الاثنين ١٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٦
بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

الوطن في شعر فاروق جويدة

الشعر هو لغة القلوب ومرآة النفوس، يعبر عن الخلجات الغامضة ويكشف عن الإحساسات الدفينة، يخاطب الوجدان والعاطفة ويستلهم الوحي والخيال وينفذ إلي أعمق ما فى الإنسان و الطبيعة، يقوم علي اللفظ الرشيق و التصوير الدقيق و التشبيه العميق والنغم الرقيق وقد أكد هذا الدكتور إبراهيم مدكور وقد سمى الشاعر شاعرا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره.

قال صاحب كتاب العمدة: إن بنية الشعر من أربعة: لفظ ومعني، ووزن وقافية، و للشعر في الحقيقة جانبان لا وجود له بدونهما وهما: الخيال والموسيقى.

القدرة علي قرض الشعر هي قدرة علي عيش الحياة فلن يكتب الشعر إلا كل حريص علي أن يعيش حياته وسط الناس والأحداث فيتفاعل مع الناس والأحداث، ويجد فرحه لأفراحهم، و يجد أيضا آلامه لأحزانهم، يعبر عن ذلك بالكلمة الشعرية التي تخاطب الروح.

الشاعر الكبير فاروق جويدة عشق الكلمة منذ نعومة أظافره ولذا واصل التعليم والتحق بكلية الآداب واختار قسم الصحافة وتخرج عام 1968 وبدأ حياته العملية محررا بالقسم الاقتصادي بالأهرام، ثم سكرتيراً لتحرير الأهرام، وهو حاليا رئيس القسم الثقافي بالأهرام.

يعد الشاعر الكبير فاروق جويدة من الأصوات الشعرية الصادقة والمميزة في حركة الشعر العربي المعاصر، نظم الكثير من ألوان الشعر ابتداء بالقصيدة العمودية وانتهاء بالمسرح الشعري.. وقدم للمكتبة العربية العديد من الدواوين والمسرحيات الشعرية.. وترجمت بعض أشعاره ومسرحياته إلى عدة لغات عالمية منها.. الإنجليزية والفرنسية والصينية واليوغوسلافية، وأعماله الإبداعية تناولتها مجموعة من الرسائل الجامعية في الجامعات المصرية والعربية. وقد تابعت كتاباته ودواوينه ورصدت أن شعره يفيض حباً ووطنية ورؤى تستشرف المستقبل وتعتز بالماضي المجيد، ولكم تغذينا بالحب والوطنية من منهل شعره الجميل

مجمل القول أن الشاعر الكبي فاروق جويدة هو شاهد عصره وهو ابن هذه الأرض المصرية الطيبة، والأرض الطيبة نباتها طيب، ولذا جاءت دراستى هذه وقد رصدت فيها فيوضات الوطنية عند شاعرنا الكبير فاروق جويدة وقد نشرت هذه الدراسة في باب ضمن كتابي ( الحب والوطن في شعر فاروق جويدة ) نظرا لموت ضمير أحد تجار الأدب وعشاق أكل السحت والكذب حيث حاول ذلك الشخص سرقة جهدي وتعبي وعندما حاول قلب الأمور كان ردنا القاسي وإن عاد عدنا.
الوطن في شعر جويدة: اختلفت أغراض الشعر وتعددت مدارسه ومذاهبه إلا أن الشعراء باختلاف مشاربهم وأفكارهم وطروحاتهم وتطلعاتهم أجمعوا على شيء واحد هو الوطن وحب الوطن، فكان الحنين إلى الأوطان وذكر الديار قاسماً مشتركاً بين الشعراء والأدباء، والشعر العربي حافل بقصائد عديدة حفلت أبياتها الشعرية بحب الوطن والحنين إلى الديار والأرض فيندر أن نجد قصيدة عربية إلاّ وبها حنين إلى الوطن حت احتل الوطن الجزء الأكبر من قصائد الشعراء مقارنة بقصائد الحب والغزل.

قال الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوطان: كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه.
الوطن في اللغة العربية كما جاء في لسان العرب.. هو المنزل الذي يمثل موطن الإنسان ومحله، ووطن المكان وأوطن أى: أقام متخذا إياه محلا وسكنا يقيم فيه، فالوطن هو المكان الذي ارتبط به الإنسان، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة، وسكنه روحاً وجسداً، وهام به حباً وحنيناً، فحب الوطن والالتصاق به وحب البقاء فيه من الأمور الفطرية لدى الإنسان.
مصر.. ميمها مجد، وصادها صفاء، وراؤها رخاء واستقرار، وهي كنانة الله في أرضه، من أرادها بسوء خاب و خسر.
المتأمل لشعر شاعرنا الكبير فاروق جويدة يجد حب مصر يسري بين شرايينه وينبض به قلبه وقلمه.. فها هو يقول:

حملناكِ يا مصر
بين الحنايا
و بين الضلوع
و فوق الجبين
عشقناك صدراً
رعانا بدفءٍ
وان طال فينا
زمان الحنين

في نفس القصيدة يؤكد علي أن مصر سيبقي عبيرها بيت الغريب و سيف حق لمن لا سيف له حيث يقول:

سيبقى نشيدكْ
يضئ الطريق
علي الحائرين
سيبقى عبيرك
بيت الغريب
وسيف الضعيف
و حلم الحزين
سيبقى شبابك
رغم الليالي
ضياء يشع
علي العالمين

في قصيدة أخرى نجد أن شاعرنا الكبير فاروق جويدة يذكر أن مصر لو لم تكن موطنه لغرس ترابها بين وجدانه، و نسج بين قبابها إيمانه حيث يقول:

لو لم تكن مصر العريقة
موطنى
لغرست بين ترابها
وجدانى
وسلكت درب الحب
مثل طيورها
وغدوتُ زهراً
فى ربا بستان
وجعلتُ من عطر الزمان
قلائداً
ونسجت بين قبابها إيمانى

فى دعوة جميلة نجد شاعرنا الكبير فاروق جويدة فى قصيدة بعنوان ( عودوا إلى مصر) يقول:
عودوا إلى مصر
صدر الأم يعرفنا
مهما هجرناه
مصر الشقيقة الكبرى لكل العرب، وهى كعبة الأوطان.. ولذا يرسل شاعرنا المبدع تحذيراً شعرياً لكل من يدعى الزعامة.. حيث يقول:

يا سادة الأحقاد
مصر بشعبها
بترابها
بصلابة الإيمان
مصر العظيمة
سوف تبقى دائماً
فوق الخداع..
وفوق كل جبان
مصر العظيمة
سوف تبقى دائماً
حلم الغريب
وواحة الحيران
مصر العظيمة
سوف تبقى دائماً
بين الورى فخراً
لكل زمان
يا من تريدون الزعامة ويحكم
مصر العظيمة
كعبة الأوطان
ويقدم شاعرنا توصية لكل الرفاق من أحباب مصر العزيزة فيقول:
مصر الحبيبة
يا رفاقى كعبةُُ
لا تتركوها
مرتع الأوثان
فالعمر ليس بضاعة مسلوبة
والعمر ليس بدرهم
وغوانى

وفى قصيدة أخرى يؤكد على أن الأوفياء هم درع مصر وأن شعبها هو باعث النهضة على مر الزمان.. فيقول:

سنرعى أمانيكِ
مَنْ ذا سيفدى
أمانيك يوما
سوى الأوفياءْ
سنروى ربيعك
رغم الصقيع
عبير الحنايا
وعطر الدماءْ
وشعبك يا مصر
درع الزمان
فلا تسألى غيره
فى البناء

مصر هبة النيل والمصريين، وعن نهر النيل الخالد.. شريان الحياة يقول شاعرنا الكبير فاروق جويدة:
يا نيل ماؤك
للوجود هداية
عاشت على درب السنين منارا
ويقول أيضا:
يا نيل فيك من الحياة
خلودها
كل الورى يفنى
وأنت الباقى
وفى قصيدة بعنوان ( وتبقى أنت يا نيل ) يقول:

مازلتَ فى العين ضوءا
لا يفارقنا
فالكل يمضى..
وتبقى أنت يا نيل

والقضية الفلسطينية شكلت هماً من الهموم القومية التى أثارت قريحة شاعرنا الكبير فاروق جويدة فهاهو يقول:
غنيتُ للقدسِ الحبيبة أعذبَ الألحان
وانساب فوق ربوعها شعرى
يطوف على المآذن..
والكنائس.. والجنانْ
القدس ترسم وجه ( طهَ )
والملائكُ حوله
والكون يتلو سورة (الرحمن )
القدس فى الأفق البعيد
تطلُ أحياناً وفى أحشائها
طيفُ المسيح.. وحوله الرهبان
القدس تبدو فى ثياب الحزن
قنديلاً بلا ضوء ٍ
بلا نبض... بلا ألوانْ..
تبكى كثيراً
كلما حانتْ صلاةُ الفجرِ
وانطفأت عيون الصبح
وانطلق المؤذن بالآذانْ

وهنا نلمح أن شاعرنا عندما كتب عن القدس جعلها كوناً حيوياً.. جمع تعاقب الأزمنة ومن هنا كان استنهاضه للأمم والشعوب لحماية القدس من عبث العابثين وفى قصيدة بعنوان ( لن أسلم رايتى ) نلمح تحدي و صمود كل فلسطيني من أبناء فلسطين الحبيبة.. حيث يقول شاعرنا فاروق جويدة:
قل ما أردت عن البطولة والفدا
وأكتب جميل الشعر والأبيات
لا شىء أغلى من دماء مقاتل
بالدم يكتب أروع الصفحات
والآن نرسم بالدماء طريقنا
هل بعد عطر الدم من كلمات ؟
الآن أسمعُ صوت كل شهيدة
قد زينت بدمائها راياتى
الآن أرقبُ وجه كل صغيرة
رفعت جبين القدس فى الساحات
ويقول أيضا شاعرنا الكبير:
أنا صامد فى الأرض بين ترابها
وسط النخيل.. وفى شذا الزهرات
عند الخليل وخلف غزة كلما
لاحت وفى يدها الصباح الآتى
وفى ختام القصيدة يؤكد التحدى والصمود فيقول:
أنا الصمود.. أنا الشموخ.. أنا الردى
أنا لن أسلم رايتى.. لغزاة
وفى الذكرى الخمسين لاغتصاب فلسطين الحبيبة قال شاعرنا الكبير فاروق جويدة فى قصيدة جاء عنوانها فى صورة تساؤل ( ماذا تبقىّ من بلاد الأنبياء ) ؟ ونقطف منها:
ماذا تبقىّ من بلاد الأنبياء..
لا شىء غير النجمة السوداء
ترتع فى السماء
لا شىء غير مواكب القتلى
وأنات النساء
ثم يقول:
ماذا تبقىّ من بلاد الأنبياء ؟
خمسون عاماً
والحناجر تملأ الدنيا ضجيجا
ثم تبتلع الهواء...
خمسون عاما
والفوارس تحت أقدام الخيول
تئنُّ فى كمد.. وتصرخ فى استياء
وعندما قام أرييل شارون زعيم المعارضة الإسرائيلى بزيارته المستفزة والغير مسئولة إلى المسجد الأقصى فى الثامن والعشرين من شهر سبتمبر عام 2000 ثار الشعب الفلسطينى وانطلقت شرارة الانتفاضة.. وفى الثلاثين من شهر سبتمبر خرج الصبى محمد البالغ من العمر 12 عاما مع والده جمال الدرة لشراء بعض الاحتياجات فإذا بجنود الاحتلال الإسرائيلى يطلقون النار عليهما فأسرع جمال الدرة بابنه نحو برميل فارغ بجانب جدار ليحميهما من وابل الطلقات النارية الإسرائيلية ولكن أصيب جمال الدرة فصرخ الصبي الصغير فزعا وطالب بالمساعدة فتحركت سيارة الإسعاف لإنقاذه ولكن جنود الاحتلال أطلقوا الرصاص علي سائق السيارة فاستشهد ثم أصيب الصبي الصغير محمد جمال الدرة بطلقات في بطنه فاستشهد بين أحضان أبيه و تصادف خلال هذا الموقف المؤلم وجود ( طلال أبو رحمة ) أحد أبناء فلسطين ومصور التليفزيون الفرنسي فألتقط هذا المشهد لحظات الاستشهاد وقام التليفزيون الفرنسي بإذاعة اللقطات عدة مرات وأهدى نسخة للتليفزيون الفلسطيني و كذلك عدة تليفزيونات عربية كما نشرت الدوريات العربية والدولية ووكالات الأنباء هذا المشهد المؤلم مما آثار غضب الضمير الإنساني و قريحة الشعراء و الكتاب وهاهو شاعرنا فاروق جويدة يقول في قصيدة بعنوان ( رسالة إلى شارون ):

كيف اجترأت على أرض مطهرة
أسرى بها خير خلق الله والأمم
هذا التراب الذى لوثتَ جبهته
مازال يصرخ بين الناس فى ألم
ثم يقول:

محمد يا شهيد القدس يا أملاً
مازال يحبو كوجه الصبح فى الظلم
يا درة العمر يا أغلى مباهجه
أدميتنا بالأسى والحزن والسقم
فى وجهك الآن تصحو كل مئذنة
ضاقت بها الأرض بين اليأس والحلم
فى قبرك الآن بركان يحاصرنا
ويشتكى عجزنا المسكون بالنقم
يا صيحة من ضمير الحق أسكتها
صوت الضلال وكهان بلا ذمم
فى عينك الآن مصباح وأغنية
لكل طفل برىء الوجه مبتسم
فكل نقطة دم أنبتت حجرا
قد يكسر القيد أو يهوى على صنم
فاهدأ صغيرى فإن القدس عائدة
مهما تمادى جنون الموت والعدم
إن خاننى الشعر فى حزنى فلى أمل
أن يهدر الشعر كالبركان من قلمى

والقدس العتيقة وزهرة المدائن هى فى القلب ولن ننساها أبدا.. وهنا يقول شاعرنا المبدع فاروق جويدة فى قصيدة بعنوان (لأنك عشت فى دمنا):
ولن ننساكِ يا قدس
ستجمعنا صلاة الفجر فى صدرك
وقرآن تبسم فى سنا ثغرك
وقد ننسى أمانينا
وقد ننسى.. مُحبينا
وقد ننسى طلوع الشمس فى غدنا
وقد ننسى غروب الحلم من يدنا
ولن ننسى مآذننا...
ستجمعنا.. دماء قد سكبناها
وأحلام حلمناها...
وأمجاد كتبناها
وأيام أضعناها
ويجمعنا... ويجمعنا... ويجمعنا
ولن ننساكِ... لن ننساكِ يا قدس
ونرى حملنا مع حلم شاعرنا الكبير فاروق جويدة عندما يقول:

مازلت أحلم
أن أرى فى القدس يوما
صوت قداس يعانق ليلة الإسراء
ويطل وجه الله بين ربوعنا
وتعود أرض الأنبياء

وبيروت لبنان لم تغب عن شاعرنا المبدع فاروق جويدة ففى قصيدة بعنوان ( يا زمان الحزن فى بيروت ) والتى ضمها ديوانه ( شىء سيبقى بيننا ) يقـول:
برغم الصمت والأنقاض يا بيروت
مازلنا نناجيكِ
برغم الخوف والسجان والقضبان
مازلنا نناديكِ
برغم القهر والطغيان يا بيروت
مازالت أغانيكِ
وكل قصائد الأحزان يا بيروت
لا تكفى لتبكيكِ
ويقول أيضا:
وسيف الله يا بيروت رغم الصمت
سوف يظل يحميكِ
ويا بيروت
يا نهراً من الأشواق
عاش العمر يروينا
ويا جُرحاً سيبقى العمر... كل العمر
يؤلمنا... ويشقينا
وفى نفس القصيدة يقول شاعرنا:
غدوتِ الآن يا بيروت بركانا
كبئر النار يحرقنا
ويسرى فى مآقينا
حرام أن نراكِ اليوم وسط النار
هل شلت أيادينا ؟

والأبيات السالفة الذكر أثارت بداخلنا الأحزان والهموم عما حدث لشعب لبنان الشقيق من جراء العدوان الغاشم الذى قامت به إسرائيل على لبنان فى الثامن عشر من شهر يوليو عام 2006... والعجب أن الولايات المتحدة الأمريكية باركت هذا العدوان الغاشم.. والمدهش أن مجلس الأمن لم يحرك ساكنا... فهل يا ترى أصبح مجلس الأمن هو مجلس اللا أمن ؟
وعندما قامت ابنة لبنان والعروبة سناء محيدلى فى التاسع من شهر ابريل عام 1985 بتفجير نفسها فى عملية فدائية ضد القوات الإسرائيلية، وقبل تنفيذ مهمتها كتبت وصية إلى أهلها نقطف منها:

أرجوكم... أقبل أياديكم فرداً فرداً لا تبكوني... لا تحزنوا علي، بل افرحوا... اضحكوا للدنيا طالما فيها أبطال... طالما فيها آمال بالتحرير...أنني بتلك الصواعق التي طيرت لحومهم وقذارتهم... بطلة أنا الآن... مزروعة في تراب الجنوب... أسقيها من دمي وحبي لها... آه لو تعرفون إلى أي حد وصلت سعادتي... ليتكم تعرفون لكنتم شجعتم كل الذين يسيرون على خط البطولة التحرير، إن الصهاينة الإرهابيين مهما كانوا أقوياء إرهابيين قذرين، هم ليسوا مثلنا... إنهم جبناء يطعنون من الخلف ويغدرون... يلتفون شمالاً ويمينا هربا من الموت..التحرير يريد أبطالاً يضحون بأنفسهم غير مبالين بما حولهم، ينفذون، هكذا تكون البطولة.

عندما قامت بهذه العملية البطولية كتب شاعرنا فاروق جويدة قصيدة بعنوان ( بعض العشق.. يكون الموت ) ونقطف منها:
كانت تعلم..
إن الموت ضريبة عشق الوطن
إن الحبَّ سيصبح يوما
أجمل وشم للأكفان
أن الموت سيصبح عرسا
يُنسينا كل الأحزان
ويقول أيضا فى نفس القصيدة:
لكن سيناء اختارت كيف تموت ؟
لتبكيها كل الأشجار
اختارت أين تموت ؟
لتصبح عطراً للأزهار
اختارت أن تبقى رسما
فوق الطرقات... على الأنهار
ثم يقول:
وسناء اختارت
كيف تموت بداءِ العشق
لتحملنا خلفَ الأسوار
فماذا نكتب بعد اليوم...
حين يصير الدم مداداً
فلتسقط كل الأشعار
ونجد ورود الكثير من أدوات الاستفهام فى شعر شاعرنا فاروق جويدة مثل:

كم: التى يسأل بها عن العدد.
والهمزة: التى يسأل بها عن واحد من شيئين أو أكثر كما يسأل بها عن مضمون الجملة.
وما _ ماذا: التى يسأل بها عن غير العاقل.
ومن: التى يسأل بها عن العاقل.
وأين: التى يسأل بها عن المكان.
وهل: التى يسأل بها عن مضمون الجملة المثبتة.
وكيف: التى يسأل بها عن الحال.
كما نجد أيضاً عناوين الكثير من القصائد تحمل استفهاما مثل: متى يفيق النائمون؟ ماذا أخذت من السفر؟ ماذا أصابك يا وطن؟ ماذا تبقى من بلاد الأنبياء؟ متى تأتين؟ لمن أعطى قلبى؟ أترى يفيد الحلم ؟ وهذا يشير إلى كثرة تزاحم الأسئلة داخل أعماق شاعرنا الكبير.. ففى قصيدة بعنوان ( متى يفيق النائمون ) ؟ يقول:

شهداؤنا فوق المنابر يخطبون
قاموا إلى لبنان صلوا فى كنائسهم
وزاروا المسجد الأقصى
وطافوا فى رحاب القدس
واقتحموا السجون..
فى كل شبر
من ثرى الوطن المكبل ينبتون
من كل ركن فى ربوع الأمة الثكلى
أراهم يخرجون..
شهداؤنا وسط المجازر.. يهتفون
الله اكبر منك يا زمن الجنون
وفى نفس القصيدة يقول:
بيروت تسألهم أليس لعِرضها
حق عليكم.. أين الرافضون
وأين غاب البائعون
وأين راح... الهاربون...
الصامتون... الغافلون... الكاذبون ؟؟؟
صمتوا جميعا...
والرصاص الآن يخترق العيون

وفى قصيدة بعنوان ( مرثية حلم ) نجد تكثيف شجون شاعرنا وهو يتحدث عن القدس وبيروت وبغداد وطهران.. حيث يقول:

بيروت فى اليمِّ ماتتْ
قدسنا انتحرتْ
ونحن فى العار نسقى وحلنا طينا
بغداد تبكى
وطهران يحاصرها
نهر من الدم
بات الآن يسقينا

وعلى لسان طفلة مسلمة كتب شاعرنا المبدع فاروق جويدة رسالة إلى الرئيس الأمريكي بوش نقطف منها:

يا سيدى بوش العظيم...
بالله كيف يعانق الصبح الجميل
خيوط ليل مُظلمه
تبنون فى أوطانكم مجدا وفى أوطاننا
تعلوا السجون المحكمه
والحق فى أوطانكم حق الشعوب وعندنا
حق الكلاب المتخمه...
والقتل فى زمن النخاسة أوسمه...
لِمَ تقتلون الصبح فى أعماقنا
وتشيعون على المشانق مأتمهْ..؟؟
العدل فى أوطانكم يعلو وفى أوطاننا
قهر الآيادى الآثمهْ ...
تبكون أن سقطت على باريس
أو روما ظلال قاتمهْ
والآن تجرى فى ربوع بلادنا
انهار دمٍّ مسلمه..
ونقطف أيضا:
يا سيدى بوش العظيم..
كل العصافير الجريحة فى بلادى
تلعن الزمن القبيح
ماتت على الأغصان
كم كانت تغنى كل صبح هل تُرى
يبكيك عصفور جريح
ودمى يسيل على ثيابى هل تُرى
يبكيك إنسان ذبيح ؟

ثم يجيئ التذكير بقرار الرئيس الأمريكى بوش والذى بمقتضاه ذهبت الجيوش إلى الكويت لضرب القوات العراقية التى غزت دولة الكويت... وهذا القرار ليس حباً فى الكويت بل من أجل النفط الذى كان سلاحاً فعالاً واستراتيجياً فى معارك أكتوبر عام1973:

يا سيدى بوش العظيم...
حاربتَ يا مولاىَ يوماً فى الكويت
وجنيت منها ما جنيت ...
هل شعب بوسنة لا يساوى
فى ضميرك.. بئر زيت ؟
وفى ختام القصيدة تأكيد على أن نور الله سيبقى معانقاً لكل بيت مسلم:
يا سيدى بوش العظيم...
إن شئتَ يوماً أو أبيتْ
سيظل نور الله فى وطنى
يعانق كل بيت

ولأن الشاعر ضمير الأمة فقد رصد الشاعر فاروق جويدة فى قصيدة تئن حزناً وشجناً وألماً دعاوى دعاة الحرية وتخليص العراق من حاكمها الوطنى صدام حسين وأكد شاعرنا إن الهدف من غزو العراق يكمن فى السيطرة على النفط... فقال على لسان طفل عراقى فى قصيدة بعنوان (من قال إن النفط أغلى من دمي )؟ نذكر منها:

طفل صغير‏..
ذاب عشقاً في العراق
كراسة بيضاء يحضنها
وبعض الفل‏..‏ بعض الشعر والأوراق
حصالة فيها قروش
من بقايا العيد‏..‏ دمع جامد
يخفيه في الأحداق
عن صورة الأب الذي
قد غاب يوما‏ً..‏ لم يعد
وانساب مثل الضوء في الأعماق
يتعانق الطفل الصغير مع التراب
يطول بينهما العناق
خيط من الدم الغزير
يسيل من فمه
يذوب الصوت في دمه المراق
تخبو الملامح‏..‏ كل شيء في الوجود
يصيح في ألم ‏:‏ فراق
والطفل يهمس في أسى‏:
أشتاق يا بغداد تمرك في فمي
من قال إن النفط أغلى من دمي؟‏!

وبرغم كل هذا فالغد يحمل الآمال مع الفجر القادم ونلمح هذا فى قول شاعرنا:
بغداد لا تتألمي
مهما تعالت صيحة البهتان
في الزمن العمي
فهناك في الأفق البعيد صهيل فجر قادم
في الأفق يبدو سرب أحلام
يعانق أنجمي
مهما تواري الحلم عن عينيك
قومي‏...‏ واحلمي
ولتنثري في ماء دجلة أعظمي
فالصبح سوف يطل يوماً
في مواكب مأتمي
( الله أكبر ) من جنون الموت
والزمن البغيض الظالم
بغداد لا تستسلمي
بغداد لا تستسلمي
من قال إن النفط أغلي من دمي؟!‏

وكتب شاعرنا الكبير فاروق جويدة قصيدة بعنوان ( ما عاد يكفينا الغضب ) وأهداها إلى صبايا بغداد فى سجن أبو غريب... ونشرت هذه القصيدة فى جريدة الأهرام المصرية ونذكر منها:
ما عاد يكفى ان تثور شعوبنا
غضبا... فلن يجدى مع العجز الغضب
لن ترجع الأيام تاريخاً ذهب
ومن المهانة أن نقاتل بالخطب
هذى خنادقنا... وتلك خيولنا
عودوا إليها فالأمان لمن غلب
ما عاد يكفينا الغضب
ما عاد يكفينا الغضب
ونلمح مناجاة شاعرنا إلى خير البرية صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
هذى دمانا رسول الله
تغرقنا
هل من زمان
بنور العدل يحمينا ؟

وعندما توفى الشاعر الكبير نزار قبانى يوم الخميس الموافق الثلاثين من شهر أبريل عام 1998 فى لندن ونقل جثمانه فى طائرة خاصة إلى سوريا تنفيذاً لأوامر الرئيس السورى حافظ الأسد - رحمه الله - كتب شاعرنا الكبير فاروق جويدة قصيدة بعنوان (وسافر فارس العشق ) ونذكر منها:
تبكى القلوب التى أهديتها زمنا
من الجمال بحور الشعر والأدب
تبكى الحروف التى سطرتهانغماً
كانت ترفُّ على عينيك كالهدب
نسيم لبنان هل تدرى بما حملت
دموع "بلقيس" من حزن ومن عتب
ياسمينة الحى صاحت عندما لمحت
مواكب الناس من باكٍ ومنتحب
مالت على الأرض فى حزن وقد تركت
ثيابها البيض للأنداء والسحب
كانت تصلى على جثمان عاشقها
كأنها طفلة ماتت بحضن أب
قد عدت للشام... يا للشام كم حملت
مواكب النور من صيدا الى حلب
يا درة الشام.. يا أغلى قلائدها
أبيات شعرك تيجانُ من الذهب
إن سَاءلوا الناس يوماً عن مراتبهم
فدولة الشعر فوق التاج والرُتب

وبلقيس المذكورة هى زوجة الشاعر الكبير نزار قبانى وهى من العراق وتوفيت عام 1981 تحت أنقاض منزل منهار فى بيروت وظل الشاعر يجمع أشياء زوجته أربع ليال وتعرف عليها من خاتم الزواج الذى يحمل اسمه
وعندما رحل أحد فرسان الاغتراب الشاعر العراقى الكبير عبد الوهاب البياتى فى الثالث من شهر أغسطس عام 1999 حيث وافته المنية فى دمشق ودفن فى مسجد محيى الدين بن عربى تنفيذاً لوصيته.. كتب الشاعر الكبير فاروق جويدة قصيدة بعنوان ( الخيول لا تعرف النباح ) وأهداها إلى الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتى ونقطف منها:
هنا كان بالأمس صوت الخيول
على كل باغٍ له جلجلهْ
فكم أسقط الحق عرش الطغاه
وكم واجه الزيف كم زلزله
فكيف انتهى المجد للباكيات
ومن أخرس الحق.. من ضللَّه ؟؟
ومن قال إنَّ البُكا كالصهيل
وعَدْو الفوارس كالهرولهْ ؟؟
سلام على كل نسر جسور
يرى فى سماء العُلا منزلهْ.

أتمنى أن أكون قد وفقت في دراستي وفي المرة القادمة نعرض دراسة أخرى حول شعر شاعرنا المتميز فاروق جويدة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى