عن كل القضايا التي تختص بالمجتمع وقد اتخذ ناجي العلي له مساراً جديدا ، اذ جعل الكركاتير يخاطب الفكر .

ولعل طلال سلمان قد عبر عن اتجاه ناجي العلي تعبيراً جلياً حين قال "لا تقرأ ناجي العلي إذا كنت تبحث عن بسمة ، عن قهقهة ، عن اجازة من السياسة وهموم الحياة ، اقرأه لتغوص اكثر في همومك ، حقائق تاريخك ، اقرأه لتكون انت أنت " كما ان كركاتير ناجي العلي يختلف عن كركاتير الآخرين من حيث التكنيك، ناهيك أن كركاتير ناجي العلي هو دون تعليق .

مسيرة ناجي العلي الفنية :

في بدايات فن ناجي العلي المتواصل اعتمد ناجي العلي على الوضوح والمباشرة الى جانب الاسهاب في التعليق بسبب جهل القارئ كما كان يعتقد.

واخذ عليه أيضا في هذه المرحلة بقلة اكتراثه بملامح الشخصية ، فكان اعتقال احد المناضلين يستثير انفعاله لا بوصفه حدثا يوميا بل نتيجة حتمية لغياب الديمقراطية .

وكان ابتكاره شخصية حنظلة ينطوي على الذكاء والاحساس الفني العميق وحنظلة يصور طفولة ناجي العلي في فلسطين وهو شاهد على سوءات العالم ومأساة شعبه، لأنه الضمير الانساني في شموله وبالرغم من ان هذه الشخصية انسانية ، فانه احاط الرأس بما يشبه الاشواك كالقنفذ الذي يتخذ من الشوك سلاحا للدفاع عن نفسه ، فضلا ان القنفذ مرتبط بالارض ارتباطا وثيقا .

وبالرغم من ان حنظلة مثل شخصية ناجي العلي الفنية ، اذا بدا اشبه بالتوقيع وحسب ، فانه اكتشف بعد حين ان لهذه الشخصية دوراً مهما في رسومه فقد عبر بها عن الانسانية في كل مكان من العالم .

وحنظلة في صمته ابلغ دلالة من كلامه ، والمشاهد لرسوم ناجي العلي يتعرف في حنظلة دقة الملاحظة .

في بيروت :

يتطور فن ناجي العلي في بيروت تطورا ملحوظا ، فبعد ان كانت المسامات البيضاء سمة عامة في لوحاته خلال عمله في الكويت . طفق يمد ظلال اللون الاسود اذ جعله ارضية للوحاته وملأ الفراغ بكلمات تبرز مضمون الرسم ، ففي اللون الاسود اشارة الى مصائب الامة فهو يعطي الكثير من خلال المسامات اللوحة ، ففي المرحلة تختفي البسمة التي كانت ترتسم على الشفاه حين لوحاته ، فحين تطالع لوحاته تحس بخوف عميق .

وفي لوحاته يجمع الى التأمل الجاد بعفوية ساخرة ، وبوحدة اللغة ، بالرغم ان ناجي لم يعد يحب ان يطيل ، ويجتمع في كل رسماته الصمت والسوداوية ، والجرأة ، دون مواربة او مجاملة ، وبات الان اقرب الى الرمز والايحاء حيث رأى أن القارئ صار اقدر على فهم لوحاته ، وكان تعامل ناجي العلي مع اللغة تعاملا عفويا يتم على رفع السخرية المرة .

كما ان ناجي العلي لا يجد غضاضة في ان يقتبس من الادب القصصي ومن الاقوال المأثورة والموروث الشعبي والديني ايضا فهو يستخدم الحديث الشريف :" من رأى منكم منكرا فليقومه بيده ، فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان ".

مرحلة الاجتياح الصهيوني وما بعده:

تدور القضية التي عالجها ناجي العلي في هذه المرحلة في اطار التجربة القاسية التي عايشهاخلال الاجتياح الاسرائيلي وما اعقبها من تشريد للمقاومة الفلسطينية ومن هنا جاء كتابه الثالث " فلسطينيا لن ننساك " .

وابرز خطوة في هذه المرحلة هي التشكيل السنيمائي في لوحاته اذ تجتمع فيها جزيئات الفكرة وتتكامل كي تؤدي المضمون الذي يريد ايصاله للقارئ ، كما ان بساطة الاراء ويسره يظلان سمة مميزة في فن ناجي العلي .

وكان اخر ما ابتكره من تطوير في فنه ، تعامله مع النفط كأسلوب من اساليب التشكيل الفني للوحاته . وعلل ذلك بانه يريد ان يعطي النفط فرصة الدفاع عن نفسه من لعناتنا وسخريتنا .