الدولة العليّة باقية

، بقلم رينا ميني

إن كنتم تحسبون أننا تحررنا من الإستعمار، فأنتم على خطأ . وإن كنتم تظنون أن زمن السلطنة العثمانية بكل جبروته

انتهى، فأنتم أيضاً مخطئون . فلتراجعوا التاريخ وتقارنوه بالواقع، حتى تتيقنوا أننا انتقلنا من ظلمٍ إلى ظلمٍ، ومن عبوديةٍ إ

لى عبودية، مع الفارق البسيط أن البطش والطغيان مغلّفان بأوراق هدايا جديدة .

إن كنتم تعتقدون أن أعمال "السخرة" زالت، فلتنظروا إلى أعمالكم المضنية، ولتتفقدوا أجوركم إن كانت تكفيكم مأكلاً

وشراباً، التي تنتهي مع آخر فاتورة ملغومة، ولا تبدأ إلا بعد إستنزاف ما لم يصل من الراتب الآتي .

إن كنتم تقولون أن دفع "الجزية" للباب العالي ولّى، فلتتطلعوا على فنّ الضرائب الذي يأتيكم من حيث لا تدرون، باسم

القانون، الذي يمتص أموالكم، من غرامات باهظة على سيرٍ في طرقات غير نظامية، من إيجاراتٍ ستستشف نقودكم

لترميكم فيما بعد في الشارع بعد نفاذ آخر فلس، من نظام طبابةٍ يجبركم على سداد ما معكم وما ليس معكم في المستشفيات

الخاص وإلا تموتون على عتباتها ، من ميراثكم الذي تنصب الدولة جزء منه لأنه مجاني .

إن كنتم تفكّرون أن "الأحكام العرفية" بادت ، فهيهات!! فلتعاينوا السلك القضائي، والقوانين التي تنبّت من لا مكان، كالحية

تخرج من جحرها لترتشف آخر قطرة دمٍ في جسد ضحيتها . أنظروا إلى ذلك الراعي البسيط التي تجرأت ماشيته على

التهام عشب أرض تابعة لمصرف الدولة، عقوبته كانت الحبس وغرامة بالملايين، ولو استطاعوا أن يحاسبوا الماشية، ما

عدلوا . والقابع في السجن خمسة عشرة عاماً بجريمة قتل ، صاحبها معروف ، ضُبط وأُحضر وحوكم وأُعدم في بلدٍ

ثانية. وفنانينا يعاقبون إن مسّوا بحقيقة السلطان وحاشيته .

إن كنتم تتخيلون أن "الأخذ عسكر" مضى بغير رجعة وأنكم وأولادكم في مأمن من حروب الآخرين، فيا ليتكم تتحدثون

ولا تُحرجون عن الإنفجارات والحوادث المريبة والخطف والتنكيل بالآمنين، لأننا الكرة التي تتقاذفها الأحزاب المتنافرة

علناً والمتضامنة خفيةً !!

أما زلتم تعتقدون أن شحّ القمح والأرز كان سائداً فقط في ظلّ أوامر الباب العالي؟ لا تتفقدوا الأسعار حتى لا تُصابوا

بأزمةٍ قلبية قد تودي بحياتكم أو قد تفقدكم صوابكم ورشدكم .

ما زالت الدولة العليّة تحكمنا، وما زال الإنتداب يسيطر على أفكارنا ويسرق حتى أحلامنا، ما من شيء تغيّر، إلا بعض

التسميات البسيطة ، التي تغضّ طرفنا عن ويلاتنا، وتجبرنا على الرضوخ حتى تستمر الحياة . ما تغيّر إلا إدراكنا لحقيقة

الأمور، حتى استمرارية صمتنا باقية . ما زلنا نحتال على أنفسنا، وما زال خوفنا يملأ جوفنا، وما زالت لقمة العيش هي

الهاجس الأكبر الذ يتحكم بمصائرنا، من أجلها نذعن حتى الزحف على البطون خشية أن تُسرق منّا .

ما من عهدٍ بائد، كل العهود المنصرمة ما زالت قائمة وإن تغيّرت الأسماء وإن تغيّر الأشخاص، وتبقى الضمائر نائمة ،

لعلّها .. ربّما .. ميتة ..