الأربعاء ٣٠ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٥

التكرار .. في شعر حميد سعيد

أولا..

1-

على القارئ أن يتحلى بالصبر ويتوفر على الوعي، حين يحاول إدراك تجربة شاعر رزين الشخصية، نادراً ما يدخل في حوارات جانبية، لكن من خلال وعيه الإبداعي، يتمثل للمتلقي كما البحر، كلما توغل في أعماقه يفاجأ بما هو جديد.
وبالصبر والوعي، يمكن قراءة حميد سعيد، فهو شاعر موقف مفكر، ذو نزعة نقدية بعيدة عن التزمت والتطرف والتحجر.

2-

قال البعض: " حميد سعيد هو الذي يستمع أكثر مما يتحدث "
وعن هذا الرأي قال حميد سعيد:" لقد قرأت هذا الانطباع، وتكرر أكثر من مرة، يفاجئني أحياناً،لأنني أحب أن أتحدث، بل لا أقصر حين تتاح لي فرصة الحديث، في مواضيع أعرفها وأحب الحديث عنها.
لكنني أصمت حين يكون المحدث مفيداً في ما يقول، فأستمع إليه بعمق، وأتعلم مما يقول، ما لست أعلم، بل لقد تعلمت الكثير، مما استمعت إليه من قول نافع، وأصمت حين يكون المحدث سطحياً، من أولئك الذين يوصفون بالظواهر الصوتية،وهو صمت يختلف عن الصمت الذي أشرت إليه من قبل، ومع هذا الصمت أشغل نفسي بموضوع آخر، لكي أنقطع تماماً عما يقال، ويظن البعض من هؤلاء بأنني أستمع إليه، لكن لو سألني عما كان يتحدث، لظهرت مثل تلميذ خائب و لوجدني غير قادر على مشاركته في الحديث، ومن حسن الحظ أن هؤلاء لا يتركون فرصة للآخر كي يشاركهم حديثهم.

وهناك من أود أن أنجاوز صمتي، إلى الحديث معه، أناقشه، أختلف معه، أضيف إلى علمه الغزير، شيئاً طفيفاً مما أعلم، ولكنه لا يمنح أحداً مثل هذه الفرصة، فأضطر للصمت رغم رغبتي في الكلام.
إن كل الذين لا يستمعون إلى الآخر، ممن عرفتهم، لا يتعلمون، وفيهم من تسأله فيجيب عن نفسه لا عن سؤالك، تلتقي به ثانية بعد سنوات، فتجده كما فارقته لم يضف إلى ما كان يعرف، أي معارف جديدة "1
وفي هذا القول يتجلى التواضع الإنساني، إلى جانب التواضع الإبداعي، بما يتوفر عليه من وعي فكري، يكاد يلغي الحواجز القائمة – أحياناً- بين الشاعر والمتلقي.

3-

سبق لي أن قلت فيما كتبته عن حميد سعيد، إنه شاعر الفكر ومفكر الشعر.
قال أحد الأكاديميين: " إن حميد سعيد مفكر في نصه الشعري، أكثر مما هو شاعر "
وتحدث حميد سعيد عن هذا الرأي قائلاً: " لم أرفض مثل هذا الرأي في حينه، ولا أرفضه الآن، رغم ما يمثل من قراءة أحادية في شعري، تضاف إلى قراءات أخرى عديدة ومتباينة إلا لأهميته، ولأنه ينفتح على تلك القراءات وتنفتح عليه، وفعلاً لقد رافق هذه القراءة وفي الوقت ذاته، قراءة لأكاديمي آخر حاول أن يتوقف عند المؤثر الرومانسي في شعري، والقراءة الأخيرة وإن لم تأخذ منحىً أُحادياً، بل حاولت تأشير المؤثر الرومانسي من دون أن تتجاهل المؤثرات الأخرى، لكن هي الأخرى لم أرفضها ولن أرفضها باعتدادها قراءة من جملة قراءات، لكن لهاتين القراءتين الأكاديميتين المتزامنتين، معنى أن لا تركن إلى القراءة الأحادية.

أما أن يتمثل النص الشعري، الأفكار والمعارف من دون أن يتحول إلى منظومة تعليمية تذكرنا بألفية اين مالك مثلاً، فذلك هو جوهر الشعر مذ كان، أما أن يكون مجرد تهويمات أو اندياحات تجريدية فذلك هو بدء عزلته والطريق إلى تغييبه.
وإذا أخذنا بمقولة الأكاديمي الذي أشار إليه السؤال، وعزلنا الوعي عن مملكة الشعر، فهذا يعني إخراج كبار شعراء العالم من عرب وأجانب، وعلى سبيل المثال، المتنبي والمعري وابن الرومي ودانتي وشكسبير وباسترناك ونيرودا ورافائيل البرتي وخليل حاوي والبياتي ومحمود درويش وسامي مهدي ومحمد عفيفي مطر وغيرهم.
ثم، هل على الشاعر وهو يكتب قصيدته أن يتخلى عن معارفه ويتبرأ من وعيه ويكتب كلمات متقاطعة أو يكرر غنائيات ساذجة ليكون شاعرا.. " 2

4-

لا يمكن لأي ناقد أو باحث موضوعي أن ينكر بأن نص حميد سعيد الشعري، يعد ظاهرة شعرية فذة توسع بريقها أكثر بعد صدور دواوينه الشعرية التي رأت النور في غربته، مذ أقام بعيداً عن وطنه بعد احتلاله.
وهذه الدواوين هي:

0 من وردة الكتابة إلى غابة الرماد ط1 – دار أزمنة – عمان 2005 وط2 عن الدار ذاتها 2013
0 مشهد مختلف ط1 دار أزمنة – عمان 2008
0 من أوراق الموريسكي ط1 دار دجلة – عمان 2012 وط2 عن الدار ذاتها 2014
0 أولئك أصحابي ط1 عن بيت الشعر الفلسطيني – رام الله 2015

ثانيا..

1-

قال الناقد أحمد الزعبي: " يشكل الإيقاع الروائي عنصراً هاماً ورئيساً في الكشف عن الرؤية في تناول النص عن أهمية الإيقاع بالنسبة إلى بنية الرواية وشكلها الفني، وإن المقارنة ما بين حركة الزمان والمكان والأحداث من جهة، والتغيير الذي يطرأ على الشخصيات سواء في عالمها النفسي – الداخلي أو عالمها المرئي – الخارجي من جهة ثانية، ستكون مصدر إغناء وتعميق لفهم الرواية على المستويين الفني والمضمون "3
فهل ينطبق ما قاله أحمد الزعبي على النص الشعري الحديث؟
يمكننا القول، نعم، ويستند قولنا إلى وجود المكان، الزمان، الأشخاص، السرد الشعري، في القصيدة الحديثة، وتحديداً في قصيدة النثر، بينما في قصيدة التفعيلة يكون مضغوطاً ويعتمد على أدوات الشاعر الفنية وقاموسه.

2-

أكد عدد من النقاد على تكامل الإيقاع والتكرار، حيث يكون التكرار في النص الشعري، تكرار صورة من صور القصيدة الواحدة، وقد تكون الصورة مدخلاً للقصيدة، وتتكرر في سياق القصيدة أو في نهايتها.
" بينما الإيقاع في الرواية، يشكل ويرصد عالم الأمكنة والأزمنة والأحداث في حركتها وتغيرها وبنائها ومدلولاتها ويرسم هذه الخطوط الإيقاعية المنتظمة فيما بينها التي تشكل بناء الرواية ومعمارها وهندستها "4
ومن الطبيعي أن يختلف التكرار بين شاعر وشاعر، اعتماداً على بناء القصيدة الفني ومضمونها، إلى جانب وعي الشاعر وثقافته وقاموسه اللغوي.

3-

للشاعر الكبير حميد سعيد وعيه الخاص في التكرار، وهذا ما يميزه عن التكرار عند شعراء آخرين، مع إن أي تكرار في أي نص شعري من الصعوبة تطابقه مع تكرار في نص آخر، ويمكنني القول إن لقصائده ثوبها الخاص في التكرار، حتى حين تتقارب المفردات اللغوية أو تتشابه، تظل الصورة مختلفة بين تكرار وآخر.
والتكرار في قصائد حميد سعيد، قد يضع المتلقي قارئاً أو ناقدا في موضع صعب،إذ ليس كل قصيدة تنفتح على التلقي بيسر ويسهل إدراك مغزى التكرار فيها.

إنه تكرار فني، يستدعي التأويل، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثر الدرامي أو من خلال استجابات القراءة، حيث ينبع من إيقاع ذاتي، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر، فتتحقق المشاركة بينهما في الوصول إلى مدلولات التكرار في النص الشعري.
وإذا لم يتم الوصول إلى هذه المدلولات، يكون التكرار قد فقد قيمنه الإبداعية، وعدم الوصول هذا، لا يكون في قراءة شعر حميد سعيد، إذ طالما تعامل مع التكرار من منظور جمالي، ووزنه كما يفعل الصائغ مع المواد التي يتعامل معها.
ونقول: قد يحتاج المتلقي،قارئاً وناقداً، إلى تأمل في الدلالات، بعيداً عن متاهات، تضع الجميع، الشاعر والناقد والقارئ في موضع ملتبس، وإذا كانت الخطوط في العمل الفني – التشكيلي – أهم دليل إلى التكرار كما قال " هربرت ريد " فإن اللغة هي النابض الأول والأخير في التكرار في النص الشعري.

ثالثا..

ديوان.. شواطئ لم تعرف الدفء
من قصيدة " شواطئ لم تعرف الدفء

" وتنتظرين أن يأتي.. ولم يأت
ولم يأت "
إلى أن يقول:
"ولكن الذي لم يأت.. لن يأتي
سيبقى تائهاً في حومة الصمتِ
ولن يأتي.. ولن يأتي"

صوت شعري، يخاطب امرأة في حالة انتظار، مؤكداً على أن الذي تنتظره لم يأت، ولن يأتي، ومن خلال هذا التكرار بإيقاعه المتصاعد يكون التأكيد على أن الغائب لن يأتي، ولولا هذا التكرار لكان المقطع الشعري غير ذي جدوى جمالية وخارج فضاء الشعر، فالتكرار أعطى قيمة مضافة للمضمون إلى جانب القيمة الجمالية.
إن تكرار – لن يأتي- هو بؤرة المضمون الشعري الذي ينفتح على السؤال والتأويل، ويبقى الجواب بين حالين، حال الشاعر وحال المتلقي.

من قصيدة.. قضية من قضايا العصر

في هذا المقطع من قصيدة " قضية من قضايا العصر " تتكرر جملة " يا نداء التمزق" وقد جاء هذا التكرار بموقفين، الأول مفعم بالحزن والمرارة، والثاني مفعم بصوت المواجهة.
*من قصيدة.. رحلة الصمت
حين يكرر الشاعر مفردة واحدة في صورة شعرية مكثفة، تكون صعقة هذه المفردة مثل صاعقة في ليل، تستفز عقل وضمير المتلقي، لأن الشاعر يعرف كيف يوظف الإبداع في قصيدته:

"فلتنبح الريح بليل قميء
ليلك يا هذا قميء.. قميء"

أوجز ليل هذا الصوت الشعري بكلمة " قميء" ليدخل المتلقي في حالة مقارنة بين ليل الشاعر وليل المتلقي، حيث تلبس الشاعر، الشخصية وعاش المأساة وكرس الإدانة.

*من قصيدة.. سُحيمْ
مدخل القصيدة..
" الحس يا سحيم والهجير والضجر "
ثم يأتي التكرار..
" الحسُ يا سحيم والهجير والضجرْ"

الهجير والضجر.. هما بعض معاناة الشاعر المعاصر الذي كتب القصيدة، من خلال استيحاء تجربة الشاعر المخضرم، جاهلي – إسلامي، سحيم عبد بني الحسحاس، وجاء التكرار ليمثل دور الشعر في حياة كل من سحيم وحميد سعيد ومعاناة كل منهما وما عرفا من تجربة حياتية.

*من قصيدة.. مرثية
" أأبقى أغني؟
ولست على الدرب إلا مغني "

ثم يعود الشاعر إلى هذه الصورة في سياق قصيدته، ومرة أخرى في الختام:

" وهذا الطريقُ
وأبقى أغني..
ولست على الدرب إلا مغني "

جاء التكرار هنا بمثابة كشف عن رغبة في الغناء لدى الشاعر، تلك الرغبة التي بدأت عنده منذ الصبا، لكنه لم يستطع إظهارها، فظلت في نفسه، لكن الغناء هنا، غناء مُرٌ، فكانت القصيدة أغنية يتكرر فيها رفض كل ما هو سلبي وقاتم في الحياة.

*من قصيدة.. صلاة لحزيران.. الذي يأتي بوجهه الآخر
قصيدة مركبة متعددة المقاطع، ذات عناوين فرعية، أفاد الشاعر من "الكورس" والإداء الفردي في آن، فأغنى بهما بنية قصيدته، ويظهر التكرار في أغنية أولى:

يا بائع الرماد هذا وطني..
يا بائع الرماد ْ"

ثم يأتي التكرار في أغنية صادمة صادحة، حيث تغني المجموعة " الكورس ":

" في كل اسمٍ دمك المسفوح يا صبيةْ
حكايةٌ نديةْ
في كل اسم دمك المسفوح يا حبيبةْ
ملحمةٌ وطيبةْ"

الصبية والحبيبة، وكلاهما ذاتا مدلول واحد، أما حزيران الذي يأتي بوجه حزين، فيقودنا إلى تكرار في نهاية القصيدة:

عاد حزيران بوجه فارسٍ إنسان..
عاد حزيران بوجه فارسٍ إنسانْ"

إن العائد هو المقاتل المقاوم الذي لم يستسلم للهزيمة الحزيرانيةْ

*من قصيدة.. فاطمة برناوي.. صوت من كربلاء

" صلاتك الخضراء يا فاطمة العينين عن مواسم المحال..
يا فاطمة العينين عن مواسم المحال "

إن التكرار في هذه القصيدة، اشتغال إبداعي في تركيب الصورة من أجل جعلها أكثر شاعرية وأكثر تأثيرا.
ثم نقرأ:

"فوق جبهة الحسينْ
فوق جبهة الحسينْ
فوق جبهة الحسينْ"

إنها صرخة الشعر التي تتكرر لإدانة الظلم والظالم، وكأن جبهة الحسين رمز المواجهة بين القهر والإرادة.

*من قصيدة.. وجه عمار بن ياسر

" ياوجه عمار بن ياسر يا نقي الجوع "
" يا وجه عمار بن ياسر.. تخلق الأنهار "

ثم:
" ياوجه عمار بن ياسر "

إن وجه عمار بن ياسر، الشهيد، بكل محمولاته التاريخية، ينفتح الرمز على الحاضر، فيكون وجه شهيد معاصر.

*من قصيدة.. رؤيا في يقظة الظمأ

" وليلى لم تزل في الدار..
ليلى لم تزل في الدارِ..
ليلى لم تزل في الدارْ"

إن القصد من هذا التكرار، هو تأكيد استمرار ليلى، برمزيتها الجمالية في حياتنا.

*من قصيدة.. القرصان والكلمة

تتكرر مفردة – ينابيع - وتتكرر جملة " جفَت ينابيعٌ لنا " في إشارة إلى غزو ينابيعنا، ويعني أيضاً مواجهة الجفاف، شاغل الشاعر والقصيدة.

2- ديوان.. لغة الأبراج الطينية

*من قصيدة.. عودة إلى مرفأ البداية

عشق الشاعر فلسطين، وعاشها قضية منذ صباه، وفي هذه القصيدة كثير من التكرار، سواء على صعيد الصورة أو على صعيد المفردة..

" لي وراء المياه زمانٌ..
ولي شغفٌ..
ولأهلي وراء المياه زمان "
فالزمان مشترك بين الشاعر وأهله، لا يريد الانسلاخ عن الأهل، الجماعة، الأمة.

وتكرار آخر هو:

" الأحاديث بعد العشية صوتٌ
الأحاديث صوتٌ وبابْ
الأحاديث صوتٌ وبابٌ وأفعى
الأحاديث بعد العشية أنثى تضاجع في كِبَرٍ لغة الأقوياء "

الشاعر يقترب من عوالم تلك الأحاديث، رغم ما فيها من فجاجة وكلام مسموم، فأراد من التكرار، تأثيث قصيدته بأنماط منه، يكرس بناءها المقترن بعلو الصوت الشعري.

" وفلسطين ماذا ؟
فلسطين !! "

" وفلسطين كانت مدار الحدبث "

" وفلسطين لما تزل في دمي..
شغفٌ "

إن تكرار كلمة فلسطين، لتظل حاضرة في وعي المتلقي، إنها فلسطين الهزيمة الحزيرانية وفلسطين المقاومة، ثم يأخذنا الشعر إلى:
" أسرتني البيارق.. كنتُ أسيرَ احتضان البيارقْ
أسرتني البيارق ثم مددتُ لها جسدي"

ثم:

" البنادق والليل طفلي ومعجزتي
لغتي والطريقْ
البنادق والليل طفلٌ ومعجزةٌ "

وما تقدم يضعنا أمام سيرة طفولة، ووعي مبكر.

*من قصيدة.. خمسة مقاطع إلى امرأة

مفردة واحدة من مفردات الشاعر تكفي منح التكرار أهميته الفنية.

" دفئي حلمي
دفئي شاطئ الصمت رشي عليه صلاة العذارى
دفئي كل عظمٍ كساه الجليدُ وغطاه ليل الصحارى
دفئي الوكر في ليل كانون عاد إليك بغير جناحين.. طير الحبارى"

دفئي.. مفردة تجسد بعمق دعوة الشخصية – الشعرية، لامرأة ما، شغلت رؤيا الشاعر الوحيد في مكان ما، وهي – المرأة – في مكان آخر.
ومع توالي الصور الشعرية يتضخم مدلول مفردة – دفئي – لتبدو أكبر في التأويل عند التلقي.

*من قصيدة.. بحر الظلمات

" هرعتُ إليكَ"
" هرعتُ إليكَ والأصداء قادمةٌ من الأردن "
" هرعتُ أسائل الأمواجَ عن ذكرى حبيبٍ..
مرَ يحمل غضبة التاريخ "

إن تكرار مفردة – هرعتُ – من خلال صور شعرية، لكل منها بعدها الفكري، وبها جميعا تغتني شعرية القصيدة.
*من قصيدة.. اليقين

" ثَمَ من يدعي إن وجهكِ يحملُ حزني
ثَمَ من يدعي إن وجهك ليلٌ تأخرَ مرَ على حاننا المتعالي "

أدخلنا الشاعر هنا، في فضاء تأويلي عن رؤيا فكرية، ليس من العسير إدراك ما أراد الشاعر منها.

3- ديوان.. قراءة ثامنة

*من قصيدة.. توقعات حول مستقبل المدن المهزومة

" أحمل الكتب القديمة..
أحمل الكتب الجديدةَ"

تكرار يستدعي موقفا ويعبر عن موقف في آن واحد، والموقفان تجمع بينهما رؤيا فكرية.
وتنتهي القصيدة بتكرار:

" فلتتقدم الرايات
فلتتقدم الرايات
فلتتقدم الرايات "

والتكرار يخدم فكرة التعبير عن القوة والصمود والأمل.

*من قصيدة.. في إطار التوقعات

" أعرف أسماء الشهداء
أسماء الجبناء
أسماء المنتصرين المهزومينَ
وأسماء المهزومين المنتصرين"

في هذا التكرار يكشف واقع الحياة والناس في التناقض والاختلاف.

" فخلف الأشجار.. وخلف الجدران
وخلف الأبواب..
أراه معافى "

وعندي، لو أن الشاعر قال: خلف الأشجار والجدران والأبواب، تكون الصورة قد فقدت بريقها، وصارت باهتة،غير أن تكرار مفردة – خلف – منحها ثراء في الرؤية والمعنى وجمال المبنى.

*من قصيدة.. توقعات خاصة

" وللولد الغض.. أغنيةٌ طُويتْ"
" أيها الولد الساحر الغض.. شاهدتهم يأكلون يديك "
"رحلة الولد الغض.. أوراقه المطفأةْ"

الولد الغض هو الشاهد على كل ما كان.

*من قصيدة.. قراءة ثامنة

" وإذ ينضج الرطب الغر.. نُكسى
وإذ ينضج الرطب الغر.. نشبعُ"

محور الصورة – المكررة – هو نضوج الرطب، حيث عاش ملايين العراقيين على امتداد الزمن، على ما تمنحه النخلة، حين ينضج الرطب.

" قال علوان إن الطريق إلى القدس مغلقةٌ"
" قال علوان إن الطريق إلى القدس.. دائرةٌ خُتمتْ"
ونقرأ أيضاً:

"أيها النيزك الفج هذي بلاد مباركة.. وبلاد لعينةْ"
" أيها النيزك الفج ملعونة صبوات الطريق..
وملعونة لغة الآخرينْ"
" أيها النيزك الفج تنتظر الأرض ميلادها"

إنه تكرار ساحر في الصورة والمعنى والبنى اللغوية، وما أشرت إليه بشأن هذا التكرار يمكن إدراكه بيسر وبخاصة في تجليه من خلال صور شعرية جد متميزة.

*من قصيدة.. للجزر الثلاث

" تُنتهكُ الليلةً أختٌ سمراء "
ويكرر:
" تنتهك الليلة أختٌ سمراء"

ونقرأ:
" هذا التابوت الممتد من الماء إلى الماء "
" يحترق التابوت الممتد من الماء إلى الماء"
وفي هذه القصيدة ربط مشحون بالوجع بين غرناطة والجزر الثلاث.

*من قصيدة.. ورقة دمشقية

" وأنا المرتد عن أزمنة الورد.. المزامير.. اليمامة "
ويتكرر هذا الشطر.
وفي القصيدة تتقاسم بغداد ودمشق الألم. وتظهر الدلالة الشعرية من خلال التكرار، كما فعل الشاعر حميد سعيد في تكرارات أخرى.

*من قصيدة.. اللجوء إلى مدن البراق

" فحذارِ..
حذارِ..
حذارِ.."

" انتزعتك ِ إلى صفها..
انتزعتك إلى صف يافا "

يتكرر التحذير بوعي عميق وألم جارح وعشق أبيض نظيف.

*من قصيدة.. العشق والموت

" يرى زهرة في قميصك..
أو زهرة في قميصي"

تكرار يخدم فيه الفن، الجمال الإبداعي والصيرورة الشعرية.
4- ديوان الأغاني الغجرية

*من قصيدة.. ماريسا التي لاتتعب

إنها صفحة من صفحات تجربته الإسبانية، تميزت القصيدة بالصور التشكيلية والسرد وتميز الزمان والمكان فيها، وهي بما يشبه الإجماع من روائع الشاعر.
" يتعب البحر ولا تتعب ماريسا التي تصعد..."
هذا المفتتح، تكرر في القصيدة مع بداية كل مقطع من مقاطعها، وما يميز الشعر، قدرته على تجلي الصورة والرؤية الفنية والمدلول غني المضمون.

*من قصيدة.. المرور في شوارع سلفادور دالي الخلفية

" أن يخرجها ميتةً حيناً
وأن يخرجها ساعية حيناً"
تنتسب هذه القصيدة إلى القصائد التشكيلية، ورغم ما يبدو على التكرار فيها من تناقض أو ظهوره بوجهين، لكن المغزى واحد، حيث في هذا التناقض يتضح المعنى.

*من قصيدة.. غرناطة

المدخل:

يسأل عنها بائع المقانق الكوبي.. حارس العمارة "
ويتكرر هذا المدخل في مقطع آخر من القصيدة، وتظهر الصورة ودلالتها من الوصف والسؤال معاً، ومن المكان أيضاً.

*من قصيدة..تفاصيل في صورة السيدة

" وطني في المحطة - س – "
" إنني أتوجه نحو المحطة – س – "

ثم:
" لا تلتفتي – التفتي "
ويكررها مرتين، مفردتان في النهي والأمر، وفي هذا التتابع، النهي والأمر، تضطرب في المتلقي حركة الشهيق والزفير.
*من قصيدة.. عن القصيدة

"وأنت تضحكين ْ
في الخوف تضحكينْ
في الموت تضحكينْ
تضحكين.. تضحكين.. تضحكين "

رغم تكرار تضحكين، لكن هل أحس المتلقي بهبوط في السوية الشعرية ؟ أو أحس بملل ؟
ويمكنني القول إن التلقي اقترن بانسياق مع الإيقاع الموسيقي لمفردة.. تضحكين.

*من قصيدة.. صيغة مقترحة للملحمة الغجرية

" باتجاهين كنا نسير.. إلى الماء أسعى وتسعى إلى الماءِ..
لكننا باتجاهين كنا نسيرْ

ويتكرر هذا المقطع، ثم نقرأ:
"وتنتظر امرأة رحلت قبل هذا الصباح..
وتنتظر امرأة لم نعد في المدينة "

"أيكما يعبر الجسر ؟
أيكما يستطيع الإقامة ؟
أيكما يستضيف الينابيع ؟
أيكما تسكن القبرات قصائده ؟ "

" اشتبكتُ بها ساعة احترقتْ
واشتبكتُ بها ساعةِ انبعثت "
وفي الختام:
" أُحبُ بلادي..
أُحبُ بلادي "
ونلاحظ في هذا التكرار، كيف يكون الإيقاع يعمل على مزيد من إيضاح المعنى، ومن ثم في تكريس الموقف، في أحب بلادي.

*من قصيدة.. بلاثا مايور

" للمغني القتيل هوى..
للمغني القتيل علامةْ"

" يتمادى يوزعهم في قصائده
يتمادى يُخَلِع تيجانهمْ
يتمادى.. يقدمها لعبة لحبيبته الغجرية "

إن الشاعر منح مفردة " المغني " ومفردة " يتمادى " في تكرارهما، وهجاً جمالياً، بوعي إبداعي، وكأنه يخترع الصورة قبل أن تأتي إليه، فيستل المفردة من موقعها المعجمي ويمنحها وهجها الشعري.

5- ديوان.. حرائق الحضور

*من قصيدة.. إشراقات

" إن طفلاً من النار يرقص في داخلي
أتساءل ُ..
هل إن طفلاً من النار يرقص في داخل امرأةٍ.."

" أقرأُ باسمك..
مَن أنتِ؟
مَن أنتِ؟
مَن أنت؟ "

إن تكرار السؤال في سياقه الشعري، يحيل إلى رغبة داخلية في التنفيس عن توتر يعيشه عاشق متيم، حتى كأنه يداوي بهذا التنفيس جرحا موجعاً.

*من قصيدة.. من تخطيطات حنا السكران على حيطان الذاكرة

فلننسَ..
اللحظة تقترف المنأى
ولننسَ..
الأحزانُ تُضيء الليلةَ
فلننسَ"

دعوة إلى النسيان وكأن التكرار يؤكد هذه الدعوة.

*من قصيدة.. إشراقات مروان

" لاح لي حقل مروان حين اقتربت من الشام "

" ومروان خَلَفَ في الشام حقلاً"

في القصيدة، مروان رمز نضالي، يستحضر الشاعر من خلال تكراره، حلمه في التغيير والحياة الكريمة.

6- ديوان.. طفولة الماء

*من قصيدة.. الولد السبع

" أيها الولدُ السبعُ"
بهذه الجملة يفتتح الشاعر القصيدة، حيث يخاطب شخصاً من دون أن يذكر اسمه، بل يستمر الخطاب بوصف – الولد السبع – ومع كل مقطع من مقاطع القصيدة تتكرر جملة، أيها الولد السبع.

*من قصيدة.. ياجارة الدم والدمار

" إن شهودنا الشهداءُ
إن شهودنا الشهداء "

و:
" ثم رومٌ..
ثم رومٌ"

لتكرار – شهودنا الشهداء – معنى طبيعة المواجهة في ضراوتها واستمراريتها، أما تكرار – ثم روم ٌ- فهي تحيل إلى بيت أبي الطيب المتنبي:
وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ فعلى أي جانبيك تميلُ
وهذه الإحالة، تؤكد التكرار الأول، ومعناه وطبيعة المواجهة واستمراريتها.

*من قصيدة.. الحلة

الحلة.. مدينة طفولة الشاعر وصباه وشبابه، فهي بعض حياته وبعض تاريخه وذكرياته وتجاربه.

" في أعالي المنازل.. في مهرجان الصور"
ثم يكرر هذا المطلع:
" في أعالي المنازل.. في مهرجان الصور "
ثم يكرر:
" ما يُفرح القلب "
وفي القصيدة وما جاء فيها من تكرار، يفصح حميد سعيد عن عشق مدينته – الحلة – وهو عشق دائم عصي على الغياب.

*من قصيدة.. منصور

" حين أذكره لا أراهْ
وحين أراه يغيبُ عن الذاكرةْ"

منصور من أصدقاء الشاعر في مرحلة الصبا، أبعدتهما عن بعضهما ظروف صعبة، لكن ذاكرة الشاعر ظلت قادرة على استحضاره إلى حد أنها لم تعد بحاجة إلى أن يرى الشاعر، منصور، صديق الصبا.

*من قصيدة.. محمد البقال

" أمس التقينا في نداء القادسية "
" مثلما كان اللقاء على نداء القادسية ؟

في هذا التكرار يلعب الإيقاع دوراً كبيرا في إغناء المعنى، وفي هذا الإغناء، يتجلى الموقف بوضوح وقوة.

*من قصيدة.. بستان عبد الله

وردت مفردتا، بستان وعبد الله أكثر من مرة في القصيدة، وبخبرة الشاعر ووعيه الجمالي، استطاع أن يعدد الصور في القصيدة، وأن يعدد في تركيبها اللغوي.

*من قصيدة.. رؤيا نصب الشهيد

تكرار شطر:" أعطت للحرب ثلاثة أبناء "
وفي هذا التكرار تأكيد، على التضحية والبذل والعطاء.

7- ديوان.. مملكة عبد الله

*من قصيدة.. إشراقات الشهيد عباس بن شلب

" كل امرأة حمَلَتْ
كل امرأة لم تحمل بعد.. "
و:
" يدخلُ مدرسةً فيرى صورته
يدخلُ أخرى فيرى صورتَها"

بهذا التكرار وتعدد صوره وتنوعها، يحقق الشاعر مستوى جمالياً رفيعاً، كما نجح في تغيير وجه المفردات.

*من قصيدة.. صباح بصري

" رافقتني القصيدةْ
استقبلتني القصيدةْ
ودعتني القصيدةْ
.....
.....
البصرةُ القصيدةْ"

تكرار مفردة – القصيدة - تمهيد للوصول إلى القول " البصرة القصيدة" المدينة التي أحبها الشاعر وله فيها ذكريات جميلة وأصدقاء حقيقيون ومبدعون كبار.

*من قصيدة.. العصفور الأبيض

" مئات العصافير..
صفراء.. سوداء
سوداء.. صفراء
إجازته الأربعاء "

هذه الصور المكررة المركزة، إلى جانب صور أخرى –غير مكررة – لتكون جميعها فضاء للعصفور الأبيض الذي حلم به الشاعر كثيراً، ثم رآه في موضع من مواضع الحرب في جبهات القتال، خلال الحرب العراقية الإيرانية.

*من قصيدة., رملٌ وحناء

" كيف ينالها الأعداء..
كيف ينالها الأعداء ؟

في ملحمة الفاو، امتزج الرمل بالحناء، حين احتلها الأعداء، لكن دماء الشهداء كانت حناء يوم التحرير.

*من قصيدة.. ليلة الصيادين

عن الفاو والذين دافعوا عنها ورمز الشاعر المفضل باستمرار، عبد الله.
" وطنٌ يُقيِلُ من بسم الله.. إلى اسم الله "
" تسقط قنبلةٌ.. قنبلتان.. ثلاث "

*من قصيدة.. معلقة البصرة

يتكرر في القصيدة اسم – وفيقة- رمزا للمواطنة الطيبة المضحية، وتتكرر مفردة – دم- أما البصرة فهي المدينة المضحية الصابرة الصامدة.

*من قصيدة.. القارعة

" حيَ على الورد..
حيَ على الورد "
تكرار يستوحي الدعوة إلى الصلاة في تناص مذهل مع الأذان، وفي هذا التكرار دعوة إلى الحياة والجمال والإبداع.

*من قصيدة.. المعضلة

" صاح بها.. أيتها العنيدة..
العنيدة..
العنيدةُ..
العنيدةْ "
ثم مرة أخرى:

" أيتها العنيدةُ..
العنيدةُ..
العنيدةُ..
العنيدةْ"
الشاعر يخاطب القصيدة التي عايشها وعاش معها وطاردها في كل مكان وفي كل زمان.

*من قصيدة.. موت المغني

" صوتها.. صوتها "
" صوته.. صوته "
" هل سمع النداء ؟
هل سمع النداء ؟"

تكرار مدهش، وجديد، في قصيدة من عيون الشعر العربي الجديد، في تجربتها وموضوعها وبنياتها.

ديوان.. باتجاه أفق أوسع

*من قصيدة.. الرجوع إلى غرناطة

طرق البابَ.. لم تفتح البابَ
برلا احذري"

" طرق الباب ثانية
قال., برلا احذري "

" تعالي إلى حقول أسئلتي
تهالي إليَ..
.....
.....
تعالي.. "

وكرر أكثر من مرة:

" لا غالب إلا الله "

التكرارات في هذه القصيدة، تشكلت من البؤرة الشعرية ومن خلال مفردات منتقاة بدقة من أجل التعبير عن العلاقة بين الشاعر وغرناطة.
وأفادت البنية الدرامية من التكرار.. وبخاصة تكرار مفردة " تعالي ".

*من قصيدة.. الفادي

" رحلت رُلى وتفرق السُمارُ "

" لقد رحلت رلى وتفرق السمارُ، لاصوتٌ ولا أثرُ"

ثم تكرار:
" فأين دمشق.. أين دمشق.. أين دمشق ؟"

" أتخجل أنْ ترى الأحباب ؟
تخجل أن ترى الأحباب..
تخجل.."

إن مفردة " رحلت " تعبر عن إحساس بالفقد، وكذلك مفردة " أتخجل ؟" وهذا التكرار يثير تعاطف المتلقي مع المتحدث، حيث يظهر تأثير التكرار واضحاً وقوياً.

*من قصيدة.. وحبيبكِ ما زال يبني مدائنه

" فاملئي يا آنانا الجرار "
وتتكرر:

" فاملئي يا آنانا الجرارْ
املئي يا آنانا الجرارْ"
ثم:

" ليس أوروك هذي التي أرشكيجال فيها..
ليس أوروك هذي التي..
ليس أوروك..
أوروك.."

ثم:

وحبيبكِ ما زال يبني مدائنَهُ ويدافع عنها "

ثم كررها:

" وحبيبك ما زال يبني مدائنه ويدافع عنها.. السلام عليها "

ليس من مغالاة في القول إن حميد سعيد يحرك عقل وروح المتلقي بقوة، في ما يختار من تكرار، عبر شحنات فكرية وجمالية تأتي في صياغات لغوية ساحرة، تخدم المعنى وتجعله أكثر جلاء وأكثر تأثيراً، وفي هذه القصيدة يفيد من موحيات مدن الماضي ورموزه وشخصياته.

9- ديوان.. فوضى في غير أوانها

من قصيدة.. رؤيا ملجأ العامرية

تكرار:
" وللبابليات وعد الحرائق"
وتكرار:

" ولتكن عاقراً آنانا "

إن هذه القصيدة الملحمية التي تمثلت جريمة قصف ملجأ العامرية في العام 1991، أفادت من التكرار تعزز به، بناؤها الملحمي.

*من قصيدة.. نص تكعيبي

تكرار:

" رجلٌ فاقع اللون.. قُبعةٌ وحذاءْ
وقبعةٌ..
رجلٌ فاقع اللون "

وتكرر هذا المقبوس، موزعاً على مقاطع.

" رجلٌ فاقع اللون..
نصف يدٍ تتكرر..
قبعةٌ وحذاء "

وتكررت جملة " دوائر سود" وفرة " ثمر ".

10- ديوان.. من وردة الكتابة إلى غابة الرماد

*من قصيدة.. وردة الكتابة

المقطع 2
تكرار:
" أنام.. أنام.. أنام.."

المقطع 3
تكرار:
مفردة " ربما" خمس مرات

المقطع 4
تكرار:
مفردة "آنَ" سبع مرات

المقطع 8
تكرار مفردة " الأناشيد " ست مرات
المقطع 10
تكرار:
" أين الذي كان ؟" أربع مرات

إن التكرار في هذه القصيدة، يعدد الصور ويقترب من المعنى، وينفتح على التأويل.

*من قصيدة.. بعيداً عن وردة الكتابة

" وقلت رأيتها في أورْ
ثم رأيتها في بابل.. ابتعدت وغابت في حقول النورْ
ثم رأيتها في ليلة بيضاء في آشورْ
وفي دمشق رأيتها يوماً.. وفي بغداد.. ثم رأيتها في فاس "

إن هذا التأكيد في – رؤيتها- من خلال التكرار، ليس من أجل التكرار اللفظي حسب، وليس من أجل أن تكون القصيدة أطول، إنما يوحي هذا التأكيد من خلال التكرار، على أنها موجودة حيث يكون وحيث يتخيل، في مدن قديمة وأخرى معاصرة، وهي واحدة أينما تكون.

*من قصيدة: إنها ليست أمريكا، والت ويتمان
إنها ليست أمريكا، إدغار آلن بو

" كان يبحث عن مومياء طفولته
كان يبحث عن مومياء صباه
كان يبحث عن مومياء حبيبته
كان يبحث عن مومياء القصائد
كان يبحث عن مومياء الحدائق.. عن مومياء الشَجَرْ
كان يبحث عن مومياء الأغاني التي رافقته إلى أمسيات مواعيده
كان يبحث عن نفسه..
فرأى مومياء حرائقه.. ورأى مومياء الرماد"

في جميع سطور المقطع يتكرر البحث عن مومياءات كثيرة، توحي بالموات في مدينة ما، وهذا البحث يفصح عن أسئلة تتوالى وقلق مقيم.

كما تتكرر جملة " مقبرة هذه المدينة " في المقطع الرابع من القصيدة، وبين المومياءات والمقبرة علاقة واضحة.

*من قصيدة.. مرثية من قبيل المديح

" ليس ثمة من سيدٍ غير هذا الجنونْ
الجنون..
الجنون..
الجنون.. "

" في ادعاء النزاهةِ
أو في ادعاء الشجاعة
أو في ادعاء العلاقة بالله "

" رحمةً بالتتارْ
رحمةً بالتتارْ
رحمةً بالتتارْ"

"العواصفُ سودْ
البراعمُ سودْ
الينابيعُ سودْ"

وبهذا التكرار يعمل الشاعر حميد سعيد بكل مايمتلك من قدرات وخبرة، على تصعيد الموقف الشعري، ويصعد صوته ليكون في فضاء التلقي دائماً.

*من قصيدة.. تخطيطات بالفحم والدم على جدران المتحف العراقي

" النار والرماد ْ
النار والرمادْ
النار والرمادْ"

هذا تكرار يفصح عن الخراب الذي تعرض له العراق على أيدي المحتلين والمتعاونين معهم، وما رافق ذلك من حرائق مصممة ومحددة الأهداف، ومنها كنز الحضارة الرافدينية، المتحف العراقي بالكرخ من بغداد.
وقد قدمها بصوت " المجموعة " بتكرار:
" سبعة حكماء من بابل.. سبع أميرات من آشور"

11- ديوان.. مشهد مختلف

*من قصيدة.. ما يشبه الخراب.. بل هو الخراب

تكرار: " ما يشبه الخراب.. بل هو الخراب " خمس مرات، وفي كل مرة يفصح عن موقف جديد أو لنقل رؤيا إبداعية مختلفة، بفعل الصور الشعرية اللاحقة ومضامينها.

*من قصيدة.. مقامات بغدادية

" يقف الرسام أمام مربع لوحته "
ثم يعود ك
" وقف الرسام أمام مربع لوحته.
وثانية:
" وقف الرسام أمام مربع لوحته"
وفي الختام:
يقف الرسام أمام مربع لوحته "

الرسام، هو الشاعر، رسم بالحرف ما لم يرسمه الرسام باللون والفرشاة، فأعطى ما هو بعيد عن التجريد اللفظي، ووصل بالرسم بالحرف وبالتكرار الفني إلى جوهر الشعر.

*من قصيدة.. يا محمد.. هذا كتاب إلى الناس

تكرار:

" يا محمد.. هذا كتاب إلى الناس "

بروح مؤمنة يدعو الشاعر، وبنداء موجع مهموم بوطنه وماحل به بفعل الاحتلال، وكأنه ينبه الذين سكروا بخمرة الخراب السياسي الذي جاء مع الذين جاءوا مع الاحتلال، لا يشعرون بما حل بالبلد وأهله.

*من قصيدة.. بستان قريش

تكرار:
" لا زيد الخيل.. ولا زيد الخير "
ثم تكرار:
" اقتربي.. يا من كنت معي لأكون
اقتربي.. يامن كنت معي حيث أكونْ
اقتربي.. سأكونْ"

التكرار الأول، كان مفتاح كل صورة شعرية، والتكرار الثاني" اقتربي" مع كل تكرار يتغير مكان الشخصية الشعرية ويتأكد حضورها.
وتكرار:
" فإلى أين ؟
إلى أين؟"
وتكرار مفردة " فاسدة ":

صلوات ٌ فاسدةٌ
وقراءات فاسدةٌ
وروايات فاسدة "

كل شيء فاسد في بلد مستباح لا كرامة لإنسان أو قيمة أو مقدس فيه.

*من قصيدة.. ربما نلتقي بزمان جميل

تكرار:
" رمدٌ ورماد
رمدٌ ورمادْ
رمدٌ..
ورمادْ"

" الصهيل رمادْ
رمدٌ..
ورمادْ"

ثم:
" مدنٌ في السخامْ
مدنٌ من سخام ْ"
وبشكل آخر:
" البيوت التي من سخام
الوجوه التي من سخام
البلاد التي في السخام
السخام "

تكرار " رماد " يشكل أهم رؤى القصيدة، لما في هذا التكرار من بعد فكري، وبه تتشكل الصور الشعرية الفاعلة في القصيدة.

12- ديوان.. من أوراق الموريسكي

*من قصيدة.. القصيدة المقدسية

" وليس الذي في الكتاب اليهودي
أو في الكتاب اليهودي.. مما يدل عليها "

يشتغل التكرار فيما تقدم على تغيير الصورة، وليس على تكرار رقمي كما نجد ذلك عند شعراء آخرين.

*من قصيدة.. الثلاثية المغربية

مقطع " لست مؤهلاً للقول لني أرى

" وتعثر الأحفاد بالأجداد
والأجداد بالأحفاد "

مقطع " بيت مولاي علي
تكرار: "سأشاكس ذاكرتي"
التكرار الأول يجعل الحاضر مرتبطاً بالماضي أو الماضي مرتبطاً بالحاضر، لافرق، والتكرار الثاني " يشاكس ذاكرته " ليصل الى الحقيقة.

*من قصيدة.. من أوراق الموريسكي
تكرار " لم أعد أتذكر" في صورتين، هما:
" لم أعد أتذكر ما كان بين الحديقة والبيت.. من ألفة"
" لم أعد أتذكر ألوان لوحة آل سعيد في الصالة المغربية"
" لم أعد أتذكر...."
ويكرر:
" لم أعد أتذكر..."

لم يعد يتذكر أشياء كثيرة كانت في بيته ببغداد، البيت الذي كان حديقة حب، لكنه ظل يحاول أن يتذكرها، فتذكرها بعد حين.

*من قصيدة.. زمن آخر للموريسكي

تكرار: " ما لا يرى الرائي"
ثم: " رأى.. ما لا يرى الرائي"
وتكرر أيضاً.
إن هذا – اللعب الجمالي – بالتكرار، بثير مخيلة المتلقي ويدفع به إلى أمداء جمالية وفكرية واسعة.

*من قصيدة.. أحوال الموريسكي

" ليس من شبهٍ.. بين ما هو فيه وما كان فيهْ"
" ليس من شبهٍ.. بين من كان أو من يكون"
"ليس من شبهٍ.. بين موتٍ هناك وموتٍ هنا"
" ليس من شبَهٍ"

أي شبه ؟!
حين يعم الدمار ويكون الرماد
*
لم يأت التكرار في شعر حميد سعيد من فراغ، إنه وليد موهبة إبداعية و خبرة جمالية، فهو يعرف كيف يأتي بالمفردة وبالصورة في التكرار.
وقد يرى البعض في هذه التكرارات اقتصاداً على صعيد اللغة وتكثيفا على صعيد الصورة، لكنها في الحالين غنية بالرؤى.

الهوامش
1،2 " الشمعة والدرويش- حميد سعيد يتحدث – هشام عودة – دار دجلة ط1 – 2011 عمان

3،4 " الإيقاع الروائي.. دراسات في البنية الإيقاعية في الرواية العربية والغربية " د. أحمد الزعبي- دار فضاءات – ط1 دار فضاءات – عمان 2014

حمدي مخلف الحديثي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى