سلمان ناطور ... حارس الذاكرة ... وداعًا

، بقلم جوني منصور

لا تزال صدمة رحيل سلمان ناطور مستولية عليّ منذ أن سمعت خبر موته المفاجئ يوم الاثنين الماضي 15 شباط 2016. كانت اخر مكالمة هاتفية أجريتها معه في نهاية الشهر الماضي بنية التحضير لأمسية تكريمية له يرغب نادي حيفا الثقافي تنظيمها في شهر شباط الحالي، لكنه وبكلماته الهادئة وروحه العالية طلب تأجيلها "بذريعة" اجتيازه عملية صغيرة في إحدى عينيه. فوافقته على أن اتواصل معه في وقت لاحق. فكان موعدنا في يوم شؤم وحزن، يوم فراق صديق ورفيق عن هذه البسيطة...

من اليمين، الأديب الراحل سلمان ناطور، والدكتور جوني منصور

وأثناء تشييعه في قريته دالية الكرمل ووسط حشد غفير من المشيعين له في طريقه الأخير، استرجعت في مخيلتي شريط ذكريات لي معه... حين عرفت سلمان شخصيا كان ذلك في شتاء 1994 أثناء حديثه عن الذاكرة التي تخصنا كشعب باق على أرضه وفي وطنه، وأهمية التمسك بهذه الذاكرة... سحرني الرجل بصورة لم اعتد عليها من قبل... بالرغم من أني قرأت له مقالات كثيرة في الاتحاد والجديد وبالعبرية أيضا... لكن أن تسمع صوت سلمان شيء مختلف... الصوت والكلمة والنبرة والحركة اليدوية الخفيفة تعيد السامع إلى الزمن التاريخي، وإن لم يكن مولودا فيه... أعني إلى ما جرى في العام 1948... هذا هو سلمان الذي أعادنا بطريقة النص الأدبي إلى ذاك الحدث المؤسس الذي اعتبره نقطة مفصلية في تاريخ الأمة، متجاوزا كل التعقيدات البحثية والنظرية والاحصائية ليقول كلمة حول موضوع "الذاكرة".

ترافقت وسلمان لمدة عقد من الزمن ابتداء من الالفية الثالثة.. حيث كنا نسافر مرة في الشهر أو كل شهرين إلى رام الله لأشغال بحثية ولقاءات مع أدباء وشعراء ومهتمين بالهم الثقافي الفلسطيني... وأنا اقر بأنه أتاح لي الفرصة للتعرف على عشرات منهم، وعلى عدد كبير من مؤسساتنا الوطنية الناشطة في الضفة الغربية... ولأن الرحلة من حيفا إلى رام الله تستغرق ساعتين وأكثر في كل اتجاه ، كنا نتجاذب أطراف الحديث من قصص وحكايات ونكات على أنواعها ونتناقش في السياسة والشأن العام والهم الفلسطيني... وخلال رحلتنا هذه كنا معا نعد أسماء القرى والبلدات الفلسطينية الواقعة على الطريق أو بالقرب منه حتى نصل إلى مشارف رام الله... عدد القرى التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية كبير جدا، لدرجة أننا كنا نذرف الدمع على ما آل إليه الأهل أصحاب هذه القرى والبلدات، وما حل بهم من تشتت وتمزيق...
خلال هذه الرحلة اكتشفت سلمان، وعرفت أي موضوع يشغله حتى النخاع... وعرفت لماذا؟ إن "الذاكرة" التي تملكت عليه جعلته يبحث في زوايا وخفايا التاريخ الشفوي عن قصص المعاناة والأمل، التشتت واللقاء، الحزن والفرح... اتخذ الرجل المشقق الوجه دليلا له، بل دليلا لفلسطين كلها... وعلامة رمزية لهذا الصراع الذي يعيشه الفلسطيني كل يوم في حياته باحثا في الصحراء عن بارقة أمل يعيد بواسطتها بناء ما دمر، والعودة إلى حيث يجب أن يكون هذا الانسان، إلى أرضه ووطنه وذكرياته.

لم تكن الذاكرة عند سلمان موضوعا للتسلية، إنه العلاقة بل الرابط بين لافلسطيني وماضيه الذي يبغي الغزاة سلبه، ليبقى بدون أي ماض بعد أن سلب الغزاة أرضه وأملاكه وطردوه.

ذاكرة سلمان مغروسة ومجبولة في دمه ورئتيه وقلبه ووجدانه... اعتبر الذاكرة قوة مخزونة في موروث الشعب الفلسطيني لا يمكن للغازي ان يسلبها منه مهما كانت الظروف الزمنية...

ولا يتوقف مشروع سلمان عند عملية جمع الروايات الشفوية، بل ينقلنا إلى مرحلة بناء الحافظة لهذه الذاكرة من خلال نقلها إلى الأجيال الشابة بوجه خاص، وإلى الأجيال المستقبلية لتكون ناقوسا يقرعوه بوجه الطغاة والمتغطرسين سالبو الوطن وما فيه.

لهذا، فإن ذاكرة سلمان هي ذاكرة شعبه، وهي أداة لمواجهة محاولات الطمس الثقافي ونشر فكر كره وجلد الذات.. إنها – الذاكرة - وصفةٌ للحفاظ على هذا الموروث والحيلولة دون ضياعه...

من اليمين، الدكتور جوني منصور، الأديب عادل سالم، والأديب الراحل سلمان ناطور

سيُكتب الكثير ويُقال الكثير عن سلمان، لا بأس في ذلك فقامةٌ مثله تستحق كل هذا.. لكن بنظري مسألة "الذاكرة" تبقى الأكثر شغلا لمن يرغب في الغوص عميقا في لجج بحر نصوص سلمان ناطور...
سأفتقدك سلمان... و"ذاكرتك" باقية فينا ما بقي العمر وما بعده...