الاثنين ١١ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٦
علي الوردي : (46)
بقلم حسين سرمك حسن

قصور الموضوعية في العلوم الإنسانية

مشكلة الموضوعية في العلوم الإنسانية:

من الأمور المهمّة التي قام بها الوردي - وفي ذلك الوقت المبكر في بداية الخمسينات - هو أنه وسّع النظرة إلى مشكلة الموضوعية ولم يقصرها على الأدب من خلال مناقشة موضوعة "الناقد الموضوعي". لقد تناول معضلة العامل الذاتي والعامل الموضوعي في العلوم الإنسانية عموما. يقول الوردي:

(لابدّ لي أن أشير إلى مشكلة طالما عانيت منها في كتبي السابقة وهي مشكلة الموضوعية والحياد في الدراسة. فسوف نأتي في بعض فصول هذا الكتاب – ويقصد كتابه "لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث" – على أمور تُعتبر حساسة جدا في نظر الكثيرين من العراق، وقد اعتاد هؤلاء أن ينظروا في أحداث التاريخ كمثل ما ينظرون نحو هرم (له عدة أوجه ) فكل فريق منهم يركز نظره على وجه واحد منه بينما هو يهمل الأوجه الأخرى).

وفرضية أن البشر ينظرون إلى أوجه الحقيقة مثلما ينظرون إلى الأوجه المختلفة للهرم حيث لا يرى كل منهم سوى الوجه المائل أمامه ليست للوردي بل هي لباحث أجنبي آخر لم يذكر اسمه الوردي هنا، وسوف يذكره في مؤلف آخر. وانطلاقا من نظرته ( الشعبيّة ) نراه يضرب مثلا مبسّطا يحاول من خلاله توضيح تلك النظرة ( الجزئية ) كما يسمّيها والتي اعتاد عليها الكثيرون منا، وذلك من خلال الاستعانة بمعارك النساء في أزقة بغداد القديمة:

( تبدأ معركة النساء عادة بحدوث شجار بين طفلين فيؤذي كل منهما الآخر، وعند هذا تخرج أمّ كل واحد منهما صائحة نادبة حيث نراها تبالغ في تقدير الأذى الذي وقع على طفلها بينما هي تتناسى ما أوقع طفلها على خصمه من الأذى، والأمّ الأخرى تفعل مثلها طبعا، وبذا قد تتضخّم المعركة تدريجيا وتمتد إلى الرجال وسائر الأقارب. وبمرور الأيام قد تتطور المعركة فتصبح تراثا عائليا مليئا بالأحقاد والثارات. ومن يستمع إلى إحدى العائلتين وهي تقص قصتها يجد بونا شاسعا بينها وبين قصة العائلة الأخرى فكل عائلة تصوّر الأحداث من الوجهة التي تلائمها وتنسى الوجهات الأخرى ).
ولو راجعتَ هذا المثل لوجدته فجّا بل "سوقيا" قياسا بما تطالعه في أدبيات علم الاجتماع الغربية من أمثلة إحصائية وتجريبية وإجرائية مركبة. الوردي هو رائد تبسيط علم الاجتماع، وهو الذي أنزل هذا العلم من برجه العاجي في الثقافة العربية ليصبح متداولا بين الناس كعلم وُضع أصلا لخدمتهم، ومحور اهتماماته هو مشكلات تفاعلهم. لا يتردد الوردي في ضرب هذا المثل البسيط وتوسيعه وتحميله بفرضيات نظرية معرفية ثقيلة ثم البناءعليه حيث يقول:
( لعلّني لا أغالي إذا قلت أن أكثر المنازعات الطائفية والسياسية والقبلية التي يزخر بها تاريخنا هي في أساسها الاجتماعي لا تختلف عن معركة النساء آنفة الذكر. وهذا هو الذي جعل مهمة الباحث المحايد – أو الذي يحاول أن يكون محايدا – عسيرة جدا، إذ هو يمسي مكروها من الجميع فهو يريد أن يتحرّى الحقيقة الموضوعية لدى كل فريق منهم بينما يريد كل فريق منهم أن يلتزم الباحث جانبه وحده ).

