الشعر العربي الحديث: من الاتباع إلى الابتداع

، بقلم أنس الفيلالي

صدر للباحث المغربي الدكتور علي العلوي هذه السنة (2014) كتاب جديد بعنوان "الشعر العربي الحديث: من الاتباع إلى الابتداع" عن مطبوعات الهلال بمدينة وجدة المغربية. ولقد سعى في هذا الكتاب إلى التعريف بالمدارس الشعرية التي ظهرت بداية من النهضة العربية، وصولا إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع إبراز الخصوصيات الفنية والمعنوية للقصيدة العربية عند كل مدرسة شعرية، وملامح التجديد والتقليد فيها.

لذلك تحدث في المدخل عن النهضة من حيث كونها حركة إحياء التراث القديم من جهة، والتطور الحاصل في الفنون والآداب والعلوم، وطرق التعبير، والدراسات، وغيرها، وما صاحب ذلك من تغير في أسس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية من جهة ثانية. وخص كل فصل من فصول الكتاب الثلاثة بالحديث عن مدرسة معينة من هذه المدارس، مع مراعاة التسلسل التاريخي الذي يساعد على إبراز ملامح التقليد والتجديد التي ميزت كل مدرسة شعرية على حدة؛ بتعبير آخر تحديد مظاهر الاتباع والابتداع في الشعر العربي مقارنة بالقصيدة العربية القديمة.

ومما جاء في الكتاب أن مدرسة الإحياء والبعث أعادت الصفاء إلى اللغة العربية، وسعت إلى تخليصها من آثار عصور الاندحار، وواجهت الدعوات المشبوهة إلى استبدال العامية بالفصحى؛ مثل دعوة محمد عثمان جلال إلى التخلي عن الفصحى، واتخاذ العامية أداة للتعبير عن المشاعر، كما أحيت الشعر العربي من خلال احتذاء الشعر الجاهلي والشعر العباسي وغيرهما، ومحاكاة أرفع النماذج وأرقى الرموز في عصور الازدهار الفني.

أما المدرسة الرومانسية فظهرت مع بداية القرن العشرين. ويبدو الشعر الرومانسي العربي متأثرا إلى حد بعيد بمثيله الغربي، إذ تكاد السمات العامة تتفق في نظرتها إلى الفن الأدبي؛ فمن حيث المحتوى نجد أن النزعة الذاتية مسيطرة على أعمال الشعراء الرومانسيين العرب، إلى جانب احتفائهم بالنفس الإنسانية ورفعها إلى مرتبة التقديس، وكذا تمجيد الألم الإنساني والذاتي، واللجوء إلى الطبيعة. أما من الناحية الفنية فإنهم جددوا أساليب التعبير، وأبدعوا الصور الفنية الجديدة، وسخروا اللغة الشعرية لتصوير الشحنات العاطفية المتدفقة في نفوسهم. وأتى اللفظ عندهم موحيا بالمعنى لما فيه من رقة وعذوبة ووضوح.

أما مدرسة الشعر الحر فظهرت مرتبطة بالواقعية الداعية إلى التخلي عن الذاتية التي كانت لب الاتجاه الرومانسي، وإحلال الموضوعية في الخلق الأدبي محلها، كما دعت الشعراء إلى ملاحظة صور الأشياء الخارجة عن نطاق الذات، واختيار مادة تجاربهم من مشكلات عصرهم الاجتماعية. وتتلخص خصائص الشعر الحر الفنية والمعنوية في المظاهر التالية: التجديد في الإيقاع أو التشكيل الموسيقي، والاهتمام بتشكيل الصورة الشعرية، واعتماد الغموض والإبهام، وتوظيف الرمز والأسطورة، واستحضار المدينة، والتعبير عن الاغتراب والتمرد. ومن الشعراء المنتمين إلى مدرسة الشعر الحر الذين استحضرهم الباحث في هذا الفصل نذكر: صلاح عبد الصبور، وبدر شاكر السياب، وخليل حاوي، وسعدي يوسف، وأحمد المجاطي، وعبد الوهاب البياتي، ومحمد علي الرباوي، وعبد الكريم الطبال، وأحمد عبد المعطي حجازي، وإدريس الملياني، وميلود لقاح، و محمد بشكار، والطيب هلو، وعبد الله راجع، ومحمد شيكي.

وللدكتور علي العلوي عدة اصدارات إبداعية وأكايديمية، منها - أول المنفى، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، 2004. (شعر)- شاهدة على يدي، دار شمس للنشر والإعلام، القاهرة، 2008. (شعر)- موكب البهاء، تصميم وطبع ديجيتال غاردن، وجدة، 2014. (ديوان شعر جماعي)- مفهوم الشعر عند ابن سينا، سلسلة كتب مجلة "المجلة العربية" السعودية، عدد 133، الرياض، 2008. (نقد) - الشعر العربي الحديث: من الاتباع إلى الابتداع، ط1، مطبوعات الهلال، وجدة، 2014). (نقد)- الذات المغتربة والبحث عن الخلاص، الشعر المغربي المعاصر أنموذجا، دار الوطن، الرباط، 2013. (نقد)- الأدب والأسطورة، منشورات ملتقى أدباء شرق المغرب، وجدة، 2014. (جماعي).

كما كتبت عن تجربته الشعرية عديد من المقالات النقدية التي نشرت بجرائد ومجلات داخل المغرب وخارجه مثل: جريدة "المساء" المغربية، و"المنعطف الثقافي" المغربي، وجريدة "القدس العربي" اللندنية، وجريدة "الزمان" اللندنية، وجريدة "الرأي" الكويتية، ومجلة "الحركة الشعرية" التي تصدر من المكسيك، وغيرها. ولقد جمع الناقد المغربي رشيد بلمقدم هذه المقالات في كتاب صدر سنة 2010 عن مطابع الأنوار المغاربية بعنوان "تجاعيد الموت والبعث: قراءات في أشعار علي العلوي". وأدرج أحد هذه المقالات ضمن كتاب بعنوان "قراءات في التجربة الشعرية الجديدة بشرق المغرب" صدر عن المطبعة المذكورة سنة 2011؛ أعد هذا الكتاب للنشر الشاعر والناقد ميلود لقاح.


أنس الفيلالي

باحث وشاعر مغربي

من نفس المؤلف