الخميس ١٧ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٥
محبرة الخليقة (52) :
بقلم حسين سرمك حسن

تحليل ديوان«المحبرة» للمبدع الكبيرجوزف حرب

ملاحظة: حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً.
صباحات:

الأفق الأسود

(وأقرأُ نصّكَ منذ عصورٍ، وتطلبُ
منّيَ ألّا اصدّقَ
نصّاً
سواهْ.
وألّا اصدقَ إلّا الذي قدْ
رسمتَ لما قبلَ موتيْ، وما بعدّ موتيْ،
كأنّكَ مجرى، وأنّيْ
مياهْ
فإنْ كنتَ لم تستطعْ جعلَ
عينيْ تصدّقُ هذا الذي كلّ يومٍ أراهُ،
فكيفَ أصدّقُ ذاكَ الذي
لا
أراهْ. )
في قسم "صباحات" يفتتح الشاعر نصوصه بعودة غريبة مناقضة للعنوان وذلك في نص "الحيّ" (ص 1319 – 1321) حيث – بخلاف عنوان القسم الذي يتضمن النور والأمل والتجدّد – ينقل لنا فكرة تعود في الحقيقة إلى ما يمكن أن نسمّيه علم نفس الموت:
(ودخلتُ حداداً
في صومي.
ودفنتُ الميْتَ. ولكن، لمّا نمتُ،
رايتُ الميْتَ
بنومي. – ص 1319).

وهي أصلاً فكرة بدئية تشكّلت لدى الإنسان البدائي في أوّل مواجهاته المبكّرة مع الموت، خصوصاً موت أحبائه، حيث لم يكن مستعدّاً – أوّلاً - للإقتناع بأنّهم رحلوا واختفوا، وليس أفضل من الأحلام وسيلة لإشباع الرغبات المحرومة واستعادة الغائب العزيز، وقرب جثمان ميّته نمتْ لديه – ثانياً - حالة "التضاد الوجداني" حيث أنّ في كلّ قريب شيءٌ من العدو المكروه، وهذا خلق لديه الشعور بالذنب الذي أُسقط في صورة روح الميّت الجوّالة الهائمة التي تلاحق الحيّ والتي حاول ترضيتها ودفع نقمتها بالتقدمات والأضاحي:

(هو ينهضُ كي يسرقني، ولهذا
ينتظرُ الليلَ لأغفوْ.
يدخل نومي، ألمحهُ، لكنْ ما إنْ
أُلقي القبضَ عليهِ أفيقُ من النومِ فلا ألقى
أحداً.
وبدأتُ أزوّدهُ بطعامٍ
وبماءٍ.. – ص 1320).

وكان لزاماً أن يجد الإنسان المُحاصر بأرواح الموتى هذه، والتي يرى فيها مصيره الفنائي المحيّر والمرفوض المقبل أيضاً، "حلّاً" يتضمن تسوية تهدهد هذه الأرواح مثلما تداري جراحه، فتنامى في ذهنه تصوّر راسخ أن الموتى لا يموتون، وأنّ هناك حياةً ثانية لهم:

(كلُّ
مساءْ،
كانَ
ظهورُ الميْتِ بحلمي
أولّ معرفتي
في أنّ الموتى أحياءْ
ووراءَ ترابِ الأرضِ
سماءْ. - ص 1321).

وفي النصّ التالي "الأخرس" – الذي يخالف "الصباحات" أيضا – يعرض جانباً من طقوس بدائيّة تعكس قناعة الإنسان الأول بأن الموتى لا يموتون، وأنّ بالإمكان أن يلحقهم ميّتٌ آخر نختاره ليوصل إليهم أخبارنا ووصايانا. وفي القصيدة التي أخذت شكل حكاية، مسحة من السخرية الخفيفة، تتحوّل إلى نوع صادم من الكوميديا السوداء في النهاية حيث يظهر أن العبد المقطوع الرأس المرسل "أخرس" !!. في مسار انرعاب الإنسان البدائي من الموت تحصل وقائع مضحكة ومريرة في الوقت نفسه فتجعل مصيرنا ملهاة، وتوفّر لنا شعوراً بالتخفّف وحتى البهجة الحسيرة. وهنا – وفي نصوص أخرى - يحاول الشاعر السخرية من محاولات الإنسان الإلتفاف على الموت، وعبثيّة السبل التي يتبعها. فالرعب الماحق هو الذي جعل ردة الفعل سريعة عمياء لم تتأكد من سلامة نطق الرسول حامل الرسالة إلى عالم الأموات، لكن هذه الواقعة تثير أيضاً الضحك والمتعة وتفرّج عن النوازع السادية التي قد يكمن في انطلاقها إحساس بالحياة من خلال موازنة ساديّة الموت عبر اللاإكتراث المتوجّس. وخلق هذه الحال في نفوس البشر من قبل الشاعر يؤدّي وظيفة كبيرة الأثر في التعامل مع قلق الموت، وكأنّ الشاعر شخص يقف في مقدّمة مركب للموت كل المجدّفين مقتنعين بأنهم سائرون نحو الفناء، وملتمون على أنفسهم لا يسمعون الشاعر الذي يوجّه انتباهم نحو عالم حيّ آخر أكثر ثراءً وسحراً. واتذكّر هنا الفكرة الأساسية للمرثية الخامسة لريلكه التي تدور حول لوحة بيكاسو "عائلة البهلوانيين" التي أوحت له بهذه الخواطر: إن هدف هؤلاء المهرّجين هو الترفيه عن الناس وإنقاذهم من الضجر، بأن يستولوا على إيقاع حياتهم البطيء ويمنحوهم بدله إيقاعا سريعاً. أي أن غايتهم هي التغلّب على الزمن وضم المتفرجين وجذبهم إلى دائرة الوجود والحضور. لكنهم لا ينجحون في مهمتهم تماماً لأن فضول المتفرّج وحاجته للتسلية أشبه بوردة لا تكاد تزهر حتى تذبل. ولأن الضجر يتغذى بنفسه، كلما حاولنا التخلّص منه، أحكم قبضته علينا وشدّ علينا الخناق. أما الذي ينجح حقاً في تحرير الإنسان من نير الزمان، ويقوده بالفعل إلى محراب الأبدية حيث الوجود والحضور الجوهري فهو الفن الأصيل. فابتسامة البهلوان الذي خلّده بيكاسو على لوحته تمنحنا فرحاً لم يتح لنا معرفته من قبل. على السجادة الواقعية التي يقف عليها البهلوانيون لا يزال إيقاع الحياة ثقيلاً متباطئاً , وعبثاً ما تحاول حركتهم تقديم الخلاص لنا. أمّا هنا في هذا اللامكان، في هذا الحيّز الوهمي المسحور الذي تخلقه لوحة بيكاسو فينهار الزمان والمكان، وتتحطم المعايير والمقاييس، وينتفي العدد والكمية (96).