لا وجود للحقيقة المُطلقة:

وعلى هذا الأساس فان الحقيقة التي يلهث خلفها الباحثون والبشر العامة على حد سواء هي حقيقة نسبية، ولا وجود لحقيقة مطلقة ونهائية، وبالتالي لا وجود لنظرية اجتماعية أبدية وخالدة، فهي عرضة للتطوير وللتبديل لأن الباحث قد استمد جذور نظريته من المرحلة الاجتماعية التي عاش فيها. ونظريته،إذن، وكما يقول الوردي:
( لا تصحّ إلّا في حدود تلك المرحلة. معنى ذلك أنها تعطينا حقيقة نسبية لا مطلقة.وقد يعتقد الكثيرون أن ما يطرحه الوردي هو من بين بديهيات العلم منذ عقود طويلة قبل أطروحات الوردي. هذا صحيح، لكن عند هذه النقطة تماما تبرز فرادة الدور التنويري الذي قام به الوردي في الحياة الاجتماعية والثقافية في العراق. هذه الفرادة تتمثل في جانب منها في "التوظيف".. توظيف تلك الأطروحات التي هي من الأمور المتعارف عليها ومن مسلمات الحياة الفكرية في الغرب، في مجتمع متخلّف ومتقوقع مثل المجتمع العراقي آنذاك تحكمه أساسا عقلية دينية منغلقة. والناحية الثانية هو أنه كان يطرحها بصورة "متكرّرة" على أساس المثل الشعبي الباهر: ( كثرة الطرق تفك اللحام ). طرق على هذه الإطروحات كثيرا جدا حتى لقب بالدكتور ( صاقول ) لكثرة ما يعيد ويصقل بهذه الأطروحات نفسها. وهي ستراتيجية معرفية صحيحة جدا في مجتمع ذي طبيعة عقلية طفلية. ستجد مسألة الموضوعية والعقلانية تتكرّر في أغلب كتبه حتى ما يتناول منها أمورا أدبية مثل ( أسطورة الأدب الرفيع )، أو أمورا نفسية خارقية ( كما هو المصطلح الرائد الذي اجترحه للباراسيكولوجيا ) في كتابه ( خوارق اللاشعور ) الصادر عام 1952، أو مسائل عن الأحلام وصلتها بالعقيدة في كتابه ( الأحلام بين العلم والعقيدة ) الصادر عام 1959وغيرها. كما أن ميزته الأخرى هو أنه طرح هذه المسائل الشائكة بصورة "صادمة" أذهلت العقليات التقليدية وهزّت أركان البناء المعرفي العراقي المتصلّب عبر قرون طويلة خصوصا عند الصنف المتصلب من رجال الدين. إن هذا النوع من رجال الدين يجمعون دائما في أثناء الحديث على سكان الأرض بأن كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن الدين الصحيح، وأنهم، إذا وجدوه، فسوف يعتنقوه حالا. إنهم – حسب الوردي – يتخيّلون أنهم وحدهم أصحاب الحق من دون الناس، ونسوا أن كل ذي دين على وجه البسيطة يؤمن بدينه كما يؤمنون بدينهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بالقول (أن كل حزب بما لديهم فرحون).

ولكن الوردي لم يستثن العلماء المختصين بشؤون المعرفة المختلفة من قصور الموضوعية الحتمي في العلوم الإنسانية. فهؤلاء العلماء محكومون بعوامل ذاتية – وإن تكن أقل حدة – تؤثر في إدراكهم للحقائق الاجتماعية وتفسيرهم لها وحكمهم عليها. ومن بين هذه العوامل ما سمّاه الوردي بـ "القوقعة الفكرية" و "الغربال اللاشعوري" وهما مفهومان مهمان ورياديان في الثقافة العراقية طرحهما الوردي في بداية الخمسينيات وسنتناولهما لاحقا.
وللوردي مقترب آخر يحاول فيه تفسير معضلة الموضوعية في العلوم الإنسانية وترتبط هذه المرة بموضوعة "الحقيقة" نفسها، ويقصد بها أولا مفهوم الحقيقة المطلقة، وثانيا كيفية " خلق " هذه الحقيقة.

فبالنسبة للحقيقة المطلقة التي كان يؤمن بها مناطقة المنهج القديم والتي وضعوها في هيئة مقدمات كبرى مسلم بها مثل: ( كل شيء له سبب ) و ( النقيضان لا يجتمعان )، مثلما وضعوا مسلمات لمفاهيم الزمان والمكان وأبعاد الكون الثلاثة وكلها مفاهيم قلبها ( أينشتاين ) جذريا من خلال نظرية النسبية حيث حلت نظرية ( الزمكان ) محل نظريتي الجاذبية والأثير اللتين سادتا قرونا طويلة. وإن ما يثبت هشاشة ما يُسمّى بالحقيقة المطلقة هو أن البشر دأبوا على العمل بـ ( حقيقة مطلقة ) لقرون وتسير حياتهم وفقها ثم إذا بهم يكتشفون ( حقيقة مطلقة ) جديدة والغريب أنها قد تكون مناقضة تماما للحقيقة السابقة. فقد كان البشر مؤمنين بأن الأرض مستوية وكانت شؤون حياتهم اليومية والعلمية لمئات السنين تجري وفق هذه القاعدة الخاطئة، التي اكتشف البشر حقيقة مناقضة لها تماما ( حسب نظرية كوبرنيكوس ) ترى أن الأرض كروية. وكان البشر مقتنعين برأي العلماء الذي يقول أن الضوء ينتقل بخطوط مستقيمة ثم جاءت نظرية تقول بأنه ينتقل بحركة موجية. كانت نظرية أن المستقيم هو أقصر خط يربط بين نقطتين حسب فرضيات الهندسة الإقليدسية، هي السائدة، ثم ظهر أن الخط المنحني هو الأقصر لانحناء سطح الأرض خصوصا في المسافات الطويلة التي تقطعها الطائرات وذلك حسب نظرية أينشتاين. كان نيوتن يعتقد أن تقوّس أفلاك السماء ناتج من تأثير الجاذبية، ولكن أينشتاين جاء ليثبت أن نظرية نيوتن في الجاذبية غير صحيحة، والأشياء عند سقوطها على الأرض لا تخضع لجاذبية الأرض كما يرى الأخير، إنما هي تسقط تحت ضغط التحدّب الفضائي، وأن مفهوم الجاذبية فرض علينا بحكم عاداتنا الفكرية القديمة.

خدعة الحقيقة المُطلقة والصراع الطائفي في ظلّ المنطق الرسطي:

ويرى الوردي أن هذه المفارقات المتعلقة بخدعة الحقيقة المطلقة تظهر على أوضح صورة في الصراعات بين الطوائف الدينية. فالطوائف في كل دين – حسب الوردي – تكون غالبا على نوعين رئيسيين: أحدهما يماليء في عقيدته الفئة الحاكمة، وآخر يماليء الفئة المحكومة. ولهذا نجد كل طائفة تجمع الأدلة لتأييد ما تفعل الفئة المحبوبة مهما كانت جائرة أو سخيفة ( 332).

والوردي – كثائر اجتماعي – يوظّف هذا التحوّل المعرفي الخطير في مجتمع عراق الخمسينات في جوانب كثيرة من أهمها مواجهة العقلية الدينية الطائفية القائمة والتي تَغافَل الجميع عنها كالنعامة إلى أن أحرقتهم كلّهم. فهو يرد على واحد من رجال الدين أصدر كتابا يؤيد فيه عادة ( التطبير ) في عاشوراء وفق منطق المقدمة الكبرى والصغرى والنتيجة ( البديهية ) والتي يرسمها الوردي على الشكل التالي:
1-مواساة الشهداء حسنة ( مقدمة كبرى )
2-التطبير مواساة الشهداء ( مقدمة صغرى )
3-إذن فالتطبير حسن ( نتيجة ).
( وهنا – كما يقول الوردي – يتضح للقاريء، كيف استطاع الكاتب أن يدافع عن عادة ( التطبير ) باستخدام قياس أرسطوطاليسي صحيح. فأنت لا تستطيع أن تشك في صحة ( المقدمة الكبرى )، لأن الشك فيها قد يصمك بوصمة السفسطة. وكذلك يصعب عليك أن تشك بصحة المقدمة الصغرى لأن صاحبنا قد جاء بقصة العبّاس بن علي لتأييدها. والشك فيها قد يصمك بوصمة الزندقة وهذه وصمة أشنع من الأولى. وصار من الواجب عليك إذن أن تقبل بصحة النتيجة وتسلّم أمرك إلى الله. فذلك خير لك من أن تُتهم بالسفسطة أو بالزندقة فتذهب إلى الجحيم في الدنيا والآخرة (333).

وتظهر هشاشة الحقيقة الدينية والكيفية المصلحية التي يتم التلاعب بها من خلال طرح الوردي للطريقة ( المنطقية ) التي عالج بها كاتب آخر مسألة دينية خلافية أخرى أكثر أهمية وتتعلق باستخلاف معاوية لولده يزيد، وهي الخطوة التي قضت على منهج الشورى في التاريخ الإسلامي وحوّلت الخلافة إلى وراثة:
( لو رتّبنا بعض عبارات الكاتب حسب القياس الأرسطوطاليسي لوجدناها كذلك تؤدي بنا حتما إلى النتيجة التي أرادها هذا الكاتب، ولا مفر من ذلك. وإلى القاريء نموذجا منها:

1-منع الفرقة بين المسلمين واجب (مقدمة كبرى)
2-استخلاف يزيد كان من أجل منع هذه الفرقة (مقدمة صغرى)
3-ما قام به معاوية من استخلاف يزيد كان واجبا عليه إذن (نتيجة).
والمسلم لا يستطيع أن يشك في صحة المقدمة الكبرى أو الصغرى. فالمقدمة الكبرى مستندة على أمر الله ورسوله، أما المقدمة الصغرى فهي مستندة على رأي الصحابي الكبير عبد الله بن عمر الذي هو كالنجم في هداه. وما على المسلم عندئذ إلا أن يسلم بصحة النتيجة وأنفه راغم ) (334 )
ومن هنا ينقلنا الوردي إلى أطروحته الثانية حول (الحقيقة) التي تضعف درجة الموضوعية في المعرفة البشرية عموما والعلوم الإنسانية خصوصا، وهو دور (المصلحة) البشرية في خلق الحقيقة. يقول وليم جيمس:
(إن الحقيقة ليست إلا فرضية يفترضها الإنسان كي يستعين بها على حل مشكلات الحياة ).

ويعلّق الوردي على ذلك بالقول:

(الحقيقة المطلقة غير موجودة، وإن هي وُجدت فالعقل البشري لا يفهمها أو هو لا يريد أن يفهمها لأنها لا تنفعه في الحياة. إن الإنسان في حاجة إلى الحقيقة النسبية التي تساعده على حل مشكلاته الراهنة. وكثيرا ما يكون الوهم أنفع له من الحقيقة المطلقة المعلقة في الفراغ (... ) والإنسان مضطر إذن أن يبتدع في كل مرة حقائق جديدة ليعالج بها مشكلاته الطارئة. وهو لا يبالي بما يكمن في أعماق الكون من حقيقة مطلقة لا صلة لها بما هو عليه من هموم ) (335).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى