مقـهــــــى الحـــــــــافة ذكريات تتدفق بين حفيف الأشجار وكؤوس النعناع

، بقلم أمينة شرادي

احتوتني من جديد و لفتني في ثوب من حرير. همت من جديد بين أزقتها الثقيلة بالذكريات الحية واستنشقت من جديد هواءها العليل المحمل بأرواح مبدعة سكنت اليها و نامت تحت سماءها. المكان ليس هو المكان. لا تجد له مثيلا في محطة أخرى. عندما اجلس في مكان أو أمشي بين دروب، أشعر بأنها تبتسم وتتحدث بصوت خافت، تشعر ساعتها بـأنك لست وحيدا. وبأن تاريخها يتكلم بكل تواضع ورفاهية. جميل هذا الاحساس المبهم والخارج عن نطاق المنطق و العقل. قليلة هي المدن التي تمتلك هذه الجاذبية والتي تحمل في رحمها تاريخا مثقلا بالزمن الجميل والمبدع والخلاق... طنجة، سحرها غريب وبحرها كأنه نسمات ليلية هبت من فوق ، تمسح عنك وخز ابر يوم عادي وممل. لم أكتشفها بعد، وربما لن اكتشفها وهذا ما يزيدها بهاءا و شموخا. كادت الأيام أن تمر رتيبة رتابة الحياة، لأنني لم أستطع صبر أغوارها. بقيت على الهامش أتأمل وأتنهد وأتمنى أن أصل الى عمقها و أكتشف المزيد من ذكرياتها النائمة بين أزقتها الضيقة و حيطانها الآتية من زمن محمد شكري، وبوول بولز..والطاهر بنجلون. لولا فسحة أمل هبت من حيث لا أدري، وهنا أتوجه بالشكر الكبير الى ذ.عبدالكريم واكريم، لأنه هو صاحب الفكرة و التوجيه بعدما سألناه عما تخبئه طنجة من أسرار. هي مقهى، تطل على البحر من فوق، مقهى خارج زمننا الحالي. لا تعترف بالحركة الدائرة في الخارج. مقهى احتفظت بنكهة زائريها من أدباء و مبدعين. تحمل آثار حياة نبتت فوق أرضها غنية بالثقافة و الفن و الابداع.. هو حنين لا نستطيع أن نتخلص منه. فيه تعذيب للنفس من اجل الهروب من زمن اللاجمال . يسمونها مقهى "الحافة"، شهرتها أتت من زوارها المبدعين مغاربة و أجانب. فضاءها تغلب عليه روحانية نفتقدها في أيامنا هذه. ظلت صامدة أمام أمواج متتالية من الهدم و التغيير العشوائي و التشوه العبثي. جميلة جدا بفضائها الطبيعي الممزوج بكؤوس منعنعة شهية، تقدم اليك بشكل تلقائي. بينما كان تفكيري منشغلا بالمكان، هاجمني سؤال دون انذار، سؤال عن ماهية الجمال؟ فعلا، هو سؤال فلسفي و يطرح اشكالية تدفع الى التفكير. لكن اذا أردنا أن نبسطه من أجل ارضاء فضولنا الطبيعي و البسيط، هل نستطيع أن نرى الجمال من حولنا؟ هل لدينا قدرة على التمييز ورؤية الأشياء الجميلة مهما كانت بسيطة؟ هل تربيتنا تعلمنا كيف نتذوق الجمال؟ بالنسبة الي، "مقهى الحافة" جميلة في كل شيء. لن تجد كرسيا فارغا بسهولة. يجب عليك الانتظار. و مهما طال هذا الانتظار، لن تمل و لن تتعب من أجل الفوز بكرسي والجلوس إلى طاولة تتدفق منها رائحة حوارات ونقاشات مرت من هنا وما تزال تشرئب بعنقها عند اطلالة كل سنة جديدة. كأننا في بيت تسكنه أرواح مالكيه و يرفضون مغادرته و يظلون يراقبون كل الزائرين المارقين من هنا. وربما يتساءلون، وربما يفكرون، من هؤلاء الزائرين الجدد؟ هل سيحافظون على هذا الارث الجمالي؟ هل سيرحلون يوما ويتركونها للإهمال والنسيان بين دفتي الزمن و التغيير؟

جلست أتحسس كل قطعة قطعة. من أجل الوصول اليها، يجب عليك نزول أدراجها بحذر و عشق، لأنها لا تحتمل عنف هذا الزمن. أدراج صغيرة وعالية و جميلة، تأخذك الى حيث تريد. تجعلك تمتلك المكان و تستوطن كل جنباته بنظراتك المتوزعة . أمامك البحر الفسيح و الطريق الملتوية كثعبان يزحف الى مخبئه. مارة منتشرين هنا و هناك، تسحقهم بنظراتك العالية... بها طبقات مبنية بشكل يثير الفضول. رغم اكتظاظ المكان، تشعر بأنك وحيدا لا لغو و لا ضجيج... ترحل أشعة الشمس بهدوء و تترك المكان لغسق الليل يظهر في الأفق بحمرة أخاذة، تلبس المقهى لون رماديا ممزوجا بنسمات صيفية، في الخلف، زائرون آخرون ينتظرون دورهم ..القهوجي يتجول بكؤوس النعناع بصبر و احترام و جمال. المقهى لا تنام. جلبة حتى آخر الليل. قمت رغما عني، كأن صوتا يناديني لكي أعود. أتمنى أن أعود.. وللعودة مذاق آخر.