الألقاب الجزائرية.. الجريمة المسكوت عنها

، بقلم زكية علال

ما لقبك؟

عندما تجيب السائل، تلاحظ على وجهه ابتسامة توحي بسخرية يحاول صاحبها أن يسترها.. تلتفت إلى نفسك فتجد أنك في أحسن صورة، وفي مركز اجتماعي مرموق تُحسد عليه، ولاشيء يدعو لهذه السخرية، لكن تلتفت إلى لقبك، فتجد أنه يرتبط بحيوان يعافه البشر أو بحشرة يحتقرها الناس أو بعيب من العيوب الخَلقية التي تنقص من قيمة الإنسان كالعمى أو الصمم أو العرج أو.....

إنها عيوب الألقاب الجزائرية.. الجريمة المسكوت عنها.

كثيرا ما نتحدث عن المجازر التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر والمقابر الجماعية التي يتم اكتشافها من حين لآخر، لأنها كانت تقتل عائلة أو دشرة بأكملها وتحفر لها حفرة ثم تُرمى فيها ويُهال عليها التراب لتدوسها الأقدام.. نتحدث عن مليون ونصف مليون من الشهداء الذين سقوا شجرة الحرية، وعن أساليب التعذيب الوحشية التي لم يكن ليصمد أمامها إلا رجل ملأ قلبه الإيمان، فكانوا يعذبون من يقع بين أيديهم من المجاهدين أو من يشكّون فقط أنه له علاقة بجبهة التحرير، بالماء والكهرباء، ونزع الأظافر وربط اللسان والجلد والترويع بالكلاب التي تنهش لحم السجين أمام قهقهات الجنود الفرنسيين الذين لبستهم الغطرسة.. نتحدث عن الشباب الجزائري الذي أقحمته فرنسا في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل ووجد نفسه في مواجهة الآلية الألمانية.. نتحدث كثيرا عن التجارب النووية في الجنوب الجزائري وما خلفته وتخلفه من آثار نفسية وجسمية امتدت حتى إلى الدول المجاورة للجنوب.. نتحدث عن استعمار جوّع شعبا بعدما كان شبعان يطعم نفسه ويصدر خيراته لمن قلّ إنتاجهم، وضعُف جهدهم، استعمار جعل حظ الجزائريين من العلم قليلا جدا، ويكاد ينعدم في بعض المناطق وخاصة النائية.. نتحدث عن كل هذا ونطالب فرنسا باعتذار رسمي، وهي تراوغ..

ومع كل هذه الجرائم غفلنا عن جريمة شنيعة تمس الهوية الجزائرية، بل تمس كرامة الإنسان لأنها تخص شخصه وهو مرغم على أن يورثها لأولاده وأحفاده.. إنها الألقاب التي يحملها الجزائريون والتي في معظمها ـ مشينة.

منذ السنوات الأولى لدخول فرنسا وبالضبط سنة 1858 عمدت إلى إنشاء مؤسسة الحالة المدنية المنبثق عن القانون المدني الفرنسي لتتضح معالمها بصفة رسمية ومقننة سنة 1882 ليصبح الفرد معزولا عن الجماعة وحتى عن أبيه الذي أتى من صلبه، وأطلقت على العائلات الجزائرية ألقابا غريبة، بل ومشينة , ولن يكون عسيرا على أي كان أن ينظر في قريته أو في مدينته أو في الأسماء المتداولة عبر وسائل الإعلام ليعرف حجم المجزرة التي ارتكبها المستدمر في حق الهوية الجزائرية.. أغلب الألقاب تتصل بالحيوانات والعيوب والتشوهات وحتى الألوان والأماكن وأعضاء كثيرة من الجسد، فالحشرات حاضرة بكثرة كالنحل والذباب والناموس والنمل، كما سجلت الحيوانات الأليفة والمتوحشة حضورها القوي في ألقابنا كالحمار والبغل والنمر والذئب والطائر والعصفور والأسد، وأحيانا تكون أسماء هذه الحيوانات بالغة العربية الفصحى، وأحيانا بالعامية. وإذا لم يكن اللقب على صلة بالحيوان أو الحشرات كانت له علاقة بالعيوب التي تتعلق بالصمم والعمى والعرج، وإذا لم يكن هذا، أُلحق اللقب بعضو من أعضاء الجسم وأُلحقت به " بو" دلالة على شدة الالتصاق به كالعين والأذن واليد والرأس والشعر والرجل والردفين والشارب والأصابع والكرش وحتى الفخذ كان له نصيب من الألقاب التي علقت بالعائلات الجزائرية، وأحيانا تكون في صيغة المفرد وأحيانا بصيغة المثنى وأحيانا أخرى بصيغة الجمع. والأبشع من هذا كله أن بعض الألقاب نستحي أن نتداولها لأنها مخجلة وتتنافى والأخلاق.

الكارثة الكبرى عندما يكون من يحمل هذا اللقب إطارا ساميا أو مسؤولا كبيرا يُتداول اسمه في المحافل الدولية وتردده الصحافة كثيرا.

الدراسات كشفت أن الألقاب الجزائرية قبل الاحتلال كانت ثلاثية " الابن، الأب،الجد " وأحيانا خماسية تضاف لها المهنة والمنطقة، مثلا : أحمد علي محمد القهواجي الميلي، وأن المشاريع الإدماجية الاستعمارية الفرنسية هي التي أحدثت الكثير من التغيرات والتحولات، ومن بينها " قانون إقامة الأحوال النسبية " والذي بموجبه أجبرت الأهالي على تسجيل المواليد الجدد وعقود الزواج لدى مصلحة الحالة المدنية الفرنسية، بعدما كانوا يقصدون القاضي الشرعي أو شيخ الجماعة.
هدف فرنسا من هذا كله كان طمس الهوية الجزائرية التي تعود إلى حضارة تدعو إلى حسن اختيار الأسماء والألقاب، وتفكيك النظام القبلي وإبراز الفرد كعنصر معزول، والدليل على ذلك أن أبناء العمومة وحتى الإخوة أصبحوا يحملون ألقابا مختلفة بموجب هذا القانون، فيتباعدون مع تتابع الأجيال، كما أنها هدفت بتغيير الألقاب إلى الاستيلاء على الأراضي حيث أثبتت الدراسات المعمقة أن بعض الآباء هاجروا أرض الوطن لأسباب مختلفة فأطلقوا على أولادهم ألقابا مختلفة حتى يسقط حقهم في الميراث.

أعرف أن عملية إعادة حقنا في ألقاب مشرفة تكون معقدة جدا وتحتاج إلى مساحة زمنية طويلة.. لكن إلى متى يظل الجزائري يحمل ألقاب الحشرات والحيوانات والعيوب الخَلقية؟ إلى متى يظل الجزائري يُنسب إلى عضو صغير في جسده، وليس إلى أبيه وجده؟


زكية علال

قاصة جزائرية

من نفس المؤلف