ولكن سلوك جوزف حرب هذا يعدّ استثناء في ملحمته هذه التي يتسيّد عليها - في مجال الموقف من الموت خصوصاً والوجود عموماً – الشعور بثقل الزمن ولزوجة حركته من خلال التذكير الدائم بالفناء المستعصي على الحلّ حتى لو لجأ الشاعر إلى استعادة الأساطير القديمة حول صراع الإنسان مع هذا الشبح اللامرئي والحاضر أبداً من خلال الجفاف الذي كانت تُقدّم - لمقاومته بأمل استعادة الخصب - القرابين في طقوس الأعياد كأجزاء من جسد الإنسان (نصّ "ذات حصاد"، ص 1325 – 1327) أو أضحية بشرية كاملة تحوّلت مع الزمن إلى حيوانات بديلة (نصّ "كبش وغزال"، ص 1328 – 1329). وهذا ليس غريباً حيث كان الإنسان القديم يضحّي بأعز الاشياء لديه وأكثرها قرباً إلى قلبه مثل الأبناء لتأمين رحمة الطبيعة ومساعدتها ؛ هذا العدو الذي تمثل في آلهة ذات طباع بشرية متقلّبة. كانت القرابين البشرية سلوكا دينياً أصيلاً. وقد وجدت دلائل هذا النوع من التديّن بشكل تضحيات بشرية في أسس الأبنية في نبشيات أرض الرافدين، حيث وجدت جثة طفل بعمر شهرين مدفونة في إناء تحت أحد الجدران مما يرجح أن الطفل كان اضحية قبل المباشرة في البناء الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد. ومن الطريف والمهم الإشارة إلى أن هذا التقليد القديم لا يزال متبعاً بوجه من وجوهه العاطفية في الأرياف عندنا، فعندما يحدث أن تسقط المرأة جنينها لا يُدفن هذا الجنين في مدفن بل في حفرة تحت عتبة المنزل (97).

لقد كان الإنسان القديم يشعر بأنه كائن صغير.. وصغير جدا أمام هذه القوى الكونية الساحقة التي تحاصره. وهذه المشاعر مازالت - وبفعل سطوة الموت الذي يتحرك خلف أستارها – تلوب في أعماق الإنسان المعاصر:

(كمْ قرونٍ عبرتْ من تركيَ
الحقلُ إلى الكرسيَّ ؟! لكنْ، كلّما جئتُ لكي
أجلس فيها
جلستْ فيّ الحقولُ. –ص 1332).

ومازال الإنسان المعاصر برغم كل ما حققه ينزوي في ظلمات دواخله ذاك الإنسان الأول المفزوع الذي يشعر بأنه مازال خيط ضباب نحيل أو قطرة مهملة وسط هذا اللامتناهي، قينسحق قلبه بالحزن حين يرى أنه أقل قيمة خلودية مقارنة بأي صخرة في جبل أو ذرة رمل في صحراء، والتي – برغم هذا الإنسحاق - يشتعل جمالها في عينيه حينما يأزف وقت الرحيل:

( أيّها الكونُ، لماذا عندما
أ أُصغي إلى أشرعة الموتٍ، أرى كمْ
أنتَ يا كونُ
جميلُ
وبعيدٌ،
وجليلُ.
ومع الرملةِ في الصحراءِ، كمْ
أنتَ كريمٌ، ومعي، يا كونُ،
كمْ
أنتَ بخيلُ ؟
لم أزلْ في عمقِ أعماقيَ لا
شيءَ، لعلّي ليس لي ظلٌّ. ومن كثرةِ ما
إنّي
ضئيلُ
لا تراني عينُ ممحاةٍ ولا فيّ
زوالٌ. وحدهُ الشيءُ إذا كان
يزولُ. – ص 1332 و1333) (نصّ "زوايا").

فما العمل، وإلى أين نولّي وجوهنا، والمثكل - كما يقول جدّنا جلجامش – قد تمكّن من لبّنا وجوارحنا ؟ أجل، في مضجعنا يقيم الموتُ، وحيثما نضعُ أقدامنا يربض الموت ؟

إنّ واحداً من الحلول التي قد تبدو غريبة، لكنها ناجعة جداً، كما يرى الكثير من فلاسفة الموت، هو التذكير المستمر بالموت (نصّ "البهلول"، ص 1334 و 1335) والتفكير المستمر فيه لمعالجة الموت بالموت (نصّ "إبريق أسود"، ص 1336 و1337). فقد نجد أنفسنا مدفوعين احياناً إلى أن نخفي عن أنفسنا حقيقة موتنا، ولكن سرعان ما تمر بنا بعض التجارب السلبية العنيفة، فلا نلبث أن نقول مع الفيلسوف الرواقي "سنيكا": "إذا أردتَ ألّا تخشى الموت، فإن عليك ألّا تكفّ عن التفكير فيه ". والواقع أنه إذا كان الحيوان – كما يقول "شوبنهور" – يحيا دون أن يعرف الموت، فذلك لأن الفرد الواحد في داخل النوع الحيواني يتمتع تمتعا مباشرا بكل ما للنوع من ثبات ودوام، ومن ثم فإنه ليس لديه شعور بذاته اللهم إلا بوصفه موجودا مستديماً لا نهاية له. وأما لدى الإنسان فإن انبثاق العقل قد اقترن بالخوف من الموت، فأصبح لدى الإنسان يقين مزعج عن الفناء، وإذن فإن الشعور بالموت والخوف من الموت إنما هما عرضان من أعراض ذلك الموجود البشري الذي لا يرتد بأسره إلى النوع، وإنما يتميّز دائما بفردية نوعية خاصة. وإذا كان الإنسان هو "الحيوان المريض" – على حدّ تعبير "هيغل" – فما ذلك إلّا لأنه الحيوان الوحيد الذي يعرف أنه لا محالة ذائق الموت، والذي لا يريد أن يكون فريسة للنوع، بل يريد أن يكون البقاء له باعتباره فرداً (98). وتتأجج هذه المشاعر بالفرادة وبالتالي بلهيب ألسنة الفناء في ذات الشاعر الذي يقوم إبداعه على أساس الفرديّة والتفرّد. ولذلك يجد في حقل إبداعه منفذاً لمواجهة الموت، بالتفكير الدائم به من جانب، وبالنظر إلى فعله الخلاق كوسيلة لتأمين الإحساس بالخلود من جانب آخر. ومن مظاهر ذلك أن ينشغل الشاعر في تأمّل آليات إبداعه:

( لا شيءَ إلّا تملأُ العينَ
تلاميحهْ
والشعرُ عينٌ عكستْ ما قدْ
رأتْ
روحهْ – ص 1338) (نصّ "عين").

.. أو ممارسة عملية الغياب والعودة مع القصيدة والتأكّد من وفائها له بعد ان عاد إليها ليكملها ولم تخنه (نصّ "فراق"، ص 1339 و1340).. والتأمّل في الكيفية التي يُنطق فيها الشعر الأشياء التي تولد بكماء بعد أن تستقر في محبرته (نصّ "الخرساء"، ص 1341 و1342).. ومراجعة عمليّة "الخيانة" الضرورية التي يمارسها الشعر وهو ينقل الاشياء – الوردة مثلاً – من عالمها في دواوين البراري إلى حقول قصيدته لتصبح وحيدة بلا أثر (نصّ "عندما"، ص 1343 و1344).. والتأكيد على فرادة وتميّز فعل الشعراء عن فعل الآخرين الذين يحاولون أيضاً – وبطرقهم – الإلتحام بالمطلق واكتشاف روح الأشياء كالمتصوّفة الذين يرى الشاعر أنّ الصوفي – مثلاً – يبني عبارته ليسكن فيها وتكون منزله الأخير، في حين لا منزل أخيراً للشعراء.. الشاعر يبني ولا يسكن.. والمعنى الواحد عند الصوفي ليس له سوى معنى واحد والصورة إشارة واحدة، في حين أن للمعنى الواحد عند الشاعر رموزا لا تُحصى، والصورة متنوعة أرقى... وباختصار:

(الصوفيُّ الخالصُ يملكُ قيداً،
لكنّ الشاعرَ
يملكُ
أفقا.
والشاعرُ يملكُ حريّةَ ملعونٍ،
قائد روحٍ، متمرّدَ كونٍ. أمّا الصوفيُّ
فيملكُ سجناً يُدعى الشوقُ، ومسجوناً
يُدعى العشقا.
وجميعُ الكلماتِ بهذا القاموسِ
قصائدَ أولى، لمْ يكتبها صوفيونَ، ولكنْ
شعراءٌ همْ
للشعراءِ
الأبناءْ
حوّاءُ

الشعراءْ. – ص 1349 و1350) (نصّ "الأفق المغلق").


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى