الاثنين ١٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٦
البعد الرؤيوي الوجودي لقصائد
بقلم عصام شرتح

«أولئك أصحابي» لحميد سعيد

البحث

لاشك في أن توجهات الدراسات النقدية المعاصرة إلى الجوانب الرؤيوية / أو الوجودية هو للكشف عن البنى الدالة العميقة التي توجه حركة النصوص الشعرية الإبداعية في توجهاتها الرؤيوية/ ومستبطناتها الشعورية العميقة ؛ مما يدل على أن ثمة رغبة جامحة لدى جمهرة من النقاد إلى البحث عما خفي من الدلالات بالاستعانة بالإيقاعات البصرية؛ لأن المداد اللغوي ما عاد يفي بالغرض في ظل التفاعلات الكثيرة التي تشهدها القصائد المعاصرة؛ سواء أكان ذلك بالشكل اللغوي أم بالشكل البصري، أم بالمحتوى البؤري العميق، ويرى الكثير من النقاد أن ما هو خفي من الدلالات المستبطنة أكثر أهمية ورَوِيَّة مما هو عائم على السطح ؛ وإن أية تجربة نقدية مثمرة ينبغي أن تخوض في هذا العالم المعتم الذي تخفيه القصائد؛ ويظل القارئ عنه بعيداً آلاف الخطوات؛ ووفق هذا التصور فإن من واجب النقد أن يخوض في هذا الحراك الرؤيوي العميق لا أن يقف على ماهو بادٍ أوظاهر من إيحاءات؛ ورؤى ودلالات ؛ وإن من يطلع على قصائد أولئك أصحابي بعمق ؛سيجد أن البعد الرؤيوي هو المدخل الجوهري لحركتها من الباطن أو الجوهر؛ نظراً إلى تشعب الرؤى التي تبثها هذه الشخصيات في مدها، وانفتاحها الرؤيوي النصي.

أولاً- البعد الرؤيوي لقصيدة(تجليات الماء):

إن هذه القصيدة(تجليات الماء)تطرح رؤيتها بجسارة من خلال شخصية (إيهاب)؛ والرؤية الجديدة المنوطة بها؛فالشاعر يحاور الشخصية محاورة هادفة يرمي من ورائها بث الكثير من الرؤى الجديدة، ف(إيهاب القطان) الذي خبر البحر، وعانى اصطراعه مع الحوت حتى انتصر عليه أخيراً؛ هو الشخصية الرؤيوية؛ إن الشاعر رأى في شخصية (إيهاب) البطل الأسطوري الخرافي الذي استحضره ؛ محاوراً شخصيته بمواجهة رؤيوية صريحة؛ تدلل عمق ما يريد إيصاله وفق المنظورات التالية:

الحوار الرؤيوي الكاشف:

إن أبرز البؤر الدلالية الكاشفة في هذه القصيدة(تجليات الماء) الحوار الرؤيوي البوحي الكاشف عن واقع الشاعر الاغترابي بين ماضيه المشرق وواقعه الاغترابي المصطرع؛ وواقع شخصية إيهاب بين قوة مجابهته للحوت والانتصار عليه، وواقعه المؤلم بمحاورة كاشفة تضيء الكثير من جوانب هذه الشخصية ؛إذ يقول:

"أفارقُكً الآنً..
إيهاب *
حتى إذا ماالتقينا .. على غيرِ ما موعدِ
في الطريق إلى مطعم الأميرة الغجريّةِ..
عند منعطف الشارعِ السابعٍ..
لا تنتظرني
مُذْ لحتَ لي في شتاءٍ بعيد.. تُغادِرُ فندقك العتيقَ..
لتلحقَ بي.. تحاشيتُكَ..
كنتُ تحاشيتُكَ من قبلُ
كيفَ التقينا؟
ألا تتذكّرُ ماكان منكَ.. وما كانَ منّي ؟
ما زلتُ أسمعُ وقعَ خُطاكَ الثقيلَ..
على حجر الشارعِ..
أنتَ تَحاشيتَ كلَّ الذين تمرُّ بهمْ
ووقفتَ لتسألُني.. عنكَ!
. . . . . .
. . . . . .
أنتَ الذي لمْ يَرَ البحرَ..
هذا الذي يتراءى لكَ الآنَ.."(1).

إن القارئ يظن أن طغيان إيقاع السرد يخفف من الغلوائية الحوارية، وهذا ليس بصحيح، فالشاعر يرصد إحساسه وشعوره إزاء هذه الشخصية بإيقاع حواري كاشف يرصد شعوره ومواجهته من الداخل ، وكأن رحلة القبطان( إيهاب) تمثل رحلته الوجودية المعذبة ، بإحساس يميل إلى أنسنة الأشياء من حوله وتشخيصها، وهنا؛ عبر بالبياض البصري عن عمق هذه المحاورة، وما تشي به من رؤىً وأحاسيس، ودلالات محتدمة، وأبرز موجهات هذه المحاورة أنها مبثوثة مباشرة بكل حراكها الشعوري،وإحساسها المناور بين المواجهةالصريحة/والمواجهة المواربة أو المضطربة؛ وهذا الاضطراب هو ما يكسب المواجهة القوة، والحرارة،الماثلة في قوله: أنتَ الذي لمْ يَرَ البحرَ../هذا الذي يتراءى لكَ الآنَ.."، و اللافت أن هذه المحاورة ما جاءت للكشف، وإنما جاءت لمعاينة الواقعين(واقع الشخصية في الرواية/ وواقع الشخصية في الفضاء الشعري النصي)؛ وهذا ما تكشفه الفضاءات البصرية من ارتدادت شعورية محمومة تبدت في الشكل البصري وامتداده الفراغي النقطي؛وبهذا الإحساس يتابع الشاعر اللقاء الكاشف مع الشخصية الروائية ؛ محركاً دورها القديم بالدور الرؤيوي الجديد المنوط بها؛ إذ يقول؛

"إنَّ دمَ السيّدِ الجميل.. يشهدُ للسيِّد ِ الجميلِ
بما.. مَدَّ موكبُهُ الأ بيضُ المهيب ُ..
من ألَقٍ حيثُ كانَ..
كلُّ البحارِ تفتحُ خلجانها..
ليدخُلُها الموكبُ الأبيضُ المهيبُ.. وتغلقُها..
دونَ ما أنتَ فيهْ
إذْ توهمت.. إن الرياحَ التي اختطفتكَ إليهِ..
سَتُسْلِمُهُ..
أَسْلَمَتْكَ إلى عُزْلَةِ.. تتوارى بعيداً عن الماءِ
والسيّد ُ الجميلُ.. مازالَ موكبُهُ الأبيضُ المهيبُ..
يدخُلُ أَيَّ البحارِ يشاءْ
لِمَ هذا الغباءْ؟
حاولتَ أنْ تجعلَ الماءَ مقبرةً
وحاولَ أن يجعل الماءَ.. مملكةً ساحٍرهْ
في موانئ باردةٍ..
بانتظاركَ كلُّ الذين ضيّعتهم في المياهِ البعيدةِ
حيثُ اقتفيتَ ماكنتَ تَحسَبُهُ حُلُماً..
ومن أجلِ وهمٍ تلبَّسَ روحكَ..
ها أنتَ .. في هذه المدينةِ..
لا أحدٌ من أباطرة الموتِ..
مِمَّن خلعتَ عليهم بُرودَ العواصِفِ..
يَسأَلُ عنكَ
. . . . . .
. . . . . ."(2).

إن المحاورة تشف عن أكثر من رؤية ودلالة، تصب جلها في دائرة الحرقة والاغتراب؛وكأن اغتراب الشاعر اغترابان؛ غربة الشخصية، وغربة الحدث والزمن ؛ ودليلنا أن القبطان (إيهاب) على الرغم من انتصاره على الحوت ، بدا غريباً كما الشاعر، فالأول عاش غريباً بعد نفي، وغربة قسرية فرضتها الظروف الحالكة والواقع الأليم؛ والثاني بعد انتصاره على الحوت عاش معمعة الإهمال والعزلة والنسيان؛ فعلى الرغم من قوة هذه الشخصية في عالمها الروائي فقدت هذه القوة، لتحيا في زمن الشاعر وأحداثه ومشاعره الاغترابية المريرة:

في ما مضى..
كانتْ الأساطيرُ تنزلُ حيثُ نَزلتَ
لقد شاختْ الأساطيرُ وانطفأت قناديلها..
أَيُّ أسطورةٍ ستُعيدُ إليكَ سطوتك الآفلهْ ؟
لا غرابةَ.. في ما انتهيت إليهْ
وأغربُ مما انتهيت إليه.. سيأتي"(3).

هنا يتجرد القبطان(إيهاب)من قوته الأسطورية الخارقة بعدما دحر الحوت؛ وحسم المعركة أو ذروة الصراع لصالحه؛ يخاطبه الشاعر هل ستعيد مجدك الذي كان؛ أم ستؤول أحوالك إلى ما آلت إليه أحوالي من غربة واحتراق؟؟!؛ وقد عبر عن إحساسه الاغترابي وزمنه الآفل بقوله:(أي أسطورة ستعيد إليك سطوتك الآفلة؟؟)، وهذا يعني أن الاثنين يعيشان في وحشة الغربة ؛ الأول (إيهاب ) الذي عانى غربة الخواء بعد الانتصار وهجران البحر بعد عناد وعناق طويل وصراع مع الحيتان والأسماك؛ و الثاني (الشاعر) الذي للأ سف بعد مجد غابر وتاريخ حافل بالأمجاد والمواقف العظيمة عانى الوحشة والغربة والعزلة؛ وما حضور الشخصيتين إلا لاستذكار ما كان واسترجاع حيوي لرؤى وأزمنة مبهجة ذات قوة، وعظمة، وإثبات هوية، وكيان.

2-الإحساس بالفقد أو الخواء:

إن من أهم البنى الدلالية المؤثرة في مجريات القصيدة ،وعمق الشخصية الروائية المستحضرة، شخصية(القبطان إيهاب) الإحساس بالفقد أو الخواء؛وهنا جاءت جميع أسئلته الحوارية منصبة في هذا الجانب تماماً؛ وهذا يعني أن الشخصية الإيهابية هي شخصية الشاعر في مغامرتها، وجسارتها، وإرادتها الماضية؛ فعلى الرغم من أن كليهما يعانيان من أفول القوة، والشباب، والإحساس بالخواء؛ فإن شخصية الشاعر مازالت تقاوم ،وتعلن جسارتها رغم الغربة، والضيق، والإحساس بالهرم، واليأس المطبق؛ كما في قوله:

فمن ستكون .. بلا بحر ؟
لا سُفُنٌ .. لارفاقٌ ..
ولا عائلهْ
لو حلمتَ.. بأنّكَ بالقرب من باب بيتكَ..
كُنتَ تشكُّ .. بأنّكَ بالقُربِ من باب بيتكَ..
لا أَحَدٌ في الجوارِ ..
مُذ أَسَرتكَ المياهُ البعيدةُ.. غابَ الحوارْ
. . . . . .
. . . . . ."(4).

سبق وأشرنا أن حميد سعيد استعان بالفراغات النقطية للتعبير عن الكثير من الرؤى والدلالات المضمرة؛والشاعر عبَّر عن الإحساس بالفقد والخواء من خلال هذا المد النقطي المتتابع؛ دلالة على المفاعلة الحوارية بين ما تضمره اللغة بسوادها ؛ وما تظهره الفراغات النقطية بامتدادها؛ وكأن ثمة إيقاعاً متناوباً أوتناوبياً بين الشكلين اللغوي/ والبصري تظهرهما القصيدة في مدها الدلالي؛ وحراكها البصري؛والشاعركشف من خلال واقع شخصيته(إيهاب) عن الكثير من الرؤى والدلالات والمنظورات المتناقضة بين شخصية إيهاب الجسورة في الرواية، وواقعها في القصيدة؛ فهي هنا لا تملك من أمرها هذا الانفتاح، والجسارة، والقوة، والصبر، والجلد، والتحمل ؛ إنها الشخصية الهرمة التي ماعادت تملك إرادة التغيير؛فهو وحيد لا بحر.. لا عائلة .. لا أصدقاء؛ فكيف في ظل هذا الواقع المرير يعلن انتصاره وثباته؛ إنه أراد أن يواجه شخصية إيهاب؛ وكأنه يخاطب أناه الداخلية .. فكيف في ظل هذا الواقع الاغترابي المهترئ يمكن الثبات والمواجهة والعودة إلى تلك الأزمنة بقوتها ودفقها وخصوبتها في ظل هذا الواقع المرير المتحجر؟؟!!؛إن ما أراده الشاعر أن يدمج الواقعين معاً (واقع الرواية وواقع القصيدة) هذا من جهة ؛ وواقع الشاعر وواقع شخصيته الروائية المستحضرة (شخصية إيهاب) من جهة ثانية؛ وهو بدمجه بين هاتين الشخصيتين والواقعين معاً يرتقي بالواقع الرؤيوي والشعوري للقصيدة ؛ ومن يتابع في مدى فاعلية هذا الدمج والاستحضار يتأكد له عمق المفاعلة والمكاشفة الحوارية التي تغني جوهر الرؤية الشعرية في القصيدة؛ وهي نفي واقع الشخصية الآنية؛ وهو-برفضه لهذا الواقع- يرفض هو واقعه ووحشته المؤلمة واغترابه المرير، وما لجوء الشاعر إلى الحلم إلا لسد هذا الخواء وحالة الفقد التي لازمته سواء في مجموعته(من أوراق الموريسكي) أم في مجموعته الجديدة ( أولئك أصحابي)؛ ليعلن في النهاية ثبات موقفه رغم سيطرة عالم الحلم على ذات الشاعر من خلال شخصية (القبطان إيهاب ) الذي دحر المستحيل؛ أما الآن في ظل واقعه المتفسخ الهرم فهوغير قادر على أن يقوم بأعباء ذاته؛ وكسر حاجز غربته ووحشته المريرة:

"أَتُرى.. هلْ ستحلمُ ثانيةً أنْ تكون ؟
لتصعدَ من ومضةٍ..
كَشَفتْ كلَّ ما خَبّأتهُ القُرونْ
تعودُ إلى الماءِ..
من غير أن يتراءى لك الموكبُ الأبيضُ المهيبُ..
مُقترِناً بدم السيّد الجميلِ
تُعيدُ إليك الضفافُ البعيدةُ.. صَفوَكَ
كُن حَذِراً منكَ
إيّاكَ أنْ تتمادى.. كما كنتَ
للماءِ هذي القراءة.. يفتحُ أبوابه للمُحبّينَ
لاتوقظ الموت ثانيةً.. ليمدَّ يديه إليهْ
. . . . . .
. . . . . ."(5)

إن الشاعر يخاف على إيهاب من منزلق الغفلة أن يلتقطه البحر ويلتهمه فيما عجز هو والحوت في تلك الأيام على مجابهته؛ وهذه الرؤية المعكوسة تدلل على عمق المفارقة بين الماضي والحاضر ، بين الأمس واليوم بين الشباب والهرم ، بين القوة والضعف ، بين النصر والهزيمة ، بين المجد والانحطاط؛ إن هذا الواقع الذي تعيشه الشخصية الإيهابية هي الوجه الآخر لواقع الشاعر ؛ فمعاناة إيهاب الماضية هي معاناته، وحرقته المريرة، ووحشته هي وحشة الشاعر وعزلته؛ ووفق هذا التصور؛ عمق الشاعر من فاعلية البياض البصري في الدلالة على حالة الخواء، واليأس، والانكسار، فإيهاب وإن غامر لن يكون كما كان لقد فقد الكثير من قوته ومهادنته للماء ما عادت كما كانت؛ فهو ركب البحر في زمن الصبا بقوة الإرادة والعزيمة لكنه الآن افتقد هذه الجسارة والقوة؛ وما عاد قادراً على الصمود ؛ ولهذا يحذره الشاعر من أن يتخطفه الموت، وهو مادٌّ ذراعيه إليه مستسلماً بأمان بعد طول مواجهة مع البحر والموت وانتصاره عليهما:

"أفارقُكَ الآنَ..
إيهابْ
يتبعني الماءُ..
كُنْ حَذِراً منكَ..
وليكنْ البحرُ بيتكَ.. تأتي إليه الرياحُ الرخيّةُ
من كلِّ فجٍّ عميقْ"(6).

إن علاقة البحر بالقبطان إيهاب أشبه بعلاقة الشاعر بالأجواء البغدادية ؛فكما أن إيهاب لا يستطيع العيش بدون مرافقة البحر لدرجة أن البحر سكنه الروحي وإحساسه بالكون المحيط؛ فكذلك الشاعر لا يستطيع الانفصال عن ماضيه؛ عن الطقوس البغدادية والفضاءات العراقية التي تمثل له منبع إحساسه الوجودي ؛وذروة تشبثه بالأمل والحلم. وبتقديرنا: إن هذا السبب هو الذي استقطبت من أجله شخصية القبطان (إيهاب البحرية)، لإثارة هذه المحاورة الوجودية الكاشفة؛ والكشف من خلالها عن الخلفية الرؤيوية لهذه العلاقة؛ وقد سبق أن أشرنا إلى :أن شعرية حميد سعيد تتجاوز الرؤى المباشرة ، إلى الرؤى الجوهر/ أو الرؤى المركز- إن جاز التعبير؛ فشحصية ( إيهاب) العنيدة الجسورة التي لا تستسلم لواقعها في لحظة من اللحظات تمثل له المحرض الكاشف لمواجهة واقعه الاغترابي المرير وغربته القسرية عن العراق؛ فكما اُنْتُزِعَ إيهاب من أجوائه البحرية عنوة ًبعد تقدم السن وأفول سنوات الصبا اُنْتُزِعَ الشاعر من الأجواء العراقية ؛ بجامع واقعي مشترك بين الشخصيتين الغربة والحنين ؛ فكلاهما مولع بعالمه المسلوب ورغبته المكبوتة ، الأول بالعودة إلى العراق؛ والثاني بالعودة إلى البحر؛ الذي يمثل له وجوده الحقيقي وإحساسه الروحي الذي لا ينفصل عن كيانه ووجوده إطلاقاً. وهذا ما دفع الشاعر إلى مخاطبة شخصية إيهاب ويفضي إليه بحديث مباشر:
"وليكنْ البحرُ بيتكَ.. تأتي إليه الرياحُ الرخيّةُ/ من كلِّ فجٍّ عميقْ"؛ وهو -بهذا الخطاب الصريح- يؤكد انتصار الرؤية الجسورة على الواقع المرير المتصدع الذي عانته هذه الشخصية ، والعيش إلى نهاية الحياة مع البحر الذي لن تنتهي مغامراته وآفاقه الوجودية إطلاقاً.

محصلة الرؤية الشعرية / أو كلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر أراد أن يقول كلمته الأخيرة؛ وهي أن إيهاب كما قاوم الظروف وبقي متشبثاً بالبحر لدرجة الالتصاق والسكن الروحي والوجودي به؛ فهو مازال مسكوناً بالأجواء العراقية مهما طالت ليالي الاغتراب وباعدته عنه فإنه متشبث به حدَّ الانتماء الروحي والجسدي، والسكن الروحي وصحبة كل من يقاوم، ويواجه مصيره؛ متشبثاً بقضيته حتى النهاية ؛ وشخصية (إيهاب) الشعرية لا تختلف كثيراً عن شخصية (إيهاب) الروائية؛ التي جسدت ثبات الموقف والقضية .. لقد وجد في شخصية إيهاب القوة، والجسارة، والمواجهة ؛ ولذلك، وجد فيها ذاته الداخلية المتعطشة للحياة العراقية بجسارة الأقوياء؛ فكان من الطبيعي استحضار هذه الشخصية وتمثلها فنياً ووجودياً في قصيدته (تجليات الماء)؛ وقد دل العنوان عن عمق هذه التجليات بإضاءة المتن الشعري للكثير من هذه الرؤى والتجليات، وهذا ما يجعل القصيدة ناجحة في مدها الرؤيوي ، لأن الشخصية المستحضرة فاعلة بقوة في خلق هذا التلاحم بين واقع الشاعر وواقع الشخصية؛ وهذا ما أكسبها حيوية مضاعفة في الاستثارة والتأثير الفني حتى- ولو كان لا يعرف القارئ شيئاً مهماً عن هذه الشخصية ولا حتى الرؤية التي أنتجتها؛ لكن من باب التذكير نأخذ ماقيل عنها"

" موبي ديك " رواية كتبها الروائي الأمريكي هيرمان ميلفل، صدرت طبعتها الأولى في 18-10- 1851 ، ولم تلفت النظر عند صدورها وقوبلت بالإهمال، فأصاب ميلفل اليأس ليمضي بقية حياته موظفاً صغيراً في دوائر الجمارك الأمريكية ويموت مهملاً ومجهولاً في يوم من أيام العام الأخير من العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، وبقيت هذه الرواية مهملة حتى العام 1907 حيث أدرجت ضمن سلسلة " إيفري مان لايبرري" الشهيرة التي تنشر الأعمال الكلاسيكية.وتمثل أحداثها صراعاً تراجيدياً، بين حوت وإنسان، وهذا الصراع يعبر عن الوضع البشري وعلاقته بالوجود والحياة، متحولاً إلى رمزية فيها الكثير من التعقيد ، وبرى بعض النقاد ، إن هذه الرواية جسدت المشروع الأمريكي ، سياسيا واجتماعياً، آنذاك، وأسلوب الرواية المؤثر، المقنع ، المشوق، شد انتباه القارئ باهتمام بالغ، وقرئت في ما بعد سياحة إبداعية فكرية"(7).

ثانياً-البعد الرؤيوي لقصيدة(يسأل عوليس.. إلى أين سأمضي؟!):

إن الشاعر في قصيدته(يسأل عوليس... إلى أين سأمضي) يحاور شخصية (عوليس) بطل ملحمة(الإلياذة)و(الأوديسا) لشاعر الإغريق: هوميروس،
"هوميروس،كما هو معروف شاعر ملحمي، تنسب إليه " الإلياذة والأوديسة " الاغريقيتين، وكان الجدل وما يزال يدور حول الزمن الذي كان فيه ، فقد قال هيرودوت : عاش هوميروس في القرن التاسع قبل الميلاد، وفي مصادر أخرى إنه عاش في زمن قريب من زمن حرب طروادة التي كانت بين 1184 و 1194 قبل الميلاد .
ومن شخصياته –عوليس– المقاتل الإغريقي الذي أبدى بطولة عالية في حرب طروادة والذي أحب مدينته –إيثاكا– وكان عاشقا لزوجته–بينلوب "(8)

تحاول القصيدة أن تطرح رؤيتها بجسارة عبر شخصية (عوليس) المستحضرة التي تحاول أن تستعيد مدينته الضائعة(إيثاكا) وزوجته(بنيلوب) ومجده الغابر؛ والشاعر أراد من جراء استحضار هذه الشخصية ومحاورتها أن يحكي قصته ويدمج التجربتين معاً؛ تجربة عوليس واستعادة مجده القديم ؛ وتجربته هو واستعادة مجده العراقي الحافل بالمواقف والمراكز المرموقة والأمجاد المشرفة بجامع الرغبة العارمة أو الدافع الداخلي في كلا التجربتين؛ لكن عوليس خسر زوجته بنيلوب التي تزوجت بغيره بعد خبر مقتل عوليس؛ وتزوجت بشاب وسيم ؛ وعندما رجع عوليس تنكرت له زوجه ؛ وتأففت منه بعدما شاب رأسه وضعفت قوته أجابته بوقاحة ومضاضة: ارحل ياعوليس لقد تزوجت بغيرك وبنوت من غيرك؛اذهب قبل أن يأتي الحراس ويقتلوك: إن زوجي شاب وفتي .. ارحل... أجابها (عوليس) بحسرة وندامة:"( ملعونة أنت بنيلوب ) سأبني مملكتي من جديد؛ وأستعيد عرشي التليد.."؛ هكذا تُجْمِع الروايات كلها حول هذه الرؤية المنوطة بهذه الشخصية ؛ وهنا ؛ نتساءل: ما الجامع المشترك بين شخصية الشاعر وشخصية عوليس؟؟ الجامع أن كليهما يريد استعادة مجده القديم ومملكته الضائعة، الشاعر استعادة الفضاءات البغدادية وأمجاده الغابرة؛ و(عوليس) استعادة مملكته الضائعة وعرشه القديم وزوجه التي أحبها ؛ وأولد منها، فكلاهما يبحث عن زمن مفقود وماضٍ مستلب ومستقبل مشرق حافل بالأمجاد والانتصارات المشرفة؛ يقول الشاعر:

يسألُ عوليسُ .. إلى اين سأمضي؟
لامكانَ لي..
وليسَ لي من سفنٍ تُعيدني إلى فردوسي البعيدِ..
إيثاكا.. التي تعثّرت بأبجدية الأحلام
لو عدتُ إليها..
مَنْ سيعرفُ القادمَ من متاهةٍ خرساءْ؟
عامَ ركبتُ البحرَ..باتجاه ضفةٍ أخرى..
وجدتُ الضفةَ الأخرى..
تعدُّ ما يُعَدُّ للرحيل ..
فإلى أين سأمضي؟
لامكانَ لي.."(9)

إن (عوليس) يعاني الإحساس بالفقد والضياع؛ وهذا الإحساس كما رافق الذات العوليسية رافق الذات الشعرية ؛ ف(عوليس) لايعرف إلى أين سيمضي في ظل هذه المتاهة؛ فقد مدينته(إيثاكا)، وفقد فردوسه المفقود وملكه العظيم ؛ لم يعد له من موضع مشرِّف يرتاده بعدما ضاع منه كل شيء، لا يوجد له من محفز وجودي يدفعه للحياة ؛ حتى زوجه ومحبوبته(بنيلوب) قد فقدها ولم يعد من ملكه أي شيء يعيد له دفق الأمل من جديد؛ إذ يقول:

بنيلوب ماتت.. واستُبيحَ نولُها
المياهُ فارقتْ لغتها الأولى..
تصحَّرت ضفافُ آخر القصائد البيضِ..
غزاها الرملُ والرمادُ..
وادّعاها السادةُ السماسرهْ
. . . . . .
. . . . . ."(10).

إن إحساس الفقد والخسران يرافق هذه الشخصية؛ فزوجه (بنيلوب) أصبحت مباحة، وغزا ملكه الرمل والرماد ، ولم يعد من بقايا ملكه إلا الأطلال والرمل والرماد الذي ذراها ومحا معالمها، وهنا عبر الشاعر كعادته بصرياً بهذا المد النقطي المتتابع عن حالة الخواء والفقد والخسران التي لازمته؛ فلم يجد أبلغ مظهراً من الدلالة على هذا الإحساس بالخواء سوى المد النقطي المتتابع الذي يعبر عن قمة الاحتراق والخواء والجو الموحش ، فلم يعد له من أمل في استرجاع ماكان بعدما عزاها السماسرة وادعى ملكها السادة الأخساء، ووفق هذه الرؤى الجامعة تطرح القصيدة رؤيتها بعمق وشفافية ، وفق المنظورات التالية:

الإحساس بالمنفى والحرقة المريرة:

إن الإحساس بالفقد والمنفى يرافق هذه الشخصية؛ وتشتد هذه الأحاسيس كما أوغل القارئ في تتبع مسارات هذه الشخصية؛ وكأن من مستلزاماتها الوجودية الإحساس بالنفي والضياع واقتسام السماسرة ملكه وبيع أشيائه في السوق السوداء؛ وأصبح كل شيء في مملكته مباحاً حتى أقراط زوجه بنيلوب أصبحت سلعة في يدي السماسرة يتاجرون بها؛ ويتناقلونها كأي سلعة رخيصة أو متداولة ؛إذ يقول:

تقتربُ البحارُ ..
من أولئك الذين سطّروا الملاحمَ الأولى..
على طين البلادِ
يهربونَ..
أغلقوا الأبوابَ في المنافي..
واستجاروا.. بانتظار ما سيأتي..
كانَ عوليسُ هو الوعدُ الذي صارَ بعيداً
إذ رأى أقراطَ بنيلوب .. تُباع..
اختلط ال..
وصار كلُّ وغدٍ يكتب اسمه.. في العشرةِ المبشَّرهْ
في ضنكِ الحدائقِ المهجَّرهْ
تُحَرَّمُ الألوانُ.. هذا شجرٌ مغتربٌ
يُعَدُّ في مهجره الكئيب.. من سلالة الأقنانْ
كان الأخضرُ الرزينُ في طريقه إلى منازل الأصحابْ
غيرَ أن الريحَ أوقفتهُ.. فمضى..
منكسراً.."(11).

إن القارئ سرعان ما يدرك الإحساس بحالة الفقد والانكسار التي لازمت شخصية(عوليس)؛ هذه الشخصية التي افتقدت ملكها؛ وما عادت تملك إلا الوحشة والتشرد والضياع؛ وكأن كل شيء قد فقد ملكه؛ وانهار، وتلاشى، وأصبح من سلالة العبيد بعدما كان في ملكه يزدهي بأمجاده وحضارته الغابرة ؛ حتى أقراط بنيلوب نالها الذل والعار؛ وفقد ملكه الذي كان وأصبح في نفيه مهجراً منكسراً لا حول له ولا قوة،فماذا بعد أن بيعت أقراط زوجته ؟ فكيف حالها؟ وهي المرأة الجميلة التي تأخذ بالألباب والعقول لشدة جمالها، وهنا تراود الشاعر الكثير من المواقف والرؤى في تفعيل هذه الشخصية،وكأنه يحكي من خلالها عن ملكه الذي تلاشى؛ إذ يقول:

على امتداد الغاب.. كانت الذئابُ
تعوي.. والطيورُ في ارتيابْ
من ذا الذي يُدِلُّ عوليسَ..
ومن سَيُطلِقُ الأمواجَ من قيود الملحِ..
مَنْ يُحَرر الإنسانَ من هذا الهراءِ
مَنْ سيُبعدُ الصَبا الجميلَ.. عن نشاز الندب والبكاء ؟
. . . . . .
. . . . . ."(12).

إن تلاعب الشاعر بالعزف على الإيقاعات البصرية هو من محفزات الرؤية الشعرية لديه؛ خاصة إذا أدركنا أنه يوظفها في مكانها البؤري الدال بقوة عن صلب الدلالة أو صلب الرؤية المبثوثة في ثنايا القصيدة؛ وهنا يلحظ القارئ معنا كيف عقد أواصر الرؤية على المسارات النقطية التي يتركها لتشي بالكثير من الدلالات المضمرة التي تخفيها هذه القصيدة؛ وهذا يؤكد تعاضد البنى الدلالية مع الإيقاعات اللغوية/ والبصرية في التعبير عن إحساس الغربة والضياع والمحو والغياب التي تحس بها الشخصية المستحضرة برؤى متفاعلة مكتظة من الأحاسيس والرؤى المحتدمة، وكأن ارتحال الشاعر إلى البياض هو لبث ندبه الداخلي وبكائه الصامت خلف غمامة الدموع والآلام و ضبابة الأحزان الرمادية ؛ وهذا يدلنا أن تفاعل البياض/ مع مداد السواد الكتابي دليل غربة واحتراق شعوري وإحساس بالفقد والضياع المرير؛ وكأن البياض النقطي هو صدى إحساسه المتوتر المأزوم الذي لن يعوضه أحد؛ وفي ظل هذه الاحتدامات والصراعات الداخلية تحس الذات بقلقها؛ وواقعها المأزوم الموحش الذي لا يضمر خيط خلاص ولوكان وهمياً؛ أوبصيص أمل وحيدولوكان سراباً؛لايملك سوى أطياف لمملكته الضائعة(إيثاكا)، وحلمه بالعودة إليها واسترجاعها من جديد. كسابق عهدها فتية جميلة كما كانت.

2-لحلم بالعودة وبناء مملكته الجديدة:

من الموشرات الرؤيوية البؤرية الدالة في هذه القصيدة؛ حلم (عوليس) بالعودة إلى مملكته السالفة ؛إلى عالمه الحقيقي الذي اُنتُزِع منه؛ فكما اُنتزِع الشاعر من الفضاءات البغدادية؛ وعانى حرقة النفي، والغربة، والتشرد، والضياع ؛ وأخذ حلمه يتنامى شيئاً فشيئاً بالعودة والخلاص فقد بدأ حلم (عوليس) يزداد تدريجياً بالعودة إلى دائرة الخلاص؛ بالعودة إلى مملكته(إيثاكا)؛ هذه المملكة التي طالما حلم باسترجاعها بجامع وحدة الشعور؛ ودفق الأحاسيس الاغترابية المريرة؛ إذ يقول:"
تلوحُ إيثاكا.. كما ودّعتُها من قبلُ
لكنَّ الذي يلوحُ لي.. ليس الذي كانَ
متى تعودُ إيثاكا.. إلى أيّا مها..
إليكَ.."(13).

إن حنين (عوليس) إلى مدينته( إيثاكا) هو أشبه بحنين الشاعر إلى الفضاءات البغدادية التي طالما عشقها الشاعر وتغنى بكل ركن من أركانها؛ وكل موضع أوموطئ قدم من ترابها الطاهر الزكي، وهذا ما جعل استحضار الشخصية ومحاورتها كاشفا ًبؤرياً عميقاً عن مضمرات دلالية كثيرة؛كما في قوله:

"انتزعت طروسَها الظلالُ..
وتعثَّر التاريخُ..
هذه مدينةٌ أخرى.. وقد تكون كذبةً أخرى
وقد تكونْ
لها على عوليس ماله عليها.. وبها من الجراح مابه..
وبانتظاره..
تؤجِّلُ اقترانها بما تبقى من ملاحمٍ..
وبانتظارها.. يؤجِّل الرحيلْ
بعيدةٌ حدائق الأحفاد..
من سيجني ثمراً مخاتلاً .. منها
ومن يدقُّ باب الريحِ.. من يفتحُهُ ؟!
يُطِلُّ من ذرى منيعةٍ..
يرى ما تفعلُ الإرضَةُ بمدائن الأجدادْ
بعيدةٌ حدائق ُ الأحفاد..
لا أراها..
اغتربت مياهها.. واغتربت طيورها.. واغترب المطرْ
من أيِّ بابٍ في خريفها سيدخل الشجر؟"
. . . . . .
. . . . . ."(14).

إن الشاعر يضع شخصية (عوليس) أمام سلسلة احتدامات وصراعات داخلية وهواجس كثيرة تراوده لا يملك لها خياراً؛ إنه بانتظار مملكته الحلم(إيثاكا)؛ لكن الطريق إليها حافل بالهواجس والتأملات و الأحلام المبعثرة المتلاشية؛ لا يملك لها خياراً أو قراراً؛أو حتى إرادة في ظل هذا الكم الهائل من الرؤى الاغترابية والهواجس المحتدمة في قرارة ذاته العميقة ؛ وكأن كل شيء أمامه يؤذن بالتغير والتزوير والتزييف؛ فقد يكون أمام مملكة أخرى لاتمتُّ إلى الأولى بصلة؛ وهذا ما نستدل عليه من قوله:) هذه مدينةٌ أخرى.. وقد تكون كذبةً أخرى/وقد تكونْ/لها على عوليس ماله عليها.. وبها من الجراح ما به.."؛فهذه المملكة ليست مملكته المنتظرة؛ وإنما مملكة أخرى جريحة ؛فيها(بنلوب)ليست زوجه التي أحبها، وصانت كرامته وعزه؛إنها امرأة خؤون خانت عهده؛ وطعنت فراشه؛ ونكحت غيره؛وهذا ما يجعله دائماً في تردد وارتباك وهواجس محتدمة؛ الأمر الذي جعله ينظر إلى هذه المملكة بعيون غريبة قلقة متوجسة: هل هذه المملكة هي مملكته الماضية حقاً أم أنها مملكة أخرى؛؟؟ وهل بنيلوب هذه زوجه التي عاشرها ؟؟ أم امرأة عاهرة خؤون باعت ثدييها في مزاد النخاسة؛ إلى من يشريها بأبهظ الأثمان؛ وهنا، ترك حجم الفراغات والنقط الفراغية المتتابعة مفتوحاً ؛ليشير إلى عمق الحيرة التي لازمته ؛ وجعلته في انفتاح شعوري وامتداد توتري قلق أو مفتوح على كل الاحتمالات.؛وهذا ما جعله ينظر إلى هذه المملكة نظرة مغتربة ؛ لم يعد فيها أي شيء مما يألفه، لقد فقد كل شيء بريقه الذي كان؛ حتى المياه والطيور والأمطار والشجر أصبحت غريبة في مملكته؛ فكيف بحال الإنسان الذي هو بالتأكيد أكثرهم اغتراباً وتغيراً؟؟ بسبب نوازع البشر الكثيرة ورؤاهم ومطامعهم المتزايدة على الدوام؛ ومن الحنكة الإبداعية أن جعل مساحة التحسر والحرقة الاغترابية مفتوحة على أشدها من خلال المد النقطي المتتابع، ليؤكد عمق الاغتراب وصداه المؤلم على نفسه؛إذ يقول:

"يسأل عوليس.. إلى أين سأمضي ؟
كلَّما اقتربتُ من أسئلتي.. تبعدُ إيثاكا
تعبتُ..
كلّما اقتربتُ منها.. ابتعدَتْ
ماعدتُ أختارُ العشيّات لألقى من أُحبُّ..
في رحابها..
أو أُبعدُ العناكبَ الفظّةَ عن أبوابها
تغدو الكوابيسُ إذا ما اقتَرَبَتْ منها..دليلاً حذراً
في ليلها أرى الدمَ المُراقَ في عليائه..
على القبابْ
وفي النهار..تملأُ الشوارعَ الخائفةَ الذئابْ
أيتها المدينة التي ما دجّنتها الخطبُ العصماءْ
ولا العمائمُ التي يضجُّ في طيّاتها الرياءْ
ولا الأكاذيب التي تئنُّ منها..الكتُبُ الصفراءْ
لربّما يدقُّ بابَ الريحِ عوليسُ.. افتحي
أيتها المدينة التي.. تسهرُ بانتظاره..
الأبوابْ"(15).

هنا ؛ يحقق الشاعر ذروة الدرامية ؛ وذروة الرؤية الشعرية التي يريد الشاعر إيصالها؛ ومن أجل ذلك، يلحظ القارئ الاحتدام الرؤيوي وكثافة المنظورات التي يريد الشاعر أن يبثها على لسان الشاعر عبر لغة القص السردي الشائق على الرغم من حضور شخصية(عوليس)،بوصفها الشخصية الناطقة بكل ما يريد بثه أو الإدلاء به؛ وهذا يؤكد اندماج الشخصيتين معاً في التعبير عن المناورة الداخلية / أو(المنولوج) أو( الديالوج) الكاشف عن شدة الاحتدام والصراع الداخلي ؛ وهذا يعني أن الشاعر يفضي بحديثه الداخلي إلى الذات؛ مرتداً منها وإليها؛إنه كلما اقترب من مملكته(إيثاكا) ابتعدت؛ وكلما ابتعدت اقتربت؛ وهذه المناورة يسقطها على نفسه ؛ فكما أن مملكة (عوليس) تناوره وتباعده وتشوقه دوماً فكذلك بغداد تفعل فعلتها بالشاعر، تناوره؛ وتزاحمه؛ وتنأى عنه،بظروف محايثة لواقع عوليس ومدينته المناورة؛ ولكن كما هو معتاد في قصائد هذه المجموعة دائماً تطالعنا نظرته التفاؤلية لتدل على إحساسه المبشر بالعودة والخلاص ؛ فلابد من بشائر الخير والأمل بالعودة إلى العراق؛ وعوليس إلى مملكته الضائعة وزمنه القديم، وما قوله: لربّما يدقُّ بابَ الريحِ عوليسُ.. افتحي/أيتها المدينة التي.. تسهرُ بانتظاره../الأبوابْ".
إذاً إن الشاعر أراد أن يقول كلمته الأخيرة ويدمج تجربته بتجربة البطل التراجيدي (عوليس) (رمز المقاومة والتحدي)؛ فهو رغم كل الظروف سيعود إلى الفضاءات البغدادية شأنه في ذلك شأن شخصيته الأسطورية(عوليس) الذي سيرجع إلى مملكته( إيثاكا)، وزوجه بنيلوب يوماً ما ؛ويبني مملكته الجديدة ؛ ويعيش حلمه التراجيدي الذي طالما حلم به ومازال. وهو بذلك يستثمر الشخصية الأسطورية بكل حرارة الموقف وعمق الرؤية.

بلاغة الرؤية الشعرية أوكلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر حقق بقوة بلاغية مثيرة ما يريد من خلال استحضار شخصية(عوليس)؛ إذ أضفى عليها من إحساسه ما يمنحها عمق الرؤية، وبلاغة المنظور، من خلال دمج الموقفين والشعورين والإحساسين معاً؛ موقف الشاعر من اغترابه القسري عن العراق؛ وموقف بطله الأسطوري( عوليس) الذي عانى من غربة مريرة عن زوجه ومملكته بسبب الحرب الهوجاء (حرب طروادة)؛ وخبر مقتله الذي قلب الموازين، وخسر ملكه وزوجه ومجده التليد؛ وهنا ؛ تتحد الشخصيتان معاً في السياق الشعري، ويلتحمان بقوة؛لإبراز الحرقة المريرة؛ والغربة الجارحة دون أن يُغَيَّبَ الأمل بالعودة إلى مجده القديم وحلمه بالعودة على أجنحة التفاؤل بالآتي؛ ولو كان محض سراب ؛وهذه الروح التفاؤلية هي ما تسم قصائده، ومن ضمنها هذه القصيدة.

ثالثاً- البعد الرؤيوي لقصيدة( الشيخ يعود للبحر):

إن قصيدة( الشيخ والبحر) تحكي جوها الشعري المشتق من رواية(الشيخ والبحر)لآرنست همنغواي؛وهذه القصيدة تطرح رؤيتها من خلال شخصية(سانتياغو) الصبورة الجسورة العنيدة على متابعة الصيد وعدم الاستسلام للقدر أو الركون إليه؛ إن الشاعر استحضر هذه الشخصية ليبث من خلالها إصراره على المقاومة حتى اللحظات الأخيرة بالعودة إلى العراق كما هي رغبة الشيخ(سانتياغو) بالعودة إلى البحر والصيد؛ بجامع الإصرار، والعزيمة، وثبات الموقف عند شيخ البحر (سانتياغو)والشاعر، وهذه القصيدة سبق وأشرنا إلى أنها مشقة من"رواية الشيخ والبحر لآرنست همنغواي التي كتبها في هافانا عاصمة كوبا في العام 1951 ، وهي من روائعه وبتأثيرها نال جائزة نوبل للآداب في العام 1954
لقد رسم همنغواي شخصية سانتياغو من الداخل ولم يكتفِ برسم ملامحه الخارجية، فكان القوي القادر على خوض صراع غير متكافئ من دون أن ينكسر حتى بعد الهزيمة، كما عبرت الرواية عن جوهر المكان ، البحر، والساحل والمدينة، وظل الشيخ يحلم بالعودة إلى البحر.

المكان – هافانا – حيث كتب همنغواي روايته، والبحر مملكة سانتياغو، و- مانولين– هو الصبي ، والسمكة هي سيدة الإقيانوس، تكررت في القصيدة ، وهي – الأخت – والدلافين التي رافقته في رحلات الصيد، غابت في لحظات الصراع، وجاءت أسماك القرش ، كما غياب الجمال وحلول القبح".(16).
ومن تدقيقنا في البؤر الرؤيوية العميقة التي تحكم المسار الرؤيوي العام للقصيدة نقف على البؤر المفصلية الرؤيوية التالية:-

تذكر الماضي العريق والحنين إليه:

إن القيمة البؤرية الرؤيوية الأولى تتمثل في تذكر الماضي العريق والحنين إليه، وهذا يعني كسر عزلته الوجودية، والعودة إلى ركب الحياة الجارف بما تحمله من احتدام واصطراع؛والشاعر يرى في شخصية(سانتياغو) قمة الإصرار على المواجهة وعدم الاستسلام؛فهو رغم محاولاته الكثيرة اصطياد السمك، وسعيه الحثيث لتحصيل ذلك، لكنه لم يوفق ؛ وفي رحلته الأخيرة استطاع أن يصطاد سمكة ضخمة ؛ وبعد طول صراع مع قوة السمكة الكبيرة وتعلقه بها حتى الهلاك استطاع صيدها؛ وعلى الرغم من أنه لم يصل بها إلى الشاطئ (بر الأمان) إلا كهيكل عظمي إثر ملاحقة سمك القرش للسمكة المصطادة؛ وأكلها وهو يصارع بكلتا يديه، وهو رغم فشله في المحافظة على السمكة لكنه أثبت قوة الإرادة والعزيمة لديه والتصميم على المواجهة على الرغم من فشله في الحفاظ على السمكة والحفاظ على مجده التليد، لكن رغم ذلك نال تقدير واهتمام الصيادين والبحارة على عزيمته القوية؛ وإرادته الجسورة؛ و لهذا لقبوه ب(شيخ البحر)؛وأول ما نبرزه من بؤر رؤيوية دالة تذكر الماضي التليد ومغامرته العظيمة، إذ يقول:
"في عُزلته..
يتذكَّر هافانا.. والبحرَ وأقراشَ البحرِ
ومانولين صبيَّ الماء.. وكوخاً كان هناكْ
يتذكّرُ سَيِّدَةَ الإقيانوس.. الطيِّبةَ الهادئةَ..
الفضِّيةَ..
يومَ اقتربتْ منهُ..
وينسى ما كانَ لها
هي أختي.. كانَ يُردِّدُ في عزلتهِ
كيفَ أظلُّ بعيداً عنها..وهي هناكْ؟
مُذْ فارقتُ منازلها..
كنتٌ وحيداً.. ما شاركني البحرُ فراشي
وتخلّى عّنّي.."(17).

إن الإحساس بالفرقة أصعب ما يجرح شعور المغترب، خاصة عندما تكون فرقة وطن أو مهنة اعتاد عليها المرء ولا يستطيع العيش بدونها؛ وما أجمل رفقة البحر وركوب المياه؛ ففي كل مجازفة في خضم البحر مغامرة جديدة ورؤية جديدة وانفتاح على عوالم وآفاق جديدة ؛ إن حسرة (سانتياغو) ليست فقط على السمكة الكبيرة التي خسرها ولم يستطع الحفاظ علها ؛ وإنما حسرته على الأجواء الرحبة التي فارقها في عالم البحار، وهو يجوب كل يوم فضاءً جديداً ويوماً بهيجاً يكسوه التفاؤل والأمل بصيد وفير؛ ولهذا يحن إلى هذه الأجواء؛ وفي حنينه صوت داخلي يهيم به للعودة إلى تلك الأجواء مع رفقة الصبي(مانولين)، والسمكة الكبيرة(سيدة الإقيانوس)؛ورفقة البحر الذي هجره؛ وتخلى عنه.
وتتمثل مظاهر الشوق والحنين إلى تلك الأجواء عندما يحس(سانتياغو) أن كل مافي عالمه الماضي يبحث عنه؛ بكل مافيه من أشياء وأماكن وأيام وسنين؛ إذ يقول:

كُلُّ سنيني..
تقفُ الآن على الساحلِ.. تسألُ عنّي
ودلافينٌ طيٍّبةٌ.. كانت تتبعني حيثُ أكونُ..
تُشاركُني أسئلتي..
تبحثُ عنّي ..
الصيادون رفاقي.. سألوا صاحبة الحانةِ عنّي
أَتفادى ما كنتُ أرى..
تُقبِلُ سيِّدةُ الإقيانوس.. الطيِّبةُ الهادئة..
الفضِّيةُ..
تدخُلُ في حُلُمي.. فأفارقُها في الصحوِ
لتتركَ لي عندَ ضفافِ النومِ.. هداياها"(18).

إن الشاعر يتحدث بلسان شخصيته(سانتياغو)؛ وهذا يعني أنه يحكي بمشاعرها وأحاسيسها الداخلية؛ ورؤاها ومنظوراتها الوجودية؛ مما يعني أن ثمة رغبة جامحة لدى الشاعر في الانصهار بهذه الشخصية؛ بوصفها قناعاً يفضي بمشاعرها لا بمشاعره، وبرؤاها لا رؤاه، وبأجوائها لا أجواءه؛ وهذا على غير ما عهدناه في استخدام الشخصية التاريخية بوصفها قناعاً على نحو ما عهدناه في شخصية (مهيار الدمشقي) لأدونيس؛و(آداد) عند فايز خضور؛ و(شاهين) عند محمد عمران ،وغيرهم ؛ وهنا يستذكر (سانتياغو) كل ما مضى من صحبة ورفاق وأصدقاء وكل مشاهداته في البحر؛ بوصفها مصدراً خصباً لاسترجاع تلك الأيام ، والعيش بأجواء الماضي وآفاقها الرحبة؛ متخيلاً أن الأماكن حميعها تشتاقه، والأسماك والمراكب تحن إليه؛ وسمكته الكبيرة(الإقيانوس) بانتظاره؛ إن كل هذه المشاهد والرؤى المتخيلة تؤكد مصادر شوقه وحنينه إلى التمسك بالماضي، وتزداد هذه المشاهد حرارة كلما بدا حلمه واقعاً وكأنه حقيقة؛ إذ يقول:

"هاهي..
أجمَلُ من كلِّ أميراتِ البحرِ
لها..ما ليسَ لكلِّ أميرات البحرِ من السحرِ
تناديني..
والأقراشُ تُحييّني..
وأَراني أصطحبُ البحرَ إلى الحانةِ..
في ليلٍ يفتحُ فيه القمرُ الطفلُ.. جميعَ الأبوابْ
لندخُلَ مملكةَ الصيدِ.. وفردوسَ الصيّادينْ
أنا والبحرُ ومانولينْ
تُغافلُني الريحُ..وتذهبُ بي حيثُ تشاءْ
تُخرِجُني من إيلاف الماءْ
وتُنزلني في مدنٍ لاتعرفني..
وتُغافِلني ثانيةً..
تُسمِعُني في شدو طيورٍ خائفةٍ..
أُغنيةً سوداءْ"(19).

إن الشاعر ،هنا، يسترجع كل أجوائه الماضية المتخيلة ، ويتخيل ذاته أنه برفقة الصبي(مانولين)؛ وأسماك القرش المعادية/ والسمكة الكبيرة(الإقيانوس)؛ وبرفقة أصدقائه الصيادين يتسامرون في الحانة على جرأته وشجاعته وإرادته العظيمة ؛ فهو على الرغم من تقدم سنه لم ييأس ؛ ولم يركن للزمن ؛ مازال يقاوم صعوبة الأيام وعجافة السنين؛ ويعيش الحياة بجسارة العظماء أراد الشاعر أن يسقط شخصية (سانتياغو) المقاومة الجسورة على شخصيته؛ مؤكداً إفادته من حوارها والتحدث إليها أو بلسانها؛ صحيح أن الشاعر استخدم الشخصية من الرواية ؛ لكنه أضفى عليها من أحاسيسه ورؤاه الشيء الكثير؛ف(سانتياغو) هو الرمز الناطق لشخصية الشاعر؛ فهو على الرغم من تقدم سنه لن يستسلم ولن يركن للزمن كشخصيته(سانتياغو ) لابد أن يعود للأجواء البغدادية ؛ ويعيش ماضيه العريق وحياته الصاخبة بالمجد والشهرة والضوضاء والإعلام ؛ إن العراق تمثل له البحر في الخير، والعطاء، والفضاء الروحي المفتوح شأن البحر بالنسبة لشخصيته (سانتياغو)؛ الذي يمثل له الفضاء والامتداد الروحي اللامحدود؛وبهذا الشعور والإحساس الرؤيوي الوجودي وظف الشاعرشخصية(سانتياغو) الجسورة العنيدة القادرة على تغيير مصيرها وصناعة المستحيل ؛ وهذا ما أراد حميد سعيد أن يقوله على لسان شخصيته الروائية المستحضرة؛ وكأن كل شيء يتحرك أمامه يذكره بالأجواء البحرية،من أسماك ، وأصدقاء وبحارة ، حتى الأماكن حنت إليه واشتاقته؛ إن الشاعر استطاع أن يتمثل شخصية(سانتياغو) بفعالية رؤيوية ودلالية مشيراً من خلالها إلى شوقه الجسور إلى استرجاع كل لحظاته الماضية في الأجواء العراقية ، والعيش معها كما فعل (سانتياغو) في رفقة البحر واقعاً وخيالاً.
القص الشعري المتخيل/ وبلاغة المناورة السردية:
تعتمد هذه القصيدة في بلاغة رؤيتها على تقنية (القص الشعري المتخيل) الشائق؛ وبلاغة المناورة السردية؛ ذات المد الرؤيوي والحنكة في الانتقال من متغير سردي إلى آخر ؛ مكثفاً الأحداث والرؤى المتخيلة؛ وهذا يعني كثافة الأحداث والمواقف والرؤى المتخيلة المحتدمة بالرؤى والمشاهد واللقطات الشعرية؛ كما في قوله:
"في عُزلَتهِ.. يسمعُ صوتاً يعرفهُ..
سانتياغو
سانتياغو
سانتياغو
ويرى البحرَ قريباً منهُ.. وهذا زورقُهُ
تحرسُهُ سَيِّدةُ الإقيانوسْ"(20).

إن ثمة صوتاً داخلياً ينادي(سانتياغو)؛ وهذا الصوت هوصوت البحر والأمواج وصوت أناه الداخلية المسكونة بعشق البحر وحياة الصيد؛وهذا التكرار المتتابع للمنادى (سانتياغو) أضفى على المشهد الشعري طابعاً ملحمياً تراجيدياً صاخباً على مستوى شعوره الداخلي وحالة الاصطراع التي يعانيها من جراء هذا الصوت الداخلي الهادر بين إحساسه بالهرم، والضعف، والعجز، وإحساسه بدافع الرغبة واسترجاع ما كان بدافع قوة الرغبة والتعطش لاسترجاع الأجواء البحرية وكل مايذكره بها من نداء، واستفهام، ومناجاة متخيلة للسمكة(الإقيانوس)؛ وهذا ما نستدل عيه بقوله:

ويخرجُ من صمتِ الليلِ إلى فتنتهِ..
إذْ يسبحُ ضوءُ النجمةِ..
في تيّاراتٍ صاخبةٍ غير بعيدٍ عنهُ
يا أنتَ..
متى كُنتَ تهابُ نبوءات الأبراج؟
متى كنتَ تعود عن الصيدِ.. إذا خذلتكَ الأمواج؟
كنتَ ترى في إغفاءاتك..
مُذْ غادرتَ الكوخَ الكانَ هناكْ
سبعَ غزالاتٍ يملأنَ فضاء النومِ..
وسبعَ يماماتٍ.. يوقظنَ الجارات..
أعددنَ فطوراً من صيد الفجر الطازج..
للجار العائد بعدَ غيابْ"(21).

هنا، يعتمد الشاعر بلاغة المناورة السردية في بث كل ما يعتصر الشخصية الروائية من احتدامات، وهواجس، ورؤى شعورية متخيلة؛ وكأن لدى الشاعر هاجساً إلى بث الأحاسيس الداخلية عبر الشخصية المحورية الثانية في القصيدة؛ وهي شخصية السمكة الكبيرة (الإقيانوس)؛باثاً من خلالها عتبها الشديد عليه؛ وحرقتها على واقعه وما آلت إليه أحواله؛ فهي تمثل الصوت الخفي المقاوم الذي تحاول نداءه به؛ ليعود إلى عنفوانه وجسارته المعهودة التي كانت عليه؛ ليدحر غمامة اليأس المريرة التي يعانيها؛ ومن هذا المنطلق ؛ لجأ الشاعر إلى تكثيف الرؤى، وإبراز احتدامها من خلال هذه المناورة السردية الشائقة التي اعتمدت قوة الحركة؛ وعمق المحاورة في خلق هذه الأجواء الدرامية المكثفة لرؤاه الوجودية؛ فالشاعر أراد أن يخرج هذا الصوت المتلجلج من قرارة ذاته العميقة باسترجاع تلك الأيام واللحظات الماضية التي عاشها في الأجواء العراقية كشخصيته(سانتياغو) لإبراز عنصر المقاومة وثبات الموقف والدفاع عن وجوده بجسارةوعنفوان كما فعل (سانتياغو) في مقاومته الزمن، ومحاولة العودة إلى البحر؛ وهذا ما جعل هذه الشخصية وكل ما يحيط بها من شخصيات وأجواء مساعدة في تحفيز الشخصية الجوهرية في القصيدة ؛ واستثارة جوهر الرؤية الشعرية من الصميم,وهنا يتابع الشاعرفي مناورته السردية الشائقة في خلق هذا البعد الدرامي أو الحركة البانورامية المشهدية في تعزيز الموقف الشعري وتكثيف رؤاه؛ وهذا مانلحظه في قوله:

"إذْ يندفعُ التيّارُ الغامض.. تصحو الريحُ..
تناديهْ
يستقبلهُ مانولينْ
ويبدأ طلعته الأولى بعد سنينْ
يبتعدان عن الساحلِ..
ليس لأن الصيدَ إذا ما ابتعدا عنه وفيرْ
فهناكَ البحرُ رحيمٌ وكريمْ
إذْ كانَ يُناديه إذا صار بعيداً.. في الليل العاصفِ
سانتياغو
سانتياغو
سانتياغو
يعقدُ صُلحاً مع تيارات الأعماق.. يكون أخاً للحيتانْ
للسمكِ الطائر والروبيانْ"(22).

إن نظرة الشاعر التفاؤلية التي ما غابت ولن تغيب عن قصائده تسترجع شخصية(سانتياغو) إلى أجوائه البحرية؛ إلى صديق رحلاته القديم الصبي(مانولين)؛ ويبدأ رحلته الأولى في عالمه الوجودي الجديد، وهذه الرغبة دائماً تعاوده ليعقد صلحاً من جديد مع الأمواج والمياه والحيتان بعدما غاب عنها طويلاً؛ وهذه المهادنة تعكس حالة من الضعف رغم بشائر الأمل والتفاؤل؛ف(سانتياغو القديم )لا يهاب البحر، يركب الأمواج شموخاً وعنفواناً وعزيمةً وقوة ؛ أما (سانتياغو) الآن ؛ يبدو أنه ضعيف يهادن لا يقاوم ؛ ويطامن لا يراوغ ؛و يصالح؛ لا يجابه ويجالد؛ وشتان مابين الحالين ؛ وشتان مابين الشعورين؛ الأول شعور القوة والعزيمة والصمود والثبات؛ والثاني شعور العجز والضعف والمهادنة والمطامنة ؛ وهذا ما خلص إليه من خلال الخاتمة النصية:
في دفء الليل ينامُ .. وتحملُهُ الأحلامُ..
إلى.. ما سيكونْ
وليسَ إلى ما كانْ"(23).

إن الرؤية التفاؤلية منزعها الحلم ؛ فكما يحلم (سانتياغو) إلى العودة إلى البحار بقوة ومواجهة جسورة كما كانت؛ كذلك يحلم الشاعر بالعودة إلى أيامه ولحظاته الماضية جسوراً كما كان بجامع وحدة المصير والألفة المشتركة؛ وهذا ما جعل الشاعر يعيش رؤاه ومشاعره بانفتاح رؤيوي نصي يشي بالكثير من الرؤى المتداخلة والمواقف المستكنة في عوالمه ورؤاه الوجودية.

بلاغة الرؤية الشعرية / أو كلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر أراد أن يقول كلمته الأخيرة من خلال قصيدته( الشيخ والبحر)من خلال شخصية(سانتياغو)؛ وهو :أن الإرادة والصبر والتصميم هي التي تحقق المستحيل والمعجزات في الحياة ؛ فالقوة في الروح؛ وليست في الجسد؛ إنها في الإصرار، في العزيمة، والإرادة، والتصميم ؛ فهي القوى الفاعلة في تحقيق الوجود وإثبات الذات؛ وقد جاء استحضاره لهذه الشخصية بمنزلة القوة الدافقة في القصيدة ؛ فهي المحرك البؤري في الكشف عن مغزاها ومقصودها البعيد؛ ومن أجل ذلك ؛ عمد الشاعر إلى تحريك هذه الشخصية بوصفها قناعاً يبث من خلاله الكثير من الرؤى والدلالات المغتربة؛ ليعلن صموده وثباته أمام حاجز الاغتراب المرير؛ وإن من يطلع على هذه القصيدة بعمق، يلحظ بداعة المفاعلة بين شخصية (سانتياغو) وشخصية الشاعر؛ وهذا الاستحضار جاء فاعلاً في تحفيز الرؤية الشعرية، وتحميلها دلالات لا حصر لها؛ وهذا ما يضمن فاعلية الرؤية وبلاغتها ضمن القصيدة ؛ وكأنه أراد أن يقول كلمته الأخيرة وهي أن عزيمته وتصميمه لن يتلاشى في سبيل العودة إلى العراق؛ وما أكتسبه من شخصية (سانتياغو) القوة والتصميم والإرادة الجسورة على صنع المستحيل ؛ بإحساس شعوري رغم اغترابه وصوته المبحوح يعلن جسارته بقوة ،وبلاغة شعورية/ رؤيوية عميقة، ومناورة سردية شائقة؛ يحسد عليها الشاعر حميد سعيد في مساقات قصائده (أولئك أصحابي) على المستويات كلها.

رابعاً. البعد الرؤيوي لقصيدة(جحيم أَنّا كارنينا.. وفردوسها):

تجسد قصيدة(جحيم أنَّأ كارنينا .. وفردوسها) المرأة الجميلة اللعوب، التي تشدُّ بمفاتنها الجسدية الكبار والصغار؛ الأغنياء والفقراء؛الأخيار والأشرار؛ القادة والحكام؛ إنها مثال المرأة الحرة التي تعيش طقسها الجسدي الحر دون أن يملكه أحد ، أو يستحوذ خاصيته أحد؛ إنها ترى في حركة الجسد ثورة الروح وعنفوانها بلغة الأنوثة ؛ ولاشيء سوى الأنوثة ولغة الجسد؛ولاشيءسوى الجسد؛ وهذا ما جعلها مكمن الشهوة لكل الرجال؛ يجدون في حركتها وملامستها الطقس الأنثوي الذي تحفل به الأساطير كعشتار إلاهة الخصوبة والجمال؛ وقد يتساءل القارئ ما الدافع الرؤيوي الذي من ورائه استحضر حميد سعيد شخصية(أنَّا كارنينا)على الرغم من الصورة الإباحية الملتصقة في هذه الشخصية؟؟ ماهو المنظور الرؤيوي العميق الذي أراد الشاعر أن يقوله من خلال هذه الشخصية؟!قبل الإجابة نأخذ هذا القول الوصفي الدقيق لهذه الشخصية:"

أنا كارنينا، امرأة جميلة متمردة ، لعبت بالنفوس وألهبت المشاعر ، ومن خلال هذه الشخصية كشف تولستوي خبايا المجتمع الأرستقراطي"(24).

إذاً أراد الشاعر من خلال هذه الشخصية كشف الواقع المتردي في زمن طغيان المادة وفساد الحروب وماتجره من ويلات للشعوب المستضعفة مثل الفقر، والظلم، والاستهتار، والإباحية،وفساد العقول والضمائر الحية، وما يلفت النظر في هذه القصيدة كثافة الرؤى وتشعبها؛ وأبرز ما التقطناه منها على المستوى الرؤيوي مايلي:
تكثيف اللقطات والمشاهد بعدسة الكاميرا أو القص التصويري المروي:

تحاول القصيدة تكثيف اللقطات والمشاهد الملتقطة لبطلة قصيدته شخصية(أنّا كارنينا)؛ مع الكثير من الإفضاءات الشعورية التي دارت حول هذه الشخصية ؛ بلغة سردية وصفية مشهدية تقرب الحدث الشعري من إدراك المتلقي وإحساسه الداخلي؛ خاصة عندما أجاد الشاعر لغة الوصف؛ فهو لم يتحدث بلسان الشخصية المستحضرة كما حدث في شخصية (سانتياغو)، وإنما تحدث عن الشخصية؛ أي أن الشخصية غائبة عن لسانه الناطق المحكي بها؛ ليحكي عنها حديث الحاضر/ الغائب؛ حاضرة في مشاهداته؛ ولقطاته، وغائبة عن لسانه المحكي بلسانها؛ وهذا ما يجعل هذه الشخصية بمنأى عن الشاعر فعلاً وحالاً؛ إذ يقول:

أَنّا..
يقولُ لها.. وتقتربُ التي كانت تُرينا من مفاتنها الثريَّةِ..
ما يُذكِّرُنا .. بأَنّا
كانتْ المقهى القريبةُ من إقامتنا.. ببطرسبرغْ
تتركُ مقعدين..
لها.. ولامرأةٍ ستأتي ذاتَ يومٍ
مَنْ سيجرؤُ أنْ يُذكِّرها بماضيها..
ويسأَلُها..
لماذا أَسْلَمتكِ ظنونُكِ السودُ المُريبةُ.. حيثُ كُنْتِ..
إلى العواصفِ..
رافقتكِ إلى النقيضين .. السعادةِ والشقاءْ
كانَ المساءْ
مُخاتلاً..
والقادماتُ من الضواحي أو من المدنِ البعيدةِ..
بانتظار الليلِ..
يَغْمُزْنَ التي باعت صفاءَ الروحِ بالوهم الجموحِ
. . . . . .
. . . . . ."(25).

يبدأ الشاعر قصيدته بداية سردية أشبه ما يكون بأسلوب القص البوحي الحكائي، وكأن الشاعر يسرد مرويَّاته من خلال تكريس الكثير من اللقطات المشهدية لشخصيته المستحضرة(أنَّا كرنينا)، وهي في المقهى؛ وبجانبها مقعدان خاويان بانتظار صديقة لها؛ ثم يتابع رصد المشاهد الملتقطة المحيطة بها من خلال بعض النسوة اللواتي يهمسن عليها؛ ببعض الهمسات الخافتة: كيف أباحت جسدها حتى آلت إليه أحوالها من عزلة وضنك وضيق؟! يالها من مسكينة ؛ وقد اعتمد الشاعر كعادته المد النقطي المفتوح، ليدلل على حجم الحيرة والوحشة التي هي عليها والمدى المفتوح لتهامس النسوة عليها وصداه الجارح على روحها وإحساسها العميق.؛ وهنا أردف هذا المشهد الموحش بمشهد أكثر امتداداً وانفتاحاً نقطياً استمر إلى المد النقطي المفتوح الآخر؛ كما في قوله:

البومُ يزقو في حقولكِ.. بعدَ أَن رحلَتْ
وأنتِ..
تحاولينَ الجمعَ بين سريرِ عشقكِ والقنوطْ
هذا السقوطْ
أَملى على اللغّةِ اختياراتٍ تفارقُ ماتودُّ الروحُ
ما أَبقى على الوجه الصبوحْ..
من فتنةِ بيضاء.. كُنّا نَستَدِلُّ بها..
إليكِ..
وما تسلَّلَ من نفاقْ
إلى فراشكِ.. أَغْلَقَ الأعماقَ..
كان فضاؤها .. وطناً جميلاً
إنَّ أقداراً يَمُدُّ لها الغموضُ.. يَداً
تُفَرِّقُ بينَ ما خَبَّأتِ من قلَقٍ..
وما عانيتِ من حُرَقٍ..
تُقَرِّبُ بينَ جمركِ والجليدْ
. . . . . .
. . . . . ."(26).

هنا؛ بد الشاعر أكثر قرباً من الشخصية ؛ حين بدأ يستنطقها ويفضي إليها بمكاشفة حقيقية لواقعها وإحساسها العميق من خلال الكثير من الصور واللقطات والمشاهد البائسة التي تدل على رؤية سوداوية قاتمة لواقعها الحالي بعدما كانت مصدر شهوة الكثيرين ومكمن جموحهم الجنسي الزائد؛ كيف أصبح حقلها جافاً تسكنه البوم والغربان؛ بعدما كان يعج بالإشراق، والغنج، والسحر، والدلال؛ والدليل المرجعي على ذلك قوله:"البومُ يزقو في حقولكِ.. بعدَ أَن رحلَت/وأنتِ.. تحاولينَ الجمعَ بين سريرِ عشقكِ والقنوطْ/هذا السقوطْ"؛ وقد اعتمد المد النقطي ليدل على امتداد هذه الحرقة وشمولها لروحها وجسدها ومشاعرها المصطرعة بين (القبول/والرفض)، و(الاستسلام/ والتحدي)، بين( الجرأة /والخوف)، و(الثورة/والاستكانة)؛ وهذا يدل على الكثير من الانفتاح والإحساس الروحي الذي يغلي في داخلها بين الواقع الحالي والواقع الماضوي الحر الذي عاشته؛فحبيبها(فرونسكي) الفارس الشجاع كان عشيقها الأزلي؛ وهي ضحت بزوجها وآثرت حبيبها عليه؛وذهبت معه؛ ومن هنا اعتمد الشاعر إبراز حدة الصراع الذي تعيشه(أنَّا) مع واقعها الوجودي الحالي؛ وهنا؛ كعادته يقف على المد البصري المتتابع لإثبات أثر الحالة ومرارتها على ذات (أنا كرنينا)، إذ يقول:

"أَنّا..
أَكادُ أشكُّ إنّي قدْ عرفتكَ..
والتقينا في بلادٍ ما رآها غيرُنا..
نحنُ الذينً نُقيمُها أنىّ نَشاءْ
وكُنتِ مُشرِقَةً.. تحفُّ بعطركِ الأقمارُ
يهفو الساهرونَ إليكِ
فِتنَتُك المُحَنًّكَةُ .. التي تهبُ البهاء ضراوةً..
روحٌ مشاكسَةٌ..
تُبادٍلُ عتمةَ النزقِ المُراوِغِ بالحبورْ
أَنّا..
سمعتكِ تسأَلينْ
مَنْ أَنتِ ؟!
أَسأَلُ صاحبي في ليل بطرسبرغ..
في المقهى القريبةِ من إقامتنا
وقدْ تَبِعتْكِ .. عاصفةٌ من الرغباتِ..
مَنْ هي َ؟
لا أَكادُ أرى سوى فِتَنٍ.. تُطِلُّ كما الغيوم السود..
مِنْ جَسَدٍ يغصُّ بما تبقى من وقارْ
. . . . . .
. . . . . ."(27).

إن القارئ أكثر ما يلحظه الطابع التراجيدي الاصطراعي الذي تعيشه (أناكرنينا)؛ وما تمثله من مظاهر الإغراء؛ والفتن؛ والخصوبة، والجمال ؛ ويتخيل الشاعر؛ وكأنه التقى بها ذات يوم وحاورها عن مظاهر هذا السحر الجمالي الفتان الذي كان مصدر إغراء وإغواء الجميع؛ لكل من يتحثثه ويشاهده؛ ودائماً كعادته يقف على المد النقطي المفتوح الذي يزيد الأثر البصري دلالة على المدى الجمالي المفتوح لمظاهر فتنتها؛والدليل الرؤيوي المرجعي على ذلك قوله:" لا أَكادُ أرى سوى فِتَنٍ.. تُطِلُّ كما الغيوم السود.. / مِنْ جَسَدٍ يغصُّ بما تبقى من وقار"؛ فهي مصدر فتنة الساهرين؛ ومطمع ليلتهم الحارة، وهذا يؤكد نظرته الوجودية المنفتحة وجسدها الحر؛ إن الشاعر أراد أن يعقد مقارنة بين عراق اليوم وعراق الماضي؛ فهو أشبه ب(أنَّا كرنينا) التي كانت مصدر خصوبة وجمال وإغراء للجميع، والآن أصبحت في عزلة موحشة بعدما خسرت الزوج والابن والحبيب؛ الذي تخلى عنها ؛لأن حبها الجامح إليه يقيده ويخنقه؛ وهو الآن يعبر عن العراق(الأمس) وعراق (الحاضر)ب(أنَّا كرنينا) فقد كان العراق مصدر استقطاب الجميع إلى محاسنه وإغوائه في حين تحول العراق اليوم إلى غابة موحشة مقفرة منفرة لكل من يشاهده؛ وشتان مابين جمال العراق وسحره في الماضي وما آلت إليه أحواله الآن من وحشة وخراب وتشرد وضياع.

الاغتراب الروحي/والاغتراب الوجودي:

إن الشاعر أراد أن يعكس حالة الاغتراب التي تعيشها (أنا كرنينا) في مرحلتها الأخيرة على حالته بعدما فقد الأجواء العراقية بكل فضاءاتها الرحبة وعوالمها الوجودية وطقوسها الساحرة ؛ فقد كان هاجس محاورة الشخصيات الروائية فيما مضى هاجساً فنياً رؤيوياً إنسانياً أو وجودياً محضاً أما الآن فالهاجس واحد والشعور واحد وهو إثبات حرقته واغترابه الوجودي؛ فالشحصيات البطلة هم شخصيات وجوده واغترابه واحتراقه الشاهدة على حاله وواقعه؛ ولا نجافي الحقيقة ؛ إذ نقول: هم شواخص عيانية على معاناته وأحاسيسه الاغترابية؛ صحيح أن لكل شخصية وجهتها وسلوكها الخاص ومسارها الرؤيوي المميز؛ لكنها جميعاً تصب في منحى واحد، وشعور واحد هو المعاناة ؛إذ إن كل شخصية من شخصياته تعاني بالقدر الذي ميزها عن سواها ؛ لينقل لنا صور اغترابه بوجوهها كلها وأحاسيسها الاغترابية بأشكالها ومختلف مؤثراتها الرؤيوية والوجودية التي تحكمها؛ وهذا يعني أن اغتراب(أنَّا كرنينا)هو شكل من أشكال اغترابه الوجودي وإحساسه المأزوم إزاء واقعه الوجودي، ومعاناة اغترابه عن العراق؛ ولهذا، جعل شخصيته(أنّاَ كرنينا) تعاني غربتين ملتهبتين غربة الروح وغربة الجسد؛ وهاتان الغربتين لا يعاني منهما إلا الشخصيات المأزومة التي تملك درجات عليا من الحساسية والوعي؛ إذ يقول:

وبغُربتينْ..
في الروح والجسد المنافقِ..
لا يُحيطُ بمائها المُرِّ المُرائي..غيرُ ما يهَبُ الخرابْ
تتوالدُ الظلماتُ في اللغة المُريبةِ..
كلُّ مَنْ فُتِنوا بها.. ندموا
ومن حاموا على لآلاء فضتها.. تَلَبَّسهم سُعارٌ
واستباحوا ليلَ فتنتِها.. كما تغدو الذئابُ
وبغربةٍ أخرى.. تُفارقها حرائقها..
ويجفوها الصحابُ
. . . . . .
. . . . . ."(28).

إن الشاعر أراد أن يجسد اغتراب شخصيته باغترابين مريرين على الروح هما اغتراب الجسد؛ وهو اغتراب ناتجه الزمن ؛ فقد تحول جسدها البض الجميل إلى خرقة بيضاء تكسوها التجاعيد، ولم يعد جسدها البض الجميل يفيض بعذوبته ونضارته كما كان؛ لقد فقد جسدها كل مظاهر الفتنة والجمال لدرجة أن من يعرفها يشعر بالندامة والحرج على مضاجعتها في مرحلة من المراحل أو وقتاً من الأوقات؛ وهذه الغربة هي التي تطعن الأنثى بالمقتل؛ ومن ثم جاءت غربتها الروحية الممثلة في حالة الوحدة والانزواء؛ وهذه الغربة الروحية ضاعفت من أثر غربتها الجسدية ؛ وضاعفت من أثرها الضاغط على روحها؛ خاصة عندما تخلى عنها جميع الأحبة والأصدقاء؛ ولهذا جعل المد النقطي مفتوحاً بصرياً ورؤيوياً ودلالياً ليدلل على حالة الاغتراب والخواء المستمرة التي تعيشها(أنَّا)إلى ما لانهاية ؛ ماعاد في حياتها إلا الخواء والوحشة والفراغ الممل الذي يقتل الروح قبل الجسد؛وهو بهذا الإحساس والشعور ترك مساحة بيضاء متساوية في مدها النقطي؛ ليدل من خلالها على المدى الاغترابي المفتوح لحرقة(أنا كرنينا) وعزلتها الممتدة المريرة.وهنا يحاول أن يفلسف رؤية (أنَّا كرنينا) وفلسفتها لحرية الروح والجسد؛بشيء من الوجاعة والإحساس الروحي الممزق على نظرة المجتمع الأحادية وأحكامهم المتجبرة الظالمة؛إذ يقول على لسان حالها:

المستحيلُ..
أن يسجُنَ الشهوات في ما تفتري..
جَسَدٌ جميلُ
أو يغلق الأبوابَ دون عواصفٍ .. وجعٌ نبيلُ
الحبُّ..
أن يقفَ الزمانُ..
وليس بعض الوقت .. يقصرُ أو يطولُ
الحبُّ..
أن تتجدّد الغاباتُ والفلواتُ والأنهارُ والأمطارُ..
والأفكارُ والأشعارُ.. والضحكُ الخجولُ
الحبُّ..
أنْ تدنو البحارُ من المُحبِّ .. إذا دنا منها..
تُرافقهُ إلى أحلامهِ.. وتنامُ حيثُ ينامُ..
. . . . . .
. . . . . ."(29).

إن نظرة (أنّا كرنينا) للحب في تجدده؛ في استمرار تدفقه كنبع لاينقطع؛ لايقف في طريقه حاحز زماني أو مكاني ؛ أو وجودي ؛ إن الحب تجدد وعطاء وحراك أبدي لايتوقف أوينتهي؛ إنه أكبر من الزمان والمكان؛ حتى أنه أسمى من الحياة كلها؛ وأسمى من الوجود بعينه؛ وما أجمل هذا التعبير الفني على لسانها في التعبير عن هذا الشعور النبيل:الحبُّ../أن تتجدّد الغاباتُ والفلواتُ والأنهاروالأمطارُ../والأفكارُ والأشعارُ.. والضحكُ الخجولُ"؛وبهذا الشعور والإحساس الدافق عبر عن عمق تصوره لهذه الشخصية؛ بإحساس جمالي مثير أكثر ما جسده في الفاصلة الختامية:

"أَنّا..
ذاكَ مقعدُكِ
انتظرنا شمسكِ البيضاءَ.. في المقهى القريبة من إقامتنا ببطرسبرغْ
قُلنا.. فليكن ماكانَ وهماً..
وليكن حلماً جحيماً
ولتكوني .. في مفاتنك الثريّةِ..
ما يُذَكِّرنا بأنَّا.."(30).

إن هذه النظرة التفاؤلية باسترجاع زمن شخصياته القديم في قفلات قصائده له مثيره الرؤيوي الخاص إذا ما اسْتَرجَعت شخصياته الروائية زمنها فقد يسترجع هو زمنه القديم ؛ لهذا؛ ما غابت هذه الروح التفاؤلية المنبثقة من ثنايا قصائده إلا لتدلل على روحه الجسورة وتصميمه على استرجاع ماضيه القديم أفضل مما كان؛ فكما سيعود زمان (أنَّا كرنينا) سيعود زمانه لا محالة وتعود العراق بزهوها الروحي وإشراقها الجمالي كما جسد( أنّأ) البض الجميل.

بلاغة الرؤية الشعرية/ أوكلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر باستحضاره لشخصية(أنَّا كرنينا) أراد أن ينوِّع في شخصياته الروائية لتعيش قصائده مسارها الرؤيوي المفتوح؛ وإحساسها الوجودي الحر؛ فقد تكون هذه الشخصية منبوذة في مجتمعاتنا الشرقية، لكن الشاعر عمد بقصد معرفي إلى محاورة هذه الشخصية لتقوم بوظيفتين أو دورين بارزين هما :إثبات الحرية الوجودية؛ والكشف عن تناقضات الواقع وأحكامه وعاداته الظالمة؛ هذا من جهة؛ ومن جهة أخر ليعيش الشاعر أجواءه الرؤيوية المنفتحة؛ لتكون هذه الشخصية رمزاً للعراق ؛ليس كسلوك؛ وإنما كوجود وهوية؛ فالعراق كان بالأمس يموج بالخصوبة والحيوية والجمال كجسد (انَّا كرنينا) أما الآن لقد تهدمت العراق ولم يتبقَ من آثارها إلا الأطلال،فقد غدا خرقة بالية كجسد (أنَّاكرنينا) في المرحلة الأخيرة؛ وهذا يعني أن كلمة القصيدة الأخيرة؛تتمثل في أن العراق سيعود أكثر خصوبة مما كان كجسد (أناَّ) البض الجميل ، وسيعيش الشاعر زمنه الماضي في حلمه العراقي الجميل وزمنه الماضي الخصيب؛ ولن يرضى بديلاً عن ذلك؛ هذا ما تجسده شخصياته على اختلاف تجاربها ورؤاها وأدوارها في قصائده.

خامساً- البعد الرؤيوي لقصيدة( ملهاة الدكتور زيفاغو):

تطرح قصيدة الشاعر(ملهاة الدكتور زيفاغو)جسارتها الرؤيوية عبر استحضار أكثر قصص الحب تراجيديا درامية؛ وهي رواية(الدكتور زيفاغو)؛ وشخصية الدكتور(زيفاغو) في أجواء القصيدة لا تختلف عن شخصية (زيفاغو) الروائية إلا بأحاسيس شعرية نابعة من قريحة شاعر مرهف حساس يملك عمق الرؤية في محاورة الشخصية؛ وكأنها تجربته الذاتية ؛ إن القصيدة تطرح نهايتها الدرامية ببعد أكثر تفاؤلاً من أحداث الرواية التراجيدية؛ فالشاعر لم يبتعد بأحاسيسه ورؤاه التفاؤلية عن عالم القصيدة وفضاء الرواية بكل ما تحمله من أبعاد رؤيوية إلا ما ندر؛ فهو لم يستبعد أجواء الرواية السياسية ولا أحداثها المحتدمة المصطرعة ؛ إنه جسدها بمنظوره الرؤيوي وإحساسه بها من الداخل؛ من خلال سلسلة الاحتدامات والرؤى التالية:

تكثيف الأحداث الدرامية المحتدمة:

أول ما يفتتح قصيدة(ملهاة الدكتور زيفاغو) تكثيف الأحداث والرؤى الدرامية المصطرعة ؛ والمحيط التوتري بين الرأسمالية والشيوعية والتيارات السياسية المختلفة في رؤاها ومنظوراتها؛ وممارساتها الحياتية؛فالشاعر أراد أن يضعنا منذ البدء في أجواء الرواية لنعيش زمنها الإبداعي قبل زمن القصيدة ورؤيتها الجديدة ؛ ومنظورها الرؤيوي المختلف؛ ولهذا أدخلنا في جوها مباشرة من خلال فاتحتها الاستهلالية؛ إذ يقول فيها:

"يُطاردُهُ الحُمرُ والبيضُ..
يطردهُ الملكيون والفوضويونْ
ويُشكِّكُ في ما يرى ويقول.. رجالُ الكنيسةِ والمُلحدونْ
كلُّ الذين أباحوا دمَ الآخرينْ
من كلِّ قومٍ ودينٍ.. وطائفةٍ..
يعدّون ضحكته خطراً.. يَتَهَدَّدهمْ
ويرونَ..
في ما يُفكِّر فيه.. خروجاً عن الصفِّ..
حيثُ يكونْ
ينصبونَ فِخاخاً لأحلامهِ..
وتَشُمُّ الذئابُ مواقِعَ أقدامِهِ..
وتتبَعُهُ..
يقفُ الثلجُ بينَ تطلّعهِ والطريقْ
يرى في البلاد التي تتشظّى.. كما يتشظّى الزجاجُ
ما لايرى السادرون في غَيِّ ما لايرونَ..
ضَيِّقَةٌ هي المُدُنُ التي تخافُ من الشعرِ
وأضيقُ منها نُفوسٌ تضيقُ بأسئلة الآخرينْ"(31).

هنا؛ يدمج منذ البداية ملهاة الدكتور(زيفاغو) بمأساته؛ في التحام بؤري رؤيوي اصطراعي ؛باندماج الواقعين معاً؛ والموقفين الوجوديين اللذين يعيشهما في عالمهما الوجودي ؛ فكما أن (الدكتور زيفاغو) يعاني من مطاردة الرأسماليين واضطهاد رجال الدين؛ وملاحقة الذئاب البشرية والنفوس المتعطشة للقتل والدم عانى الشاعر من أولئك في زمنه السياسي واضطراره الاغتراب والرحيل بعد الغزو الأمريكي للعراق؛وذلك للنجاة من أولئك الذئاب التي لا ترحم ولا تنظر إلى الأشياء إلا من منظارها الدموي؛ فالزمن الوجودي واحد وإن اختلفت الشخصيتان فلا تختلف الأحداث الدرامية التي تصادر رجال الفكر والكلمة في كل زمان ومكان؛ وتغدو الكلمة خطراً عليهم؛ لأنهم يعرفون أن الكلمة في موضعها أشد وقعاً ومضاءً وحدةً من حدِّ السيف بعينه؛ وطبيعي حيال ذلك أن يلاحق(الدكتور زيفاغو) في زمنه كما لُحِقَ الشاعر في زمنه بعد الغزو الإمريكي؛ وهنا بمفاعلة شعورية بين الشخصيتين استطاع الشاعر أن ينقلنا من جوه الدرامي إلى فضاءات شخصيته الروائية المستحضرة(شخصية الدكتور زيفاغو ومحبوبته(لارا) وجوها الدرامي التراجيدي كذلك، بإحساس شعوري واحد لا ينفصم؛ ولا يتجزأ؛لكن باختلاف بسيط بين المحبوبتين محبوبة الشاعر (العراق والأجواء البغدادية)؛ ومحبوبة الدكتور زيفاغو(لارا)؛ والأحداث الدرامية التي جمعتهما بقصة حب لا تنتسى على مر التاريخ والنهاية التراجيدية المؤلمة التي انتهت بموت الدكتور زيفاغو وهو يجري وراء محبوبته بعد فراق طويل شاهدها على محطة الترين، ركض مسرعاً وراء حبه القديم يلاحق طيفها الذي اقترب منه حتى الالتصاق ووقع صريعاً دون أن يحصل محبوبته، ودون أن تلاحظه، مات على رصيف قدميها ليعلن نهاية أعظم قصة حب في التاريخ؛ ومضت لارا في بياض لا ينتهي.. وإحساس تراجيدي مأساوي حزين لا ينتهي..

وهنا؛ يوظف الشاعر شخصية الدكتور(زيفاغو) تمثيلاً فنياً مثيراً في استحضار هذه الشخصية بأبعاد ومنظورات متجددة تطرح الواقعين معاً والرؤيتين الوجوديتين في آن واحد؛ وهذا ما جعل تمثله لهذه الشخصية مؤثراً.
استرجاع الزمن الماضي بلواعجه الغرامية ودراميته الحارقة:

إن رغبة الشاعر واضحة إلى استرجاع الزمن الماضي الذي عاشته شخصية(الدكتور زيفاغو) بكل مجرياتها التي عاشته في الرواية ليكون تمثله لهذه الشخصية واقعياً من جهة، ومرتكزاً على أبعاد معرفية ورؤيوية من جهة ثانية؛ ولا غرابة أن يستعرض الشاعر مجريات الشخصية التي مرت بها شخصية( زيفاغو) من أحداث حقيقية كزواجه من امرأة غنية، وولادة طفليه منها؛ كما تدور الأحداث في الشخصية الروائية الواقعية وفق مجريات سردية قصصية تعكس مجريات القصة وفضاء القصيدة المتخيل؛ وهذا ما ندلل عليه من قوله:

"ذاتَ مساءٍ حزينْ
تَتَسَلّل ُأحلامُهُ .. ويَظَلُّ وحيداً
تُجَرِّدُهُ الريحُ مما تَبَقّى له.. من طفولتهِ..
وبَنيهِ وزوجته.. ويَظَلُّ وحيداً
لماذا تخيَّرَ لارا ؟
وخيَّرها بين حالين.. أنْ تتشرَّدَ أو تتشرّدَ !
أَدْخَلَها في عواصفهِ..
إنَّ مملكةَ الشعراءِ تغدو مباركةً.. بحنان النساءْ
. . . . . .
. . . . . ."(32).

يرصد الشاعر مجرى الأحداث بواقعية متناهية ليدلل على أن للدكتور( زيفاغو) طفلين؛ وزوجة؛ وهنا؛ يتساءل لماذا اختار حبيبته(لارا) إذا كان متزوجاً وله أسرة؟؟! وهذا السؤال يضع النفس البشرية في حالة تراجيديا/ أو صراع بين الإنسان ككتلة قيم، ومشاعر، وعواطف متجددة؛ والإنسان كآلة بلاستيكية مادية لا مشاعر ولا عواطف ولا أحاسيس؛ إن الإنسان لم يكن ولن يكون خاضعاً لأعراف وتقاليد سوى لإنسانيته وممارسته الشرعية لهذه الإنسانية؛ وأهم مفرزات هذه الإنسانية ممارسته لحريته الذاتية في النطاق الأخلاقي لها؛ إن حب الدكتور(زيفاغو) لا يعني إلغاءه لعاطفته كزوج وأب؛ لأن ما يعتمر في النفس البشرية أكبر من حجم طاقتها واستطاعتها؛ والحب يمثل القيمة العليا الجارفة التي يعشق من خلاله الوجود ويعشق خالق الوجود؛ و(لارا) تمثل للدكتور( زيفاغو) نبض الحياة دون أن يتجرد عن دوره المحب لزوجه وطفليه ؛ وهذه المعادلة الوجودية بعيدة كل البعد عن مفاهيم مجتمعاتنا الشرقية التي تقيس الأمور بحسابات أخلاقية أو دينية مغلوطة؛ جلها يصب في مصلحة الداء المتفشي في مجتمعاتنا العربية تشويه الحب ،وتشويه المنظور الروحي الأخلاقي إليه؛ وإن من لا يملك حبيبة وإن كان في سن المائة، فهو متجرد عن إنسانيته، ووجوده، وماهيته كإنسان وشخصية(الدكتور زيفاغو) هي الشخصية الثائرة المتمردة ليست بقيمة الحب فحسب ؛ وإنما بقيمة البحث عن هذا الحب والتشبث به إلى اللحظة الأخيرة؛ إلى لحظة الأزمة القلبية والجري وراء الحب؛ وإن أعلى القيم الوجودية رأس مالها الحب؛ وما دون ذلك رهين سراب.وهذه المعادلة أدركها الشاعر في شخصية الدكتور( زيفاغو) مع اختلاف في الحبيبة ، فحبيبة الشاعر(العراق)، ولاشيء سوى العراق ؛ ومعشوقة(زيفاغو لارا) ولاشيء سوى(لارا)، يقول الشاعر:

" لارا.. هي الدفءُ والطمأنينةُ
لارا.. قصيدتهُ الأخيرةُ
كانتْ تلوحُ لهُ كلَّما فارقتهُ أصابعهُ..
فتعودُ إليهْ
وتذهَبُ لارا .. بعيداً
يُطاردهُ ما تخيَّلَ من صورةٍ للبلادِ
ويطردُهُ مَنْ تَخَيَّلَهم ْ أُمناءَ على ما تَخَيَّلَ..
من صورةٍ للبلادْ
خَذَلَتهُ الطيورُ التي اعتكفتْ في الشتاءْ
واعتزلت في الربيع.. الغناءْ
خَذَلَتْهُ القصائدُ.. حينَ تأَبّطها كذبُ الشعراءْ
خذلتهُ المدينةُ..مُذْ أَطفأَتْ قناديلَ مُعجَمِها..
لتغدو الكتابة.. بلهاءَ.. بلهاءَ.. بلهاءْ
ناضِبَةً ومُدقِعَةً.. كما أفقر الفقراءْ
يَتَجَمَّع كالثلجِ.. ثمَّ يذوبْ
أرهقتهُ الحروبْ
كلُّ مفاجأةٍ تترصّدهُ.. خبّأتها الدروبْ..
تَليها مُفاجأةٌ..
ليحيا حياةً مُرَوِّعةً.. من قبيل الملاحم كانتْ
وكانَ.. كما في الأساطيرِ..
يُنبتُ أنىّ يكون حقولاً خُرافيةً.. ويُغادرها
ويُقيمُ بيوتاً كما يتمنى.. ويهجرها
يتغيَّرُ وجهُ البلادِ.. وهو كما كانَ..
أو يتغيَّرُ حكامُها.. وهو كما كانَ..
تألفهُ امرأةٌ ويغيبُ.. ويألفها وتغيبُ..
وهو كما كانَ..
يرسمُ لارا على صفحةٍ من كتابٍ قديمٍ.. ويوقظها
فإن غيّبتها المنافي.. تَخَيَّلها.. حيثُ كانَ
تُشاركهُ عربات القطارات..
تسبقهُ..
إذ يُحاولُ أن يتآلفَ من غير مَكْرٍ.. مع الخوفِ
في كلِّ بيتٍ سيدخلهُ ويفارقهُ بعدَ حينْ
وفي كلِّ ثانيةٍ تتخفى.. وتهربُ..
حتى تكونَ.. خارج بيت السنينْ
. . . . . .
. . . . . ."(33).

إن من يقرأ هذا المقطع الشعري المطول يدرك بانوراما الرؤى المتخيلة الشعرية ؛ ويلحظ تداخلاَ مذهلاً بين شخصية الشاعر ومعشوقته العراق، وشخصية الدكتور(زيفاغو) ومعشوقته(لارا) بجامع الألفة، والود، والحنان فكما تحن (لارا) إلى العشيق الدكتور(زيفاغو)؛ وتمثل له الحضن الدافق بالخصوبة والوداعة والجمال؛ فإن العراق محبوبة الشاعر الأزلية تمثل له الحضن الدافئ الرؤوم ؛ ولهذا نلحظ أن زمن النفي الذي عاشته شخصية (لارا) في أجواء القصيدة هي ليست كذلك في أجواء الرواية؛ وكأن الشاعر أراد أن يدمج الواقعين والشخصيتين معاً شخصية الشاعر ومحبوبته العراق المنفية التي شاركته مشاعر الغربة والنفي والاحتراق ؛وشخصية الدكتور (زيفاغو) وقد شاركته (لارا) مرارة النفي والاغتراب ؛ ليلتقيا مرة أخرى وتصطهج لحظات الحب من جديد؛ وتعود الرؤى المشبوبة والدلالات المفتوحة على أشدها؛ وتبدأ المغامرة من جديد؛ وكأن حالة اختفاء (لارا) وظهورها تمثل شرارة الحياة المتقدة في نفس(زيفاغو) كلما افترقا؛ ثم التقيا فجأة تتقد شرارة الحب من جديد لتصبح أكثر اصطهاجاً وشوقاً واتقاداً عاطفياً مشبوباً؛ ولهذا؛ ترك الشاعر مساحات فراغية من النقط البيضاء ؛ ليشير إلى هذا الواقع المتغير الفضائي المفتوح ؛ وكأن دارة الزمن مازالت منفتحة واللقاءات الجديدة واردة والأمل بالعودة إلى محبوبته العراق مازال مفتوحاً على مصراعيه؛ وهذا المد النقطي لم يكن مجانياً؛ وإنما يملك دلالته في الحركة وإنتاج الدلالة.

التراجيديا الدرامية:

إن إيقاع التراجيديا الدرامية يسدل بستاره الأخير على القصيدة ؛ وكأن الشاعر على غير عادته آثر أن يحفر في البؤر التراجيدية العميقة باحثاً عن عراقه ‘ وبطله(زيقاغو) باحثاً عن محبوبته(لارا) ؛ وإن النهايتين التزامتا النهاية التراجيدية المأساوية التي تعكس حالة من الاغتراب والحرقة الوجودية والفراق الأبدي؛ إذ يقول:

"ثمَّ عاد إلى بيتهِ..
يتساءلُ.. هل عاد يوماً إلى بيته ؟!
كان يبحثُ عن كلِّ ما ضاع منه.. قصائده والبلادْ
أُسرته وحبيبته..
كلُّ أصحابه اعتكفوا.. هاجروا.. قتلوا.. انتحروا
وماكان يبحثُ عنهُ.. طوتهُ الأعاصيرُ..
فاختارَ لحظته الأخيرةَ.. ثمَّ مضى..
لينامْ"(34)

إن هذه النهاية التراجيدية والإحساس الوجودي يعكس تلاحم الواقعين وانصهارهما معاً في أتون الرؤية ذاتها، والإحساس التراجيدي ذاته ؛لقد فارق الدكتور (زيفاغو ) محبوبته(لارا) فراقاً أبدياً إثر رحيل أحدهما وهو رحيله إثر نوبة قلبية بعد مطاردته لمحبوبته لارا؛ والشاعر افتقد العراق إثر نفيه عنها؛ ليعود في النهاية إليها؛ ويؤثر النهاية ذاتها ليعيش لحظته الأخيرة في بيته ومكتبته، ويموت على سريره الدافئ الذي افتقده وفارقه في لحظات الحرقة والأسى والاغتراب.

بلاغة الرؤية الشعرية / أوكلمة القصيدة الأخيرة

إن قصيدة(ملهاة الدكتورزيفاغو)لحميد سعيد تريد أن تحقق بلاغتها الرؤيوية عبر شخصيته الروائية(زيفاغو) لتقول كلمتها الأخيرة؛ فكما تشبث (زيفاغو) بمحبوبته(لارا) فإنه سيتشبث بمحبوبته(العراق) إلى اللحظة الأخيرة؛ لتقول القصيدة كلمتها الأخيرة؛ وتعلن النهاية الدراماتيكية التراجيدية بالموت دون الوصول إلى المعشوقة في الرواية ؛ لكن في القصيدة ليموت زيفاغو في حضن يارا؛ وهو على سريره في بيته ووطنه وحضن معشوقته العراق؛ ولن يرضى بديلاً عنها؛ وبهذا تلتحم التجربتان في خضم الرؤية النهائية والمصير الواحد؛ والموقف الواحد، والنهاية التراجيدية المشتركة؛ وهذا ما أرادت القصيدة بثه رؤية وموقفاً ونتيجة.
6-البعد الرؤيوي لقصيدة(قيامة مدام بوفاري):

إن قصيدة(قيامة مدام بوفاري) لحميد سعيد تتضمن أكثر من رؤية وموقف هي تطرح شخصية مدام بوفاري المتحررة المتوهجة حساسية ومعرفة بوصفها قارئة روايات عديدة ؛ إذاً، شخصية(مدام بوفاري)؛ شخصية مثقفة اجتماعياً ومعرفياً ولكن صدمتها أن زوجها الطبيب لم يكن بحجم حماسها وثقافتها ووعيها وحرارة منظورها الجموح للحياة ؛ فوقعت في فراغ عاطفي كبير دفعها للبحث عن الشخص الذي يوازيها في المعرفة، والوعي، والإدراك؛ وعندما لم تجده قررت الانتحار.. إن القصيدة تحاول أن تكشف عن نوازعها النفسية والوجودية بإيقاع جمالي يحمل أكثر من رؤية ، ويثير أكثر من موقف؛ ويحرك أكثر من شعور؛ ويثير أكثر من قضية كلها تصب في البحث عن الحرية؛ حرية التصرف، وحرية الوعي، وحرية الإرادة؛ ولعل أبرز المواقف والرؤى التي أثارتها القصيدة نلخصها بالمواقف الرؤيوية التالية:

1-المروي القصصي الشعبي:

لقد افتتح الشاعر قصيدته( قيامة مدام بوفاري) بلغة الأمثال واللغة الشعبية الشائعة، ليقرب هذه الشخصية من الواقع؛ ولأول مرة يذكر اسم مؤلف الرواية في القصيدة في حين أنه مستبعد في الروايات السابقة ليكون الموجه لحركة الشخصية من العمق؛ ولعل مفتتح القصيدة( قيامة مدام بوفاري) يشير إلى دلالات السرد القصصي أو المروي السردي الشعبي؛ إذ يقول:
"سمعتُ في ما قالَهُ مُشَخِّصٌ لعوبٌ..
قُرْبَ جامع الفنا بمراكشَ..
إنَّ جَدَّهُ الذي أقامَ في الريفِ الفرنسيِّ.. التقى بامرأةٍ
تقولُ.. إنها حفيدةُ التي افترى عليها المُفترونَ..
ويقولُ في روايةٍ عن جدِّه..
عن التي تقولُ إنّها حفيدةُ التي افترى عليها المفترون..
إنَّ السيِّدَ " فلوبير" ذو خيالٍ صاخبٍ..
وكانَ قدْ أحبَّ " إيما"

مثلما أحبَّها كلُّ الذين اقتربوا منها
فأهملتهُ.."(35)

إن إشراك المؤلف في الرواية كان له مبرراته ومستوجباته الرؤيوية ليجعله حبيب (إيما) مدام بوفاري زوجة شارل بوفاري؛ التي افتقدت إلى الزوج المثقف المتوهج عاطفة وإبداعاً؛ إن مدام بوفاري المتمردة في الرواية هل تكون عشيقة السيد فلوبير ؟! أم أنها ستهمله مثلما أهملت الكثيرين وأوقعتهم في شرك حبها وغنجها ودلالها؛ وهنا، تكمن رؤية القصيدة الجديدة ؛التي تناقض الرواية؛ ففي الرواية يكون (فلوبير) غائباً عن شخصياتها وأحداثها وشخصياتها؛ صحيح أنه المؤلف لها، وهو الذي يوجه أحداثها من الخارج، أما أن يكون شخصية محورية في الراوية فهذا ينافي واقع الرواية الحقيقي؛ كما مثلته القصيدة؛ ومن هذا المنطلق؛ يخرج الشاعر عن واقع الرواية الحقيقي كاشفاً عن رؤية جديدة ومنظور رؤيوي مغاير؛وهذا يعني أن الشاعر سيكشف لنا عن رؤى جديدة ومدلولات مغايرة عن أجواء الرواية ومدلولها المباشر؛ ولعل أبرز الدلالات والرؤى المغايرة أنها أهملت معشوقها المؤلف( فلوبير) رغم ثقافته وتوهجه الإبداعي؛ وهذا يعني أن ما تبحث عليه مدام (بوفاري) ليس الثقافة فحسب؛ إنها تبحث عن الروح في الحياة عن التغير،والتمرد، والتماهي مع كل جديد في شكل الحياة وجوهرها؛ إنها تبحث عن شخصية مثالية متعالية كشخصيتها؛إنها لا تريد شخصية بسيطة سهلة النوال والالتقاط؛ إنها تريد وجهها الآخر في الحبيب المنتظر؛ وهذه فلسفة مدام بوفاري في أجواء الرواية والقصة؛ إنها تريد العشيق المحنك الذي لا يلبي كل رغباتها دفعة واحدة ؛ ولا يروي تعطشها الروحي دفعة واحدة؛ بل يترك لها رغبات جموحة لا تستطيع إرواءها إلا من خلاله؛ إن هذا الزوج أو العشيق المحنك الذي يناور،لم تعثر عليه(مدام بوفاري)، إذ إن كل من عرفتهم يتهاوون أمام جبروت جمالها مذعنين لسطوة هذا الجمال يحاولون التقاطه بتذلل وود شديدين؛ وهنا تكمن عقدة (مدام بوفاري)؛ إنها لا تريد السهل المتهاوي أمام عتبة قدميها ؛ إنها تريد الشخصية الجسورة المتعالية والتي لا تتزعزع أو تنكسر لأحد؛ وفي الآن ذاته تملك شبقاً روحياً مصطهجاً ووعياً وثقافة وعاطفة تفيض ولا تنتهي كشبق روحها وإحساسها في الحياة ؛ إن كل من عرفتهم مدام بوفاري منكسرون؛ لهذا، لا يروي شبق روحها رجل أو علاقة؛ لدرجة يمكن القول: إن في روح (مام بوفاري) يسكن ملايين الرجال؛ ما إن يظهر واحد يختفي الآخر؛ وهذا لا يعني أن مدام بوفاري منحلة أخلاقياً؛ وإنما هي طاقة روحية وجمالية خلاقة أو فياضة؛بحاجة إلى إرواء دائم كما هي الحياة في تجددها وينوع خصوبتها؛ والآن يراودنا سؤأل: هل نظر الشاعر حميد سعيد إلى (مدام بوفاري) من منظورنا ؛ ودخل من هذا الباب النفسي أو السكيولوجي في تحليل هذه الشخصية ومناقشتها في قصيدته؟؟ هذا ما سوف تظهره أقواله الشعرية في القصيدة؛ نأخذ قوله التالي كدليل بدئي على منظوره الرؤيوي الموافق لمنظورنا:مثلما أحبَّها كلُّ الذين اقتربوا منها
فأهملتهُ.."، وهذا دليل أولي على منظوره الحر المنفتح لهذه الشخصية؛ وهنا يتابع الشاعر مقوله الشعري متبعاً الأسلوب ذاته في السرد الحكائي؛ والذي يكشف عنه قوله:

"ويقولُ الجِدُّ.. في روايةٍ عن الحفيدةِ التي التقاها
لم تكن " إيما" .. " مدام بوفاري"..
التي انتزعها خيال السيِّد " فلوبير" من وقارها الساحرِ..
واختارَ لها قيامةً هوجاءْ
ثمَّ زَجَّها في ميتَةٍ رعناءْ
إنَّ " إيما" امرأةٌ من عسجدٍ وعاجْ
لَيِّنَةٌ..
كأَنها غُيمةُ بيضاء من عطور الشرقِ.. ترتدي عباءةً من الديباجْ
مُترفَةٌ كزهرة القطنِ..
متى التقَيتَها..
تلاعبَتْ بكَ الظنونُ مثلما تلعبُ بالنوارس الأمواجْ
هي التي تفتحُ بابَ العشقِ.. إنْ شاءتْ
وتُدني من وعود الجسد الغامض.. مَنْ يحومُ حولها من الرجالْ
حتى إذا ما احترقوا بجمرها الخِصْبِ..
نأتْ بنفسها .. عمّا يظلُّ باحثاً عنها من الرمادْ"(36).

إن ما أشرنا إليه سابقاً من رؤى يؤكد توافق منظورنا لشخصية مدام (بوفاري) مع منظور القصيدة؛ وأجوائها الرؤيوية المنفتحة؛ فالشاعر أضفى على (مدام بوفاري) سلسلة من الصور الرومانسية الساحرة في سياق سردي تصويري شائق أكثر منه سياقاً وصفياً حكائياً أو وصفاً رؤيوياً ؛ مما يدل على شعرية آسرة في تغليف هذه الشخصية بإطارات تصويرية ترتقي في سياق القصيدة أكثر ما ترتقي بها في سياقها الروائي المتخيل ؛ وهذا يعني عمق منظور الشاعر الرؤيوي لهذه الشخصية وتفاعله معها روحاً قبل أن يكون شعوراً وإحساساً وعاطفة؛ وللتدليل على ذلك نأخذ صورة واحدة من سلسلة صور هي:

إنَّ " إيما" امرأةٌ من عسجدٍ وعاجْ/لَيِّنَةٌ../كأَنها غُيمةُ بيضاء من عطور الشرقِ.. ترتدي عباءةً من الديباجْ/مُترفَةٌ كزهرة القطنِ..".

وهذا يدلل عمق الصورة وجاذبيتها وسحرها الإيحائي الآسر؛ وإن ما تفضي به القصيدة من دلالات تصب في مجرى واحد هو البحث عما يسد خواءها الروحي والشعوري والعاطفي من الرجال ؛ وقد سبق أن أشرنا : إنها تبحث عن وجهها الآخر في الرجال؛ فكل الرجال الذين عرفتهم منقادين ؛ إنها تريد رجلاً بحماسها ووعيها ليقودها؛ وليست لتقوده؛ وهذا الأمر جعلها في خواء روحي بعيد كل البعد عن الخواء الجسدي الذي قد يظنه القارئ العادي؛ ويتخذه مأخذاً أخلاقياً على (مدام بوفاري)؛ وهنا استطاع الشاعر بمهارة وتفنن سردي/ تصويري في مكاشفة هذه الشخصية من الداخل ومحاورتها بعين الوعي والحقيقة، لا بعين الإسقاط عليها أي إسقاط ما قيل وما يقال عن هذه الشخصية؛ في رؤيته الشعرية ؛ وهذا ما جعل هذه القصيدة من الدرر التي تفيض بها قصائد هذه المجموعة لقدرتها على ملامسة هذه الشخصية من الداخل والتفاعل معها بحساسية مرهفة؛ ووعي فني، وتقنيات شعرية عالية كالمونتاج الشعري الفني/ واللقطات المشهدية والصور التمثيلية وما إلى ذلك من تقنيات مؤثرة في مجال الخلق الفني والإثارة الشعرية؛ وبتقديرنا: إن بلاغة الرؤيا وعمق المنظور ودهشة التفاعل الرؤيوي في هذه القصيدة كان الدافع الأبرز في خلق هذا التلاحم الإبداعي بين الجوهر الرؤيوي(المضمون الشعري) والشكل الفني؛ وهذه المعادلة لا تحققها إلا النصوص الإبداعية المميزة.

2-جمالية الصورة ومونتاجها الشعري:

إن أبرز محفزات قصيدة( قيامة مدام بوفاري)؛اعتمادها تقنية الصورة ومونتاجها الفني؛ والصورة ليست فقط مغرية في مدها الدلالي؛ وإنما مغرية في تكثيفها الإيحائي؛ وحنكتها المشهدية والأوصاف الشاعرية؛ فكل صورة في النسق السردي معجونة بفيض من نور؛ ورحيق من مسك ،وزمرد، وعطور؛ وهذا ما تكشف عنه؛ سلسلة الصور المشهدية الوصفية التالية في هذا النسق الشعري؛كما في قوله:
"على صدى خُطاها .. أو على وقع خطى جوادها الجميلْ
تَقافَزُ الجنادبُ
وتصعدُ السناجبُ.. إلى أعالي السنديان..
وتُطِلُّ غابةٌ عذراءْ
بينَ يديها يقفُ المساءْ
مُكللاً بالماء
. . . . . .
. . . . . ."(37).

إن القيمة البلاغية التي تثيرها الصور الوصفية تتعلق بمدى حساسيتها في التقاط الدلالات؛ وتكثيف الرؤى؛ ومونتاجها الشعري الذي ينظم حركة الصور في تتابعها وتقاطعها بما يحقق اللذة المشهدية في بنية الصورة المركبة؛ وهنا صوَّر الشاعر(مدام بوفاري)على حصانها (صورة مشهدية قريبة) ؛ يقرب المشهد أكثر ؛ وكأننا أمام عدسة تصوير ترصد أدق التفاصيل الجزئية ؛ ممثلة في (تقافز الجنادب) و(تصاعد السناجب إلى أعالي السنديان) على وقع خطى جوادها الجميل؛ ثم يولد مشهداً متخيلاً على أفق جمالي لا متناهٍ إطلاقاً( تطل غابة عذراء- بين يديها يقف المساء مكللاً بالماء)؛ إن هذه الصور المتخيلة لا يقولها إلا شاعر مبدع يملك جسارة الرؤية وعمق الإحساس الشعري،وقد ترك الشاعر مداً نقطياً ليدلل على أن المد الجمالي لحرك المشهد الكلي لشخصية (مدام بوفاري) على حصانها ؛ وهي تجوب الحقول والسهول والوديان مفتوحا ً بسحره وخصوبته إلى مالا نهاية؛ وبهذا يتعاضد الشكل البصري مع الشكل اللغوي في إبراز الطيف الجمالي اللامتناهي لشخصية(مدام بوفاري)؛ ومن هذه الصور المونتاجية في ثنايا القصيدة الكم الوفير الذي يتجاوز العد؛ انظر إلى سلسلة الصور الممتدة على كامل المقول الشعري التالي:

"في كُلِّ عامٍ يصلُ الشتاءْ
إلى فراشها في أولِّ الليلِ..
وإذْ يراها في بهائها الضاري
يُقيمُ مهرجان الدفء.. ثمَّ يغلقُ الأبوابْ
وإذْ يعودُ الصيفْ
تطلعُ من معطفها الزيتي.. غصناً يافعاً
فيملأُ الأمداءْ
بنزقٍ مُكابرٍ.. وفتنةٍ بيضاءْ
أنّى تكون في طريقها إلى مواسم الشذى..
يَتَّسعُ الفضاءْ
تَخْرُجُ من صورتها التي انتهت إليها..
فتضيعُ في متاهةِ الأقوالْ
أَليسَ من حقيقةٍ سوى الذي يُقالْ؟!
إنَّ " إيما" امرأةٌ..
يُدركها الرضا إذا عشقها الرجالْ
وهي امرأةٌ..
تولَدُ إذْ تٌحِب.. وتموتُ حينَ لا تُحَبُ..
وهي نجمةٌ ..تُضيء في مدارج العشقِ..
ويخبو ضوؤها في جفوة العُشّاقْ"(38).

إن القارئ يلحظ استغراق الشاعر في تكريس الصور المشهدية ؛ بإحساس شعوري يفيض عذوبة جمالية؛ليقف الشاعر بعد سلسلة الصور الرومانسية المشهدية الوصفية المتتابعة على حقيقة جوهرية هي : أن الذي يزيد جمالية المرأة وجسارتها وخصوبتها بقاءها مركز استقطاب الرجال ومحط إغوائهم جميعاً مهما تقدم الزمن؛ وهو يرى أن السبب الوحيد الذي دفع ب( إيما) إلى الانتحار أنها فقدت هذه الجاذبية والقدرة على الإغواء ؛ وفقدت هذا البريق الذي كان محط إغواء وإغراء الرجال جميعهم ؛ ولا نبالغ في قولنا : إن درجة تفاعل الشاعر بهذه الشخصية زاد من قوة حضورها وتكثيف الرؤى وتحريضها؛ ومن أجل ذلك عمد في القسم الأخير من القصيدة إلى الحديث عنها؛ ولهذا، بد الحديث بارداً بسبب طغيان السرد الحكائي الوصفي واعتماد سلطة المروي بلسان التراجم والأخبار والأقوال السالفة المروية؛ وهذا ما قلل من فاعلية الشخصية في قسمها الأخير ؛ وهذا ما نلحظه في قوله:

"سَأَلتهُ..
إنْ كانَ جَدّهُ الذي أقام في الريف الفرنسي..
لهُ روايةٌ عن زوجها.. غير التي رواها السيّد" فلوبير" ؟
قالَ.. لا
يَختلف الناسُ عليه..
بين من يقولُ كانَ غِرّاً ساذَجاً
ومَن يقول.. إنّهُ خرتيتْ
. . . . . .
. . . . . .
تَقتَرِنُ الدهشةُ بالدهشةِ..
مِن أين لها هذا الشذى السرِّي..
كيف احتملت هذا الحضور الصعبَ..
كيف انتزعت أسطورة مربِكَةً..
في لحظةٍ عابرةٍ.. من بلدةٍ منسيَّةٍ
ومنحَتها الكونَ ملعباً..
فكلُّ امرأةٍ " إيما" وكلُّ رجلٍ لابد أن يعشقها يوماً..
ستنطوي السنينْ
وهي لاتكفُّ عن مدِّ الذين يقرأون عنها..
بالذي يزيدُ من حرائق الخلافْ
بينَ ولايتينْ
ولاية الخيال.. وولاية الأعرافْ
في مخطوطةٍ.. كتبها الرحّالةُ الشريفُ مولانا المدينيُ..
يقولُ فيها..
حيثما نزلتُ في مشارق الأرض وفي المغاربِ..
وَجدتُها..
أنّى أكون في المطارات وفي محطّات القطارات وفي الموانئ
كأنها ..تُقيمُ في كل زمانٍ..
بانتظار رجلٍ.. سيأتي"(39).

إن القارئ يلحظ معنا خفوت الوتيرة الشعرية بعد اصطهاجها في القسمين السالفين والصور الإشراقية المشعة ؛ ولعل سيطرة المروي بلسان نقل الأخبار والتراجم جعل المقول الشعري تبليغياً أو إخبارياً ؛ وهذا ما أضعف من فاعلية الدور المنوط بالشخصية بعد ما كان خصباً بالدلالات والرؤى المنفتحة؛ لكن رغم هذه الملحوظة تعد هذه القصيدة من درر الديوان إحساساً وشعرية؛ ولو دقق القارئ في مغريات القصيدة على المستويين الرؤيوي والفني لعجز عن إدراك أبعادهما ومصدر تلاحمهما الفني المغري؛ وهذا ما يحسب للشاعر في قصيدته ورؤيته.

بلاغة الرؤية الشعرية/ أو كلمة القصيدة الأخيرة:

إن قصيدة(قيامة مدام بوفاري) لحميد سعيد؛ تريد أن تقول كلمتها الأخيرة ؛ إن العراق في توهجها وخصوبتها وجمالها تمثل شخصية(مدام بوفاري) المحبة للحياة ؛ التي تعشق رجالها الأبطال؛ ومازالت تغري الآخرين وتشدهم إلى حضارتها وثقافتها ووعيها ؛ وما تميُّز الشاعر في التحليق بالأوصاف والصور المشهدية الساحرة إلا لأنه يرى في (مدامه بوفاري) هذا التوهج والحضور الجمالي؛ الذي افتقده في عراقه الآن؛ وما نهاية مدام بوفاري الانتحارية إلا دليل ما وصلت إليه حال العراق من فوضى وقتل ودمار؛ وبهذا تعاضدت الرؤى وإن اختلفت المنظورات والمسميات بين الواقعين؛ في إبراز الجانب الإشراقي في شخصية (مدم بوفاري) و(العراق) في ماضيها المشرق وحضارتها وطبيعتها الخلاقة؛ فكما أن(مدام بوفاري رمز للأنثى المعشوقة المعطاء؛ فإن العراق رمز للعراقة والحضارة والتاريخ والأمجاد المشرفة العظيمة). هذا ما أراد أن يقوله حميد سعيد في شخصية قصيدته ومغزاها النهائي.

سابعاً- البعد الرؤيوي لقصيدة(لم تشرق الشمس ثانية):

تحكي هذه القصيدة أجواء المغتربين الذين أبعدتهم الحروب عن بلادهم إلى بلدان أخرى بعد الحرب العالمية الأولى؛ وهي تخلق جوها القصصي والفني من خلال الصراع بين جاك وكون على امرأة واحدة لعوب تدعى (بريت)؛ إذ إن (بريت ) امرأة متحررة طُلِقَت مرتين؛ وهي ما تزال متعطشة للرجال إلى حد بعيد لدرجة أنها كانت تقيم علاقة عاطفية مع كل رجل تشاهده، أو تعرفه؛ وقد اكتشف جون أنها كانت على علاقة عاطفية ب(كون) في باريس قبل أن يذهبوا برحلة إلى مدريد لحضور صراع الثيران؛ وقد أكلت قلبه نيران الغيرة ليتشاجر كل من كون مع جاك مع مصارع الثيران على بريت، تنتهي أحداث القصة ؛ ويتفرق كل واحد عن الآخر وتبقى بريت تتلاعب بمشاعر جون وكون ومصارع الثيران لتبقى على علاقة بهم جميعاً ؛ يعودون إلى بلادهم وتبقى بريت رمزاً للمرأة المتحررة اللعوب التي جسدت ذروة الحدث الدرامي في الرواية والقصيدة معاً ؛ ولعل ولع الشاعر بهذه القصيدة دليل أنها تذكره برحلاته الماضية إلى إسبانيا وأثر تلك الرحلات على فضاءات قصائده ومداليلها الشعرية.

ولعل أبرز البنى والموثرات التقنية التي تحكم سيرورة هذه القصيدة مايلي:

ترسيم الأحداث والمشاهد والرؤى والمواقف المحتدمة:

إن أبرز ما تحفل به القصيدة على المستوى الرؤيوي بلاغة الرؤيا التي تثيرها المشاهد والأحداث والرؤى والمواقف المحتدمة من خلال الجو الاصطراعي التوتري الذي تثيره شخصية بريت من احتدام وفق مايلي كما في قوله:

غيرُ بعيدً عن توليدو
كان الصيفُ القشتاليُّ يلمُّ بقاياهُ
ويدعونا لنرافِقهُ
. . . . . .
. . . . . .
في النزل الريفيِّ تعارفنا
رسامٌ بوليفيٌ ومصارعُ ثيرانٍ معتزلٌ..
وأنا وامرأةٌ سمراءْ
تقولُ..
رأيتكَ من قبلُ بمقهى في الدار البيضاءْ
وتُشيرُ إلى طاولَةٍ في أقصى الصالةِ..
كان هنا يجلسُ همنغواي.. ليكتبَ في كلِّ مساءْ
صفحاتٍ..
تَتَشَكَّلُ فيها قاراتٌ.. يتخيَّلها
مدنٌ صاخبةٌ .. حاناتٌ وفنادقُ..
أنهارٌ.. غاباتٌ وجبالٌ وموانئُ..
بحارّونَ .. نساءْ
ذاتَ ضحىً.. يستقبلنا بدرو روميرو.. فتحدَّثْناعن بدرو روميرو
 
فيقول..
مَنْ هو هذا لا أعرفُهُ
وتحدَّثنا عن همنغواي..
فقالَ..
هذا الأمريكيُّ المتَطَفِّلُ..
. . . . . .
. . . . . .
كُنتُ قريباً منهُ.. فيسألُني
هلْ صَدَّقت الأمريكيَّ المتَطَفِّلَ .. في ما قالَ؟
أحقاً.. تعنيكَ مصارعةَ الثيران؟!
وتلكَ المُدمنةُ العجفاءْ
يتقاسمُها في الليلِ سكارى فقراءْ
فيجعلُ منها امرأةً..
تتهادى بينَ رجالٍ ورجالٍ .. في خُيَلاءْ
. . . . . .
. . . . . ."(40).

إن القارئ أمام سلسلة رؤى تطرحها القصيدة مشتقة من الطقس الرؤيوي للرواية ذاتها؛ وكأن القارئ أمام حيثيات الرواية يتحدث الروائي عن حلبة صراع الثيران ؛ بصحبة امرأة جميلة لعوب تدعى (بريت) وهذه المرأة تتجاذبها نظرات الجميع ؛ نظراً لأنوثتها المفرطة؛ ومشيتها أمامهم بخيلاء؛ وهو يصف الجو الإسباني؛ والطقوس الإسبانية؛ ومما لا يدع مجالاً للشك احتفاء الشاعر برسم الأجواء والطبيعة الإسبانية وما فيها من مشاهد وأحداث مقتطعة من رحلاته إلى إسبانيا؛ وليس طقس الرواية فحسب؛ وهذا ما جعل رسمه للمشاهد بتفصيل وإمتاع ملحوظ؛ وهو ما يحسب للشاعر في رسم أجواء الغيرة والاحتدام الدائر والمنافسة على معاشرة(بريت) والاستمتاع معها بليلة مصطهجة سواء من الرسام البوليفي مصارع ثيران معتزل أم من كون ؛ أم جون أم رومترو؛ وهذا ما تظهره الأحداث المحتدمة التالية:

إنَّ امرأةً أُخرى..
تظهرُ لي بين ذؤابةِ سيفٍ مسلولْ
وضَراعةِ ثورٍ مخذولْ
ترقصُ في غابات النارْ
فيجثو.. كبناءٍ ينهارْ
كنتُ أراها مُفردَةً في الجمعِ..
تُناديني
وكما النجمةُ تصعدُ من خلف الأسوارِ..
تُحَييّني
فإذا انفضَّ المُحتفلونْ
أَفَلَتْ..
وأنا مُذْ غادرتُ الميدانْ
أَبحثُ عنها في كلِّ مكانْ
هلْ كنتُ أراها؟!
أمْ كانتْ روحاً تحميني..
من خطرٍ يتراءى لي.. أتفاداهُ
وتدفعُ عنّي الموتَ.. وكنتُ أراهُ"(41).

إن القارئ يلحظ حالة الاحتدام في حلبة الصراع لينقل حالة صراع الثيران إلى مشهد صراع العشاق على المرأة اللعوب (بريت) التي لعبت بعقولهم جميعاً وانتصرت عليهم ؛ وأخذت ما تتمناه منهم جميعاً بدهاء المكر والخديعة في حين بقوا هم ما يزالون في حلبة الصراع إلى مالا نهاية؛ وكأن حالة الصراع انتقلت من الثيران إلى النفوس العاشقة المتمردة معلنة صوت الأنا المحموم والشهوة العارمة ؛كل واحد منهم يريد معاشرتها؛ وكأنها الصوت الشبقي الخفي في نفوسهم ودفعهم إلى حلبة الصراع ومعمعتها اللا متناهية واللا مضمونة النتائج . إن القصيدة تحاول أن تكرس نظرة الاحتدام بين النفوس البشرية للظفر بالأنثى وهي كانت وما تزال رمز الصراع بين الرجال إلى قيام الساعة ؛ ولهذا يقال عن الجمال الساحر الجمال الفتان ؛ لأنه مصدر الفتنة والصراع بين النفوس البشرية.

السرد الوصفي/ و تكثيف الأحداث:

إن أكثر التقنيات المعتمدة في القصيدة تكديس الأحداث والمشاهد والرؤى الملتقطة؛ خاصة بتراكم عدد من الرؤى والدلالات المكثفة التي تدل على نقل هذا الصراع من حلبة الثيران إلى النفوس البشرية؛ وكأن اصطراع الثور انقلب إلى صراع العشاق؛ وهذا ما أكسب القصيدة مشاهدها المحتدمة والمتداخلة والمتصارعة في نسق سردي يفيض بالرؤى، والمواقف، والمنظورات المحتدة؛ وهذا، بالتأكيد، دليل تكثيف لغة السرد وتنامي حدتها وأثرها في النسق الشعري الذي تدخله، وهذا ما نلحظه في قوله:
يقولُ الرسامُ البوليفيُّ..
وكنتَ محاطاً بالرسامينَ وبالشعراءْ؟
فيصمتُ.. ثمَّ يقولُ..
لا أَتذكَّرُ إنّي كنتُ محاطاً بالرسامين وبالشعراءْ
أنا رجلٌ.. أعرفُ كيف أربي الثيرانَ..
وأعرفُ كيفَ أقاتلها
فيقول الرسام البوليفيُّ.. تربّي الثيرانَ وتَقتلُها
أقتُلها..
أقتُلُها..
إنْ لم أقتلها تقتلني .. أو يقتُلُها غيري،
أوْ يقتلها القصّابُ .. لتأكلها
. . . . . .
. . . . . ."(42).

إن اعتماد السرد القصصي دفع الشاعر إلى تكثيف القص أو السرد المروي رغبة في رصد الأحداث التي مرت بها شخصية بريت ؛ وكيف يتحدث عن علاقاته الاجتماعية، وما حدث من مشاهدات ورؤى ذاتية في تربية الثيران وقتلها؛ وكأنه يتحدث على لسان المصارع في مغامرته مع الثيران والمرأة الجميلة التي كانت تشده من بين الجموع (بريت)؛ وهو يتحدث بلسان الشخص المروي وكأنه يتحدث عن سيرة ذاتية؛ ومشاهدته للمرأة الجميلة(بريت)؛وهذا ما أشار إليه في قوله:
"في الليلِ نرى امرأةً.. ولّتْ شمسُ أنوثتها..
في بار النزل الريفيِّ..
وحدَّثنا النادلُ عنها.. إذْ تأتي حين يحلُّ الصيفُ
وتسألُ عن رجلٍ كان هنا..
تحكي عنه إذا سكرتْ
فإذا قيلَ لها لنْ يأتي.. امتعضتْ
تُخرجُ من طيّاتِ حقيبتها.. صوراً وقصاصات من صحف الأمسِ..
تُحَدِّثُ مَنْ فيها..
أتكونُ المرأةُ تبحثُ عما كنّا نبحثُ عنهُ ..
. . . . . .
. . . . . ."(43).

إن القارئ يعكس من خلال السرد القصصي حال بريت بعدما مضت بها السنون؛ وآلت لحظاتها السعيدة إلى غير رجعة؛ وكأن الشاعر أراد أن يكشف معاناتها بدقة متناهية راصداً الكثير من الرؤى الاغترابية الجريحة بعدما طوت جمالها السنون ؛ وأخذت تعيش على الذكرى تخرج قصاصات الورق من حقيبتها وتبكي على زمنها الماضي ؛ والجامع بين الشاعر وشخصيته الروائية(بريت) أنه يحاور زمنه العراقي الجميل كما تبكي شخصيته زمنها القديم؛ وماضيها الخصب الجميل.
"تُغَنّي السيِّدةُ السمراءْ
كانَ هنا بدرو روميرو.. ومضى يبحثُ عمّن كانَ يُحبُّ
سيأتي يوماً ليرى " باريت"
تصحو المراةُ..
وتقولُ.. أنا باريت.. أنا باريتْ
سيأتي من أجلي وأنا مَن كان يُحبْ
تتوارى الشمسُ بعيداً .. وتضيء أعالي الأشجارْ
تعمُّ العتمةُ..
في ما يهرع من كان هناك.. إلى الحاناتْ
نواصلُ سهرتنا..
وتشاركنا في الليل الأحلامْ"(44).

إن القارئ سرعان ما يدرك الرؤية التفاؤلية التي أثارت الشاعر؛ وعبرت عن إحساسه المتناهي أن يبقي شخصيته متفائلة والأمل بالعودة إلى الزمن القديم وارداً؛ ومن هذا المنظور؛ عمق الشاعر الرؤية التفاؤلية؛ وعزز مدلولها في خاتمة القصيدة.

بلاغة الرؤية الشعرية/ أو كلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر أراد أن يقول كلمته الأخيرة وهي أنه سيعود إلى عراقه الحبيب وزمنه القديم مهما طالت الأيام وتوالت السنون ؛ فكما عادت سنوات (باريت) وزمنها القديم وذكرياتها المشرقة؛ ستعود أيامه العراقية كما كانت ؛ وستعود لحظاتها المشرقة؛ وهذا دليل رؤيته التفاؤلية التي لا نعدمها إلا في القليل من القصائد. وليس ذلك فحسب؛ بل يجعل النهاية موازية للبدايات شعرياً ورؤيوياً بحس شعوري مفعم بالإيحاء والشعرية.

ثامناً- البعد الرؤيوي لقصيدة (ثمَّ وجدَ الكولونيل من يُكاتبه):
إن أبرز ما يميز هذه القصيدة أن الشاعر يتدخل في المحاورة التي تبثها القصيدة ليكاتب الكولونيل بعدما تعطل بريده بانتظار راتبه التقاعدي الذي لم يصله ؛ وإن هناك مزاوجة بين أجواء القصيدة وأحداث الرواية الحقيقية التي تدور حول الكولونيل وهو رجل محارب في صفوف الجيش، ولما أُحِيل للتقاعد ظل ينتظر راتبه التقاعدي؛ وكلما راجع موظفي البريد ليسال عن وصول طرده البريدي؛ يخبرونه بعدم وصوله؛ ظل خمسةَ عشرَ عاماً ينتظر ولم يصله راتبه التقاعدي ؛ فلم يبقّ له إلا ديك ورثه عن ابنه ظل يطعمه لينافس به ديوك أهل القرية ؛ فإذا ما فاز في المنافسة يحصل على جائزة تعينه هو وزوجته المريضة التي هي وهو بأمس الحاجة إلى مساعدة ؛ الرواية تدل على الناس البسطاء في واقعهم ومعاشهم وحيواتهم الفقيرة السهلة؛ لقد اقتنص الشاعر الطقوس والأجواء والشخصية ليكاتب الكولونيل؛ برؤى تدلل على حساسية شعرية ورؤية عميقة؛ ولعل أبرز المحاور الرؤيوية التي تبثها القصيدة تتمحور في المحاور التالية:
بلاغة السرد الوصفي/ ودلالات الفقد والغياب:

تعد تقنية" السرد الوصفي" من أبرز التقنيات المؤثرة في تحفيز القصيدة، وتعزيز مدها الرؤيوي؛ خاصة في تتبع المجريات والمشاهد والرؤى التي تطرحها القصيدة؛ ولاشك في أن الشاعر افتتح هذه القصيدة برشاقة سردية تدخلنا في أجواء الرؤية الشعرية بإثارة ورشاقة أكثر من طقس الرواية ذاتها؛ وفيها يقول:

"بعد َ كلِّ الذي اقترفَتْهُ العناكِبُ..
إذْ لاحقَتنا إلى النومِ
ها أنذا التقي الكولونيل .. بعد غيابٍ طويلْ
أرى فيه..ما لمْ أَكُنْ قد رأيتُ من قبلُ..
هذا العزوفُ عن البحرِ..
لا الذكرياتُ التي ظلَّ يفتحُ فيها نوافذَ..
يدخلُ منها الذي كانَ.. يوقظهُ حين يغفو
ولا أحدٌ من سعاة البريد يعرفُهُ..
إذْ تلاشى النظامُ البريديُّ..
مُذْ صار لا يتذكّرُ أنَّ له مَنْ يُكاتبُهُ"(45).

إن الشاعر وضعنا منذ البدء في أحداث الرواية في مشهد شعري يائس يدل على إحساس الكولونيل بانقطاع حبل الأمل بعدما لم يجد من يكاتبه؛ وهو مازال منتظراً قدوم ساعي البريد؛ ولعل أبرز ما يثير الحساسية الشعرية هذه الرشاقة التصويرية في تصوير المشهد التصويري اليائس؛ الذي يبين حالة الفقد والوحشة التي يعانيها الكولونيل بعدما تعطل بريده وتلاشى خيط الأمل الذي كان يعقد عليه حبل النجاة من حالة الفقر المدقعة التي هو عليها.
وبهذه الحساسية الرؤيوية والإحساس الشعوري المفعم بهذه الشخصية يتابع إيقاعه السردي وتفاعله مع هذه الشخصية؛ليرصد واقعه وواقعها بإحساس اغترابي فيه من الحرقة، والوجاعة، والشجن الروحي الشيء الكثير، كما في قوله:

"كُنتُ بعدَ الغيابِ الطويلِ
أَسكُنُ ذاكرتي.. وأراها بلاداً
وأبحثُ فيها عن الأصدقاء الذين توزَّعَهمْ.. كوكبٌ خشنٌ..
عناوينهم .. ومصائرهمْ
وكتبتُ إليه.. مثنىً .. وكرّرتُ..
ما جاءني منهُ ردٌ
تخيَّلتُهُ بانتظاري..
وكُنتُ سأسألُهُ عن بلادٍ جَفَتهُ
فبادرني بالسؤالِ
أأنت الذي لم يجد في البلاد.. بلاداً..
ففارقها؟
قُلتُ .. لا
لمْ أُفارقْ .. فقد سكَنَتْني بلادي
. . . . . .
. . . . . ."(46).

إن الشاعر بمفاعلة شعورية وإيحائية يدمج الواقعين والشعورين معاً ؛شعوره وبحثه عن بلاده وأصدقائه الراحلين وشعور الكولونيل وبحثه عن بريده الذي لم يصل للتو؛ وكأن بحث الشاعر عن بلده وأجوائه العراقية أشبه ببحث الكولونيل عن بريده وانتظاره راتبه الذي لمَّا يأتِ بعد؛ وهنا ؛ تأتي المحاورة بين الشاعر والكولونيل هادفة في الكشف عن الكثير من المضمرات الشعورية؛ لدرجة أن التساؤلات المحتدمة كانت ساكنة ومتلجلجة في قرارة ذاتهما المضمرة كل منهما يريد أن يسأل الآخر عن غربته وحرقته الوجودية؛ وهنا؛ عمد الشاعر إلى الإيقاعات البصرية للكشف عن الحرقة الاغترابية بقوله:( قلتُ.. لا.. لم أُفارقْ.. فقد سكنتني بلادي) ثم أتبع إجابته بسطرين فراغيين؛ ليؤكد: أن بلاده مرسومة على قلبه إلى ما لانهاية لدرجة أنها سكنته إلى الأبد؛ وهذا ما دلل عيه بصرياً بهذا المد النقطي المفتوح .
ثم بدأ يتشبث الشاعر بعراقه كما تشبث الكولونيل بديكه وراتبه الذي لم يصل وديكه الذي خسر الرهان وفر عبر الحدود؛ إذ يقول:

وأسألُ عن ديكهِ..
فيقولُ.. لقد فرَّ بعد مهارشةٍ خاسرهْ
ومضى باتّجاه الحدودْ
غيرً أن الجنودْ
حاولوا قنصهُ فتوارى..
ويظهرُ لي في منامي كما الصقر.. ربّتما سيعودْ
والمعاش؟
ذلك ما لم أعدْ اتذكره .. ونسيتُ الوعودْ"(47).

لقد ضاع الحلم والأمل عند الاثنين( الشاعر والكولونيل) مازال يعاني كل واحد منهما من تلاشي الأمل ؛ الأول(الشاعر) بضياع البلاد وارتحالها كالحلم البعيد اللاملتقط ؛ والثاني(الكولونيل) بتلاشي البريد وعدم وصول راتبه وفرار ديكه أمله الوحيد إلى الحدود؛ وهو رغم ذلك مازال متمسكاً بالأمل رغم فرار ديكه ومعاشه؛ وما هو ملحوظ محاولة إدخال الروائي في القصيدة وهو(ماركيز)؛ وهذا ما كان غائباً عن أجواء شخصياتها ضمن الرواية ؛ وكأنه يعاتبه على ما وصلت إليه حال (الكولونيل) بعدما خسر ديكه وراتبه؛ وانقطع خيط الأمل الوحيد؛ إذ يقول:

"أما زلت تهذي بما يفتريه على الناس.. صاحبنا ؟
من؟
سَيِّد المفترين .. ماركيز.. انت تعلَّمتَ منه النميمةَ..
زوّجني .. وأنا أشهر العازبينْ
وأولدَ مَنْ لمْ أَمسَّ قمصانها.. ولداً
وسيجعلني والداً..
ثُمَّ يقتلهُ دونما سببٍ..
في مُهارشَةٍ لم تكنْ
هلْ مررتَ به ليعلمكَ المكر..
أمْ أنتَ علّمتهُ السحر؟
يا أيّها البابليُّ المعتَّقُ.. كمْ أتفادى مزاعمكم ..
أيها الشعراءْ
. . . . . .
. . . . . ."(48).

هنا يعتمد الشاعر المناورة الحوارية؛ من خلال التلاعب بالرؤى والأحداث ليضع الشاعر والمؤلف والشخصية البطلة في مواجهة حقيقية؛ مصيرية؛تدلل على افتراء المؤلف ومكره ودهائه الشديدين؛ فقد زوَّجه بامرأة لم يمسها، وأولده منها بولد ليس من صلبه ثم أماته؛ وهذا ليضعه في جو ملحمي تراجيدي ونهاية مأساوية عاصفة ؛ وهنا، يخاطب الكولونيل الشاعر من افتراء المؤلفين فكيف حال الشعراء الأدهى والأمر؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون؛ وهذا المكر والدهاء جسده بالمد الفراغي لتكون هذه الصفة ديمومية ملازمة لحالهم كما حال مؤلفه المراوغ الذي تلاعب به،وأوصله إلى حالة تراجيدية مأساوية مؤلمة لا يتمنى أن يحياها أو يعيشها إطلاقاً حتي ولوكان محضَ خيال من روائي جاحد أو مؤلف حانق.

ويتابع الشاعر نظرة المؤلف السوداوية وبررها بسبب إصابته بالسرطان والحالة المزرية التي هو عليها؛ ليثير الرؤية الشعرية ويكشف المبرر لظلمه لشخصيته الروائية(الكولونيل)؛إذ لم يترك لديه محفزاً أو منفذاً للحياة؛ حتى الأمل الأخير الذي تبقى له بعد خسارته المعاش فوز الديك بالجائزة لكنه بدلاً من فوزه جعله يخسر و يفر خارج الحدود؛ قائلا:
"مَرَرتُ به..

أَغلَقَ البابَ دون أحبتِهِ.. واكتفى بمعاشرة السرطانْ
وما عادَ يكتبُ إلاّ رسائل بيضاءَ..
لامرأة من شذى وضياءْ"(49).

هنا؛ يبرر الشاعر نظرة المؤلف(ماركيز) السوداوية بسبب مرضه بالسرطان وحالة الانطواء واليأس التي هو عليها؛ فقد اعتزل الحياة ؛ وما عاد يتذكر منه إلا بعض الأخيلة لنساء طالما حلم بهن في زمنه القديم؛ وهنا يدمج الواقعين و الشعورين معاً ليؤكد حلاوة وغنج وحيوية المرأة الشرقية ممثلة ب(خولة) وغيرها من الرموز المشتقة الدالة على الجمال العربي؛ قائلاً ومواسياً له:

"لو كنتَ شاهدتَ خولةَ.. في وردها الحلبيّ..
لما تبِعتْكَ الذئابْ
وهل كنتَ.. غيرَ خيالٍ يدبُّ على الأرض..
لولا مُخَيَّلَةٌ عاصفةْ
وكما اللعبةُ الخشبيةُ صارت فتىً.. في الأساطيرِ..
صِرْتَ..
أيُّها الكولونيلُ الخُرافيُّ.. يا كومةً من عظامٍ وجلدٍ عتيقْ
إنَّ جموح البلاغةِ أعطاك هذا الحضورْ
أَحرجني.. بينَ جوعٍ مُذِلٍّ وسَمْتٍ وَقورْ
. . . . . .
. . . . . ."(50).

هنا ؛ يدمج الشاعر الشخصيتين معاً شخصية المؤلف اليائسة السوداوية(مركيز) وشخصية(الكولونيل)؛ بإحساس شعوري عاطفي/ متفاعل يشي بالتعاطف إنسانياً وشعورياً مع الشخصيتين اليائستين: شخصية(الكولونيل)الفقير الذي خسر راتبه التقاعدي وديكه المنقذ؛ و شخصية(المركيز)المؤلِّف المريض بالسرطان؛ وكلتا الشخصيتين افتقدتا بصيص الأمل إثر الجو المأساوي اليائس اللذين وجدتا فيه. وهنا يحاول الشاعر أن يداعبهما بروح الفكاهة والأمل بذكر(خولة) وجمالها العربي الفتان؛ليلطف الجو اليائس والشاحب اللذين هما عليه قائلاً:" لو كنتَ شاهدتَ خولةَ.. في وردها الحلبيّ../لما تبِعتْكَ الذئابْ"؛ ثم يعود لمخاطبة(الكولونيل) بأنه أصبح كومة من عظام إثر الفقر المدقع وحاله اليائسة التي هو عليها ليدلل على ثبات هذه الحالة بالعلامات البصرية والمد النقطي المتتابع ؛ وكأنه يرثي حاله بعدما افتقد عراقه الحبيب وبيته وخله القريب (الأصدقاء، والأحبة، والخل الوفي)؛ وما تراكم هذه الفراغات في سطرين متتابعين إلا دلالة على الحسرة والألم إلى ما آلت إليه أحوالهم جميعاً؛بإيقاع توصيفي سردي يدل على ذروة اليأس والإحساس بالفقد المرير.

تصوير الواقع العربي المؤلم وحالة الضياع والفوضى المخيمة عليه:

لقد عمد الشاعر إلى عكس الواقع العربي المرير من خلال استحضار شخصية المؤلف(ماركيز)وشخصيته الروائية(الكولونيل)؛ليكونا شاهدين على الواقع العربي المتردي وما آلت إليه أحوال العرب الأشقاء كيف تخلوا عن شقيقتهم العراق في مصابها وتكالب المحتل الأمريكي عليها فكانوا شريكهم على دمائه وقطرات عروبته؛ وما أقسى مضاضة الجرح الذي يأتيك من الأخ والقريب أو الحبيب؛ وهذا ما يدلل عليه بوضوح قوله:
"في الطريق إلى الساحل المُعمَّدِ .. بالشكِّ والخوفِ..
وَدَعتهُ..
وتخيَّلته .. أنْ يعيشَ طويلاً..
سأسأله ذاتَ يومٍ.. أذا ما كتبتُ إليهِ..
عن الحرب بين الأشقّاء!
هل كان يُمْكِنُهُ أن يفرِّقَ بين الدماءْ؟!
ولماذا يموتُ فقيراً.. ويسخرُ من فقره الأغنياءْ
وكتبتُ إليهْ..
ها أنذا أستعيدكَ بعد سنينْ
ومازلتَ توقظ أسئلتي..
وأشكُّ بكل الذي قيلَ عنكَ..
أشكُّ بما قُلتُهُ عنكَ.. ثمَّ أشكُّ بأسئلتي
وكتبتُ إليهْ..
لم يبقَ لي ما أقول..وكلُّ الذي قُلتُهُ سأعودُ إليهْ
. . . . . .
. . . . . ."(51).

هنا؛ تتزاحم على شفتيه الأسئلة الاحتجاجية الجريحة وصداها الشعوري المنكسر؛ سيسأل (الكولونيل) عن حالته وحاله: كيف يستطيع التمييز بين دماء الأشقاء إذا ما اقتتلوا؟؟. وكيف بإمكانه أن يميِّز بين دماء الشقيقين؟؟ وهو –بذلك- يشير إلى التحالف العربي على العراق مع القوات الأمريكية؛التي شردت أهله؟ ومزقت وحدته؛ إنه يُسقِط واقع هذه الشخصية على واقعه الاغترابي وإحساسه المرير بالتخاذل العربي؛ ومرارة ما حاق بالعراق وأهله من جراء هذا التحالف العربي الخبيث وويلاته المؤلمة على العراق وطناً وشعباً؛ وهنا؛ يأتي وقع المحاورة كاشفاً رؤيوياً محرضاً للكثير من الأسئلة الاحتجاجية الصارخة بقوة عن واقعها وصداها الوجودي المأزوم؛ إذْ يطرح العديد من الأسئلة المهمة الموجعة التي تصب في مجرى الأسى؛ والحرقة، والاغتراب؛والبؤس الوجودي؛ ومن هذه الأسئلة المهمة قوله:"ولماذا يموتُ فقيراً.. ويسخرُ من فقره الأغنياءْ"؛ ويتابع سلسلة أسئلته الموجعة التي تصب في دائرة مفتوحة من الاستنكار والاستهجان من خلال المد النقطي المفتوح الذي تركه على مدى سطرين متتاليين ؛ليشير من خلاله عن حرقة هذه الأسئلة وانفتاح أساها الوجودي والنفسي إلى ما لا نهاية.

وهنا؛ تأتي النهاية معبرة عن إحساس الشاعر الوجودي واحتراقه العميق:"
وتبقى.. كما اقترحتك الكتابةُ
لاتتبيّن ما تركته العناكبُ في ما حلمت به..
وتُحاولُ بين الرجا والشجا.. ان تكونْ"(52).

إن الشاعر- بهذا الازدواج الشعوري بين الأسى والشجا – استطاع أن يخط وجوده المأزوم وإحساسه الشعوري المعذب؛ وبهذا الإحساس المتنامي تفاعلت الشخصية الشعرية مع الشخصية الروائية (الكولونيل) والشخصية المؤلِّفة(ماركيز)ليبث اغترابه وحرقته الوجودية وصداه الشعوري المأزوم والمتوتر.

بلاغة الرؤية الشعرية/ أو كلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر أراد أن يقول لنا في جوهر رؤية القصيدة ومغزاها النهائي: بأنه مهما كانت شدة المعاناة وحالة الفقر المزرية التي وصلت إليها شخصية الكولونيل فإنها ما زالت تقاوم واقعها وتعيشه رغم عجافة الأيام وقسوتها عليه؛ وهو سيظل يقاوم كشخصية (الكولونيل) في العودة إلى الفضاءات البغدادية والأجواء العراقية ليعيش واقعه الجديد وعراقه الحلم الذي لن يرحل مطلقاً عن أفق رؤياه وفضاءات مخيلته مهما بدا الليل طويلاً وحبل العودة مستحيلاً؛ لأن حلمه أكبر من الاغتراب بعينه مهما بدت صخرته صلدة فإنه سيقاوم حتى الرمق الأخير للعودة والظفر بعراقه الحبيب.

تاسعاً – البعد الرؤيوي لقصيدة(ربما.. كان زوربا):

يفتتح الشاعر في قصيدته( ربما.. كان زوربا) واقع رواية(زوربا اليوناني)؛ وهي رواية يحاول من خلالها أن يجمع بين شخصيتين متناقضتين؛ وهي الشخصية المثقفة في العلم والمعرفة(ثقافة الكتب) وشخصية جاهلة لكنها تملك خبرة حياتية منفتحة في الرقص، واللهو، وحب النساء؛ وكلتا الشخصيتين رغم اتجاهاتهما المختلفة التقتا في الرواية لتنشأ علاقة صداقة حميمة بين الاثنين لدرجةلا انفصام ؛والواقع أن الشاعر حميد سعيد أعجب بهذه الرواية والشخصية في آن؛لأنها تتماشى مع روحه الدرامية التي تعد هذه التقنية معشوقة قصائده على اختلاف توجهاتها؛ وتعدد مساربها الرؤيوية ؛ فالروح الدرامية لا تغيب عن فضاءات قصائده؛وبتقديرنا: لقد استطاع حميد سعيد في قصيدته( ربما كان زوربا) أن يتمثل شخصية زوربا بوجوهها المتعددة بمعنى: أن زوربا اليوناني هو بكل الوجوه المتغيرة والخبيرة في الحياة؛ فهو الشخصية المثقفة في واقع الحياة؛ وخبرته لم يأخذها من الكتب؛ وإنما أخذها من معاشرته وانهماكه في الحياة الاجتماعية بتعقيداتها وتعدد خبراتها؛ وهذا ما عجز عنه صديقه(باسيل) الذي أعجب بشخصية(زوربا) لحد جعله يتصرف في ماله بمشروع(منجم للفحم)؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثقته الكبيرة به؛لكنه خسر هذه الثقة حين صرف جل المال في البار على راقصة سلبت منه كل المال؛ وهنا؛ يعدد الشاعر رؤاه لزوربا ليجدها ماثلة في عدد من الشخصيات؛ تارة بصورة بياَّع الخبز، وتارة بصورة رجل في بيروت؛ وتارة بصورة زوربا اليوناني الذي جاء عبر البحار؛إذاً الشخصية واحدة ؛ لكنها متناسلة ؛ تبعاً لأحاسيسه ورؤاه وتمثله العميق لها؛ ولعل أبرز المحاور الرؤيوية في هذه القصيدة ما يلي:
تعدد المواقف والوجوه والرؤي للشخصية الزوربوية:

إن الشاعر وظف شخصية (زوربا) اليونانية بوجوهها المتعددة؛ ورؤاها المختلفة؛وهذا ما جعله ينظر إلى هذه الشخصية بمنظار رؤيوي مختلف ؛ فزوربا شخصية ساكنة في قلب كل رجل مكافح يعرف مسارب الحياة يكافح بشراسة لالتقاط عيشه؛ فالشخصية الزوربوية هي شخصية الرجل المناور الذي يمتلك خبرة العيش والحياة رغم جهله العلمي كما هي شخصية زوربا اليوناني الحقيقية؛ يقول الشاعر في شخصيته(الزوربوية) وهي شخصية بائع الخبز، ما يلي:
"ورأيتُهُ يوماً..
يُساوٍمُ بائعات الخبز في السوق القديم
وبعد عامين التقيت به يبيع الخُبزَ
كنتُ أظنّهُ رجلاً مُقيماً..ثمَّ غابَ عن المدينةِ
وانتهى ما كانَ منه..
ضَجيجُهُ الليليُّ..فِطنتُهُ.. الحواراتُ التي لا تنتهي
وشراسةُ الذئب المحاصر.. في الشجارْ"(53).
هنا؛ يعدد الشاعر الملامح السلوكية لشخصية (زوربا) بائع الخبز؛ فهو شخصية صاخبة جدلية مناورة فطنة لها أسلوبها في المنافسة والحوار وإثارة الجدل؛ والشراسة بالمواجهة ؛ إنها الشخصية الحياتية التي نراها في الأسواق من قوة وجسارة وحدة وعنفوان؛ ثم يتابع أوصاف هذه الشخصية بكل رؤاها المتجددة المتغايرة:
"وقال لي..
مَن كان يُغضبٌهُ بما يُبديه من فتَنِ التعالي
كنتُ
في " يَلَوا" ..
وقد غادرتُ اسطنبول أَبحثُ عن مُهاجرةٍ أُحِبُّ..
تُقيمُ فيها
ثُمَّ فاجأَني برفقتها هناك..يَضُمُّها كغزالةٍ بيضاء ناعمةٍ
وأَسرعتُ الخُطى حتى إذا قاربتُ ظِلَّهما..
وكدتُ أقولُ ما في النفس.. غابا
. . . . . .
. . . . . ."(54).
هنا؛يتحدث عن شخصية (زوربا)بلسان المروي السردي؛عن الرائي أو المشاهد لهذه الشخصية؛ من قوة الدهاء والخبرة الحياتية في جذب النساء وولعه بهن؛ من خلال الصورة البليغة التالية:( ثُمَّ فاجأَني برفقتها هناك..يَضُمُّها كغزالةٍ بيضاء ناعمةٍ)؛ وقد اعتمد الشاعر التشكيلات البصرية في ملاحقة طيفهما بعدسة مونتاجية ترصد المشهد بتفاصيله الجزئية ؛ وقد ترك هذا المد النقطي ليدل على طيفهما الذي غابا عنه بامتداده البصري اللامتناهي؛ وهذا يعني أن المد النقطي رسم مشهد تلاشي ظلهما،بأسلوب بصري/لغوي،متعاضد؛ في تكثيف الرؤية ومتابعة حراكها البصري.
والملاحظ أن الشاعر يناور في شخصيته الزوربوية؛ فهي ليست مطابقة تماماً لشخصية زوربا الروائية لكازنزاكي؛ إن شخصية(زوربا) شخصية متحركة/ متنقلة من مكان لمكان؛ ومن زمان لزمان؛ وهي شخصية متحولة –كما أشرنا- فكان من طبيعتها أنها تتماهى مع كل الأمكنة وكل الأزمنة؛وما تحولها إلى الأناضول؛ وتركيا وبيروت لاحقاً إلا لإبراز ماهيتها المتغيرة ووجوهها المختلفة؛ إذ يقول:
ثُمَّ قال..
وفي الطريق إلى القرى العذراء .. في الأناضول
فاجأني بهيئته المُريبة..
عمَّةٌ خضراءُ.. شالٌ أخضرٌ.. وعباءةٌ خضراءُ
كانَ بشاربين كبلبلين مُبللين.. ولحيةٍ حمراء
يكتبُ للنساء.. رٌقىً وأدعيةً
مَدَدتُ يدي إلى أوراقه الصفراء.. أكشفُ ما بها
اختلطت عليه.. قوافلٌ وجحافلٌ..
مدنٌ .. وجوهٌ ..لم يُفرِّق بينها
فمضى إلى غيبوبةٍ بيضاء.. تحملُهُ إلى ..
بيروت في الزمن الجميلِ
يتخَطَّف العشاقُ فتنتها..ولم تبخل بحبٍّ مستحيلِ"(55).

إن الرؤية التحولية للشخصية الزوربوية؛ هو تغير ليس في الصفات؛ بل هو تغير في الشكل والسمت؛ فزوربا في وجهه الجديد ذو(عمة خضراء.. شال أخضر.. عباءة خضراء.. بشاربين كبيرين .. كبلبلين مبلليين.. ولحية حمراء) إنه يتقمص دور الساحر ليظفر بالنساء ؛لأن النسوة أكثر ما يغويها الدجل والمراوغة والدهاء؛ والسحر هو أعلى درجات المراوغة التي تقف أمامه معظم النسوة عاجزات ؛ لأنه يستلب منهن ربع العقل المتبقي ؛ وسرعان ما تقع الكثير منهن في شرك الدجالين عن طواعية قولاً وفعلاً؛ وهذا ما يجعلها فريسة سهلة لأولئك المولعين بحب النساء كزوربا اليوناني ؛ وهنا، عبر الشاعر من وجه من وجوه زوربا الذكي المراوغ في كل شيء ليصل إلى هدفه؛ وهو النيل من كل امرأة جميلة تقف أمامه؛ولهذا يحول من مكان إلى آخر؛ ومن مدينة إلى أخرى من الأناضول إلى بيروت ؛ ومن بائع خبز إلى مشعوذ أو دجال؛ وبعد هذا التحول التقى به الشاعر منكسراً باحثاً عن دليل؛ إذ يقول:
"والتقينا..
كنتُ منكسراً.. وكان كم لا الجواد يُجدّد الفرحَ المكابرَ..
بالصهيلِ
. . . . . .
. . . . . .
يتغيَّرُ الميدان.. إذْ جاءت تخبُّ..
يقولُ.. هذي مُهرةٌ ملكيَّةٌ شهباءُ
يقطعُ غَفلتي..
كُنْ ذِئبها..
أرأيتَ ذئبتكَ التي اقتحمتكَ
شمّت فيكَ رائحةَ الرجالْ
. . . . . .
. . . . . ."(56).

هنا؛ يعتمد الشاعر لغة الحوار البوحي مع شخصية زوربا اليوناني في شكلها الحقيقي ؛ وهذا يعني أن الشاعر أجرى عدة مناورات في شخصياته ؛ ليصل إلى وجه زوربا الحقيقي كما أشارت إليه الرواية؛وهنا يصل(بزوربا) إلى الشخصية البطلة ؛ إلى شخصية الفارس الذي يخب بالميدان على مهرة ملكية شهباء؛ يداعب الشاعر ويمازحه؛بأن مهرته قد شمت في الشاعر الفحولة والرجولة؛ ورأت فيه فحلها المميز.

ويتابع الشاعر تشكيل شخصية زوربا كما يراها ويحسها في وجوده ؛ فهو بعد أن صوره بصورة متواضعة بائع للخبز وصوره بصورة ساحر أو دجال ؛ وصوره بصورة فارس قام بتصويره بشيخ وقور يعزف على ربابته جاذباً كل من حوله من النساء حتى الأنس والحيوان؛ قائلاً:
"أجابني شيخٌ وقورٌ.. كلُّ من في هذه الأنحاء..
يعرفُهُ
ويعرفُ أيَّ حزنٍ فيه..
من صوت الربابْ
وإنْ دعا امرأةً.. وكان رسولُهُ موّالَهُ الليليَّ..
يمتلئُ المدى بصدى الحنين إليه..
تخرجُ ذئبةٌ من كلِّ بابْ
وقلتُ..
هل صَحِبتهُ في هذي الديارْ
امرأةٌ عجوزٌ.. بستبدُّ بها الخيالُ .. وما تزالْ
ترى لها عرشاً.. بمملكة البحار؟!
. . . . . .
. . . . . ."(57).

هنا؛ينوع الشاعر في تشكيله لشخصيته(الزوربوية) فهو يشكله بصورة شيخ وقور يعزف على ربابته بعدما طعن فيه السن وفقد معظم حيله للاستحواذ على النساء ليس له من طريقة سوى العزف الحزين على إيقاع الربابة، ليثير الأشجان ؛ ويلهب المشاعر؛ ويجذب إليه النساء؛ وأخيراً ؛يأتي (زوربااليوناني) لكاز نزاكي ؛ ويصوره كيف أتى في البحر على ظهر السفينة؛ وكيف تندفع الطيور لملاقاته؛ إذ يقول:
"على ضفاف الأبيض المتوسط..
اقتربتْ سفينتُهُ من الميناءِ..
في هذا المدى البحريِّ.. تندفعُ الطيور البيضُ نحو القادمين
كأنّها انتظرتهُ..
حتى يستعيد قراءة الأحجار والأشجارِ
ما أبقى على الأبواب من أسراره..
ما كان من وجعٍ
أيرقصُ مرّةً أخرى..وقد طردته مملكةُ الغناءْ؟!"(58).

إن الشاعر يستحضر صورة( زوربا اليوناني) بطل الرواية الحقيقي من خلال سماته ورغباته وعشقه للرقص وولعه بالنساء، ورغبته في الانتقال من مكان إلى آخر لقاء حماسه المنقطع النظير إلى الحياة بكل حراكها؛ وتطلعها وتغيرها المستمر؛ وليس ذلك فحسب؛ فهو البشير بالتجدد والأمل والخصوبة والحياة حتى تلقفته الطيور واحتفت به الأشجار ليقرأ أسرارها وأخبارها ونظرته المستقبلية إليها، وإلى واقعه وواقعها المعيش ؛ فهو النبوءة الجديدة لمعالم الطبيعة والأشياء؛ وبهذا المعنى الأسطوري الذي حمَّله لشخصية (زوربا) يعود بالشخصية الأسطورية لتحمل نبض الذات؛ لكن سرعان ما يعود به إلى الوراء إلى الهرم والاعتزال بعدما خبر من الحياة ما خبره وتعلم منها الشيء الكثير؛ إذ يقول:
"واختارَ منفى لا تمرُّ به النساءْ
على ضفاف الأبيض المتوسط..
اقترنت خطاهُ بمأزقِ خَطِرٍ
على الأرض التي احتضنت سريراً..
ضَمَّ " باسيفي" بكل شرورها.. والطُهرَ في" مينوس"
هل كانت طرائده تقودُ خُطاه في المدن التي عرفته..
للتفاحة الأولى..
شميمٌ لاذعٌ وعواصفُ سودٌ
رأى في كلِّ من فتحت له أبوابها.. تفّاحةً أولى
فيقضمها..
وهاهو.. بعد أن جفَّتْ ثمارَ حقوله..
قَضَمَتهُ
. . . . . .
. . . . . ."(59).

إن الشاعر يصور(زوربا اليوناني) بالمعتزل الذي اختار منفاه ومعتزله في حين أنه لم يختار هو منفاه ومعتزله لقد فُرِضَ عليه فرضاً حتى ألفه وأعتاده؛ والملاحظ أن الشاعر يفلسف نهاية شخصيته(الزوربوية) بأنه بعدما تمتع بالنساء واللهو معهن سرعان ما أوقعت به إحداهن فراح ضحيتها وخسر مال صديقه بأكمله؛وخسر رجولته؛ بعدما كان رمزاً لها؛ وقد اعتمد الشاعر المد النقطي للإيحاء بهذه النهاية الممتدة؛ وكأن نهايته تمثل نهاية الرجولة الحقة في كل زمان ومكان؛ وهنا يصل الشاعر إلى ذروة الفاجعة عندما يعلن نهايته الأخيرة :
" ذلك قبرُهُ..
في كلِّ مقبرةٍ مررتُ بها
وفي كلٍّ البلادْ"(60).

إن زوربا اليوناني سيظل رمزاً لكل الرجولة وعلماً من أعلامها ؛ مهما تعددت الأماكن واختلفت الأزمان؛ وهذا يصلنا إلى رؤية الشاعر الجوهرية في شخصية (زوربا)؛ وهي أنه استحضر هذه الشخصية ليقول كلمته الأخيرة : إن زوربا استطاع أن يختار منفاه ومعتزله؛ في حين أنه فشل هو في ما نجح به (زوربا اليوناني)؛ لأنه لم يخترْ معتزله؛ ولا منفاه؛ لأنه فُرِضَ عيه قسراً في ظل واقع دموي اضطره للخروج من العراق إلى الأردن ليعيش فيها معتزله الروحي؛ ومنفاه الأخير؛ فهل سيكون زوربا الشاعر الذي أبعدته البلاد؛ وأنهكته رحى السنون الاغترابية المريرة؛ هذا ما نتوقعه في رؤية القصيدة الأخيرة؛ ومدها النقطي المفتوح. وكأن الشاعر يؤكد مقولة: إن الاغتراب لا نصنعه بأنفسنا؛ وإنما يفرض علينا فرضاً كالقدر الذي لا يمكن أن نردَّه أو أن نصنعه بأيدينا؛ إن زوربا اختار منفاه؛ لكنه لم يخترْ نهايته؛ وهذا يؤكد ضعف النفوس البشرية أمام سطوة القدر.

بلاغة الرؤية الشعرية / أو كلمة القصيدة الأخيرة:

إن الشاعر أراد أن يؤكد مقولته من جراء استحضار هذه الشخصية : إن بلده العراق ستظل متجددة متطورة متغيرة كالشخصية الزوربوية ؛ فهي رمز للتحدي والتغير والمقاومة؛ وهي ستبقي في قلب كل إنسان عربي ؛ متجددة حرة ؛ فعراق اليوم هي عراق الأمس هي الماضي هي التاريخ هي المستقبل؛ وهو سيكون زوربا الشاعر العائد إليها يوماً على أجنحة الأمل العائد لا الخيال المجنح.

عاشراً- البعد الرؤيوي لقصيدة(ما رواه الفتى الأزهري عن سي السيد):

تطرح قصيدة(ما رواه الفتى الأزهري عن سي السيد) شخصية السيد أحمد عبد الجواد؛ وهو بطل ثلاثية نجيب محفوظ؛ وهو شخصية جسورة تمتاز بصلابتها وثبات موقفها؛ وتحاول أن تطرح القصيدة تعدد المواقف والأحداث المحتدمة ،وتوترات الذات ، وقلقها بجو درامي عاصف؛ ومن تدقيقنا في القصيدة وجدناها تتمحور على التقنيات التالية :
كثافة المواقف والرؤى الشعورية المحتدمة:
تمتاز هذه القصيدة بكثافة الشخصيات والرؤى والدلالات؛ بما يحقق لها عنصر الروعة و التفنن والإتقان في تتبع الأحداث ووصف المشاهد المحيطة بالشخصية، ؛لكن ما يزيد من حركة هذه السردية وصف المشاهد الروتينية التي تحدث؛ إذ تستغرق بلغة الوصف؛ وهذا ما يضاعف من فاعلية البلاغة الرؤيوية للقصيدة خاصة بالانتقال من المشاهد والرؤى البسيطة إلى المشاهد المُبَئِّرة للحدث؛ كما في قوله:
"لم أَجِدْ في هذه الليلة أصحابي..
وكنا نلتقي في مسجد الحيِّ..
وقدْ أرهقنا الدرسُ المسائيُّ
تخفَّفتُ من العِمَّةِ والجُبَّةِ .. بالجلبابِ
صَلَّيتُ.. وواصلتُ طريقي
قبلَ أَنْ أدنو من الميدان..
سَلَّمتُ على جارتنا.. بائعة التمرِ
دعَتْني .. مثلما تفعلُ..
أن أحكي لها عمّا تعلَّمتُ.. وما أحفظُ من آيِّ الكتابِ.."(61).

هنا؛ يعتمد الشاعر لغة السرد الوصفي؛ في تبيان انتظار أصدقائه من طلبة الأزهر، لكنه أحس بالأسى والحزن ؛لأنه فارقهم بعد ما غيبت أصدقاءه ظلمات السجون؛ ثم تابع ممارساته اليومية المعتادة ؛ دون تكلف أو تعقيد؛ وهذا ما أدى إلى رشاقة سردية ساعدت في تكثيف الحدث وتعميق الرؤية.؛ ولو تابع القارئ حيثيات المشهد لتبدى له ذلك جلياً كما في قوله:
انتظَرَتني وأنا أقرأُ يس
وإذْ قاربتُ من أن أنتهي منها..
بكَتْ واستغفَرَتْ
قالتْ..
لقد كانَ أبي شيخاً جليلاً زاهداً
لكنّني أخطأتُ إذْ صرتُ أرى الدنيا..
كما كنتُ أراها..
لاكما كانَ..تعاليتُ عليها وعليهْ"(62).

إن الشاعر يركز على امرأة بعينها تملك من الجاذبية ما يجعل السرد القصصي موجهاً صوبها ؛ وكأنها البطلة مع (السي السيد)؛ هل هي المرأة التي سجلت رحلة الشاعر الاغترابية لتمنحه الأمان أم هي عشيقة بطله(السي السيد)؛ إنها المرأة التي حملت في روحها جوهر الأنوثة ونيرانها المتقدة وهذا ما يشي به النص الشعري في متابعة حيثياته الجزئية البسيطة؛ كما في قوله:
فجأةً..يحملُني الليلُ إلى مملكةٍ أُخرى
أرى من جسدي.. ما لم أكنْ أعرفُهُ
ماهذه الأنشودةُ السوداءُ.. في إيقاعها الوحشيِّ ؟
مَنْ هذا الذي شاركني أولَّ أمطاري؟!
وما تُنبِتهُ أرضي
وما تُثّمِرُ أشجاري
إذا مدَّ يداً في الجمر بين الثوبِ والنهدين..
شَبَّتْ نارُ أوتاري
. . . . . .
. . . . . ."(63).

إن هذه المرأة تعكس عشق الحياة وشبقية الأنثى في تعلقها الذكوري؛ فالشاعر جمع في هذه المرأة كل عاطفة الأنوثة في المرأة المصرية التي تمتاز بشبقية زائدة تلهب الجسد الذكوري وتلتهب ؛والدليل المرجعي على ذلك قوله:" إذا مدَّ يداً في الجمر بين الثوبِ والنهدين.. شَبَّتْ نارُ أوتاري"؛ وهذه النيران الجنسية المحمومة هي ملتصق المرأة العاشقة لبطله(سي السيد)؛ إن هذه الشبقية الأنثوية مردها رغبة الشاعر في رسم بعض الجمل الجنسية البحتة في الرواية والمشاهد التي جسدت شبقية الرغبة واصطهاجها في الأنثى المصرية؛ والتي كانت معين بطله (سي السيد) في كبت هذه المشاعر الملتهبة بقسوته وسطوته والعرف الاجتماعي والبيئي الخاضع له.؛ وقد ترك الشاعر النقط الفراغية دليلاً بصرياً على الاتقاد العاطفي المحموم؛ والرغبة الشبقية الزائدة التي تمتلكها الأنثى المصرية في باطنها الشعوري.
وقد استمر الشاعر برصد أجواء بطله الروائي (سي السيد)؛بواقعية سردية وروائية؛عالية؛ كما في قوله:
"أما شاهدتَهُ في آخر الليل ؟
بلى..
شاركتهُ الدربَ إلى الجامعِ..
مأخوذاً بأمواج الشذى..
قاربتُهُ حين يُصَلّي .. كان في المُطْلَقِ كالصوفيِّ..
في ما يصلُ الإنسانُ بالله.. مُضيئاً
. . . . . .
. . . . . ."(64).

إن هذا السرد الوصفي لدليل على التحفيز الشعري في دقة وصف الشخصية المصرية في طقسها الديني المقدس؛ وهو صورة البطل(سي السيد)؛ وما يحيط به من شخصيات مساعدة تحمل في طياتها الواقع المصري المزدحم بالعلاقات، والرؤى، والأحاسيس، لدرجة أن القصيدة قاربت الطقوس والعادات المصرية؛ من خلال دقة رسم المشهد الصوفي؛والأجواء الدينية المحيطة بالشخصية.

واللافت - في هذه القصيدة على المستوى الدلالي- قدرتها على الإيحاء بالطقس العاطفي والشعوري المحيط بالشخصية؛ وهذا ما يوضحه في قوله:
ضحكت جارتنا.. بائعةُ التمرِ
وقالتْ..
طالما شاهدُتُهُ.. في أولِّ الليلِ يعبُّ الخمرَ..
يدنو من ثماري .. شَرِهاً
يقطفُها..
يلعبُّ بالدفِّ .. يُغَنّي
يتثنّى كدخان الخشب الأخضَرِ في الموقدِ
لو حدَّثَكَ النيلُ..
وكان الشاهدان الماءَ والليلَ..
على ما كانَ..
لاستوقفتهُ .. تسألهُ إنْ كانَ من رافقتهُ..
في آخر الليل إلى الجامعِ..
ذات الرجل الشاهدُتُه في أولِّ الليلِ ؟!
. . . . . .
. . . . . ."(65).

إن بداعة السرد الوصفي وبلاغة التجسيد العاطفي لدليل على دقة الوصف ؛ فالشاعر أراد أن يرسم الطقس الشعوري العاطفي بمصداقية شعورية وإباحية في رسم المشهد الغرامي بكل اصطهاجه وتوتره العاطفي الإباحي ؛ ومن الدلائل المرجعية على ذلك قوله:
وفي البيتِ.. كما يُروى عن الأبناءِ..
كان الملكُ الجبّارُ
إنْ لمْ يحضرْ الخوفُ.. اللقاءَ العائليَّ..
ابتعدتْ عنهُ سجاياهُ
سيغدو رجلاً .. يضحَكُ كالناس ويحكي مثلهمْ
قال ابنه البكرُ..
لقد كنتُ صبيّاً .. وتساءلتُ..
أهذا رجلٌ .. يضحكُ كالناس ويحكي مثلهمْ؟!
أسألُهُ .. يمنعُني الخوفُ..
وإذْ شاهدتهُ يضحكُ..
هذا رجلٌ أخرٌ .. قلتُ
وهربتُ..
. . . . . .
. . . . . ."(66).

إن القارئ سرعان ما يدرك الجو المحيط بشخصيته الجسورة (سي السيد)؛ وهي شخصية رسمت البعد الشعوري والنفسي؛لقصيدته من خلال شخصية بطله الميهمنة المتجبرة الصلدة في أحكامها وقراراتها ؛ فمن يجرؤ من أفراد الأسرة أن يخالف أو يتحدث بصوت مرتفع بحضور(سي السيد)؛ وكأننا أمام مشهد سينمائي يصور الأسرة المصرية المحافظة في رؤاها وطقوسها الخاصة؛ والدليل المرجعي على سطوة بطله (سي السيد) قوله: كان الملكُ الجبّار/إنْ لمْ يحضرْ الخوفُ.. اللقاءَ العائليَّ.. ابتعدت عنه سجاياه"؛ وهذا دليل وعي في رسم الجو القصصي للحدث الروائي والشعري معاً.

فنية الحبكة الشعرية والحدث المفاجئ:

من أبرز محفزات الشعرية في القصيدة فنية الحبكة الشعرية والحدث المفاجئ / أو الحدث الصادم الذي يحرك الشخصية ؛ ويزيد من قلقلة الأحداث أو قلبها بالحدث المفاجئ؛ أو المشهد الصادم ؛ كما في قوله:
"عائداً كُنتُ من الدرس المسائيِّ
وسَلَّمْتُ على جارتنا.. بائعةِ التمرِ..
كما أفعلُ في كلِّ مساءْ
فأشاحت وجهها عنّي.. وغَصًّت بالبكاءْ
ماتَ..
لمْ أسأَلُها من ؟
إذْ تراءى لي على مقربة.. بيتُ عزاءْ
إنَّ ما فاجأني أن أجدَ السيِّدَ .. من بين المُعَزِّين !
تساءلتُ..
بمَن جاءَ يُعَزّي؟
أَيُعَزّي فيه ؟!
منْ ماتَ إذاً ؟!
. . . . . .
. . . . . ."(67).

هنا؛ يقتنص الشاعر الحدث من الرواية بتمامه وكمالها؛ وهذا الحدث هو بؤرة تفعيل شخصية (سي السيد) ؛ وهذا الحدث المفاجئ تمثل بموت ابنه(فهمي) الذي شكل منعطفاً مهماً في أحداث الرواية؛ وتحريك مجرياتها؛ وتحريك الأجواء الرؤيوية لمسارات قصيدته؛ هذا السؤال المفاجئ للمخيلة والصادم للتوقعات؛ إن المتوفى من إذا كان (سي السيد)حياً؛ لم تتوقع من يكون المتوفى؛ وهذه الصدمة أو الحدث المفاجئ الذي عزز الرؤية الشعرية ؛ وكثف من حراك الدلالات؛ وكان الباعث لاحتدامها:
"في أَوَّل الصيف وقد عدتُ إلى الأقصُرِ..
في كلِّ صباحٍ.. صرتُ ألقاهُ كما كانَ..
ومن ثَمَّ وقد عُدنا..
سمعتُ المنشِدَ الشاميَّ.. قالْ
كانَ في سوق البزوريةِ .. فاستقبلَهُ السيِّدُ في متجرِهِ
أهداهُ..مما تحملُ الأرفُفُ من خير الشآمْ
. . . . . .
. . . . . .
ربّما القاهُ قبل الفجرِ.. قد عادَ من السهرَةِ
أو ألقاه بعد الفجرِ.. في الدرب إلى الجامعِ..
أو ...."(68).
إن نهاية القصيدة تشاكل أو تحايث نهاية الرواية لكن ببصمة شعرية مغايرة تشي بتفاعل الرؤيتين معاً؛ وكأن الشاعر أراد أن يرسم الأجواء المصرية وعاداتها بتعدد البيئات من مصر إلى الشام في بانوراما تصويرية كاشفة تشي بنهاية الرواية وبطلها(سي السيد) كما كان صلداً يجابه الزمان معلناً بقاءها وسط الجموع يتنقل من مكان لآخر؛ ومن زمن إلى آخر؛ وهذا ما يحقق حضوره إلى نهاية الرواية والقصيدة معاً.

بلاغة الرؤية الشعرية/ أو كلمة القصيدة الأخيرة

تعتمد القصيدة على بلاغة رؤيتها الشعرية من خلال الطقس الرؤيوي الذي أراد إيصاله للقارئ وهو( أن صمود بطله(سي السيد) في القصيدة دليل مقاومة الزمن ؛ والمحن؛ فهو رغم كل المصاعب مازال جسوراُ ؛ وربما شخصية بطله تمثل شخصيته في بعض ملامحها لهذا، أمعن الشاعر في وصف صفات هذه الشخصية وسماتها؛ وصلادتها في الكثير من المراحل والمواقف؛وكأن الشاعر يجد فيه الوجه الآخر في شخصيته)؛ وهذا يعني أن ثمة رؤية يريد إيصالها للقارئ؛ وهي أنه سيقاوم كشخصية بطله الذي تحدى الزمن والمحن ليبقى الرجل صاحب الموقف والرؤية التي لا تتزحزح في واقعه رغم كبر سنه؛ وتقادمه الزمني؛ ليكون كهذه الشخصية متمسكاً بموقفه وعراقه التي تجري في دماء شريانه لا تفارقه ولا يفارقها؛ فهي بصمته الوجودية وحلمه الأزلي الذي لابد يوماً من أن يتحقق؛ ويعود إلى عراقه الحبيب الذي وإن فارقه جسداً لم يفارقه روحاً وحباً وانتماء.
الحادي عشر- البعد الرؤيوي لقصيدة (صمت البحر... ثانية):

تعد قصيدة( صمت البحر... ثانية) من أهم القصائد التي تمثل فيها الشاعر حميد سعيد الشخصيات الروائية في قصائده ؛ وعكس واقعها على واقعه؛ والفضل يعود – بالدرجة الأولى_ إلى مضمون الرواية المشوق ؛ والأحداث الذكية في الكشف عن الكثير من المواقف والرؤى والإفضاءات الشعورية والنفسية العميقة؛وهذه القصيدة من أبرز القصائد التي ربطت الواقع الروائي بالمناخ الشعري ومؤثراته الرؤيوية؛ وقبل أن ندخل رحاب النص الشعري نضع القارئ في مناخ الرواية؛ إن قصيدة( صمت البحر ثانية) تتمثل رواية (صمت البحر)لفيركور؛ وهذه الرواية ترصد واقع الاحتلال النازي الألماني لفرنسا؛ ومركز الرواية وأحداثها منزل ريفي جاء إليه ضابط نازي اسمه(ورنر فون) ليعيش فيه برفقة أصحاب المنزل؛ ولما اختار عرفة من الغرف ليسكن فيها بدأ يحادث الشيخ وابنته القاطنة معه لم يكونا يجيبانه؛ بل ظلا ملتزمي الصمت ؛ فأدرك الضابط أن صمتهما هذا يشكل احتجاجاً ورفضاً لوجوده النازي؛ فظل الأمر على هذه الحال فترة من الزمن حاول فيها الضابط النازي التقرب من الشيخ وابنته بذكر الأدباء والمفكرين الفرنسيين؛ معترفاً بعظمة الأدب الفرنسي وما قدمه للعالم ؛ لكن كل ذلك لم يغير من نظرتهما الاحتجاجية الصامتة؛ وموقفهما الرافض للاحتلال؛ موقف رفض الراكب للمركوب؛ والظالم للمظلوم؛ فهو على الرغم من ثقافته ومواهبه الكثيرة كموهبة العزف على البيانو لم يكسب ودهما أو حتى لفت انتباههما لمحادثته ظلا صامتين ؛ ومع مرور الوقت أعلن الضابط انفصاله عن النازية؛ وقرر الرحيل وعندما خرج لوح بيديه مودعاً غير أن الفتاة ما أجابته ووقفت صامتة كعادتها؛ وهذا الموقف الفكري الذي وقفته الفتاة وأبيها الشيخ الوقور كان له أثره في القارئ ودلالاته الرؤيوية الاحتجاجية الصارخة؛ وقد كان وقع هذه الرواية مؤثراً في الشاعر حميد سعيد حتى تمثلها بعمق وعبَّر من خلالها عن الكثير من المواقف الوجودية الرافضة للاحتلال الأمريكي للعراق؛ ولعل أبرز مثيراتها هذا الربط الفني الموحي بين أجواء الرواية ؛ وما تبثه من رؤى ودلالات محتدمة؛ وأجواء القصيدة وما تضمنته من رؤى احتجاجية صارخة للواقع العراقي وممارسة الاحتلال الأمريكي للكثير من الانتهاكات الصريحة لحرية الشعب؛ ومظاهر الوحشية والقسوة في انتهاك حرمة البيوت بالرصاص والدبابات ونهب المنازل؛ وكسر أثاث المنازل؛ وتحطيمها؛ وهذا يعني تلاحم رؤية القصيدة والرؤية في مجرى دلائلي واحد؛ هو رفض المحتل بشتى وجوهه وأشكاله؛ رفض الحاكم للمحكوم والراكب للمركوب والظالم للمظلوم، والقاهر للمقهور؛ وهو بذلك يعلن احتجاجه ورؤيته الوجودية بعمق وإيحاء وشعرية؛ ومن أبرز المرتكزات الرؤيوية في القصيدة ما يلي:

البحث عن الذات والهوية والذكرى والوجود:

أول ما تبحثه القصيدة في جوها الرؤيوي الكشف عن الذات والهوية والذكرى والوجود؛ فالشاعر يعي أن المنفي أو المغترب في بحث دائب عن وجوده وهويته وكيانه الذى تلاشى أو يكاد في جو الغربة والحرقة المريرة؛ والشاعر أعلناها منذ البدء أنه يبحث عن ذكرى تربطه بماضيه بوجوده ببيته ؛وبأحاسيسه المفعمة إلى تلك الأيام التي قضاها في ربوع وطنه؛ وذكرياته المشرقة ؛ وهنا يسترجع لحظاته المريرة وحالة الارتباك التي كان عليها قبل المغادرة والرحيل؛ إذ يقول:
"ظلَّ يدفَعُ عنه مخاوِفَهُ.. بالتذكُّرِ
ماذا تَبَقّى له؟
والبلادُ تُفارِقهُ.. وسيرحلُ بعدَ قليلٍ..
إلى أين؟
. . . . . .
. . . . . ."(69).

إن الإحساس بالمفارقة أكثر ما يجرح الذات في عالمها الوجودي؛ خاصة عندما تتعرض لما يهدد وجودها وكيانها بالمطلق؛ وهنا، أعلن الشاعر الرحيل ؛ وانفتحت أمامه السبل المفضية إلى ذلك؛وانفتحت كل الرؤى والاحتمالات المروعة بشكلها النقطي الفراغي المفتوح؛ وهذا ما عبر عنه بتراكم المد الفراغي بعد سؤاله المتعدد الاتجاهات والمفتوح على كل الاحتمالات : إلى أين؟.................." ؛وهذا السؤال يفتحه على سلسلة أعمال إجرامية إباحية كثيرة؛ كما في قوله:
"توقظهُ رشقةٌ من رصاصٍ..
يرى كلَّ ما كانَ في بيته..
قبلَ أن يدخل الجنودُ إليهِ..
على غيرِ ما كانَ
إذْ لمْ يَجِدْ ساعة الجدار التي طالما شاركَتْهُ الليالي..
إلى الفجرِ
لا صورة المتنبّي.. التي رافقته من زمن القرنفل البابليِّ
إلى اللحظة الأخيرةِ..
هذا الحُطامُ الذي يملأُ الأرضَ"(70).

هنا؛ يصور الشاعر ممارسات المحتل البشعة أو المروعة من إطلاق رصاص وترويع الأهالي؛ وتدمير أثاث المنازل؛ ونهبها وإشاعة الخراب والدمار فيها؛ فكما فعل الاحتلال الألماني في الشعب الفرنسي وسلطته النازية المحتلة فعل الجيش الأمريكي في العراق؛ مع ممارسات أشدّ وحشية وظلماً وانتهاكاً،خاصة منزل الشاعر الذي انتهكوا فيه حرمته ونهبوا أشياءه؛ وقلبوا أثاث منزله رأساً على عقب؛ حتى ملأ حطام منزله الأرض؛ وهذا ما جسده في قوله:
"كان فضاءُ القصيدةِ
تُقبِلُ من كوكبٍ بعيدٍ .. إليهْ
تُغافِلُهُ
ثمَّ تدنو مُشاكِسَةً .. لتُريه مفاتِنها
تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..
وتتركُ جمرتَها في يديهْ
. . . . . .
. . . . . ."(71).

هنا؛ يحاول الشاعر أن يرسم الأثر المقاوم لقصيدته؛ فكما يقاوم الشيخ وابنته الضابط النازي بالصمت احتجاجاُ على الاحتلال يقاوم هو بقصيدته الصامتة المحتل معلناً احتجاجه الصامت ؛ وثورته العميقة؛ وهنا؛ ترك مدها الاحتجاجي والثوري المقاوم بهذا الفراغ من المد النقطي المتتابع إلى مالا نهاية؛ وكأن احتجاجه أبدياُ لا ينتهي.
دمج الحدث الروائي بالحدث الشعري:
تعتمد القصيدة في تحفيز رؤيتها على دمج الحدث الروائي بالحدث الشعري؛ بإسقاط الحدث الروائي على الحدث الشعري؛ والحدث الشعري على الحدث الروائي؛ وكأن المشهد الذي حدث في الرواية هو نفسه في الحدث الشعري؛ وبهذه المفاعلة بين الحدثين أو الواقعين؛ عضَّد الشاعر رؤيته وجسد موقفه الاحتجاجي الصارخ؛ كما في قوله:
"قبلَ أنْ تبدأ القصيدةُ.. طقسَ الحِدادِ
رأى الضابطَ الأمريكيَّ .. مُرتبِكاً
ضائعاً في تضاريسها..
مثلما ضاعَ في ما يرى..
رجلٌ غائبٌ وظلالُ ابنةٍ غائبهْ
رجلٌ واحدٌ..تتدافعُ في ذهنهِ صورٌ شاحِبهْ
لماذا يجيءُ إلى بيته الضابطُ الأمريكيُّ ؟!
ماذا جرى..
ليرى أصابعَ العريفِ الملوَّنِ..
تعبثُ بالمُعجَمِ العربيِّ؟!
يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ
وماضمَّتْ المكتبهْ
من فرائدَ.."(72).

إن الشاعر يجسد رؤاه الاحتجاجية الصارخة إثر الممارسات الإجرامية المنتهكة لمكتبته؛ وحديقة منزله؛ وكأن ما حدث له من أحداث يستجمعها في هذه البؤرة النصية من الاحتراق على أشيائه الثمنية التي لا تقدر بثمن؛فالمكتبة بالنسبة للأديب؛هي أهم ما يمتلك؛من معالم الوجود؛ وما أقسى حرقة الأديب على مخطوطاته وكتبه التي مُزِّقت، وأوراقه التي بعثرتها أصابع الطغاة؛ ولم يبقَ منها إلا الرماد؛وهذا يدل على مضاضة الحرقة وشدة الألم التي يعانيها؛ وقوة تأثير الحدث وتأزمه الشعري؛ كما في قوله:
"هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..
عداءٌ قديمْ؟
لماذا تَخَيَّرَ تاريخَه واستباحَ الفصولْ ؟
لوحةٌ من سمرقّند .. حيث المدينة حشدُ قَبابْ
وأخرى..
عجوزٌ يدبُّ على الثلج من أصفهانْ
كلُّ ماكانَ في البيتِ.. غطّى شذاه الدخانْ
. . . . . .
. . . . . ."(73).

إن الشاعر ما يزال يذكر الانتهاكات الظالمة لأثاث منزله؛ والحرقة المريرة التي تعتصر قلبه؛ من جراء فداحة الحدث المأساوي؛ فقد طالت النيران مكتبته، وكتبه، وقصائده ،وأوراقه ومسودات ذكرياته؛ وغطى الدخان كل أثاث منزله وبقاياه؛ إن الشاعر يرصد واقعه من خلال جو الرواية؛والمقارنة بين واقع القصيدة والحدث الروائي؛وقد استعان الشاعر بالعلامات البصرية من خلال المد النقطي المتتابع؛تأكيداً على تصاعد الدخان المتتابع بصرياً؛لرصد المشهد المؤلم بكل فظاظته بصرياً وشعورياً؛ومن أجل ذلك عمد إلى تكثيف الفراغات والنقط؛ لتحفيز رؤية القصيدة وتعميق المشهد الشعري.
الديالوج أو المونولوج الداخلي والارتداد إلى الذات:
تعتمد القصيدة في تفعيل الحدث الشعري على محاكاة الذات كشيء من الارتداد أو الحوار البوحي من الذات إلى الذات؛ كنوع من المونولوج الداخلي؛ والاصطراع الوجودي؛ وتكريس مشاعر الرفض والاحتجاج؛ وما تراكم الأسئلة المدببة إلا دلالة على الاحتدام، والقلق، والوجاعة والإحساس بمضاضة الاحتلال؛ وما يجره من ويلات للشعوب المستضعفة المحتلة؛ وهذا ما يعكسه قوله:
"كأنَّ الذي كانَ.. كلّ الذي كانَ..
صارَ سؤالاً..
أما زلتَ بعد الذي كان.. كلّ الذي كانَ..
تَزعمٌ إنَّ الجمالَ
يرفعُ راياته في مواجهة القوّة الغاشمه ْ؟!
منذُ سقراط والفلسفهْ
تَتَخَيَّلُ فردوسها.. وتُسَيِّجُهُ بالملاحم والشعر والمعرفهْ
وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!
فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ
. . . . . .
. . . . . ."(74).

هنا؛ يتساءل الشاعر عن المعمعة الوجودية مؤكداً أن الحروب غالباً ما تمحو تاريخ الحضارات؛ وتقضي على الفكر، والفلسفة، والمعرفة؛ وهنا، يأتي تساؤله الاحتجاجي المؤلم:" أما زلتَ بعد الذي كان.. كلّ الذي كانَ/ تَزعمٌ إنَّ الجمالَ يرفعُ راياته في مواجهة القوّة الغاشمه ْ؟!"؛ويتابع قائلاً مقولته الصادحة: أن الغزاة يدمرون الحضارات كما تدمر العاصفة الآثار؛ وتمحو معالم الحضارات كما تذروا الرمال وتجرفها؛ وهو- بهذا التشبيه التمثيلي- يثير الرؤية الاحتجاجية من العمق بعد إتباعها بالمد النقطي؛ تدليلاً على الخراب المستمر الذي تولده العواصف؛في كل مكان تحل به أو تضربه.
توظيف الشخصية الروائية محوراً رؤيوياً مرتكزاً للحدث والرؤية الشعرية:
يعمد الشاعر إلى توظيف شخصيته الروائية(ورنرفون) وهو الجندي الألماني الذي دارت حوله رواية(صمت البحر) بوصفها محوراً رؤيوياً في تكثيف الرؤية الاحتجاجية؛ إذ يقول:
"بينَ صحوٍ وغيبوبةٍ..
جاءَ – ورنر فون – من صفحاتٍ مُمَزَّقَةٍ
وطروسٍ مُحَرَّقَةٍ..
وأناشيد َ بيضْ
هادئاً ونحيلاً
وغابَ العريفُ الملوَّنُ والضابطُ الأمريكيُّ
كأنَّ الرُكامَ الذي كان بيتاً جميلاً..
يعودُ إلى البيتِ"(75).

إن الشاعر يدمج شخصية (ونر فون) بواقعه ؛ ويربط ما حدث له في العراق بما فعله هذا الضابط بالبيت الذي سكنه؛ كلاهما محتل؛ لكن الأول يختلف بوحشيته عن الآخر؛ فالجندي الأمريكي مجرم منتهك لكل الحرمات والمبادئ والأعراف والحقوق والواجبات؛ في حين أن الجندي النازي كان مثقفاً فهو لم يدمر ولم يخرب ولم ينتهك حق الأب وابنته كما فعل المحتل بمنزله وأثاث بيته؛ ومكتبته؛ وكتبه، ومخطوطاته؛ لقد صور بطله الروائي بصور رائعة هادئة لا تدل على الخراب والإجرام والانتهاك الصارخ كما فعل الجنود الأمريكان في المنازل والبيوت العراقية.
وهنا؛ يصور المشهد العراقي بكل دمويته متناسياً بطله؛ معلناً واقعه وإحساسه الوجودي،كما في قوله:
يستقبلُ الهادئ النحيلَ الذي فاجأته الدماءْ
أيّها الهادئ النحيلُ.. كيفَ وصلتَ؟!
وكيفَ ارتضى صاحباكَ.. باخ وموزارتْ ..
أَنْ يشهدا ما شهِدتَ ؟
يَمُدُّ الرصاصُ مخالبهُ في النشيد الألهي..
أو في المقامِ العراقيِّ..
في ما تُغَنّي النساءُ .. لأطفالهنَّ
وينزلُ سيلُ دمٍ من ربابي
تغصُّ به صفحاتُ كتابي
. . . . . .
. . . . . ."(76).

إن القارئ يلحظ التوظيف الفاعل لشخصية الضابط مع(باخ)و(موزارت)؛ ويؤكد شجاعة(ونرفون) في اتخاذ القرار والرحيل عن الحكم النازي؛وهنا، دمج واقعه الشعوري المؤلم وما حدث للعراق من قتل الأبرياء وإراقة دماء؛وواقع الرواية مع الفارق في حجم الدمار والوحشية عند كل منهما؛ وقد عبر الشاعر بالمد النقطي للتدليل على الحرقة المريرة والتيار الإجرامي المتتابع الذي يكشف عن ممارسات المحتل الدموية وفظاظتها المؤلمة على قلبه وروحه.
وهنا يختتم الشاعر قصيدته ببريق الأمل المعتاد؛ بأنه سيعود إلى العراق؛ ويمسح عن قصائده الشظايا والدماء:
"بين صحوٍ وغيبوبةٍ.. جاءَ
الفضاءُ الرماديُّ أغلقَ باب الصباحِ..
من أينَ جاءَ؟
الطريق إليه يَمُرُّ قريباً من الشجرِ المستباحِ..
من اينَ جاءَ ؟
رآهُ.. يُجَمِّعُ أوراقَهُ
ويمسحُ عنها الدماءْ"(77).

وهكذا، تطرح القصيدة رؤيتها بجسارة رؤيوية ودلالة عميقة من خلال ربط الحدث الروائي بالحدث الشعري، ليقول الشاعر كلمته الأخيرة: وهي أنه سيعود إلى العراق يوماً ما ؛ ويمسح عن قصائده الخراب والدمار؛ وما صمته الطويل إلا الصمت الاحتجاجي الذي أقدمت عليه الفتاة وأبيها ؛ وفي النهاية حققا ما أرادا؛ وهو يستقي منها الاحتجاج والمقاومة بحبر القصيدة ومدادها المقاوم لا بحبر الدموع والتباكي والاستسلام للمصير المؤلم.

بلاغة الرؤية الشعرية/ أوكلمة القصيدة الأخيرة:

إن بلاغة الرؤية الشعرية-في قصيدة (صمت البحر ثانية)- لحميد سعيد تأسست على الوعي الثوري/ والرؤية الاحتجاجية الرافضة لكل مظاهر القتل والدمار لما حاق بالعراق؛ وهو بهذا الوعي الرؤيوي والدمج بين الواقعين أو الرؤيتين يعزز الموقف الاحتجاجي الرافض؛ ويثير الرؤية من العمق.وما توظيف رواية(صمت البحر) إلا لتعزيز الموقف الشعوري المحتدم. وتأكيد احتجاجه الصريح/والرافض لكل مظاهر القتل وإراقة الدماء.
الثاني عشر:البعد الرؤيوي لقصيدة(سيدي حامد بن الأيّل يبحث عن دون كيخوتيه):
تقدم قصيدة(سيدي حامد بن الأيل يبحث عن دون كيخوتيه)نفسها كواحدة من القصائد المؤثرة التي تناولت شخصية(دون كيخوتيه) بطل الرواية التي سميت باسمه؛ للروائي الإسباني سرفانتس؛ وتعد:"دون كيخوتيه ، واحدة من أهم الروايات في تاريخ الرواية، وعدها مؤرخو الفن الروائي ، فاتحة الرواية الحديثة في العالم ورائدتها، وبطلها دون كيخوتيه المهووس بكتب الفروسية ، والذي عاش مغامرة أن يكون فارسا ، بعد أن انتهى عصر الفروسية وتقاليدها ومتمماتها ، الخادم المرافق والمعشوقة ، وكان لدون كيخوتيه خادمه المرافق ومعشوقته المتخيلة
وينسب –سرفانتس- أحداث روايته إلى رجل من الموريسكيين اسمه سيدي حامد بن الأيل، ومازالت هذه الرواية تحظى باهتمام متواصل من قبل النقاد والباحثين ومؤرخي الأدب" (78).

وتحكي رواية(دون كيخوته) باختصار حكاية رجل مولع بالفروسية والقصص القديمة بمحاربة الشر والفساد وإرساء دعائم الخير ونشر الفضيلة؛ ارتدى خوذة قديمة ودرعاً حديدياً صلداً وسيفاً قديماً أكله الصدأ وامتطى حصانه؛ وهو في الطريق أدرك أن الفارس المحارب يحتاج إلى تابع ؛ وهذا التابع يكون مساعداً له؛ في نيل الغنائم ؛ أو تقديم المؤونة له من طعام وشراب؛ وهو في الطريق التقى مزارعاً أغراره(دون كيخوته) بالغنائم والمكاسب فرافقه راكباً حماره الهزيل؛ وهو ثقيل الجسم قصير؛ ودون كيخوته رجل طويل الجسم نحيف جداً؛ وهذه المفارقة المضحكة بين الاثنين ؛ وهو في الطريق يلتقون بطاحونة تدور بأذرع تعتمد على حركة الهواء ظن المحارب أنها أذرع شياطين شريرة ركب حصانه وهاجم طاحونة الهواء فرمته أرضاً وكرر مراراً، وفي كل مرارة ترميه أرضاً أدراك أن قوة شيطانية خفية تغلبه؛ وفي الطريق شاهد غباراً وحركة أقدام كثيرة ظن أن جيشاً عرمرماً من جنود الأعداء تهاجمه؛ فأسرع لمحاربتهم ؛ وإذ بقطيع من الأغنام قد قتل عدداً منها لكنه سرعان ما تقاذفته حجارة الرعاة وعصيهم حتى بطحته أرضاً وأدمت خوذته وقدميه؛وأدرك أخيراً أن قوى شريرة تغالبه؛وتقف في مواجهته لهذا ينهزم في جل معاركه؛وفي نهاية القصة يفشل هذا المحارب في تحقيق أي مكسب؛ يعود الاثنان خالي الوفاض إلا من الحسرة والندامة؛ إذاً الرواية تمثل صراعاً بين الواقع /والمثال، والخير/والشر، والظلم/والعدل؛والموت/والحياة؛ وهذه الرواية هي من أشهر الروايات العالمية؛ التي تواجهه المتناقضات؛ وتحقق المفارقات والمواقف الهزلية الساخرة.
القصيدة هي تمثُّلٌ لشخصية(دون كيخوته) في أحداثها ومشاهدها ورؤاها؛ لكن بمنظورات جديدة ورؤى متجددة؛ ومن أبرز الفواعل الرؤيوية المحركة لرؤى القصيدة نأخذ مايلي:

1- الحوار البوحي والمكاشفة الرؤيوية للموقف الشعري:

إن من مغريات القصيدة المزاوجة بين الإيقاع السردي/ والإيقاع الحواري؛ وقد أفضى الجانب الحواري إلى الكثير من الرؤى والدلالات المحتدمة التي تقتنص الحدث الروائي بإيقاع شعري بين أو جلي في دلالاته؛ كما في قوله:
ظهيرةٌ قائظةٌ"
وكان صاحبي يقول لي.. وصلْنا
وهنا سنلتقي بالفارس الحزينِ..
هذه قريتهُ..
وتلكَ حيثُ انعطفَ النهرُ.. طواحينُ الهواءِ
قُلتُ..
ذلكَ الذي يخبُّ الفرس الأعجفَ.. دون كيخوتيهْ
أُناديهِ..
فغابَ في اشتباك الغابْ
هلْ أنكرني؟
أنا الذي جئتُ به إلى هذي البلاد.. من أسطورة بيضاءْ
في هذه الأمداءْ"(79).
إن القارئ يستحضر البدايات أو الاستهلالات الجاهلية بالإفضاء إلى الخل الوفي أو الصاحب؛ أو الرفيق؛ وتوجيه الخطاب إليه ليكون مرساله إلى المحبوبة أو رفيقه في مغامرته ورحلته في غياهب الصحراءورحلات الصيد؛وهنا؛ الحديث اتجه بكامله صوب القصة أو الحدث الروائي؛ والشخصيات المحورية في الرواية(دون كيخوتيه) وفرسه الأعجف؛ بمحاورة تساؤلية قائلاً: هل أنكرني الخل الوفي وأنكرني(دون كيخوتيه)؛ وهو الذي أعاده إلى هذا الوجود؛ بفروسيته القديمة ومغامراته المتخيلة المأزومة؛ وهنا؛ يناور الشاعر بين إيقاعي [السرد/ والحوار]، ليخلق هذه المكاشفة بين واقعه الاغترابي وواقع الشخصية الروائي المثالي أو المتخيل:
تبدو قلاعُ الأمسِ.. حيثُ كانَ..
مُدُناً مهجورةً
تأوي إلى أحراشها الذئابْ
لا الفنادق التي غزاها.. فتحت أبوابها لنا
ولم نجد من كان في انتظارنا من الأصحابْ
. . . . . .
. . . . . ."(80).

هنا؛ يخلق الشاعر المزاوجة بين واقع الشخصية الروائية؛ وواقعه الاغترابي؛ فالذئاب هم أعداء الشاعر من المغرضين والظلمة والمحتلين؛ فالفارس الشجاع المثالي(دون كيخوتيه) لا يستطيع أن يغيره واقعه . فكيف يغير واقعنا؟! ؛ ولهذا، فقد الأصحاب وضيعهم في ليالي اغترابه وأساه الوجودي المرير؛وقد دلَّ على حرقة الفقد والضياع بهذا المد البصري المحسوب بدقة ليشير إلى أن فراقهم تركه في حسرة مريرة وألم مستمر إلى مالا نهاية؛ ويتابع الشاعر هذه المزاوجة بين إيقاع السرد والمحاورة لتغيب المحاورة ولو جزئياً؛ وتطغى لغة السرد الوصفي الإخباري على واقعه ووجوده المأزوم؛ كما في قوله:
"من ظلال غابة الفلّينْ
بانتظار امرأةٍ تسألُه الدفاع َ عنها..
منْ تَعَثُّر السهوبِ بالذي تبقّى من خيالٍ صاخبٍ..
ومنْ أكاذيب الرواةِ..
جاءَ
ضامِراً مُنكَسراً.. وحيداً
ليقولَ لي..
خَرَجتُ عارياً..
إذْ خطفَ اللصوصُ فَرَسي..وكسروا الرمحَ..
وباعوا السيفَ والترسَ.. بدرهمينْ"(81).

إن الشاعر يحكي قصة(دون كيخوتيه) المخذول المهزوم الذي خسر كل شيء؛ولم يعد يستطيع الاستحواذ والحفاظ على أشيائه التي سلبت منه ؟ فكيف يغزو بالأوهام وينتصر؟!؛ لقد فقد هذا المحارب الموهوم ترسه، وفرسه، ورمحه؛ بعد ما سلبوا منه اللصوص جل ما يملك ؛ لقد أصبح عاجزاً عن الدفاع عن ممتلكاته فكيف ينشر العدل والفضائل؛ وكيف يحقق الانتصار إذا فقد حتى أدواته وأسلحته وتجرد من قوته الموهومة؛ ويتابع الشاعر مجريات الربط بين الواقع؛ والمتخيل كاشفا عن نوازع رؤيوية ونفسية عديدة؛ كما في قوله:
" سانشو بنثا".. حامل الأسلحةِ الظريفِ صار السيّد المُطاعْ
تخدمهُ قبائلٌ من الرعاعْ
وها أنا.. أَضربُ في المتاهةِ..
انتظرتُ أن تجيئني بما يُعيدُني.. إلى ما كانَ بيننا..
من كَذِبٍ طفلٍ ومن تواطؤٍ جميلْ
. . . . . .
. . . . . ."(82).

هنا؛تكمن المفارقة بين الرواية وواقع القصيدة ؛ فالمرافق مع (دون كيخوتيه) أو التابع له غدا السيد المطاع؛ وهذا دليل انحدار القيم والمثل إلى الحضيض؛ لقد تواطأ الكل عليه ؛ وانهارت القيم والمثل العليا؛ وفقد الفارس مكانته كما فقد الشاعر أحلامه وممتلكاته وأشيائه في العراق من بيت ومكتبة وحديقة والمكانة السامقة والمنصب الجميل؛والعالم الإبداعي والروحي الخصيب؛ وهذه المفارقة الوجودية الأليمة التي تعلي الوضيع وتحط من شان العزيز؛وعلى هذا النحو من المفارقة يتابع الشاعر معاناته وإحساسه المأزوم بمزاوجة هادفة بين الإيقاع الروائي/ والمناخ الشعري؛ كما في قوله:
"أراكَ راجلاً..
فهل تخلىّ عنكَ " روثينانتا" سابق الأفراس؟
وهلْ هَجرتَ " دولثينا" التي بأمرها قاتلتَ..
وبأمرها..فارقتَ ما ألفتَ من حياة الناس ؟!
يقولُ لي..
أكادُ أنسى كلَّ ما أوهمتني به..
وما عَلَّمتني.. وما أشعتَ عنّي..
لمْ أَعُدْ وحدي كما كنتُ..
قرأتُ في كتابٍ استعرتهُ من حارس الغابةِ..
إن " دون كيخوتيه".. دخل التاريخَ من جميع أبواب العصور..
ويُقيمُ الآنَ في الأكواخ والقصورِ
لمْ أَعُدْ وحدي كما كنتُ..
وإن الرؤساء والملوك والأعيانْ
تعلموا .. الذي علّمتني..
وأسرجوا الخيولَ.. قاتلوا طواحين الهواء..
في الأحلامْ
وبعدَ كلِّ مالقيتَ..
هل تراني مُخطئاً في ما فعلتُ؟!
لمْ أَكُنْ أقصدُ أن تكونَ..في ماكنتَ فيه..
بلْ حاولتُ..أن أكشفَ ما في الروح من أسىً..
وفي العالَمِ من شرورْ
في مُدُنٍ تُقيمُ في الديجورْ
لأفتح الأبوابْ
لنجمةٍ ضائعةٍ تبحثُ عن مدارْ
لضحكةٍ حييَّةٍ..
أوقفها المدججون بالعصاب خلفَ هذه الأسوارْ
. . . . . .
. . . . . ."(83).

إن الشاعر أراد أن يدمج واقعه بواقع شخصيته المحاربة(دون كيخوتيه) ؛ كاشفاً من خلال هذه المحاورة عن رؤى عميقة؛ فالفارس المحارب حاول أن يبني مجده من خلال رغبته المثالية في إحلال السلام والأمان؛ والعدل والمحبة لكن جميع المدن التي حاول فتحها مدمنة للشرور والرذيلة ضد المثل والأخلاق والفضيلة؛فهو حاول أن يزرع في تلك المدن ضحكة حيية وبسمة مزهرة بالزغاريد والأحلام ؛ لكنه تفاجأ بعصابات الدمار التي تدمر التاريخ، والوجود، والحضارة، والآثار؛ إنه لم يُحَصِّل إلا الأشواك والرماد؛ وقد اعتمد المد النقطي الفراغي للدلالة على إدمان تلك المدن لبؤر الفساد والرذيلة حتى يستحيل اجتثاثها أو حتى الخلاص منها.
2-قلب الرؤى وإثارة المواقف الهزلية والتلاعب بالدور المنوط بالشخصية:
إن أبرز مثيرات القصيدة إثارة المواقف الهزلية بعدما فقدت الشخصية دورها التغييري؛ وموقفها الرافض؛ وخسرت كل قواها، وأصبحت خالية من القوة والمواجهة، بل أصبحت شخصية هزلية مضحكة في السيرك تثير الضحك بمواقفها الساخرة الهزلية؛ كما في قوله:
"نُؤجِّلُ الحديثَ عن كلِّ الذي مضى..
ونطوي صفحةَ العِتابْ
ونبدأُ الروايةَ الأخرى..
التي يكونُ فيها" دون كيخوتيه" مصرفيّاً حاذقاً
أو سارقاً..
و" سانشو بنثا" راقصاً في علب الليلِ
وبهلواناً في عروض السيركْ
. . . . . .
. . . . . ."(84).

لقد تلاعب الشاعر في تحريك القوى، والرؤى،في شخصيته الأسطورية؛ف(دون كيخوتيه) غدا مصرفياً حاذقاً؛ أو سارقاً محترفاً؛ لقد غيّرَ عالمه المثالي؛ ليدخل عالم الواقع المرير القائم على الفساد؛ وهذا التحوير في الشخصية يكسبها بعداً جديداً؛ ويمنحها قوى رؤيوية جديدة تكون بمثابة محركات بؤرية للموقف الشعري الاحتجاجي الرافض؛ وهنا تأتي النهاية متواشجة مع البداية في تحريك رؤاه الاغترابية في شخصيته الروائية وواقعه المأزوم ؛ كما في قوله:
هلْ تصحبُنا إلى بلادٍ .. كلُّ من عرفت فيها..
بانتظار أنْ يراكَ؟
أيّهذا الرجل ُالمُعتزلُ البعيدُ عن كلِّ الذي كانَ..
وعن كل الذي يكونْ
لو كنّا معاً هناكَ..
لوكنّا معاً..
لوْ.."(85).

هنا؛ يقوم الشاعر بتكريس الرؤى الاغترابية بالاعتزال ؛وقلقلة الواقع الاغترابي المرير عبر الصدى الشعوري المتكرر والحسرة المريرة المتقطعة والأماني الممزقة(لو كنّا معاً هناكَ..لو كنّا معاً..لوْ..)؛وكأن حسرة الشاعر المريرة لن تنقطع لو نكون هناك أنا في عراقي وأنت في عالمك ومثلك ومملكتك المثالية وعالمك الروحي الفضائلي المطلق.

بلاغة الرؤية الشعرية / أو كلمة القصيدة الأخيرة:
تسعى هذه القصيدة إلى تحقيق بلاغتها الرؤيوية ومنظورها الرؤيوي الدقيق ؛ وهو أن (دون كيخوتيه) المثالي لم يستطع أن يواجه نيران الرذيلة وخيوطها المتشابكة بمثاليته لابد من الواقعية لتحقيق الانتصار؛ فالمثالية وحدها لا تحقق البطولات ولا الانتصارات ولا تصنع الأمجاد؛ ما يصنعها المواجهة والقوة والإرادة العملية والتصميم، لا التمني والحسرة والأحلام؛ إن الشاعر حاول أن يتلاعب بشخصية(دون كيخوتيه) بما يلاءم وواقع الرؤية الشعرية وإحساسه الداخلي؛ وكأن الشاعر أراد أن يؤكد نظرته الواقعية بنوع من الحسرة والأسى والاحتراق والأمنيات المتقطعة بالعودة إلى العراق؛ وعالمه الروحي الذي انفصل عنه مرغماً؛ واقتلع من جذوره الوجودية اقتلاعاً مريراً ما يزال أثره في روحه إلى مالا نهاية.

الثالث عشر- البعد الرؤيوي لقصيدة(الإخوة كرامازوف):

إن لكل قصيدة بعدها الرؤيوي ومسارها الفني وأسلوبها التحفيزي؛ ولهذا؛"تعد الأخوة كرامازوف قمة أعمال(ديستوفسكي)، وقد أمضى ما يقارب عامين في كتابتها، ونشرت فصولها الأولى في مجلة – الرسول الروسي – وتم إنجازها في تشرين الثاني من عام 1879 ، وعالجت الروابط العائلية وتربية الأبناء والعلاقة بين الدولة والكنيسة، كما تناولت موضوعات الخير والشر والعدالة السماوية والخلود والحرية.
المحور المهم فيها هو اندلاع صراع مرير بين الأب –فيودوركارامازوف– وابنه البكر – ديمتري – بسبب علاقتهما بامرأة –كراشونيكا- وعمرها 22 عاما ، وكانت على علاقة جنسية بالوالد والولد .
الأب يهدد الإبن بالقتل إذا اقترب من خليلته ، والابن لايرعوي بحجة الدفاع عن حبه ، ويطلع على هذا الصراع خادم الأب، - سادا راكوف– ويقال أنه لقيط وابن غير شرهي للأب، ويقدم يوما على قتل الأب ويتهم الابن – ديمتري - بقتل والده، وتستمر الأحداث وجلسات المحكمة لتنتهي الرواية بالحكم على ديمتري بالأعمال الشاقة لمدة عشرين سنة في سيبريا.
وتضيع العائلة بموت جميع أفرادها ، ويدفن القاتل الحقيقة معه"(86) .
وبتدقيقنا في المحاور الرؤيوية التي تحكمها القصيدة نلحظ ما يلي:

1-القص السردي/والبث الشعري:
تعد قصيدة(الإخوة كارمازوف)من القصائد البوحية التي تشي بطابعها السردي الوصفي؛ وموحياتها المؤثرة؛كما في قوله:
"هي أقدارُنا..
وكأنَّ الرئيَّ السُلافيَّ أنبأنا بالذي سيكون لنا..
أُمماً وأناساً
فكُنّا .. كما كانَ أولئكَ الضائعونَ..
في ما أُعِدَّ لهمْ من مصائرَ مُربِكَةٍ..
ليسَ هذا الذي نحنُ فيهِ
غير الذي كان فيه آل كرامازوف..
من فِتَنٍ
الأشقّاءُ يقتتلون..
ويصطرِعُ الأبُ والإبنُ من أجلِ ... !!
هلْ كانت امرأةً أم خرابا ؟
وفي لحظةٍ تتقاطعُ فيها الوعودُ
كلُّ ابن أنثى يُقيمُ لهُ وطناً
ويكونُ إذا شاءَ سَيِّدَهُ المُتَفَرِّدَ
ثُمَّ يكونُ إلاها
. . . . . .
. . . . . ."(87).
إن الشاعر يطرح من خلال هذه الرواية بعداً من أبعاد الاصطراع الوجودي الدائر بين الأقارب؛ ويعكس من خلال اصطراع الأخوة(كارامازوف)الصراع العربي بين الأشقاء الذين تحالفوا مع الأمريكان على أشقائهم العراقيين؛ وكانوا أداة دمار معهم بدلاً من أن يكونوا سياج حماية لهم؛ وهنا يؤكد قائلاً وكأن مصيرنا نحن العرب إلى الدمار، والتشرد ،والخراب لا نعي مصائرنا نتصارع كأخوة(كارمازوف) الأب يصطرع مع الابن ؛ ويذهب الجميع الضحية؛ وهكذا حالنا نحن البلدان العربية.
والملاحظ أن الشاعر يستمر في تكريس البعد الدموي لشخصية روايته؛ مكرساً أبعاد هذه الرؤية الاصطراعية؛كما في قوله:
في خريف العلاقةِ العائليَّةِ أو في خريف البلادْ
أَبٌ فاجِرٌ.. وثلاثةُ أبناءْ
الأبيقوريُ والمتعالمُ والمتصوِّفُ
كُلٌ له حُلُمٌ يتآكلُ في عالمٍ عَطِنٍ..
مثل تُفّاحةٍ فاسدهْ"(88).

إن الشاعر يستحضر جو الرواية؛ وشخصياتها مشيراً إلى شخصيات الرواية(الأخوةكارمازوف) من خلال رموزهم(الأبيقوري، والمتعالم، والمتصوف)؛ كل واحد من هؤلاء الأخوة له وجهته؛ ومنظوره؛ وتصرفاته؛ وتطلعاته وممارساته الخاصة به ؛ تجمعهم العدائية والاصطراع على أنثى واحدة تعاشرهم جميعاً تعاشر الأب والابن ؛ ويدرك الأب علاقة الابن بولده فتنشب اصطراعات حادة بين الأبناء تنتهي بقتل الابن اللا شرعي الأب ؛ وهنا تكمن عقدة الرواية وجوهر الحبكة الروائية ونقطة الاصطراع؛ التي تعبر عن جوهر الاحتدام والأزمة الروائية؛ ويتابع الشاعر ربط أحداث الرواية بواقعه وانتمائه. يقول الشاعر:
"لُغَةٌ باردهْ
ونصوصٌ تَساقَطُ منها الفواصلُ.. تدخلُ في بعضها..
طَيِّبون ؟
نعمْ ..
أَربَكتهم طقوسُ الكتابةِ .. تلكَ التي..!!
مَنْ سَيقرأُ هذا الهراء ؟
ومَن سَيُعيدُ الصبا للمياه.. إذا شاخت الأسئلهْ ؟!
ومن سيُجيبُكَ عمّا جهلتَ..
إذا شاركتْكَ فراشكَ طيلةَ ليل شتاءِ طويلْ
خاطرةٌ عارضهْ
فكرَةٌ غامضهْ
نَزَلَتْ في ديار آل كرامازوف ..
وانتشرتْ في فضاءاتها الشاسعهْ
. . . . . .
. . . . . ."(89).

إن الشاعر يتمثل رواية الأخوة(كرامازوف) تمثلاً رؤيوياً فاعلاً محركاً للشعرية؛ وباعثاً لإيحاءاتها ومداليلها كافة؛ فالشاعر يستحضر صورة المرأة اللعوب التي دخلت إلى عائلة(كرامازوف)؛ وهي كالداء الخبيث التي تدخل في الجسد فتنهكه وتبيده؛ وهي دخلت في هذا المنزل ؛لتدمر فيه؛ وتعبث به حدَّ الخراب والدمار؛ وقد ترك الشاعر مداً نقطياً مفتوحاً مشيراً إلى دخولها التام في كل ركن من أركانه؛ مقوضة دعائمه.
ويتابع على هذا النهج من المزاوجة بين إيقاع الرواية ومنتوج القصيدة الرؤيوي والإيحائي كما في قوله:
"أَيُهذا الرئي السلافيُ..
كيفَ جمعتَ في ما رأيتَ .. النقائضَ؟
حيثُ رأيت ..
الوقاحةَ والجُبنَ في رجلٍ واحدٍ..
والبراءة والعُهرَ في امرأةٍ واحدهْ !
ماذا أردتَ من عالَمٍ ..
تأكلُ السرطاناتُ فيه جاراتها السرطانات..
يَسّابَقُ الابنُ والأبُ.. والأخُ و الأخُ ..
نحو فراش سَيِّدَةٍ ساحرهْ !
تتجاوزُ فيه النساءُ أحلامَهُنَّ .. إلى كلِّ من يفتحُ البابَ..
حتّى يُطِلُّ الخرابُ ..
والناسُ.. مُذْ فَرَّقَتْهمْ مصائرُهُمْ
صارَ كلُّ فتى في المدينة .. ينتظرُ اللهَ..
يسعى إلى من يجيء إليه..
وهو في غرفة النومِ .. بالمُعجزهْ"(90).

إن الشاعر يرصد الواقع المتفسخ للمجتمعات الإباحية التي تنعدم عندهم القيم المثالية ليحل بديلاً عنها الأنانية والاصطراع على امرأة واحدة(الأب/ والابن)/(والأخ/ والأخ)؛ وهذا الواقع الاصطراعي المتفسخ هو من قوَّض الألفة في الأسرة ؛وأدخلها في معمعة الاصطراع والأنانية المطلقة؛ولهذا؛ يرجع فساد المدن إلى فساد أفرادها وفساد علاقاتهم الاجتماعية وانحلالها؛ وهذا ما يشير إليه قوله:
وأنّى توجَّهتَ ..
في ما ترى من فضاء المدينةِ..
أو في فضاء الروايةِ..تَصحَبُكَ الثرثرهْ
في الحياةِ أو الموتِ
في الديرِ والحانِ
في ما يقولُ العبيدُ وفي ما يقولُ أسيادُهمْ
كأنَّ البلادَ التي تتهاوى..
كما يتهاوى الجليدُ بعد شتاءٍ ثقيلْ
ليسَ لها غير ما تهبُ الأبجديَّةُ.. مِنْ مأثَرهْ
. . . . . .
. . . . . ."(91).

إن الشاعر يرى أن أسباب انهيار العلاقات يعود إلى المطامع الدنيوية والنظرة المادية إلى الأشياء في ظل اصطراع المتناقضات( الواقع /الخيال)و(الموت/ الحياة)و(الحب/والكراهية)؛و(الخير/الشر)و(الحاكم/والمحكوم)و(المستبد/والمستبَد به)؛ ووفق هذه المنظورات المتناقضة تنهار البلاد؛ وتسطر مأثرتها الوجودية المصطرعة أو المنهارة.
2-الرؤيا التراجيدية/ والكشف الدرامي المحتدم:
تطرح القصيدة في بعدها الرؤيوي الطابع الاصطراعي المحتدم؛ والتراجيديا الدرامية المحتدمة؛وفق رؤى محفزة ومنظورات متغايرة تجمع ببين أطراف الثنائيات التي تبثها القصيدة؛ ولهذا؛ اعتمدت القصيدة الجو الاصطراعي المحتدم بين الثنائيات؛ برغبة عارمة تقودها الرؤية الاحتجاجية الصارخة على الواقع المتفسخ بين العلاقات الاجتماعية التي تطغى فيها حب الأنا أو الذات على حساب الآخر وجوداً وكياناً؛ولهذا عمدت القصيدة بالعزف على هذا الوتر الرؤيوي في التحفيز النصي في الرواية والقصيدة؛في كل مجرياتها وتتابعها النسقي؛كما في قوله:

أَليشا كرامازوفْ
هل هو وعدُ السماءْ ؟
أم هو آخرُ مَنْ حرّرتهُ طفولتُهُ .. من طقوس الرياءْ ؟
يُحاوِلُ أَن يتجنَّب ماكان في الناسِ..
مِنْ غَفْلَةٍ وجفاءْ
كُلُّهمْ يَدَّعون محبَّتهُ .. ويظلُّ وحيدا
ويتبعهم حيث كانوا..ويبقى بعيدا
تَتَجلّى بصيرتُهُ .. فتطِلُّ عليه البلادُ بأسمالها..
وعقابيلِها..
ْ
أيُّ معجزةٍ ستُعيدُ إلى الأرض..
ماكانَ في غدها من بهاء ؟!
. . . . . .
. . . . . ."(92).
هنا؛ يرصد الشاعر المتناقضات؛ ويبعث من خلالها رؤيته الوجودية أو رؤيته العميقة؛ وكأن الشاعر أراد أن يقول: إن رغم كل المصطراعات والمحفزات والقوى المضادة لإرادته لابد أن يصنع غده المشرق ؛ ويعيد إلى العراق زهو ما كان في غدها؛ وهو بذلك لا يتخلى عن نظرته المتفائلة ؛ورغم تساؤله اليائس؛ فإنه لن يتخلى عن أمله بالقادم مهما كانت ضبابة اليأس كثيفة؛ كما في قوله:
أيُّ معجزةٍ ستُعيدُ إلى الأرض..
ماكانَ في غدها من بهاء ؟!"

وفي الختام؛ يرى الشاعر أن أقدارنا هي التي تقودنا إلى حتفنا؛ وتأخذ منا أحلامنا وآمالنا وترمينا في هاوية الدمار والخراب والردى قائلاً:
"هي أقدارُنا..
يُقبِلُ الموتُ مقترناً بالخرابِ .. وبالشكِّ
وهو يُرافِقُنا حيثُ كنّا ..
ويَسْكُنُ أحلامَنا..
إنَّ تعويذةً ورثتها القبيلةُ..
تُبعِدُ عن هذه المدينةِ .. أبناءَها
وتُغَيِّبُهم في سراب فرائضها..
وتَغيبْ"(93).
هكذا،تنتهي الحياة،ويسدل الموت ستاره على الأشياء، وتغيب الأحلام في غياهب الموت والدمار،وترتحل المدينة وتندثر في ركام الدمار والمحو الزمني.
بلاغة الرؤيا الشعرية/ أو كلمة القصيدة الأخيرة:
إن الشاعر يرى في الرواية صورة من صور تناقضاتنا واصطراعاتنا الوجودية؛خاصة أن مركز ثقل الرواية تصوير التراجيديا الدرامية المحتدمة بين الأطراف المتصارعة تجمعهم صلة القرابة كما هو حالنا نحن العرب ؛ الأخ يتصارع مع أخيه؛ وهو بذلك يخلق مزاوجة بين واقع الرواية وواقع الشاعر وموقفه الوجودي؛ وأحاسيسه الرؤيوية المحتدمة؛ وكأن الشاعر أراد أن يقول كلمته الأخيرة أنه رغم كل الصراعات ستعود العراق وستصمد ولن تندثر كباقي الأمم لأنها تخلق من رماد دمارها حضارتها المجيدة.

الرابع عشر: البعد الرؤيوي لقصيدة(قريباً من الليدي شاترلي .. بعيداً عنها):

تستوحي هذه القصيدة رواية (عشيق الليدي شاترلي) لهربرت لورنس؛ وهي رواية"
" تحكي عن علاقة جسدية بين رجل من الطبقة العاملة وامرأة من الطبقة الأرستقراطية، ويقال إن – لورنس – استوحى هذه الرواية من الواقع الاجتماعي الذي عاشه، ومن علاقة حقيقية كانت بين السيدة –أوتلاين موريل – الأرستقراطية وعشيقها البناء –تايغر– الذي دخل قصرها لبناء قاعدة حجرية لأحد التماثيل في الحديقة المنزلية."(94).
ومن تدقيقنا في البؤر النصية في قصيدة(قريباً من الليدي شاترلي.. بعيداً عنها)؛نلحظ تأسسها على البؤرالنصية التالية:
1-شعرية الجسد/ أولغة الأنوثة:
تحتفي القصيدة بالأنوثة/ أو لغة الجسد؛ والشاعر يعبر عن جرأة في استجرار الدلالات والتعبير عنها بصراحة؛ وعمق؛ وإيحاء؛كما قي قوله:
للجمرِ.. في الجَسَدِ المعبّأ بالزوابع والرعودِ ..
خريطَةٌ صمّاءُ مُعتِمَةٌ
سيفتَحُ في خطوط الطول حيناً
أو خطوط العَرضِ .. حيناً آخرَ..
الأبوابَ..
نحوَ فضاءِ فتنتها.. وما اكتنزتْ من الأسرارْ
مَنْ أعطى الرياحَ شراسةَ الإعصارْ"(95).
إن الشاعر يعبِّر عن مشاعر الأنثى في احتراق عاطفي مكثف؛ وشعور إيحائي يشي بمشاعر الأنثى العاطفي؛ وحالة التوق التي تصطهج في نفس الأنثى للذكورة؛بلغة تشي بالجرأة ومصداقية الشعور؛ كما في قوله:
"تِلكَ التستفيقُ على جليدٍ .. يسكنُ الرحمَ البليدَ
رأتْ صباحاً لا حدودَ له
وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً
فَتَهرَعُ كي تراهْ
وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها ..
وفي غَيبوبةٍ بيضاء.. تَشْتَبِكُ الحرائقُ
أيُّ عاصفةٍ من الرغباتِ..
يطلقُ جمْرَها الجسدُ الجميلُ"(96).

هنا؛ يعبر الشاعر عن إحساس(الليدي تشالري) التي جاءت جريئة في مقاربة مشاعرها الداخلية؛ وتعبيرها الجميل الصادق في واقع الرواية بشعرية مقاربة لشعرية الرواية بل تفوقها دقة في وصف الهواجس والنفثات الداخلية؛ كما في
قوله:"أيَّ عاصفةٍ من الرغباتِ..يطلقُ جمْرَها الجسدُ الجميلُ"؛ وهكذا؛ يشعرن الشاعر الجسد الأنثوي بكل ما يفيض به من لغة الأنوثة وفيوضاتها العاطفية وأحاسيسها الداخلية العميقة.
وهكذا يتابع الشاعر فيوضات الجسد وما يصطهج في جسد( الليدي شاترلي)
من رغبات محمومة تفيض بها أنوثتها؛ كما في قوله:
"أكانتْ امرأةَ ؟
يكادُ يَشُكُّ ..
ماهذا الثراء الفضُّ في إيقاعِ ربوَتِها..
وفي النهدين ؟!
كيفَ يكونُ هذا السحرُ في لغةٍ..
تنوءُ بما تُشيرُ إليه منْ فِتَنٍ ..
تقولُ لهُ..
أَنقرأها معاً ؟
ماذا سنقرأُ ؟!إنَّ مُعجَمها تعثَّرَ بارتياب العاشقينْ"(97).
إن هذا الإحساس بمحاكاة الذات الداخلية لدى(الليدي شاترلي)والتعبير عن شبقها الداخلي واصطهاجها إلى الذكورة؛ عبَّر عنه الشاعر بمحاورة داخلية(مرتدة من الذات إلى الذات)؛ ومن الذات إلى الآخر؛ وإن هذه المقاربة الشعورية لفيوضاتها الداخلية عبر عنها بعمق تبعاً لما أسميناه شعرية الجسد؛ وقد عبر عنه بقوة في هذا المشهد:
كيفَ التقاها ؟
عندَ بابِ الفندقِ الجبليِّ .. في .... ؟!
كانت بقبَّعَةٍ وبنطالٍ قصيرٍ
لم يكن يسعى إليها
كان معتزلاً حزيناً..
هلْ تَذَكَّرها ؟
وإذ حلَّ المساءْ
تَخيَّلته كما تشاءْ
وأدخَلَتهُ خريفَ غابتها.. وأمطَرَت السماءْ
وكأنَّ عُريَهُما أعادَ إليهما..ما كانَ بينهما
و" أسدلت الظلامَ على الضياءْ"(98).

إن القارئ يلحظ عمق الرؤية في تمثل شخصية(الليدي شاترلي)؛ والتعبير عن فيوضاتها الشعورية – بعمق وإحساس وشفافية- وكأن الشاعر يصور بعدسة مونتاجية المشهد عن قرب من خلال تتبع ملامح الشخصية بتفاصيلها الجزئية؛ من وصف للمظهر الخارجي(كانت بقبعة وبنطال قصير)؛ والمشاعر التي تفور بالداخل(وكأن عريهما أعاد إليهما ما كان بينهما)؛ وهكذا يؤسس شعرية القصيدة على دقة المشهد الوصفي؛ وعمق مقصديته؛ وبداعة الرصد الداخلي لحركة المشاهد.
2-تصوير المشاهد بتفاصيلها الجزئية/ ولقطاتها المكثفة:
يعمد الشاعر إلى وصف المشاهد بدقة متناهية بكل لقطاتها المكثفة وتفاصيلها الجزئية؛وحراكها الشعوري المكثف، كما في هذه الصور بحراكها الشعوري وتفاصيلها المكثفة؛إذ يقول:"
وبانتظار ثمارها
غطّى ضجيج العُريِّ بالأزهارْ
إنَّ أريجها الليلي يدخلُ في استعارات الكلام
وإذ تحاولُ أن ْ.... ؟!
تفيضُ ضفافُها حُمَماً..
وتحرمُ كلَّ مَنْ في الغابة السوداء..
مِنْ نِعَمِ المَنامْ
. . . . . .
. . . . . ."(99).

هنا،يعبر الشاعر من خلال المشهد عن جزئيات الصورة بكل حراكها الشعوري؛ ونبضها الروحي،وحراكها المفعم بالأحاسيس والمشاعر المحتدمة(تفيض ضفافها حمماً.. وتحرم كل من في الغابة السوداء.. من نعم المنام)؛ وهذا الرصد التفصيلي يزيد قوة استحضار الشخصية والتفاعل معها على شاكلة قوله:
في مهرجان الماءِ.. تنشَأُ مرَّةً أُخرى ويَنْشَاُ
كان يخلقُها
وتخلقهُ
ويرجو أن تكون وأنْ يكونْ
ويغادران معاً .. ويفترِقان ..
لامرأةٍ من البللور كان قد اقتناها..
من مَزادٍ هامشيٍّ في الضواحي
بعضُ ما قد كان فيها
هل ستخرُجُ ذاتَ يومٍ من تَشَكُّلها المُريب ؟!
وهل تكون ؟
وهل يكون ؟
. . . . . .
. . . . . ."(100).

إن القارئ يلحظ من خلال الصورة عمق المشهد/ وبداعة الصور؛ وعمق مردودها المشهدي؛ وكثافة رؤيتها العاطفية وحراكها الشعوري المفعم إحساساً وعاطفة وخيالاً؛ كما في قوله:"
مازالَ حين يمرُّ بالشجرِ المُخاتل .. حيثُ كانا
يَتَخَيّلُ امرأةً.. تَسلَّلُ في الظلام إليهِ..
من مسكٍ وغارْ
شاخت أعاصيرُ البلادِ .. فَرَسٌ ..
تَذَكَّرَ ما تجودُ به عواصفُها..
وماتهبُ الرياحُ
حتى إذا اقتربَ الصباحُ
لمَّت بقايا عطرها السريِّ ..واعتكفَتْ بعيداً..
وانتهى الحُلُمُ المُباحُ"(101).

وهكذا؛ تحقق القصيدة؛ مبتكرها الرؤيوي؛ خاصة في هذه القفلة الشاعرية التي تبثها؛ مسترجعاً ذكرياتها الجميلة،ومستحضراً عمق الشخصية الروائية(الليدي شاترلي)؛ وهكذا؛ احتفت القصيدة بمبتكرها الرؤيوي/ خاصة في هذه القفلة الشعرية المحكمة.
بلاغة الرؤية الشعرية/ أوكلمة القصيدة الأخيرة:
إن القصيدة تطرح رؤيتها بجسارة رؤيوية عبر خصوبة المشاعر وعمق الأحاسيس وكأن الشاعر أراد أن يقول كلمته الأخيرة؛ أنه مهما استبدت الظروف به فإنه سيعود إلى عراقه خصباً معافىً أكثر من ذي قبل؛ وعراقه أشبه بخصوبة وإشراق(الليدي شاترلي)؛ وهو ما زال متمسكاً بخيط الأمل الذي يدفعه إلى التمسك بكل رمز أو دلالة تربطه بالعراق من قريب أو بعيد؛ وهذه القصيدة رغم رموزها ودلالاتها البعيدة جاءت في رؤاها الباطنية مؤكدة التزامه وانتمائه وهويته الوجودية.

الخامس عشر- البعد الرؤيوي لقصيدة(الأخوة الأعداء):

تتمثل قصيدة (الأخوة الأعداء) لحميد سعيد رواية(الأخوة الأعداء)لنيكوسكازنزاكي؛ وهي رواية قيل عنها" إنها رواية عظيمة، قد تفوق روايته – زوربا اليوناني – في بنائها السردي وصراعات أبطالها وما تحيط بهم من تحديات وأحداث؛.وهي رواية مفعمة بتوجهاتها الإنسانية ، حيث الصراع والتضحية ، والحقد والحب أيضاً.إن شخصية –انداروس– في توقها إلى الحرية، والعدالة والإيمان، تكاد تختصر مأساة الإنسان الوجودية في عصرنا المضطرب القاسي."(102).

ويهدف الشاعر حميد سعيد في قصيدته هذه أن يضعنا في أجواء ملحمية اصطراعية أشار إلى هذه الناحية الباحث حمدي مخلف الحديثي:"من المواقف الإنسانية في هذه القصيدة ، تناول مأساة الحرب الأهلية في اليونان، واختلاف الرأي بشأنها بين الأب وابنه، وبين الأشقاء، والصراع المسلح بين قرية وأخرى في الوطن الواحد ، ويفصح الشاعر عن إدراك بأن أحداث الرواية نعيشها نحن الآن من خلال صراع بين مواطن ومواطن.قصيدة – الأخوة الأعداء – هي الوردة الدامية التي نراها ولا نستطيع قطفها وإزالتها حتى تتفتح وردة الحب في حدائقنا ، ولقد عملت الصور الشعرية على تجسيد واقع نعيشه "(103).

ولعل أبرز ما أثارته القصيدة هو إسقاط الواقع العدائي في الرواية على الواقع المعاصر الذي نعيشه في زمننا الراهن؛ ومن هذا المنظور؛كشفت القصيدة عن مفترقاتها الشعورية المحتدمة ورؤاها العميقة منذ البداية؛ كما في قوله:
"في كتاب الأساطير تمحو الأساطير..
للأزرق الأثيني..
قال. . يسألُني كلُّ من ألتقيه في هذه المدينةِ
لِمْ ولماذا.. تُشَوِّهُ هيلين صورة هيلينْ
ولماذا.. يُسَفِّهُ هومير أشعار هوميرْ
كنتُ أقول.. من هي هيلين؟!
وأنا ما سمعتُ بهومير..
لمْ أرَ في ما قرأتُ من كتب الأقدمين..
أو كتب المُحْدَثين.. أخبارهُ !!
أو تأكَّدَ لي ما يُقالْ
بعدَ أنْ نزلَتْ في البلاد النوازلُ
أصحو على هَرَجٍ..
لمْ يكُنْ حين غادرتُ مقهى المدينةِ في أوّل الليلِ
كان الطريقُ إلى البيت يفتحُ للقمر الرماديِّ ..
باباً
سيدخلهُ آمناً..ويطوف على كلِّ ما كان في البيتِ..
يمسحُ أِشجارَهُ والرياحَ..
وأحلامَ أطفالِهِ والأغاني القديمةَ والماءَ..
بالنورِ..
هذا الفضاءُ الذي لا حدود للشعر فيهِ..
للحبِّ و الأسئلهْ
صارَ حقلَ رمادٍ تمدَّدَ في كتب السَفَهِ..
اقترحَ السُفهاءُ..".(104).

إن القارئ يلحظ الإيقاع الشعوري والتمهيد العميق لإيصال ما في باطن الرواية إلى سياق قصيدته؛ محاولاً اعتماد الرمز مركزاً بؤرياً لإشعال دلالات القصيدة؛وكأنه يتحدث عن قصة أو أسطورة من الأساطير لأن ما يقع من اقتتال ومفارقات دامية بين الأخوة ؛(الأخ /وأخيه)و(الابن/وأبيه)ما يدعو للتساؤل ؛واللجلجلة بالسؤال مراراً وتكراراً؟؛وهذا ما يعكسه على صراعاتنا العربية بين بلد وبلد؛ وإنسان وإنسان؛ وأخ وأخيه؛ وهو بهذا المنظور يؤكد سوء المجتمعات العربية وطابعها الانتحاري من زمن الجاهلية إلى الآن؛ وقد عبر بالصورة الموحية عن مرارة ذلك؛ كما في قوله:"هذا الفضاءُ الذي لا حدود للشعر فيهِ../للحبِّ و الأسئلهْ/صارَ حقلَ رمادٍ تمدَّدَ في كتب السَفَهِ"؛ وكأن كل ما يحدث على أرض العراق هو ناتج صراع الأخوة واقتتالهم؛وهذا ما عبر عنه بمصداقية وشفافية عالية:
"أنْ تطرد البلادُ بساتينَها
ويكونُ على كلِّ مُنعَطَفٍ مقصلهْ
وتودِعُ أشجارهُ السودُ في كلِّ غصنٍ تدلّى على الطرقات..
ومسَّ حجارتها .. قُنبلهْ
وسيزرًعُهُ القتَلَهْ
حنظَلاً.."(105).
إن القارئ يلحظ فيوضاتها الدلالية المكثفة ؛ورؤاها المحتدمة؛وواقعها الرؤيوي المفتوح الذي تدل عليه؛فالبلاد فقدت نضارتها؛ وخصوبتها الجمالية ؛ ومعالمها الطبيعية؛ ما عادت كما كانت فالأشجار تحولت إلى مشانق ومقاصل؛ والأحجار السوداء إلى قنابل؛ والقمح حوَّله الظلمة إلى حنظل؛وسرعان ما يعمق الواقع ليصير أكثر قسوة ودموية؛ وكأننا على موعد دائم مع القتل والدماء والجثث والموت؛ محكوم على بلادنا أن تكون بركاً لدمائنا لا دماء أعدائنا؛ لدماء تناحرنا وتصارعنا نحن العرب الأشقاء؛ كما في قوله:
أوَ كُنّا على موعدٍ بالذي كان..
لا أحَدٌ في البلاد التي تتعثَّرُ بالموتِ..
ينجو من الموتِ
مَن لمْ يمُتْ بالرصاص المُخَبًّأ في الخبز..
يقتُلهُ الخبزُ
ومَنْ لمْ يَنَلْهُ رصاصُ الجنودِ
نالهُ من رصاص أخيهِ !"(106).

إن الشاعر يعبر بفاعلية رؤيوية عميقة عن عالمنا الوجودي العربي المحتدم؛ وواقعنا المأزوم؛بصور شديدة الكثافة على مدلولها المأساوي العميق:" مَن لمْ يمُتْ بالرصاص المُخَبًّأ في الخبز../ يقتُلهُ الخبزُ/ ومَنْ لمْ يَنَلْهُ رصاصُ الجنودِ/ نالهُ من رصاص أخيهِ !"؛وهو- بهذه الرؤى المكثفة - يثير الشعور المقاوم.
ومن البنى الرؤيوية المرتكزة للقصيدة نأخذ البنى التالية:
بث العادات والتقاليد بإحساس جنائزي تراجيدي حزين:
تعمد القصيدة في تحفيز رؤيتها على تعرية الواقع الدموي المتصارع بين الأخوة؛ لتحريك إيقاعها الرؤيوي الكاشف عن عمق جراحنا وشدة مأساتنا نحن العرب وكأن مكتوب علينا أن نعيش في مأتم دائم؛ وأسىً واحتراق شعوري مستمر؛ كما في قوله:
"في الليلة الأخيرةِ من موعدٍ لن يكونْ
تذهبُ كلُّ نساء القرى بثياب الحدادٍ..
إلى المقبَرَهْ
يتبادلنَ جمرَ المراثي ويسألنَ عن دم أبنائهنَّ
فارغة كانت القبورُ
ومهجورة هذه المقبرهْ
. . . . . .
. . . . . ."(107)

إن رصد المشهد الجنائزي لحال النسوة هو لتعرية واقعنا الموحش حتى قبورنا وموتانا؛أصبحت موحشة مقفرة كذلك فقدت سحرها وجمالها وأنسها الروحي؛ وأصبح يسكنها القفر والخواء؛وقد عبر عن إحساسه المأزوم بالعلامات البصرية إذ ترك مداً نقطياً مفتوحاً للدلالة على شدة الوحشة والقفر الوجودي وحالة العقم والفقد العربي المفتوح على كل الاحتمالات والرؤى المأساوية الدامية.
إثارة الإيقاع الدرامي المحتدم:
إن أبرز البنى الدالة في القصيدة تحفيز الرؤى وتكثيفها للرؤى المحتدمة بتوليف فني بين إيقاع السرد والدراما؛ كما في قوله:
يخرجُ من كلِّ بيتٍ إمامان..
يفتي الأب القادمُ من صفحات كتابٍ عتيقٍ..
بغير فتوى ابنه الداخلِ في كذبٍ الحاضِرِ..
يختلفانْ
كُلٌ له من قراءاته الفاسدهْ
لغةٌ باردهْ
ويَقتَتِلُ الأخوةُ.. كلُّ الذين يموتونَ..
جاءوا إلى الموت .. من مدن الفقراء
والفقهاءُ..
يغتنمون الأساطيرَ والوهمَ..
من أجل متعتهم بالدماءْ
. . . . . .
. . . . . ."(108).

إن إيقاع الاحتدام والصراع الدائر بين الأخوة لهو أشد إيلاماً من جراح الأعداء؛ خاصة عندما تصل درجة العدائية إلى أشد درجات توترها واحتدامها عندما يتحير الأب كيف يميز بين دماء أولاده؟؛ وهذه قمة التراجيديا والمأساة الشعورية؛ كما في قوله:
"يقفُ الأبُ بين بنيه وبينَ بنيهْ
لا يُفَرِّقُ من أيِّ أبنائهِ ..اخترقتهُ الرماحْ
كأنَ الكلامَ بين أخٍ وأخيه .. انتهى
ليسَ من لغةٍ..
بينَ مَنْ فَرَقّتهمْ أساطيرُ سوداءُ..
غير السلاحْ"(109).

إن درجة الدرامية تبدو في هذا الحراك الشعوري المحتدم الذي تقوده الذات في لحظات احتراقها عندما يقف الأب لا يميز بين القاتل والمقتول وكلاهما في نظره مقتولان؛ الأول بالغيرة والحقد، والثاني مجابهته لأخيه بالسلاح؛ وهنا، تزداد درجة الاحتدام والدرامية في القصيدة إلى نهايتها.
المنفى/ ونيرانه(المنفى الذاتي / والمنفى الوجودي):
إن أبرز المؤشرات الدلالية الفاعلة في تكثيف الرؤية الشعرية؛ هو إبراز دائرة النفي الذاتي/ الوجودي؛ فالشاعر في روايته يطرح معادلة مهمة وهي أن المنفى الذي يعانيه هو منفى وجودي؛ كما في قوله:
على هامشٍ من كتاب.. الأساطير تمحو الأساطير
يكتبُ شيخُ الطريقة .. يأتي زمانٌ على هذه البلادِ
يُسَفِّهُ فيه المعريُّ شعرَ المعريِّ..
تُسفِّهُ فيه النساءُ النساءْ
يعمُّ البلاءْ
ويهجرها الشعراءْ
يعتزلُ الوردُ أكمامهُ والحدائقَ والماءَ
كانَ تبرّأَ من عطرهِ
أتُرى سيغادرُ ألوانِهُ ويهاجرُ .. معتزلاً
ضَيِّقٌ.. ضَيِّقٌ .. ضَيِّقٌ
في المنافي الفضاءْ
. . . . . .
. . . . . .(110).

إن إحساس الشاعر بالنفي الوجودي قد عبر عنه الشاعر بعمق، وشفافية ،وأسى واحتراق؛ فإن المنفي يعاني من حرقة وجودية غاية في الأسى،والاحتراق، والوجاعة؛ كما في قوله:( ضيقٌ.. ضيقٌ.. ضيقٌ في المنافي الفضاء)؛ وبهذا الإحساس الوجودي المختنق تعاني الذات في لحظة اغترابها المرير؛ وهكذا، تختتم القصيدة بهذا المد الرؤيوي الدافق؛ كما في قوله:
"يتوارى القتيلُ والقاتلُ خلفَ تواريخ رعناء
ينسبها قائلٌ غامضٌ . . لرواة غلاظْ
وينسبُهُم – أيّ أكذوبة يتوارثها الجهلاءُ –
إلى ملكوت السماء!!
كلُّ ما جاء في كتاب الأساطير تمحو الأساطير..
ليس سوى كذب وافتراءْ
ليس سوى مرجعٍ.. يستظلُّ به القتلهْ
هل سيعرفُ بعد فوات الأوان .. أخٌ وأخوه يقتتلانْ
أين هي المعضلهْ ؟!"(111).

وهكذا؛ تعبر القصيدة عن قمة المفارقة والأسى الوجودي؛ عندما ختمها بالسؤال الاستنكاري الجارح( أين هي المعضله؟!). والسؤال بقدر ما يحمل من الألم بقدر ما يحمل من حرقة وأسى مرير؛ (هل سيعرف بعد فوات الأوان.. أخٌ وأخوه يقتتلان)؛ وهو بهذا الأسلوب التصادمي يعمق الرؤية الاستنكارية الاحتجاجية الرافضة بكل أساها واحتراقها الشعوري.
بلاغة الرؤية الشعرية/ أو كلمة القصيدة الأخيرة:
إن القصيدة تطرح رؤيتها بجسارة عبر شعرية الموقف الشعوري الاحتجاجي الصارخ بنفي كل مظاهر الجريمة والقتل التي تقع بين الأخوة والأشقاء ببعد تعروي رؤيوي عميق أو فاضح ؛ غايته الكشف من خلال واقع الرواية الدموي عن واقعنا العربي القائم على التناحر والتباغض والاقتتال؛ وكأن القصيدة تمثل صرخة احتجاجية غاضبة على الواقع العربي الضائع الذي أصبح دمية يحركها الأمريكان وحلفاؤه في بلادنا كيف شاء وبالشكل الذي شاء؛ وهذا ما زاد من مآسينا على مر الأيام والسنين منذ الأمس وحتى وقتنا الراهن.

نتائج أخيرة:

إن لكل قصيدة في (أولئك أصحابي) رؤيتها الخاصة؛ وإحساسها الوجودي؛ وطريقة تمثلها الشخصية الروائية في القصيدة؛ لكن تجمعها رؤى مشتركة هي تعاطف الشاعر مع هذه الشخصيات ؛ليبث من خلالها نظرته المثالية وإحساسه الوجودي المصطرع بالقلق والتوتر والاغتراب الفكري قبل الاغتراب الوجودي؛ بما يحقق منزعها الإنساني ونبذ أشكال الاغتراب والاحتراق الوجودي كافة.
تنزع قصائد( أولئك أصحابي) إلى تكريس المحتوى الرؤيوي العميق؛ببلاغة فنية ؛وطاقة رؤيوية خلاقة خاصة بتمثله لرواية (الشيخ والبحر)؛ و(صمت البحر)؛ وهذا يتبع درجة إحساس الشاعر بالشخصية وطريقة تمثلها بالشكل الفني الأخاذ؛ والمدلول الإيحائي العميق.؛ وقد وجدنا ثورة رؤيوية في طريقة المعالجة والتمثل الفني لتصل إلى الذروة في هاتين القصيدتين.

إن بداعة الرؤيا / وعمق مقصديتها ينبغ من هذا الإحساس الدافق الذي ينم عن مهارة تمثل الشخصية الروائية البطلة وتحريكها في مسار القصيدة بما ينمي قدرتها على التكثيف الدلالي لفضاءاتها النصية ؛ ويزيد من ألقها الشعري؛ولا نبالغ إذ نقول : لقد منح الشاعر الشخصيات الروائية المستحضرة طاقة إضافية في التحفيز النصي وإثارة الشعرية؛ خاصة عند محاورتها حواراً فنياً رؤيوياً هادفاً كما شهدناه في معظم قصائد هذه المجموعة.
إن ما يميز قصائد( أولئك أصحابي)الجمع بين واقع الشخصية الروائية،والواقع المعاصر الذي يرمي إليه الشاعر؛ فأتت القصائد محنكة في رؤاها التعروية للواقع الراهن الذي تعيشه أمتنا؛ فزمن القصيدة مطاطي مفتوح يستمر إلى المستقبل ولا يقتصر على الماضي والزمن الراهن؛ ولهذا؛ يعد فضاؤها الإبداعي مفتوحاً قابلاً للإضافة والزيادة ؛ وهذا ما يحسب لها.
إن مجمل قصائد(أولئك أصحابي) تمتاز بتنوع تقنياتها الأسلوبية/ ومحفزاتها الرؤيوية ؛ ولهذا أكثر ما تحتوي عليه من بنى وتقنيات هي تقنية الحوار؛ بوصفها بنية محرقية في مغنطة الرؤية الشعرية عبر الموقف الذي تثيره الشخصية الروائية في القصيدة؛ إما بالحديث من خلالها، أو إليها، أو بالحديث عنها ؛وهذا ما يجعل الشخصية الروائية المستحضرة فاعلة في الحراك النصي والتكثيف الإيحائي.
إن ولع الشاعر في الإضافة على الشخصية الروائية المستحضرة البطلة رؤية جديدة أو بعداً رؤيوياً جديداً أسهم في إغناء الحركة الشعرية والشخصية المستحضرة بعداً إضافياً جديداً؛ قد لا يجده قارئ الرواية ذاتها؛ فهي تضيف رؤية جديدة؛ومنظوراً مغايراً؛ وهذا ما يثير الأهمية ويبعث على تلقيها الفني الجمالي؛إذ إن من خصوصية الإبداع التميز والإضافة؛ وهذا ما امتازت به قصائده على المستويات كلها.
" أولئك أصحابي" ديوان الشاعر حميد سعيد ، صدر عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع بيت الشعر الفلسطيني عام 2015 .

الحواشي:

سعيد،حميد،2015-أولئك أصحابي،الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع بيت الشعر الفلسطيني،ط1،ص4

المصدر نفسه ،ص4
المصدر نفسه،ص5.
المصدر نفسه،ص5-6
المصدر نفسه،ص6
المصدر نفسه،ص6-7.
مخلف الحديثي،حمدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص11.
المرجع نفسه،14-15.
سعيد،حميد،2015-أولئك أصحابي؛ص8.
المصدر نفسه ص8-9.
المصدر نفسه ص9.
المصدر نفسه،ص9-10.
المصدر نفسه،ص11.
المصدر نفسه،ص11-12.
المصدر نفسه،ص12.
مخلف الحديثي،حمدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص15-61.
سعيد،حميد،2015-أولئك أصحابي؛ص13.
المصدرنفسه،ص14,
المصدر نفسه،ص15
المصدرنفسه،ص15
المصدر نفسه،ص15-16.
المصدر نفسه،ص16.
المصدرنفسه،ص17.
مخلف الحديثي،حميدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص15.
المصدر نفسه،ص17.
المصدر نفسه ص17-18.
المصدر نفسه،ص18-19
المصدر نفسه،ص19
المصدر نفسه،ص 19-20.
المصدر نفسه،ص21
المصدر نفسه،ص22-23.
المصدرنفسه،ص23
المصدر نفسه،ص23-24
المصدرنفسه،ص25.
المصدر نفسه،ص26.
المصدرنفسه،ص27.
المصدر نفسه ،ص27-28
المصدر نفسه، ص28.
المصدر نفسه،ص29.
المصدر نفسه،ص30.
المصدر نفسه،ص31.
المصدر نفسه،ص32.
المصدر نفسه،ص33.
المصدر نفسه،ص34.
المصدر نفسه،ص35.
المصدر نفسه ص35-36.
المصدر نفسه،ص37-38
المصدر نفسه،ص38.
المصدر نفسه،ص38.
المصدر نفسه،ص39.
المصدر نفسه،ص39.
المصدر نفسه،ص39.
المصدر نفسه،ص40
المصدر نفسه،ص40-41
المصدر نفسه،ص41.
المصدر نفسه،ص42.
المصدر نفسه،ص42.
المصدر نفسه،ص 43.
المصدر نفسه،ص43.
المصدر نفسه،ص43.
المصدر نفسه،ص44.
المصدر نفسه،ص44.
المصدر نفسه،ص45.
المصدر نفسه،ص45.
المصدر نفسه،ص45-46.
المصدر نفسه،ص46.
المصدر نفسه،ص46.
المصدر نفسه ص47
المصدر نفسه،ص48.
المصدر نفسه،ص48
المصدر نفسه،ص49
المصدر نفسه،ص49
المصدر نفسه،ص50
المصدر نفسه،ص50-51.
المصدر نفسه،ص51
المصدرنفسه،ص51
المصدر نفسه،ص51-52.
مخلف الحديثي،حمدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص35.
سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي، ص52
المصدر نفسه،ص52
المص المصدر نفسه،ص53.
المصدر نفسه،ص54.
المصدر نفسه،ص55.
المصدر نفسه؛ص55.
المصدرنفسه،ص55.
مخلف الحديثي،حمدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص37-38.
سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص56.
المصدر نفسه،ص56.
المصدر نفسه،ص56-57.
المصدر نفسه،ص57.
المصدر نفسه،ص58.
المصدر نفسه،ص59.
المصدر نفسه،ص60.
مخلف الحديثي،حمدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص39.
سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص61
المصدر نفسه،ص61-62.
المصدر نفسه،ص62-63.
المصدر نفسه،ص63.
المصدر نفسه،ص64.
المصدر نفسه،ص65.
المصدر نفسه،ص65.
مخلف الحديثي،حمدي،2016-تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مخطوطة،ص41.
المرجع نفسه،ص41.
سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص66
المصدر نفسه،ص66-67.
المصدر نفسه،ص67.
المصدر نفسه،ص68.
المصدر نفسه،ص69.
المصدر نفيسه،ص70.
المصدر نفسه،ص70
المصدر نفسه،ص70.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى