الاثنين ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٥
بقلم محمد زكريا توفيق

طيور لا تبني عشوشا

يعتقد معظم الناس أن الطيور هي كائنات لها ريش، تبني عشوشا لتبيض فيها ثم ترقد على البيض لكي يفقس كتاكيت. لكن هذه فكرة عامة جدا. عملية الانجاب والتفريخ بالنسبة للطيور تختلف وتتنوع كثيرا.

في المقال السابق، ذكرنا طيورا تبني عشوشا من السباخ، لا لتسكن فيها وتبيض مثل غالبية الطيور، ولكن لكي تعمل كحضانات للبيض. تستمد الحرارة اللازمة للفقس من تفاعل المواد العضوية داخل كومة السباخ. هناك أيضا طيور ترقد على البيض، لكنها لا تبني عشوشا معقدة. في الواقع هناك أنواع مختلفة عديدة تعيش في بقاع مختلفة من العالم، تفعل ذلك.

طائر الوقواق، أو الكوكو، ليس لديه أخلاق بالمرة. انتهازي كما يجب أن تكون الإنتهازية. فهو لا يبني عشا تبيض فيه الأنثى وتتناوب الرقاد على البيض هي والذكر. وتقوم بالعناية بالكتاكيت حتى تطير وتغادر العش في سلام.

طيب ليه البناء والرملة والطوب والتعب ووجع الدماغ ده؟ بناء العش عاوز تفكير ومجهود، والرقاد على البيض يحد من حرية الفرد ويعرض الأبوين للخطر. كما أن إطعام الصغار عاوز مجهود كبير ومسئولية كبيرة.

ماهو في حل سهل. هو صحيح من وجهة نظر البني آدمين وبتوع حقوق الإنسان، حل كله ندالة وسفاله ولا يمت للأخلاق بصلة. لكن من وجهة نظر طائر الكوكو، هذا الحل كله فتاكة وفهلوة وجدعنة.

تقوم أنثى طائر الكوكو بوضع بيضتها في عش طائر آخر أصغر حجما. في الوقت المناسب، تنقض أنثى الكوكو على العش المستهدف كطائرة فانتوم. أول ما تفعله، تقوم بدحرجة بيضة واحدةمن العش للتخلص منها وفسح مكان. ثم تقوم بوضع بيضتها هي بين باقي البيض.

ثم تطير وقد أنهت مأموريتها الدنيئة وأخلت مسئوليتها قبل أولادها. هذا العمل الدنئ يستغرق فقط 10 ثوان. تحرص المجرمة على أن تضع بيضة واحدة في كل عش تزوره. وهي في الموسم الواحد، قد تزور 50 عشا.

يأتي الطائر المسكين صاحب العش، فلا يلاحظ وجود بيضة كبيرة مختلفة اللون بين بيضه. طائر عبيط، وآهو كله بيض. وكله عند العرب صابون. يرقد عليه ويتبادل الرقاد مع زوجته الأغبى منه. إلى أن يفقس المجرم الصغير. ويكون حجمه أكبر كثيرا من حجم الكتاكيت صاحبة العش.

أول ما يفعله هذا المفتري، هو دفع الكتاكيت الصغار بجناحيه لكي تسقط من عال وتلقى حتفها. الأب والأم أصحاب العش يعتقدان أن هذا البغل هو ابنهما. فيقومان بإطعامه والعناية به حتى يكبر ويغادر العش. ولا يلتفتان إلى أبنائهما الجرحى والقتلى أسفل العش.

عجيبة أخرى من عجائب هذا الكون، هي طائر البطريق الامبراطوري. هو طائر كبير الحجم نسبيا، عندما يقف يبلغ ارتفاعه متر و15 سم. له جناحين لكن لا يطير بهما. يعيش في القطب الجنوبي في بيئة قاسية جدا، حيث تصل درجة الحرارة إلى 60 درجة مئوية تحت الصفر. أي أبرد من لوح الثلج بستين درجة.

الرياح في القطبين تزيد من برودة الجو أكثر من ذلك بكثير. لكي يتغلب طائر البطريق على هذا البرد القاتل، يقف في جماعات متلاصقة. عندما يشعر الطائر داخل المجموعة بالدفئ بعض الشئ، ينتقل من الداخل إلى محيط الجماعة حتى يسمح لغيره بالدخول والدفئ داخل المجموعة. قمة التعاون والأخلاق الحميدة التي لا يعرفها الإنسان.

طائر البطريق الامبراطوري، يبيض في فصل الشتاء الطويل قارس البرد. ليس له عش، لأن المكان ليس به سوى الثلوج والظلام، والعش يحتاج إلى مواد بناء. فكيف يحمي بيضه من هذا الصقيع الذي يقتل ما بداخل البيضه في دقائق معدودة؟

تضع الأنثى بيضة واحدة وتتركها للذكر. ثم تغادر في رحلة طويلة لمدة شهرين للصيد. تقطع خلالها مسافة 80 كيلومتر، لكي تصل إلى مياه المحيط حيث توجد الأسماك. طائر البطريق يستطيع أن يغوص إلى عمق 565 متر، أكثر من أي طائر آخر، ويستطيع أن يبقى مدة 20 دقيقة تحت الماء.

ذكر البطريق عليه أن يحافظ على البيضه التي تركتها له زوجته، وأن يبقيها سليمة دافئة، وإلا مات الجنين داخلها. فماذا يفعل وهي طيور لا ترقد على البيض مثل باقي الطيور؟

يضع البيضة على قدميهه المضمومتان، ويحتضنها بطبقة جلدية مكسية بالريش أسفل بطنه. يظل كذلك لمدة شهرين والبيضة محصورة بين القدمين المضمومتين وأسفل البطن، أثناء غياب الزوجة في رحلة الصيد الطويلة.

الزوج يعمل جليس أطفال بدون أجر. لا يأكل، فليس هناك ما يؤكل في هذا الجو المرعب. هو الآن وبيضته تحت رحمة البرد القارس والعواصف الثلجية التي لا ترحم. إذا سقطت منه البيضة على الثلج، فإنها تتشقق وتفسد في الحال.

عندما تعود الزوجة، إذا عادت سالمة وهربت من مطاردة الفقمة المفترسة، تكون أفضل حالا من زوجها المسكين الذي على لحم بطنه منذ شهرين وميت من الجوع. فهي قد أكلت وشبعت وملأت بطنها بالإسماك وعادت سالمة.

تستلم الأم ابنها الذي يكون قد فقس في حضن الأب. تضعه في نفس المكان بين الرجلين المضمومتين وأسفل البطن. ثم تجتر الطعام من جوفها لتطعم به فرخها الذي يكون على لحم بطنه هو الآخر. أما الأب المسكين، فينتهي دوره هنا. يذهب إلى حال سبيله باحثا عن الماء لعله يجد بعض الأسماك كي تبقيه على قيد الحياة.

الأم تعتني بابنها كما تفعل باقي الأمهات. تقدم له الغذاء وتغطيه بجلدها المغطي بالريش للدفئ. خارج حماية الأم، يموت الكتكوت في بضع دقائق. في شهر ديسمبر، وهو من شهور الصيف في القطب الجنوبي، تبدأ الثلوج في الذوبان وتظهر ميهاه المحيط بالقرب من مكان الفقس. وتكون صغار طائر البطريق في هذه الحالة، مستعدة للغوص والصيد واللعب بمفردها.

نوع من الطيور البحرية، فصيلة الأوك، تعيش على الأسماك. في فترة التزاوج، تتجمع على أحد جزر الطيور المشهورة أو على أحد سواحل نصف الكرة الشمالي. عشرات الألوف في جزيرة جرينلاند وحدها. ليس لها عش بالمعنى التقليدي، إنما تضع الأنثى بيضة واحدة على الصخر بدون عش.

نوع آخر من الطيور البحرية، يرسم دائرة بخراجه على الصخر ويضع داخلها بيضتين أو ثلاثة. عند الفقس، يدفع الأخ الأقوى أخوه أو أخويه خارج الدائرة. مثل ألعاب المصارعة الياباني.

الأبوين لا يعترفان إلا بمن يوجد داخل الدائرة. يقومان برعاية الفرخ المفتري داخل الدائرة ويقدمان له الحماية والغذاء، ولا يلتفتان لأبنائهما الصغار بالقرب منهما خارج الدائرة وهم يتضورون جوعا. القوي له كل شئ، والضعيف لا شئ حتى في الطيور. وقد يكون الفكر أيضا لا يخرج عن كونه دائرة من الخراج، لكنها تقسمنا إلى نحن وهم. وتخلق الكره والبغضاء بين بني البشر.

النعامة التي تعيش في المناطق الصحراوية والسافانا بأفريقيا، هي أيضا لا تبني عشوشا لها بالمعنى التقليدي. إنما يحفر الذكر حفرة في الأرض ويرقد فيها. تأتـي الأنثى وتضع أمامه بيضتها، فيسحبها بمنقاره ويضعها تحته حتى يصل العدد إلى ثمانية. وبما أن ذكر النعام يؤمن بتعدد الزوجات، فقد يتضاعف هذا العدد مرات ومرات.

يقوم كلا من الذكر والأنثى بالرقاد على البيض بالتناوب. يفقس البيض بعد ستة أسابيع. تخرج بعدها الكتاكيت بعد الفقس من الحفرة وتجري في كل مكان بحثا عن الحرية الغير موجودة في هذا العالم الجديد، ويقوم الأبوان برعاية أطفالهما الصغار مدة طويلة.

البطة عادة تضع بيضها في مكان ما على الأرض آمن بين الشجيرات والبوص. تختار حفرة غير عميقة وتبطنها بالحشائش الجافة. تضع فيها بيضها وترقد عليه. وإذا تركته، تغطيه بورق الشجر والحشائش لتحفظ حرارته ثابتة وتخفيه عن العيون الجائعة.

البط البري، مالارد، أو الشرشيري كما نسميه في بلادنا، يستخدم عشوشا لا على الأرض ولكن على الشجر. هو لا يبني العش بنفسه، ولكن يستخدم عشا مهجورا تركه غراب أو طائر آخر. وحيث أن الصغار تترك العش فور الفقس، وهي لا تستطيع الطيران فلم ينبت لها ريش بعد، ليس أمامها سوى القفذ إلى أسفل.

أجسامها النحيلة خفيفة جدا، فلا يسبب لها السقوط أي أضرار مهما كانت المسافة كبيرة. الأم تقود الموكب الرسمي المكون من 8 إلى 16 بطة صغيرة إلى أقرب بركة أو نهر. حيث تجيد الكتاكيت السباحة بمهارة، لا الطيران. لذلك وصولها للماء يكون أكثر أمنا لها.

قد تطول المسافة إلى النهر، وقد تتعرض الكتاكيت الصغيرة لخطر داهم. مثل ظهور ثعلب مكار في الأفق. هنا تظهر عبقرية الأم في جذب انتباه الثعلب بعيدا عن صغارها. بأن تتظاهر بأنها طائر جريح لا يقدر على السير، ولقمة سائغة سهلة له. وعندما يقترب منها الثعلب ويبتعد عن أطفالها، تفر هاربة أمامه. ثم تكرر هذا العمل عدة مرات، بينما الصغار تواصل مسيرتها إلى النهر حيث الأمان.

البيض يلزمه 26 يوما للفقس. بعدها يفقس كل البيض في خلال ساعات قليلة. هذا أمر هام جدا، لأنه يمكن الكتاكيت من مغادرة العش جميعا في وقت واحد مع الأم. السؤال هنا، كيف توفر للبيض كله الفقس في وقت واحد تقريبا؟ البطة لم تضع بيضها كله في وقت واحد.

قبل الفقس بيوم أو اثنين، يبدأ الكتكوت في التنفس داخل البيضة مستخدما الغرفة الهوائية الصغير في نهاية البيضة، والتي يتجدد هواؤها خلال مسام القشرة.

القشرة تصبح رقيقة في ذلك الوقت بسبب امتصاص الكتكوت الكلسيوم منها المستمر لتقوية عظامه. مع التنفس، يصدر الكتكوت أصواتا ضعيفة.

اكتشف العلماء أن البيضة المجاورة تسمعها وكذلك الأم. هذا يذكرنا بالبرنامج الإذاعي الرائع، علي بابا والأربعين حرامي. "هو لسه مصفرش؟ لسه. خايف منسمعش؟ لأ حنسمع."

هذه الأصوات هامة في تنظيم عملية الفقس. تجعل كل الكتاكيت تبدأ في النقر لتحطيم القشرة، التي أصبحت هشة، في نفس الوقت تقريبا. للخروج في آن واحد والهجوم على علي بابا، الحرامي الذي تجرأ وقام بسرقة الحرامية.

لكن، ما أهمية خروج الكتاكيت في نفس الوقت؟ لكي تتساوى فرصتها جميعا في الحياة، وحتى لا يطغى الأخ الأكبر على اخوته الصغار الذين يأتون من بعده.

في حديقة حيوانات جامعة ميونيخ في قلب المدينة، قام العلماء بعمل عدة جزر صناعية لدراسة سلوك النمل. على أحد هذه الجزر، جاء زوج من البط البري لكي يبني عشه عليها.

بعد فقس البيض في يوم أحد، وهو يوم العطلة الأسبوعية، أخذت الأم عائلتها وسارت بها على الفور، هي في الأمام وخلفها طابور من الكتاكيت أولادها. اتجهت نحو النهر لتقطع مسافة قدرها 2 كيلومتر تقريبا عبر المدينة.

لحسن الحظ، لم تكن الشوارع مزدحمة بالعربات في يوم العطلة الأسبوعية. بعد أن قطعت خمس المسافة، شاهدها عسكري المرور. فأوقف المرور بالميدان وقام بالاتصال بجمعية الرفق بالحيوان حتى تعمل اللازم لضمان وصول هذا الموكب الجليل إلى غايته في سلام ووئام.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى