الأربعاء ٣ شباط (فبراير) ٢٠١٦
بقلم حسين سرمك حسن

لا وجود للناقد الموضوعي

(( محاضرة الضائع من مواردنا الخلقية التي ألقاها الوردي ببيروت في نيسان 1958 محاضرة جريئة حول المشكلة الخلقية في المجتمع العربي استرعت انتباه السامعين.. علينا أن نحيي هذه الأمانة والشجاعة.. كم من الأوربيين والأمريكيين من يستطيع أن يعرّي الاوهام عن حياتهم الاجتماعية بهذا الشكل ؟ ))

الكاتب الفرنسي (فنسنت مونتاي) (كتاب العرب – باريس – 1959 )

تُعتبر موضوعة ( الناقد الموضوعي) من المشكلات الشائكة في مجال النقد الأدبي حيث تُثار تساؤلات حاسمة في المدارس النقدية كلّها، ألا وهي: هل هناك ناقد موضوعي، محايد تماما ومتجرّد من عواطفه ؟ هل يستطيع أي ناقد أن ينفصل عن النص الذي يدرسه نفسيا بصورة كاملة؟ وهل بإمكانه أن يضع قناعته وقِيَمه وانحيازاته – وحتى تجاربه القرائية النفسية وتجاربه الحياتية خصوصا في الطفولة المبكرة – جانبا حين يقوم بتكوين رأي نهائي عن نصّ ما ؟.
علي الوردي لا يقف عند حد تناول معضلة الموضوعية في النقد الأدبي، بل يوسّع دائرة بحثه لتشمل معضلة ملكة النقد عند أفراد المجتمع عموما، ما الذي يحدّد هذه الملكة ؟ وهل هي قدرة مفتوحة يمارسها الفرد بصورة تلقائية ؟ وإن لم تكن كذلك، وكانت إمكانية محدّدة، فما هي العوامل التي تحددها وتمنع انطلاقتها ؟ وهل الإنسان منحاز بالضرورة ؟ وما هي الظروف والدوافع التي تجعله غير حيادي في تناوله النقدي للظواهر الاجتماعية التي تحيط به ؟

يبدأ الوردي أولا بمناقشة هذه الأطروحة في الجانب الأدبي من خلال مجادلاته الشهيرة مع الدكتور ( عبد الرزاق محيي الدين ) والتي ضمّها كتابه ( أسطورة الأدب الرفيع ) الصادر عام 1957. يقول الوردي:

( قد يسأل سائل فيقول: هل في إمكان الناقد أن يتحرّر من العاطفة تحرّرا تاما ؟ )
ويجيب على هذا التساؤل الملح بالقول:
( الواقع أن الناقد غير قادر على ذلك. إنه بشر ولم يخلق الله بشرا قادرا على التجرد الكامل من عواطفه. ولكن في إمكانه أن يروّض نفسه على التحرّر النسبي منها ).
لكن كيف يتحرّر الناس من تأثيرات عواطفهم السبقية المنحازة ؟.

يجيب الوردي بالقول:

( لو درسنا الناس لوجدناهم على درجات متفاوتة من حيث تحرّرهم من العاطفة. فهناك في رأس الدرج المحنّكون الموضوعيون، وهم الذين يستطيعون أن يفرّقوا في نظرتهم إلى الأمور بين الجانب الذاتي والجانب الموضوعي منها. وتراهم يقولون عن الشيء انه عظيم بالرغم من كراهيتهم له، أو يقولون انه تافه مع أنهم يحبونه. وفي أسفل الدرج نجد الرقعاء من الناس، وهم الذين تسيطر العاطفة على نظرتهم في الأمور سيطرة كبيرة. إنهم يلونون الدنيا بلون ما في أنفسهم من ميول ذاتية، فإذا أحبّوا شيئا ظنّوا أن الدنيا كلها منهمكة في حبّه والإعجاب به. وهم يتغنّون بمدحه من غير حياء، ويمتعضون حين يرون الناس لا يؤيدونهم في هذا الغرام والهيام ).

