حكمة مجانين بيت لحم

، بقلم جوني منصور

كنت أتوقع وأنا في بداية قراءتي لكتاب "مجانين بيت لحم" لمؤلفه الصحافي والكاتب الصديق اسامة العيسة، انني سأواجه نصًّا يتطرق فعلا إلى عنوان الكتاب، اي إلى مجموعة من المجانين. لكن المفاجأة الكبرى أن هؤلاء المجانين الذين يقدم لنا بعضا من سيرهم الذاتية، معظمهم من العقلاء، أو من الذين كانوا عقلاء وتعرضوا إلى لوثة جنونية أودت بعقلهم إلى مواقع أخرى، وترتكتهم مع صفة أو لقب "مجنون".
واحترت في تصنيف أو تبويب الكتاب. ولهذا لم أطلق عليه أي تسمية من اي نوع أدبي كان. فهو رواية، ونص تقريري في مجال الصحافة، وفقرات تاريخية، واقتباس نصوص من مصادرها كما هي حتى بالعامية الفلسطينية، وغيره من الانواع والأجناس الأدبية. وحقيقة فإن نص الكتاب "الجنوني" في محتواه وتوجهاته، يضعنا كقرّاء في غرفة من غرف الحياة المليئة بالتناقضات التي يعيشها الفلسطيني في أرضه منذ ان وطأت أقدام اول مستعمر صهيوني وتبعه مجموعة من المهتمين بفلسطين سياسيا أو دينيا او سياحيا وغير ذلك.
يقدم العيسة عددا من القصص الخاصة بحالات جنون اصابت عددا من سكان بيت لحم وجوارها. ونعني بجوارها "مخيم الدهيشة" و "القدس" و "الخليل" وغيرها. والظريف في امر هذه القصص أنها ذات صلة قوية بالواقع الفلسطيني المرير الذي يأبى – الواقع – مغادرة أرض الفلسطينيين وناسها، وعلى ما يبدو لن يبرحها او يغادرها إلا بعد ان يأتي على أهلها بالتهلكة، ولكن أنّى له ذلك.
المجانين الذين يتطرق إليهم العيسة هم من صلب شعبنا، اي أنهم فلسطينيون ذوي علاقة قوية بوطنهم وتاريخه ومسيرة شعبهم. فهم من سكان المدن والريف والساحل والجبل والبادية وغيرها. يحملون في ذاكرتهم تاريخ فلسطين بحلوه ومره، بواقعه وخياله، بماضيه وحاضره وتطلعاتهم نحو المستقبل.... هؤلاء المجانين لا يهابون شيئا، حياتهم مليئة بالانشغالات التي تثير العجب والغرابة.
والمثير للاهتمام ان المؤلف – حماه الله من اي لوثة جنونية – يأخذك في رحلة جميلة عبر الوطن من شماله إلى جنوبه ومن بحره حتى نهره ليؤكد لك أن كل شيء في فلسطين جميل، وجمال هذا الوطن بأهله من عقلائه ومجانينه. وخلال هذه الرحلة التي نسير بها معا برفقة المؤلف ومجانينه ندرك تماما حقيقة الوقائع السياسية التي ألمت واصابت فلسطين وشعبها عبر الزمن. فهو لا يتواني مطلقا من توجيه سهام نقده اللاذع نحو كبار القادة بمن فيهم الختيار(لقب يستعمله الفلسطينيون للدلالة على قائدهم ياسر عرفات)، مشيرا إلى تفاصيل دقيقة للغاية في وصف الطريقة التي كان يُسيّر بها الأمور ويعالجها، لدرجة أنه يعرض للقارئ صورة لأنواع الأقلام والحبر التي كان يستعملها الختيار في الرد على رسائل أو ارسال أوامر وتعليمات. ولا يتوان الكاتب من نقده للحركة الوطنية الفلسطينية بهفوات رجالاتها ووقوعهم في كمائن كان بإمكانهم تجنبها. ولا يفوته أمر توجيه نقده الشديد بل موقفه من المتعاملين مع اسرائيل – العدو المؤجل مؤقتا . إنه بهذا، يتعامل مع نقد الذات ومحاسبة واضحة وإن لم تصل إلى درجة توجيه تهم، فهو - اي اسامة العيسة - ليس في موقع القضاء وإصدار الأحكام.
أحد المجانين الذين لفت نظري إليهم، وله – أي لهذا المجنون !! مكانة خاصة لدي، هو داهش بك. والمكانة التي أكتسبها داهش بك في مخزوني التاريخي وخلايا الذاكرة، ما سمعته من والدي رحمه الله من حكايات ووقائع رآها بأم عينه عن داهش يوم كان يزور حيفا ليمضي فيها اياما بل أسابيع. فوفقا لأسامة العيسة من الممكن والجائز أن يكون اسم المخيم منسوب إلى داهش بك، وهو سليم العشي من بيت لحم، والذي اتخذ لنفسه هذا اللقب. واشتهر بالتنويم المغنطيسي وقراءة الأفكار في العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي، وطبقت شهرته مدنا كثير في فلسطين ولبنان وغيرها، من أبرزها حيفا ويافا وبيروت. وترك أثرا بالغا على الجو العام لدرجة أنه تصادم مع الرئيس اللبناني الشيخ بشارة الخوري، الذي جرده من جنسيته اللبنانية بعد سلسلة من الأعمال التي اتهم بها داهش. ويمكن للقارئ الاطلاع عليها من خلال قراءة كتاب العيسة وقراءة سيرة حياة الدكتور داهش بك. ومن جهة اخرى يقول العيسة ان اسم موقع الدهيشة منسوب إلى ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر الذي احتل فلسطين وبلاد الشام في القرن التاسع عشر واندهش من الموقع ولأنه لم يكن يلفظ العربية جيدا، قال"دي هيشة"... طبعا نقول في اعقاب ايراد هذه الرواية "والله اعلم بذلك"!
اعتقد ان ما يقدمه اسامة العيسة في هذا العمل هو خليط أو توليفة من الأنواع الأدبية، ومن طرق عرضها بعيدا عن القوالب الثابتة والتقليدية التي يرتاح إليها القارئ والباحث والناقد. واعتقد أنه يفتح الباب أمام إطلاق النصوص من قيودها، لتكون مرآة واضحة لكاتبها الذي يختار الطريق التي يؤمن انها توصل الفكرة إلى هدفها. نحن اليوم في عصر تحطمت فيه التابوهات والكلاسيكيات الثابتة والجامدة، وهذا لا يعني ان نمسك بيد النص ونرسله إلى دركات سلبية، إنما أن يتمتع الكاتب بحرية التصرف بنصه، وأن يتمتع القارئ بمساحة كافية من التفكير ورد الفعل المدروس والمنهجي لما يقرأ، والأهم أن يعرف كيف يتعامل مع هذا النص الذي يثير فينا تساؤلات كثيرة حول المجانين والعقلاء في عالمنا هذا، ليس فقط في ماضيه، إنما حاضره وما سيبرزه المستقبل من جنون ومجانين جدد. فالجنون كامن في عقل كل عاقل، والعقل كامن في عقل كل مجنون، وليفتكر كل واحد بنفسه، ويدرك أن لوثة الدهيشة ولوثة جنونها ليست حكرا على بيت لحم ومستشفاها، إنما هي لوثة فلسطينية عربية وعالمية.
باعتقادي أن اسامة العيسة قد ابدع في عمله هذا، وحرّك فينا كقراء ومهتمين بالشأن الفلسطيني والصراع وما فعله هذا الصراع من تلوثات ولوثات سياسية واجتماعية وثقافية فينا كشعب ومجتمع، فخير لشعبنا أن يكون مجنونا في وطنه، من ان يكون عاقلا خارجه.