كُنَّا اثنَيْنِ وثالِثُنَا محمد الخمار الكنوني أبو الخير الناصري

عدت من زيارة قصيرة لأستاذي وصديقي العزيز الحاج محمد العربي العسري، وجلست أستحضر زياراتي السابقة لهذا الرجل النبيل وجلساتي معه في مكتبته ومنزله بالقصر الكبير.. لا أكاد أذكر جلسة معه خَلَتْ من ارتحاله بي وبغيري في عوالم نخبة من أساتذته وأصدقائه وأصفيائه من الموتى والأحياء. يتحدث بمحبة ووفاء عن الأساتذة: أحمد السوسي المرتجي، وأحمد الخباز، ومحمد الخباز، ومحمد الخمار الكنوني، وأمجد الطرابلسي، وشكري فيصل، وآخرين رحمهم الله تعالى.

كما يتحدث باحترام وتقدير عن الأساتذة: عبد السلام القيسي، ومصطفى يعلى، ومصطفى حجاج، ومحمد أخريف، وعبد الكريم أفيلال، وأبو بكر بوسلهام، وآخرين كثيرين متعهم الله بالصحة والعافية.

في زيارتي له هذا المساء كنا وحدنا في المكتبة. لم يكن معنا من أحباب الرجل سوى الشاعر محمد الخمار الكنوني الذي حلَّ بشعرِه، وفكرِه، ووقائعَ من حياته يرويها عنه صديقُه العسري بمحبة وتقدير خالصين.
1- محمد الخمار الكنوني والعنوان

حدثني أستاذي العسري – حفظه الله – عن رأي الشاعر الخمار الكنوني في عَنْوَنَةِ النصوص الإبداعية، قال إن صاحب "رماد هيسبريس" كان له رأيٌ في أوائل حياته الشعرية مفاده أن في العَنْوَنَة قَتْلاً للنص الإبداعي، أو محاصرة له على أقل تقدير؛ لأنها تحبسه داخل إطار من الدلالات والمعاني التي يفيدها العنوان، فيحُدُّ ذلك من التفاعل المباشر للقارئ مع النص دونما توجيه مسبق من العنوان.
وذكر لي أن الخمار الكنوني كان من السابقين إلى عدم عنونة قصائده في مراحله الشعرية الأولى، وأنه كان ينشر النص بعنوان (قصيدة)، ومجموعةَ النصوص بعنوان (قصائد).
ولربما كان – رحمه الله – يجد مرتكزا لفكرته تلك في صنيع الشعراء القدامى الذين لم يكونوا يضعون عناوين لقصائدهم، وأيضا فيما كانت تُعرف به بعض القصائد من قبيل: مِيمِيَّةٌ في المديح، ولامية في الرثاء، وهائية في الهجاء..نسبةً إلى رَوِيِّ القصيدة وغرضها الشعري.

2- الكنوني والقصيدة المغناة

وحدثني – حفظه الله – عن رأي الشاعر الكنوني في القصيدة المغناة، قال إنه – رحمه الله – كان يتفادى الحديث عن قِطْعتَيْه الشعريتين (حبيبتي) و(آخر آهٍ)، فلم يُرِدْ أن تُختزل تجربتُه الشعريةُ في كونه شاعرَ أغنيةٍ فحسب؛ لأن مجالات القول الشعري أوسع وأرحب من أن تُحْبَسَ في الآفاق المحدودة للقصيدة المغناة.

لقد تنبه الخمار الكنوني إلى خطورة الارتباط بالأغنية في مجتمعاتٍ لا يَعْرِفُ جلُّ الناس فيها الأديبَ
إلا من خلال المذياع والتلفاز، فلا يبحثون عن غيرِ ما يُذاع ويُبثُّ من نصوصٍ إبداعية للأديب قد تكون أغنى وأحقَّ بالتلقي مما يُقَدَّمُ عبر وسائل الاتصال الجماهيرية التي لا تخلو سياستها من ميل إلى إرضاء السواد الأعظم الذي لا يشكل الأدب سوى جزء قليل جدا من اهتماماته وانشغالاته.

3- الكنوني وتجديد القصيدة بالمغرب

وحدثني – أكرمه الله – عن القراءات الكثيرة للشاعر الراحل، واستيعابه الجيد لحركة الشعر الحديث مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وغيرهما، وقال إن الخمار الكنوني فاجأ الكثيرين في أول مهرجان للشعر بمدينة شفشاون بإلقائه قصيدةً من شعره الحر خَلَّفَتْ أثرا طيبا في نفوس الحاضرين. ولعل قصيدته تلك قد شكلت موجة من الموجات الأولى التي غمرت جسد القصيدة بالمغرب بنَفَسٍ تجديدي غير مسبوق.

عندما فرغت من كتابة هذه الأسطر امتدت يدي إلى الجزء الثاني من كتاب (أقلام وأعلام من القصر الكبير في العصر الحديث) لأستاذي العسري، وشرعتُ أقرأ مجددا ما كتبه هذا الباحث النبيل عن صديقه الشاعر الكنوني. توقفت عند مقاطع وفقرات تقطر محبة وإخلاصا، وأعجبني كثيرا قول المؤلف في ختام ترجمته لِصَديقه الراحل:
«حينما أزور قبرَه أستحضرُ قول الشاعر:

يَا ميتاً فيهِ جَمالُ الحياة
ما حازَ مِنْكَ اللحْدُ إلا الرُّفات
أنت الفتى الباقي بآثاره
ما أنت بالمرء إذا ماتَ مـات»

رحم اللهُ الشاعر المغربي محمدا الخمار الكنوني، وبارك لأستاذنا الحبيب محمد العربي العسري في عمره وصحته، وكَثَّرَ أشْباهَهُ ونَظائرَهُ في الوفاء للموتى والأحياء!