والوردي يعتقد أن هذا التفكير الانحيازي يعود بجذوره إلى سنوات الطفولة لأنه سمة من سمات التفكير الطفلي الساذج. لكن هذه السمة تضعف بمرور الزمن ومع نمو ذكاء الفرد واتساع معرفته وتعدّد تجاربه ونمو ملكاته النقدية. لكن المشكلة – كما يقول الوردي:

( تتمثل في أن هناك من الناس من لا يملكون القدرة على التحرر الفكري عندما يكبرون إذ يمنعهم عنه ضعف ذكائهم أو قلة اتصالهم بحقائق الحياة. وهؤلاء يظلون طيلة عمرهم رقعاء كالأطفال، والويل للأمة حين ينصّب هؤلاء أنفسهم نقادا للأدب أو صيارفة للفكر ).

ولكن هل هناك فرصة لحيازة (الموقف الموضوعي )؟

يقول الوردي:

( قرأت كتابا للبروفسور ( جود ) في نقد المذاهب الفكرية الحديثة، فوجدته يحذّر القرّاء في أحد فصول الكتاب من تحيّز الكاتب ويعني به نفسه. يقول ( جود ): (لابد أن أقدّم هذا الفصل والذي يليه بشيء من التحذير. فهما الفصلان اللذان يمثّلان آراء الكاتب أكثر من سواهما. ومعنى هذا أن الحياد العلمي الذي روعي في بقية الفصول ربما أُهمل في هذين الفصلين.. فقد جئتُ فيهما بآراء ليس لها ما يسندها من أحكام الثقاة سوى حكم الكاتب نفسه.. وهذا التحذير ينبغي أن لا يفوت أحداً، إذ هو يدل على صراحة الكاتب من جهة، ويحفز القاريء على الحيطة من جهة أخرى )).

إن الوردي يضعنا هنا، وبذكاء، أمام حالة إعداد وفحص وتحليل لشخصية الفرد وأفكاره تشبه تلك التي يخضع فيها المحلّل النفسي الجديد للتحليل النفسي على يد أستاذ متمرّس أقدم منه وأكثر خبرة قبل أن يضطلع بمهمته في تحليل الآخرين. هنا يقوم الأستاذ المتمرّس بتحليل شخصية المحلّل الجديد ليكشف له نقاط ضعفه وثغرات شخصيته وعُقده التي قد يُسقطها على المريض، وآلياته الدفاعية – defence mechanisms التي يستخدمها عادة لمواجهة القلق والظروف الضاغطة وتُستثار في المواجهة التحليلية مثلما يستثير النصّ دفاعاتنا أيضاً. لكنّنا نقف في الواقع هنا – في حالة (جود) - أمام حالة من التحليل النفسي الذاتي التي مارسها ( فرويد ) سابقاً على ذاته خلال عمله في التحليل النفسي العيادي. يعلق الوردي على كلام (جود) بالقول:

( نشهد في هذه الفقرة نموذجا صالحا للنقد الموضوعي، ففيها نجد الكاتب يعترف بما في أعماق نفسه من تحيّز، وهو يحذّر القاريء منه. إنه بعبارة أخرى قادر على فحص نفسه كما يفحص غيره. وهو يستطيع أن يكتشف مكامن العاطفة في نفسه كما يكتشفها في من حوله ولا يخفى أن هذه مقدرة صعبة كل الصعوبة. فهي تحتاج إلى ترويض دقيق ومران طويل. ولا ينالها من الناس إلّا القليلون. ولعل كثيرا من الذين أخفقوا في بحوثهم العلمية يرجع سبب إخفاقهم إلى العجز عن نيل هذه المقدرة النفسية الكبرى ).

العقل الباطن هو الذي يحدّد أفكارنا "الموضوعية":

ولكن في وجهة نظر لاحقة للوردي، تطوّر موقفه هذا إلى درجة أكثر شدة وشمولا خصوصا بعد الهجمات النقدية العنيفة ومحاولات التكفير وهدر الدم التي تعرّض لها بعد أن أصدر كتابه الخطير (وعاظ السلاطين). لقد أصدر كتابا خاصا هو: (مهزلة العقل البشري)، أسهب فيه في شرح قصور العقل البشري لم يستثن منه ناقدا أو مفكرا أو سياسيا أو واعظا دينيا. لقد نظر إليهم كأشخاص خاضعين لقوى لاشعورية كامنة في عقولهم الباطنة تحرّكهم من وراء ستار وتشكل مواقفهم النظرية والعملية بنفس الطريقة التي تعمي فيها هذه القوى بصر وبصيرة الغوغاء من العامة كما كان يسمّيهم وإن اختلفت الطريقة والأغطية التبريرية والمظاهر الثقافية. وبرغم أن الوردي تراجع في حواره مع حميد المطبعي في كتاب الأخير (علي الوردي يدافع عن نفسه)، واعترف أنه اختار هذا العنوان: "مهزلة العقل البشري" – كما بيّنا سابقاً - في ساعة حماس وغضب وذلك على إثر الهجمات الشديدة التي جوبه بها بعد صدور كتابه (وعاظ السلاطين ) كما قلنا:
( فقد صدرت ضد هذا الكتاب عدة كتب ومقالات لا تحصى، بالإضافة إلى خطب المنابر وتهديدات القتل. وقد خصص أحد خطباء التعزية ليالي رمضان كلها في نقد الكتاب وشتم مؤلفه. ولا حاجة بي إلى القول أن كتاب (مهزلة العقل البشري ) – بعنوانه وفصوله – إنما هو حصيلة تلك الفترة) (342).

أقول رغم تراجع الوردي النسبي هذا لأنه التف في جوابه لاحقا على هذا التراجع وجعله محاولة علمية للثورة على التفكير ( العقلاني ) الذي كان مسيطرا آنذاك، إلّا أن كتاب الوردي هذا هو محاولة ريادية وأصيلة في فهم الطبيعة البشرية على مستوى العراق والوطن العربي. ولا أعتقد أن نظرة الوردي هذه مرتبطة تحديدا بالهجمة العاصفة على آرائه التي وردت في كتابه (وعاظ السلاطين)، لقد أجّجت هذه الهجمة قناعة سابقة كانت قائمة لديه وطرحها في مواقف ومؤلفات سابقة. ففي أول محاضرة له (شخصية الفرد العراقي – 1951 ) وصف عمل العقل البشري بأنه يشبه عمل آلة الراديو:
( إن العقل البشري، أيها السادة، كآلة الراديو، فأنت لا تستطيع أن تستمع إلى محطة من المحطات إلا إذا أدرت مفتاح الراديو نحو موجة تلك المحطة. وإدارة المفتاح كما تعلمون ما هو إلا تقصير وتطويل للسلك الخاص المستلم للأمواج لكي يكون مساويا بسعته اللاسلكية لسلك المحطة المرسل. على هذا المنوال تماما يعمل العقل البشري، فهو لا يصغي إلى جدل أو يفهمه أو يقتنع به إلا إذا كان الجدل مستندا على نفس القواعد المنطقية المتغلغلة في أعماق نفسه) (343).
لكن هناك دليلا آخر أشد قوة يثبت أن موقف الوردي من الطبيعة البشرية المتناقضة ومن قصور العقل البشري كان موقفا أصيلا و " مبيّتا " سبق الضجة التي ثارت ضد كتابه: "وعاظ السلاطين"، ويتمثل هذا الدليل في كتاب وعاظ السلاطين نفسه. ففي هذا الكتاب تحدّث الوردي – وفي المقدمة – عن الخطأ الفادح الذي وقع فيه ( وعّاظ السلاطين ) ولقرون طويلة في فهم طبيعة النفس البشرية. فهؤلاء كانوا يتصوّرون أن الإنسان حرّ عاقل مختار، فهو في رأيهم يسير في الطريق الذي يختاره في ضوء المنطق والتفكير المجرد. ولهذا يكفي أن يصبّوا على رأسه نصائحهم وتحذيراتهم لكي يحسّن سلوكه ويغير ذاته. إنهم لا يدركون أن الصفات السيئة من حسد وشهوة وأنانية هي سمات أصيلة في نفس الإنسان، ولا يختلف البشر فيما بينهم إلا في درجة هذه الصفات لا في نوعها. ولهذا فإن أسلوب هؤلاء الوعّاظ لا يعني غير النفخ في قربة مثقوبة لأنهم ينظرون إلى البشر كملائكة. وفوق ذلك فإن هؤلاء الوعاظ لا يدركون طبيعة العقل الباطن الذي يصوغ قناعات البشر وأفعالهم:

( ومن الجدير أن نذكر أن للإنسان عقلين: ظاهر وباطن. وأننا، حين نعظ الإنسان في هذه الحالة، لا نؤثر إلا في عقله الظاهر فقط، أما عقله الباطن فهو لا يفهم من مواعظنا ونصائحنا شيئا إذ هو مشغول بما يوحي العرف الاجتماعي إليه من قيم واعتبارات. إن الإنسان يود من صميم قلبه أن يكون محترما بين الناس مرموقا يشار إليه بالبنان. ومن قال لك أنه لا يريد إعلاء مكانته الاجتماعية فهو كذّاب.. والإنسان حين يرى قومه يحترمون المال تجده قد اندفع نحو المال فلا يبالي أن يسرق أو يحتكر... فهو يسعى نحو الغاية التي يقدرها الناس ويستسيغ آنذاك كل وسيلة في هذا السبيل. أما إذا جاءه الواعظون أثناء ذلك يذكرونه بتقوى الله فتلك موعظة لا تدخل إلى أعماق نفسه) (344).

إن القبضة الصارمة التي يمسك بها عقلنا الباطن بأطر إدراكنا العقلية هو الذي يجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نكون ناقدين موضوعيين متجردين تماما عن أي مصلحة فكرية أو نفسية. ولعل الوردي هو أول من نقل عن نظرية التحليل النفسي، وطرق باستمرار على أطروحة أن الإنسان ليس كائنا منطقيا – rational human being، بل كائنا تبريريا – rationalized human being كما قلتُ سابقاً. وهذا ما عبر عنه الوردي وبصورة مبكرة في كتابه: (خوارق اللاشعور) وبصورة دقيقة بقوله:

( إن الإنسان يسير بوحي العقل الباطن أولا ثم يأتي العقل الظاهر أخيرا لكي يبرّر ما فعل ويبهرجه ويطليه فيظهره أمام الناس بالمظهر المقبول. وقد يجوز لنا القول بأن الإنسان يعمل ثم يفكّر، وهذا عكس ما كان القدماء يظنون به، فهو يندفع نحو شيء ثم يفكّر به بعدئذ، كمثل الأعشى الذي داس على كلب من غير أن يراه ثم قال: إني أريد أن أقتله. لقد كان القدماء يعتقدون بأن الإنسان حيوان عاقل. والواقع أنه حيوان متحذلق. فهو متعاقل لا عاقل. يتظاهر بالتعقل وهو في الحقيقة مجنون.. على وجه من الوجوه) (345).

القرآن حمّال أوجه والدين لا يؤخذ بالمنطق:

فبخلاف ما اعتقده القدماء من أن الإنسان يفكر أولا ثم يندفع في عمل من الأعمال، فإن الإنسان يندفع في العمل أولا ثم يفكر. فالإنسان يندفع في أداء أعماله تحت تأثير عوامل لاشعورية من ظروفه النفسية والاجتماعية ثم يقوم بتقديم المبررات المناسبة لعمله. وحتى الدين- حسب الوردي – فإنه لا يستطيع ردع الإنسان عن عمل يشتهي أن يقوم به، إلا بمقدار ضئيل. فتعاليم الدين يفسّرها الإنسان ويتأولها حسب ما تشتهي نفسه. ولو عدنا إلى الصراع الذي نشب في صدر الإسلام بين الجماعات الإسلامية المتصارعة لوجدنا أن هذه الجماعات قد استخدمت آيات كريمة مُستلة من القرآن الكريم أو أحاديث شريفة قالها الرسول الكريم ( ص )، وقد بلغ التناقض مداه الأقصى الصادم حين بدأت الجماعات المتصارعة تتجادل فيما بينها مستغلّة الآيات والأحاديث نفسها. وهناك مقولتان للإمام علي بن أبي طالب في غاية الأهمية في كشف النزوع التبريري المتأصّل لدى الإنسان الذي لا يتورع عن استغلال أعظم النصوص قداسة لتبرير أشد المصالح دنيوية ودناءة. يقول علي بن أبي طالب:

( القرآن جمّال أوجه )

وهو يعني بذلك أن القرآن يحمل تفاسير متنوعة، وكل حزب يستطيع أن يجد له في القرآن ما يريد من دليل يسنده في عمله ويحارب به خصومه. ويقول أيضا:

( لو كان الدين يؤخذ بالمنطق، لكان مسح باطن القدم في الوضوء أوجب من مسح ظاهره )،
وهو تعبير عظيم الدقة والبلاغة عن دور دوافع عقولنا الباطنة في تشكيل حتى طقوسنا الدينية الصارمة التي نعدّها حقائق راسخة لا جدال فيها ونمارسها بطريقة يومية لقرون طويلة. وهذه الدوافع قادرة على تطويع أي نص قائم أو خلق نصوص جديدة تكون أغطية مناسبة لتمرير دوافعنا اللاشعورية. وهذه ( المرونة ) في التعامل مع النصوص المرجعية تجعل من مهمة النقد الموضوعي مهمة عسيرة وتحتمل الكثير من التضارب وحتى المخاتلة.

(التنويم الإجتماعي) يُضعف الموضوعية لدى الإنسان:

إن من العوامل المهمة التي تضعف قدرة الفرد على النقد الموضوعي هو ما أطلق عليه الوردي ( التنويم الاجتماعي ) - كما بيّنا آنفا- والذي تثبت أصالته من خلال استعماله في محاضرته الأولى عام 1951 ومثابرته في استخدامه وتوضيح أبعاده والغوص في أعماقه في كل مؤلفاته. ففي محاضرته ( شخصية الفرد العراقي ) أشار الوردي بوضوح إلى أننا جميعا وفي جميع شؤون حياتنا واقعين تحت تأثير يشبه تأثير التنويم المغناطيسي، وهو ما أسماه الوردي بـ ( التنويم الاجتماعي ) الذي يقوم به المنوّم الأكبر وهو المجتمع الذي يعيش فيه الفرد:

( فالطفل عندما يفتح عينيه للحياة وهو صغير يبدأ منوّمه الكبير، أي المجتمع، بالإيحاء إليه بأنه فلان ابن فلان وأنه جزء لا يتجزأ من عائلة وطبقة معينة وأن الواجب عليه أن يفعل كذا ويقول كذا. وبذا فهو ينشأ وهو كالمنوّم ينظر إلى نفسه كما ينظر الناس إليه ويقوم بما ينبغي أن يقوم به حسب ما أوحت إليه الجماعة التي يعيش فيها (346).
ويواصل الوردي توسيع نظرته هذه من خلال تناول الموضوع من زاوية نظر أخرى لمّاحة ومكملة تقوم هذه المرة على قول للنبي محمد ( ص ) تداولناه طويلا دون أن نستثمر أبعاده النفسية والاجتماعية وهو:
( الناس نيام إذا ماتوا استيقظوا)

حيث يرى الوردي أننا مادمنا في هذه الحياة نعيش في مجتمع، فإن جل تفكيرنا وأعمالنا جارية على أساس الإيحاء الاجتماعي الذي نتلقفه منذ أيام طفولتنا الأولى، فينغرز في أعماق عقولنا الباطنة، ونسير على حسبه من حيث ندري أو لا ندري ؛ حتى إذا رأينا عادة تختلف عن عاداتنا أو عملا يختلف عما تعودنا عليه أخذنا العجب وشرعنا نضحك ونسخر كأننا وحدنا في هذه الدنيا أبرياء من الغفلة، مع أننا كلنا في غفلة، أو كما قال النبي محمد: كلنا نيام نستيقظ عند الموت. ويعلّق الوردي على موقف البعض من السادرين في غيبوبة التنويم الاجتماعي بالقول: ِ
(وقد يحلو للبعض أن يقول متفكّها: من يدري، فلعلنا نغط بعد الموت في نوم آخر) (347).

علي الوردي: (48)

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى