إنه التتر

، بقلم الطيب عطية عطاوي

.. وفي ضيعتنا ينام
مخالبه لمَّا تبـِنْ
تعاستُه سبقـتْه
وغطىَّ الشمس وراح يسترق السمع
وعاد يمازح ويناور
حرباء .. يتلوَّن
يمتطي رقاباً
ويمتصُّ رحيق النار
فلا ينتصرْ
عاثت خيوله تدكُّ العشق فينا
جفـَّـت سواقينا
وزرْعُنا تآكلت سنابله
اصفرَّت ..
وما عادت تنجب
وماؤنا في كل دربٍ تدفـَّـق
ومزننا لا تمطرْ
دخانه في كل بيت سكنْ
هزيمه .. عند كل بيت فجرْ
وتجعَّدت أرواحنا ..
تقرَّحت أمانينا
عاد يراودنا ..
يبحث عن أرواحنا
عن سواعدنا ..
عن أحلامنا ..
وقفت ساعاته تحاول الانتحار
والموت في خفاء ..
لطمت خدودها الآهات
وما استكان .. وما اعتبرْ
نعقت غربانه ..
وتجمَّعت عند كل بيت .. بوماته
وما انتهى .. بل فجرْ
وراءكم .. وراءكم
سأضرب
سأمتص حنانكم
تلك هي حجتي ..
ذاك هو ديْدني ..
منذ أمدٍ بعيد
لا أزال أبحث عن المزيد
توقفت عجلاتي
من حين لحينْ ..
لكنَّ أجلي سيمتدْ ..
في ضيعتكم سأولد من جديد ..
ليلي طويل كموج البحر سدولهْ
ليلي طويل .. كثيرة همومهْ
ليلي طويل .. نجومه تتمطى
في ضيعتكم سأتنفس من جديد ..
التتر دخل بيتنا يتمطى
أولى لك فأولى
أوقِفوهْ ..
ذاك الشبح .. من أين يتنفس ؟
اصلبوهْ .. اقتلوهْ
ذاك الشبح .. كيف يتلذذ ؟!
عيون شاخت وبان عُوَّارها
أجساد تحنَّـطت في أول الطريق
ما أكملت الطريقْ ..
أقلامٌ دفنتها جحافل التترْ ..
تمتطي قرونه أحزاننا
تصطاد مخالبُه العشقَ فينا
لا كلمات .. لا حروف تنطقْ
لا ملائكة تسجد
لا مساجد يذكر فيها اسم الله
إنه العذاب
إنه يوم الحشرْ
إنه التترْ
جاء عمر يستنفرْ
وضع ميزانه في وجه التترْ
سأبدأ في حسابكم
لن أقصيَ أحد ..
وفي لمح البصرْ ..
لحظة غدر
دُفِن عمر .. !
حنـَّـطوه ..
بكته ناهد وبكرْ
عجوز وطفل وحجرْ
صمتَ العدل ..
وعادت أنياب الظلام تنهش عظمنا
في سوق النخاسة .. تبيعنا
لعقنا .. كم لعقنا
من مائه العكِرْ .. !
تلك الأنياب زادت في نهشنا
عشر سنين مستلقون على بطوننا
عشر سنين نأكل خشاش الأرض
ما عادت ضيعتنا تنجب ..
نتوسد مرارتنا .. ونحفر ألف قبر وقبر
نشتري أرماسنا ..
لنا الآخرة .. وللتتر الأولى
هكذا علَّـمني أبي وجدِّي
ومن بقي حيٌّ على سطح القمرْ
قلوبنا تعلـَّبت في أكياس سوداء
صرنا نخشاها .. تلك الأكياس
صادرتْ أحلامنا ..
أخمدتْ أصواتنا ..
أطفأت سهراتنا ..
عجَّلْتَ بأرواحنا إلى اللاوجود !
تبكيك يا بيبرسُ أحلامنا
وفي ضيعتنا هذا الماردُ يستنسرْ
هي الحياة كما شاء لها القدر
نحياها ..
هي الحياة تهبنا إلى القدر
عشر سنين رضعناها حجرْ
عشر سنين لم تنبت لنا سن ولا ضرس
تعبت قوافلنا ..
كسدت بضاعتنا ..
بارت تجارتنا ..
عشر سنين والمارد يستحمُّ بضيعتنا
يُمناه دماء ويُسراه احمرار
المارد والتتر أخوان شقيقان
فوق ابتسامات عقولنا يمشيان
يعبثان برؤوسٍ أضناها العطش ..
وقفنا في وجهه
وعذبناه بوجودنا
لم نترجَّل له ..
لم نتحزّب معه ..
تركناه .. وما تركنا
استعطفناه .. وما عطف علينا
راح يسدُّ علينا أسورة من عذاب
في رحِم النكرات والمعارف سلخناه ..
سلخناه من حياتنا
مزقنا في حضرته بطاقات هوِّيتنا
وتسلق ينبش حياءنا
رضع من كبريائنا .. وما انفطمْ
رجع يعبث بمياه ضيعتنا
إنه التتر ..
في كل زاوية ينهزم
تطوِّقنا .. عثراته
أصبح في ضيعتنا خدم وحشم
لا سيِّد فوق التتر
وتنهض ضيعتنا على أمرٍ قد قُدِرْ
وفي زحمة الخطر
يطل من نافذة التاريخ
بيبرس ..
لقد عاد .. وما عادت خيوله
عاد وحيداً يترجَّلْ
له قلبٌ وعقلُ نظرْ
طاف بأركان ضيعتنا
شمَّ وردها ..
لمس شجرها ..
جسَّ نبضها ..
وصرخ بأعلى صوته :
سأخمِد الحريقْ !
وشيئاً فشيئاً
تستفيق ضيعتنا من سُباتها
تكسِّر أغلالها ..
تخرج أضغانها ..
في وجه النار تتفجر
ويمسك بعضنا يد بعض
ونهرع مبحوحي الأصوات
في وجه الظلام ..
اخرجْ ..
اخرجْ ..
ما عاد لك مكان بيننا
اخرجْ ..
خذْ خوفك وارحلْ
.. وابتلعت قوافله العلقم
.. وارتدمْ
.. غاص في رماله
خنق نفسه
عجَّل بأيامه إلى الأبد
فتصحو عقولنا ..
وينمو حصادنا ..
وتتفجر أنهارنا ..
عادت مُزْنُنا تمطر
وبقيت تمطر
وتحنو سنابلنا في تواضع
تخلَّصْنا من التتر ..