الجمعة ٢٣ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٥
بقلم محمد زكريا توفيق

طيور تبني حضانات للبيض

الطيور من ذوات الدم الساخن. درجة حرارة أجسامها ثابتة، تتراوح بين 41 و 43 درجة مئوية. لو ارتفعت درجة حرارة جسم الإنسان إلى مثل هذه الدرجة، لكان هذا دليلا على إصابته بالحمى.

ارتفاع درجة حرارة أجسام الطيور سببه سرعة تمثيلها الغذائي. مما يساعد على سرعة حركتها وردود أفعالها. الفرق بين الطيور والثدييات ذات الدم الحار، وبين الحيوانات ذات الدم البارد، مثل الأسماك والزواحف، هو ثبات درجة حرارة أجسامها، عند درجة معينة، صيفا أو شتاء أو عند خط الاستواء أو في القطبين.

ما يساعد الطيور على حفظ درجة أجسامها ثابتة، هو وجود الريش. الريش مكون من مادة الكيراتين. وهي نفس المادة التي يتكون منها قشر السمك وجلد الثعبان والأظافر والحوافر.

معظم الطيور لايزال لديها قشور على أرجلها. لكن على باقي الجسد، قد تغير شكل هذه القشور وتحول إلى ريش. مادة الكيراتين والهواء الذي يتخلل بين طيات الريش يكونان عازل ممتاز، يساعد على عدم تسرب حرارة الجسم.

الكل يعرف أن الطيور تبني عشوشها وترقد على بيضها لكي تحفظ حرارته حتى الفقس. لكن القليل منا يعرف أن بعض الطيور تترك عملية حفظ حرارة بيضها لعوامل خارجية. التماسيح تفعل شيئا من هذا القبيل، فهي تدفن بيضها في كومة قش وبقايا نباتات، وتحرص على أن تظل رطبة حتى تتحلل النباتات بفعل الباكتيريا ويتولد من ذلك حرارة تساعد على فقس البيض.

نفس الطريقة تستخدمها طيور من فصيلة ميجابوديداي، وتعني أبو رجلين كبيرة. وهي نوع من الدجاج يتميز برجلين ضخمة بالنسبة لجسمه. أرجل بهذا الحجم هامة جدا ومسألة حياة أو موت للطائر منذ خروجه من البيضة.

هذا لأن الكتكوت فور خروجه من البيضة، عليه أن يقوم بنفسه بالحفر للخروج من مدفنه أسفل كومة عميقة إلى السطح، حيث الهواء ونور الشمس. وهو أيضا يحتاج إلى مثل هذه الأرجل عندما يقوم ببناء كومة خاصة به كحضانة يدفن بها بيضه.

هذا الطائر، أبو رجلين كبيرة، يعيش في قارة أستراليا وغينيا الجديدة والجزر المحيطة بما. هناك 20 نوع بأحجام مختلفة، منها طيور الرومي المعروفة في بلادنا (الديك الرومي). بعضها يعيش في الأحراش الكثيفة، والبعض يعيش في مناطق السفانا الحارة أو في الجبال.

دعنا نتحدث عن نوع من الطيور الرومي يعرف باسم أليكتورا لاثامي، أو الرومي أبو فرشة. يعيش في غابات أستراليا الشرقية. الديك هو الذي يختار مكان حضانة البيض. الديوك قوامون على الدجاجات.

يختار الديك مكانا في الظل، ويظل لمدة أسابيع يجمع أغصان نباتات وحشائش خضراء أو جافة، مبللة بماء المطر. يضعها في شكل كومة كبيرة، ويضع على قمتها بعض الحصى والرمل والطمي من أرض التربة. وهي أفضل طريقة لصنع السباخ. من وقت لآخر، يصعد فوق الكومة ويضغط عليها برجليه لكي يضمن تماسكها.

يظل يجمع المواد برجليه ويرجع بظهره ليضعها على الكومة، إلى أن يبلغ قطر الكومة 3 أو 4 أمتار، وارتفاعها نصف متر. الدجاجة الأنثى التي تقترب أثناء بناء الحضانة، لا تلقى أي ترحيب. لسان حاله يقول: "دعيني وشأني فلدي ما هو أهم منك، ولم يحن الوقت بعد للحب"

متى إذن يحين الوقت، أو كما يقول عبد الوهاب: امتى الزمان يسمح يا جميل؟ عندما تثبت درجة الحرارة داخل الحضانة، أو الكومة، عند درجة 35 مئوية. وهي الدرجة اللازمة لنجاح عملية التفريخ والفقس.

البيض يحتاج إلى الدفئ والحرارة. لذلك كان الرجل يقلع ملط، بلبوص، ويرقد فوق البيض في معامل التفريخ في الأرياف لكي يساعد البيض تحته على الفقس. هذا بالطبع قبل استخدام أجهزة التكييف الحديثة.

الغريب أن صديقنا الديك، الذي يقوم ببناء حضانة البيض وحده، يقيس درجة الحرارة داخل الكومة يوميا. كيف يفعل ذلك؟ يقوم بحفر حفرة عميقة تسمح له بالغوص داخلها بكامله فيما عدا ذيله. ثم يختبر درجة الحرارة بمنقاره المفتوح. يأخذ شيئا من التربة ويتفله. ربما يعمل لسانه أو غشاء فمه الداخلي كثرموميتر حساس. درجة حرارة 35 مئوية بالضبط.

إذا كانت درجة الحرارة داخل الحضانة أزيد من اللازم، يعمل فتحات تهوية للتبريد. وإذا لم تكن درجة الحرارة كافية، يضيف المزيد من المواد العضوية والنباتات للكومة، ثم يغلق الحفرة.

عندما تصبح الكومة جاهزة ومعدة لاحتضان البيض، أي عندما تصبح درجة الحرارة ثابة داخلها عند 35 درجة مئوية، يبدأ في الغناء مناديا حبيبة القلب. فتأتي وتقوم بوضع أول بيضة لها في حفرة عميقة في الكومة، ويقوم الديك بعد ذلك بردم الحفرة بمواد الكومة. يتكرر هذا الفعل مرة كل يومين أو ثلاثة، لمدة ثلاثة أسابيع.

بعد أن تضع الدجاجة آخر بيضها، ينتهي دورها وتترك المكان ولا تعير اهتمامها للعش أو لحضانة البيض هذه. وطظ في الحضانة وما فيها من أبناء المستقبل. لكن صاحبنا المسكين، الديك، يظل مهموما بضبط درجة الحرارة داخل العش، سواء بعمل فتحات التهوية أو بإضافة المواد العضوية، إلى أن يتم الفقس. البيض يحتاج من 9 إلى 10 أسابيع.

بعد أن يترك الكتكوت البيضة، عليه أن يخرج بنفسه من باطن كومة السباخ هذه. هذا يتطلب منه الحفر لمدة قد تبلغ عدة ساعات في المتوسط. ربما تتوقع أن يقابله الأب بالترحاب والفرح والأحضان، ويأخذه تحت جناحية بحنان.

خصوصا بعد أن بذل هذا الجهد الغير عادي لتسهيل قدومه للحياة. لكن الحقيقة غير ذلك. فهو عندما يقابل أولاده أول مرة، حتى بالصدفة، يتصرف كأنه لا يعرفهم وليسوا أولاده ولا يمتون إليه بأي صلة.

الكتاكيت الصغار، فور خروجها للسطح، تختبئ في أقرب مكان تجده. إنها تستطيع أن ترفرف بجناحيها وتطير بعد يوم من خروجها. الصلة هنا مقطوعة تماما بين الأبوين والأبناء.

طيور الشقبان تنتشر في منطقة المحيط الهادي-الهندي. هي أصغر من الرومي أبو فرشة. لكن تمتاز بأرجل كبيرة جدا. هذا الطائر يعتبر ملك الطيور التي تبني عشوشها من أكوام السباخ.

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/c/c4/Mégapode_de_Reinwardt.jpg

عشه أو حضانة بيضه التي يبنيها قد يصل قطرها 12 متر، وارتفاعها 5 أمتار. بالنسبة لحجمه تعتبر هرم أكبر. لا يضاهيه في ذلك أي طائر آخر. ربما يفسر ذلك حاجته للأرجل الكبيرة.

لكن جائزة الصبر والمثابرة والعمل النشيط تذهب إلى طائر آخر من نفس فصيلة أبو رجلين كبيرة، دواجن مالي. هذه الطيور تعرف أيضا باسم دواجن الثرموميتر. لأنها تقضي 10 أو 11 شهرا من كل عام في العمل الشاق للتحكم وتنظيم درجة حرارة عشها.

مشكلتها هنا تأتي من تغير الطقس السريع من النهار إلى الليل ومن يوم لآخر، في المناطق المكشوفة وسط قارة أستراليا. الخضرة والمواد اللازمة لعمل كومة السباخ نادرة. مع الجفاف، أي كومة معرضة لأشعة الشمس الحارقة سوف تجف بسرعة، ولا يتخمر ما بداخلها بفعل الباكتيريا، ومن ثم لا ترتفع درجة الحرارة بالداخل في كومة السباخ.

يبدأ بناء العش أو حضانة البيض في شهر أبريل أو مايو، حسب وصول أول أمطار الخريف إلى المنطقة. هذه من شهور الخريف في القارة الأسترالية، لأنها تقع جنوب خط الإستواء.

تبدأ طيور مالي في بناء حفرة كبيرة بعمق متر. تلقي بها أي غصن أو ورقة شجر أو جزء من نبات أخر تجده في المنطقة المجاورة، ثم تبحث في دائرة قطرها 100 متر حول العش.

تملأ الطيور الحفرة بالكامل بالمواد العضوية، ثم تضع فوقه كومة من الرمال مخلوطة بمواد عضوية وأجزاء من نباتات وأوراق الشجر. ثم تقوم بتسوية السطح الخارجي للكومة. هنا، الديك والدجاجة يتعاونان في أداء هذا العمل الشاق، لكن الديك هو من يقوم بمعظم العمل.

حالا تبدأ المواد العضوية في التخمر والتعفن. ترتفع درجة الحرارة رويدا رويدا. بعد 4 شهور، تصل الحرارة بالداخل إلى 34 درجة مئوية. هذا يعني أن وضع البيض يجب أن يبدأ في شهر أغسطس، شهر شتاء.

من هذا الوقت، تضع الدجاجة بيضة كل أربعة أيام. يقوم الديك بحفر غرفة داخلية في أعلى الكومة، هي بمثابة حضانة للبيض. ثم يقوم بفحص درجة الحرارة داخلها بنفس الطريقة التي يستخدما الديك الرومي أبو فرشة.

بعد ذلك، تدخل الدجاجة وتختبر درجة الحرارة بنفسها، زيادة في التأكد. إن لم يعجبها الحال ووجدت أن الغرفة بها عيب، على الديك أن يجد مكانا آخر للغرفة في الكومة. آدي الستات والا بلاش. بعد أن تضع الدجاجة بيضتها، يقوم الديك بقفل المدخل.
الأعمال التحضيرية تستمر 4 شهور، وحضانة البيض تأخذ من 6 إلى 7 شهور، حتى يفقس آخر كتكوت. هذا يعني أن الطائر يقضي وقته بالكامل طول العام تقريبا في عملية بناء حضانة للبيض والحفاظ على درجة الحرارة بداخلها ثابتة عند درجة 34 مئوية. درجة الحرارة يتم فحصها تقريبا يوميا. ويتم التحكم فيها في حدود درجة واحدة بالزيادة أو النقصان.

طريقة التحكم في درجة الحرارة تتوقف على التغير في الطقس والمناخ. في الربيع، يكفي للتخلص من الحرارة الزائدة بفتح طاقات تهوية في الوقت المناسب. في الصيف، يبطئ التخمر، لكن تزداد حرارة الشمس. لكي يحافظ الطائر على حرارة العش، يبدأ في إضافة رمال للكومة.

لكن عندما تبدأ حرارة الشمس في التسرب إلى داخل العش بالرغم من هذه الاحتياطيات، يقوم الطائر بعمل مفاجئ للتغلب على هذه المشكلة. يقوم الديك والدجاجة بهدم قبة الكومة التي بها البيض في طراوة الصباح، ثم يقومان بالحفر حتى يصلا إلى البيض. ثم يفردان فوقه الرمال. عندما يبرد البيض، يضعان فوقه طبقة من المواد القديمة العضوية كعازل للحرارة. هذا العمل يستغرق من 2 إلى 3 ساعات.

في الخريف، عندما تتوقف عملية التخمر التي تنتج الحرارة، وتضعف حرارة الشمس، يتم هدم القبة في آخر ساعات الصباح، ويوضع طبقة رقيقة من الرمال فوق البيض، الذي يتم تدفئته بشمس الظهيرة. الرمال التي تزال يتم فردها في الشمس مع التقليب المستمر، ثم يعاد وضعها ثانية على البيض. هذا عمل يستغرف على الأقل 5 ساعات.

إنه شئ مدهش حقا أن تقوم الطيور بالتحكم في درجات الحرارة بمثل هذا السلوك. كيف تجعل حرارة العش ثابتة عند 34 درجة مئوية معظم الوقت بالتمام والكمال بدون زيادة أو نقصان؟ لذلك تسمى هذه الطيور، دواجن الثرموميتر.

الكتاكيت بعد الفقس، عليها أن تكافح للخروج من العش لمدة من 2 إلى 15 ساعة لكي تصل إلى السطح. تختبئ فور خروجها وتستطيع الطيران بعد 24 ساعة من الفقس. الأب والأم لا يعترفان بالكتاكيت كأبناء، ولا تحدث بينهم وبين الأبوين أي علاقة عائلية.

البيض يفقس بعد 50 يوم في الحضانة. بعد شهر، يبلغ عدد البيض في العش 12 بيضة. معدل وضع البيض هو نفسه معدل الفقس حتى نهاية الموسم. الدجاجة تضع من 16 إلى 33 بيضة في الموسم. بعد فقس آخر بيضة، ينفصل الأبوان عن بعضهما للراحة. بعد شهر أو شهرين، يتقابلان من جديد لبداية سنة جديدة وعمل شاق جديد. زواجهما زواج أبدي مثل زواج الكاثوليك والأقباط في مصر.

السؤال هنا، ألا تعلم هذه الطيور ذات الأقدام الكبيرة أنها من ذوات الدم الساخن، وأن حرارة أجسامها ثابتة، فيمكنها أن ترقد على البيض لتدفئته بحرارة أجسامها، بدلا من هذا الغلب الأبدي؟ هذا ما تفعله معظم الطيور.

أم هذه معلومات موروثة في جيناتها أتت من جدودها ذات الدم البارد قبل التطور؟ من يقوم بنفس الفعل من ذات الدم البارد هي التماسيح، ومن يقوم بدفن بيضه في الرمال وترك أشعة الشمس لكي تقوم بالتدفئة، هي البرمائيات مثل السلاحف. أليس هذا دليل آخر على صحة نظرية التطور؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى