الاثنين ٢٣ آذار (مارس) ٢٠١٥
بقلم محمود محمد أسد

قصص قصيرة جدا

نعيـة

دموع القلم السائحة ضايقت بياض الصفحة الملساء، بدا عليها التذمُّرُ عندما شعرت بما يبللَّها، و عندما نَفَدَ صبرها، و لم يُرقْ لها سواد تلك الدموع قالت للقلم :

ما بك ؟ أراك دائم البكاء و الدموع، و كأنك تحمل همَّ الدنيا أو أضَعْتَ شيئاً ثميناً... ها أنْتَ تبلِّلُ وجنتيَّ و ثوبي الناصع..
نظر القلم.. رفع رأسَهُ.. في نظراتِهِ عتاب.. عَبَراتُه احتضَرتْ كلَّ المعاجم.. ثمَّ غاب في تلك الحقيبة الجلدية..
بعد أيَّام أعلن نبأ وفاة الورق الأبيض..
و بعد أشهر تحوّلت الدموع السوداء إلى حدائق و سهوب....

الموت بطريقة مغايرة...

في أوّل الشهرِ كما كلِّ شهرٍ، التفّوا حوله.. أصوات مرتفعة... حركات متداخلة عيناه جاحظتان مشدوهتان.
أريد ثمن بطاقة للجوّال... و الثانية أريد تغييره و أخرى لا تنسَ عندنا استقبال هذه القائمة...
فكّرَ بعيداً.. استرجع شريطَ المعاناة.. شيء ما يوخزه.. دوار يلسعه و يأخذه إلى عدّة جهات... تذكَّر ما هو مضطرٌ إليه من أدوية الضغط و السكر و الحساسيّة، استيقظ ألمُه، و تنشَّطتْ حواسُهُ...
البنتُ الكبرى قالت له : كالعادة أجِّلْ ما تحتاجه....
صرخ الجميع : نحن موافقون... عدا تلك الصغيرة التي استندت إلى جدارٍ في زاوية الغرفة...
قال : لا مانع... الموت أنواع...
بعد أيّام قليلة توقفت أجهزتهم عن العمل.. و ألغي الاستقبال... جرت الصغيرة نحو والدها... و توقفتْ على مقربة من قلب والدها المتوقف و شهقت شهقة أيقظت الجيران و الجدران..

مدير تفصيل خاص

استقبل قرار تعيينه. فرح... غمرته نشوة الفرح، سعى إلى هذا التعيين و حفر له بأظافره و عيونه...
أغلق البابَ على نفسِهِ في اليوم الأول... فتَّش السجلات و تفحَّص الأضابير و الوثائق.. في اليوم التالي استقبل المهنئين. الورود و الأزهار على الجانبين.....

مع أول اجتماع مع جهازه، أخذ مكانه في الواجهة.. الطاولة الفخمة.. الأثاث الراقي المناسب.. الكرسيّ البرّام...
عندما حاول مدَّ يده، شعر بمن يسحبها إلى الأسفل.. لم يلتفت تذكّرَ : تكلَّمْ دون إشارة.. بدأ الحديث بهدوء.. جاءَهُ صوت من بعيد لا تنسَ... انتبه. خذ نفساً عميقاً تصنَّع الموقف. عندما تململ و تحرَّك و شعر بالضيق.. جاءته وخزة من أسفل الكرسي.. الحركة تذهب الهيبة.

رنَّ جرس الهاتف.. رفع السمَّاعة، و نسي كلَّ ما سمعه... صوت يطرق أذنيه : لم تحسن بعدُ حفظَ درسك...
في الاجتماع الثاني. رفع السمَّاعة بهدوء.. و تكلَّف المشهد.. جاءَه صوتٌ رخيم.. أحسنت.. أنت رجل مناسب، نحتاج إلى هيكلك....

قال لهم : و أنا كذلك، و رَهْن الإشارة.. أريد سيَّارة حديثة لزوجتي الجديدة.. و مكتباً أنيقاً و سكرتيرة تليق بالهيكل...

عفواً.... البيوت أسرار

الساعة السادسة قام من سريره.. بنفسه أدّى واجبه الملقى عليه.. غسل وجهه.. نظَّف الأواني.. أعاد ترتيب المطبخ، و وضع الأحذية في مكانها المناسب.. علَّق الثياب على المشجب.. احتسى قهوته.. استمع إلى الأخبار الصباحية.. لم يستغرب شيئاً عندما تناهى إلى سمعه : أنْت إنسان مزعج، و نظاميٌّ فوق العادة و ما عادت الأخبار تشبعك...
عادَ في السادسة مساءً... و لجَ إلى البيت لم يجد ما يلفت نظره. كالعادة الطعام ليس معدّاً.. البيت كما كان في السادسة صباحاً.. توقّف قليلاً ثم أخذ كرسيّاً في مقهى ما.. قرأ الأبراج.. تابع ما وراء الأخبار، في المساء المتأخر قالت له : غريب طبعك.. تترك كلَّ شيء و تخرج و لا تسألنا عن حاجتنا.. هذه حياة لا تطاق.. هذا أمرٌ لا يحتمل.. قال لها : هذه أوّل كلمة، و أوّل كلمة صدق، و موقف جادّ أسمعه منك...
مع شروق الشمس وجد نفسه في الطريق إلى المقبرة.. وقف عند قبر أمِّهِ قائلاً لها : الحياة لا تُطاق يا أمّي – البيت جحيم.. سمع صوتَ أمّهِ.. و أنا قلتها لأبيك في يوم من الأيَّام.....

مؤتمر تفصيل

رتَّب أوراقه، أعدَّ نفسَه.. جمع الرجلُ الألمعيُّ ثلَّةً من رجال الصحافةِ و الإعلام. عرف بحنكته وزَّع الهدايا مسبقاً كلَّ حسب حاجته. لم يقصِّر بشيء استفاض بالحديث.. استعرض مشاريعه و قدَّم رؤيته و تجربته..
افتتح أحدهم الحوار : ما الذي يزعجك أيها الأديب الكبيرُ كي نتجَّنَبُهُ ؟
لا.. لا.. لا أحبُّ الحديث عن مراحل تكويني و شهاداتي و مصدرها.. و كيف حصلْتُ على الشهرة ؟ و من كان وراءك ؟
ابتسم الجميع.. و قالت أخرى : ما الذي يضايقك من الأسئلة المحرجة ؟
أتكتب بنفسك، أم هناك فريق عمل يكتب لك ؟ ما لهم و هذه الأسئلة و الخصوصيات ؟ الأعمال الكاملة باسمي. هذا كافٍ ؟
وقف آخر : أنت رجل أعمال و أدب و فكر.. هل تريد سؤالاً معيَّناً و محدّدا ؟
نعم هذا يسعدني.. عندما أفكر بالسؤال و أستوعبه، أطرح السؤال و أجيب عليه...
ثم قال لهم : لا أتمنى الحديث عن خصوصياتي و خصوصيّات عائلتي...
وزّعت الابتسامات... حُمِلت الهدايا.. و في النشرة المسائية تصدّر الأخبار : رجل الأعمال و المفكر الكبير يجيب على أسئلة الصحفيين في مؤتمره الصحفي و لاقى الاستحسان لما فيه من جرأة و وضوح و بعد نظر و عمق تجربة.. سنفصِّل الحديث في نشراتنا القادمة....

أنا رجل متواضع

لَسْتُ من أنصار الجدل البيزنطي، قالها الرجل واثقاً.. بل قلتُها في سرِّي و قلْتُ لا أحبُّ الحديث الطويل و لا الإسهاب... و لمدَّة ساعتين استلَمْتُ الحديث عن تجربتي الشعرية و أهميتها و ريادتي في القصيدة القصيرة حتى الركبة.. في اليوم الثاني قال لهم : أنا شاعر بسيط لا أحبُّ الظهورَ. مع أوَّل رشفة قهوة فتح صندوقه السحريّ وقال هذه صورتي مع الفنان الكبير... و هذه لقطة مع الأديب العالمي و تلك شهادة من رئيس جمعية المعاقين فكريّاً.. وهذه قصاصات منشورة في مجلَّة أوَّل نيسان و هذه نسخ من الترجمة عنّي.. وعندما همَّ أحدهم بالتعليق.. قلتُ لهم اسمحوا لي لديَّ موعد في مقهى آخر....
بخبث قال أحدهم : في الجلسة القادمة سنخصِّص الحديث عن تجربتك و نشرك و ريادتك.
هززت رأسي و قلت : أنا متواضع إذا كان هذا لا يزعجكم..

لا تحـزن

في المكتبة يشعر بالراحة و الطمأنينة.. رغم وضعها الفوضوي هي ملاذُه من صخب الحياة.. يأوي إليها كأمٍّ و حبيبة.. أغنية قديمة من أغاني عبد الوهاب يسمعها بشغف و شوق، لوحة فنية من صديق قديم هاجرَ بعد معاناة و سوءِ حال.
مجموعة من الكتب المهداة..هذا انتقل إلى رحمته تعالى.. و ذاك طلَّق الأدب و زوجته.. و تلك تعيش أحلى أيّامها.. وهذه القصّة أودَتْ بصاحبها إلى الظلمة و الطردِ من الوظيفةَ...
تأمَّلَ العناوين و الإهداءات.. فنجان قهوته لم ينته شعر بصداع.. ضاق صدره.. على الطاولة القديمة العرجاء و بحرف كبير متعرِّج و بلون مغاير وجد ورقة (( يا أنا في البيت يا مكتبتك )) استند على الأريكة المتوعّكة فوجد ورقة ثانية (( إذا لم تفهم الورقة الأولى فافهم الثانية، كلامك و أدبك لا يطعمنا خبزاً و كتبك تسبِّب لي الحساسية لن أعودَ و الكتب في البيت ))
في صباح اليوم التالي كانت الكتب على أرصفة الشارع و كان أصحابُه خول سريره في المشفى...

الصّدى

كفّها الناعمة لامستْ جبهته... مرَّت بلطف مع ندى صوتها.. روحُها الشفّافة طارَتْ فوقه.. قرأت شقاءَه اليومي.. كشفت بعض ما يعانيه.. أعادت النظرة مصحوبة بالدعاء ثم قالت :
يا حبيبي قم للصلاة.. أعادتها ثانية – اقترب شروق الشمس..
يرضى الله عليك و على أولادك..
بتراخٍ قام تشهَّد وحَّد القيوم.. سلك الطريق القصير إلى الحمَّام توضأ.. سمعها تقول له :
سبقتك إلى الصـ..ـلا... ة ولم ينظر إليها..
لم يرَ شحوبها.. لم يرَ خفقان صدرها.. لم ينتبه إلى صوتها المتهدِّج نوى الصلاة.. صلّى و استغفر ربّه
قام إليها و ببرود ساذج سألها : ماذا تفعلين ؟
لم تجبْه.. قال بسرِّه : ربما تقرأ القرآن.. قام و التفت إليها من جديد...- ما بك ؟ ما الذي سوف تفعلينه لنا ؟
سيحضر الأصدقاء. سيباركون لنا.. لم تردَّ عليه.. نظر مليّاً إليها. القرآن فوق وجهها، و عيناها مبصرتان.. ارتفعت شهقة أتبعها صرخة.. في اليوم التالي تأخر عن أداء صلاة الفجر... من جديد اقتربَتْ منه.. وضعَتْ يدها على جبينه... هل تؤدي الصلاة ؟.. أجابها في كلِّ يومٍ أوقظ زوجتي و أولادي..
فتح عينيه فرأى الشمسَ أمامَ النافذة تعاتبه...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى