مــــن وراء الغربــــة

، بقلم رابعة حمو

(من وراء الغربة) عنوانٌ لمجموعة شعرية صدرت في اللغة العربية والألمانية للشاعر الجليلي الدكتور صالح خليل سروجي عام 2006 عن دار نشر Verlag Erich Wieß في مدينة بامبيرغ الألمانية، وأعيد طباعتها للمرة الثانية عام 2010 عن دار النشر ذاتها. وعلى الرغم من أن هذا العنوان لم يرد كمفتاح لقصيدة بذاتها في الديوان، أو ظهر كمقطعٍ شعريِ من إحدى القصائد، إلا هذه العنونة تشكل عاملاً مشتركا أَّلف بين القصائد الاثنين والثلاثين مجموع قصائد الديوان. فاختيار الشاعر لاسم مجموعته الشعرية بهذا المعنى منحه امتداداً طبيعياً على جغرافيا الكتاب من الغلاف الى الغلاف مما أكسّب العنوان أهميته للمعنى المُغيّب الذي سيقودنا إليه د. سروجي في فهم حقيقةَ المكان والزمان الماورائي القابع خلف معنى العنوان.

تتكثف كلمة (الغربة) على لوحة الغلاف فصبح كنافذة زجاجية يطلّ الشاعر من خلفها. ولعلّ هذه النافذة هي وسيلة الشاعر للتخفيف من الشعور بالوحدة بين عالمين : الأول خارج النافذة والآخر داخلها. كأنه يراقب من خلف نافذته ما يدور في غربتيه الداخلية والخارجية. ويتأمل عميقاً الذات الحائرة في داخلها، والذات المتأملة في خارجها، في مسافة فراغية تتأرجح بين الهنا والهناك، بين الأنا والآخر، بين الحضور والغياب، بين الوطن والغربة، بين الحب والفراق، بين البقاء والرحيل. هذه "الثيمات" المتصارعة والمتنافرة فيما بينها تنصهر لتُقلص المسافة بين (أنا الشاعر) و(الآخر) في ديوانه، لتشكل في مجموعها حواريات تطرح أسئلة أنطولوجية عن قضايا تؤرقه وتغوص عميقاً في فكره لتبين لنا علاقته بما حوله كالوطن والإنسان، الكون والوجود، الحب والموت، الشوق والغياب، الغربة والمنفى. فلا يجد لها أجوبه تشفي أنين النفس وتساؤل الروح الحائرة إلا في عالم الشعر الموسوم بأسلوب فني يتميز بالتكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية بلغة شاعرية أنيقة تمزج فيها الواقع المعاش وتتأمل في الكون ومعانيه الانسانية الخالدة.

لكن تبقى هذه الأسئلة ناقصة ما لم نلاحظ الصورة على وجه الغلاف وهي كلمة (الحرية). ولعل الشاعر أراد أن يضيف إلى أسئلته الوجودية كلمة (الحرية) وما تعنيه هذه الكلمة من رغبة في التحرر من القيود والحدود إلى الآفاق الممتدة. كأنه يقودنا في نهاية تأمله في الكون والحياة وما تحويها من معاني الحب والفراق والغربة والوطن إلى معنى سامي وقيمة عليا للإنسان وهي السلام. هذه الكلمة الخاتمة التي استقرت حروفها على دفة الكتاب الخلفية لربما نعتبرها خلاصة رؤية الشاعر وبحثه في الحياة.

في نظرة بانورامية لفهرس المجموعة نجد أن القصائد الشعرية تقسّمت على أربع حالات. لعلّها حالات الشاعر الأربع التي عاشها في زمانه ومكانه. وقد أطلق على كل حالةٍ من هذه الحالات اسم. فالحالة الأولى سمّاها حالة الحب. واحتوت على ثماني قصائد: ( الحبُ كالرييشة، عِناق، ضَياع، لا غبار بعدَ هذا الغبُار، أهديكَ صوتين، حالة طوارئ، نبيذي لا يكذب، اختلاط الأمور). والحالة الثانية أطلق عليها حالة الشوق. وقسمها الشاعر أيضا الى ثماني قصائد : ( خذيني حتى آخر الشوق، حُلم، المسافرُ، سرُّ البحر، حضورُ الغياب، يفاجئني الشّوق، إلى أيّلول، القدس). والحالة الثالثة هي حالة الوطن. واحتوت على ثمان قصائد : ( البحث عن آخر العناصر، بعد منتصف الّليل، لا نريد إل أن نكون، الخروج من الظّل، عودوا إلى مراياكم، حبر كالدّم، غضب الوطن، ينتظرون الشّمس). أما الحالة الرابعة والأخيرة فهي حالة الغربة. واحتوت على ثماني قصائد : ( لقاء الغرباء، سؤال الوداع، آخر حقيبة، لسانك حصانك، مينائي الأخير، قريب ولكن بعيد، جسر الحنين، أتركوا الأنبياء بحالهم).

لم يكن غريباً أن يبدأ الشاعر مجموعته في حالة الحب، فالحب يُشكل وجوداً حركياً في حياة الإنسان. ورغم أنه (كالريشة) كما جاء في عنوان القصيدة الأولى، إلا أن الحياة لا تكمن قيمتها إلا فيه. فهو يدخل في نسيج الوجود البشري إن لم نقل بأنه القيمة الكبرى التي تخلع على الحياة البشرية جانباً غير قليل من معانيها. والحب في شكله الدلالي لا يغدو إلا علاقة الأنا بالآخر، ومحاولة ترويض الذات والتضحية بتمركزها حول ذاتها في سبيل هذا الآخر الذي تسعى الذات إلى إسعاده وسعادته. في جواب لسؤال يبدو بديهي يتضح أنّ الحوار في قصائد (حالة الحب) يدور بين طرفين هما الحبيب وحبيبته. ويظهر من خلال هذه الحواريات أنّ الحبيبة رحلت وغابت في غياهب هذا العالم. لذا نلمسّ في هذه القصائد دفقات شعريّة لا شعورية ومعاناة لا يستطيع الحبيب أن يتحملها أو أن يحتفظ بها في ذاته المعذبة، فغدت حوراته مع الحبيبة كأنها عكاز الروح التي يتوكأ عليها بعد غيابها. وكثيراً ما ارتبط الحب بالموت وأصبح الأول ضحيةً للثاني. ولذلك لا تخلو قصيدة من القصائد الثماني من التصريح بغيابها أو التلميح إليه في صور متنوعة. فمن تكثيف لمعنى الغياب في العنوان كما ورد في قصيدة (ضياع). إلى صورة تراجيدية كقصيدة (لا غبار بعد هذا الغبار) التي يطلب فيها الحبيب من حبيبته الراحلة أن تأخذ كل ما لها من ذكريات ونُتف الحكايات وأن تكون وفيّة لغيابها، إلى كلمة الوداع في قصيدة (أهديك صوتين) وما تحمله هذه الكلمة من مرارة وصعوبة على النفسّ (قبل مواصلة سيرها عانقتني وقالت: وداعاً). ولا يتوقف الغياب عند هذا الحد بل ينشطر لتصل شظاياه الى قصيدتي (حالة طوارئ) و(نـبيذي لا يكذب) ففي الأولى يحاول الحبيب اللحاق بحبيبته التي غابت ولن تعدّ مرة أخرى ( ركضت وراءها لاهثاً علّي أحس بنارها). وفي الثانية تشكّ الحبيبة بقدرتها على المحافظة على حبها (إذا استطعنا أن نحافظ على هذا الحبّ...). أما في القصيدة الأخيرة (إختلاط الأمور) فقد تاه الحبيب واختلط عليه الواقع والحلم، الحضور والغياب، وكأنه في هالة هذيان. فهو يرى حبيبته تحضر في أفكاره لكنها غائبة عن واقعه (كيف كان الحلمّ، إلى الأمام أم إلى الوراء؟ أراك في أفكاري، وتختفي ملامح وجهك أحياناً).
يلعبّ الزمن عاملاً مهماً في قصائد (حالة الحب) فهو توأم الحب والموت. حيث تتناثر مفرداته في ثنايا القصائد : العمر، لحظة، شتاء، زمان آخر، زمان بعيد، الصباح الباكر، ليلة تشرينية. ويتمتد زمن القصائد الثماني بين الماضي المُلوّن بالحزن والفرح معاً وبين الحاضر الممزوج بالألم. وتعبر الأفعال عن زمنين أثنين. الزمن الأول هو زمن البدايات، حيث الحب والسعادة والفرح، كما في القصيدة الأولى (الحبّ كالريشة) :

الحبرُّ يركضُ بعيداً إليك،
والأصابعُ صابرةٌ تنتظر الحروف،
الجسدّ ناعمٌ كالحرير لا يعبثُ للألوان،
والرحلةُ لا نهاية لها...

وقصيدة (ضيّاع) :

ابحثي عن شبق شهوتك في غابات شًعري،
المسافةُ بين عينك وشفاهي هي قبلة لا غير....

وقصيدة (أهديك صوتين) :

أهدتني قبل انحسارها الزمرد والياقوت
وأهدتني صوتين ولغتين لأتمرج بينهما...
(عندها عرفت أن الهوى إن أتى لا يمهلنا مرتين!).

وزمن ثاني هو الزمن الحاضر، زمن الألم والتذكر والسقوط بين الحلم والواقع كقصيدة (لا غبار بعدّ هذا الغبار) :

خذي كل ما تبقى من غبارك وحيرة غرفتي،
خذي ما شئتي من جمر عينيّ،
ومن شفق السماء.
واسرقي حبال غسيلي التي علقت عليها حكايتي وذكرياتي،
خذي كل شيء!
ولكن، أعيدي لي -ولا تعودي-
أشعاري وكتبي وملاقط غسيلي،
لأعلقها على حبال الريح،

في القسم الثاني من الديوان وهو )حالة الشوق(. ربما الحنين ونار الشوق المتأججة دوماً التي تستكين ولا تهدأ هي من جعلت الشاعر يربط حالة الحب الأولى بحالة الشوق الثانية. فالنفس البشرية تُولع بالمفقود، تعرف قدّره، وتتوجع للياليه وأيامه الجميلة. والإنسان يحنّ دوماً ويشتاق للفصل السعيد من حياته فلا أحد يتذكر الألم. ويزداد التعلق والحنين إلى الماضي الجميل إنْ كان الواقع قاسياً وصعباً. وبذلك يصبح الحنين والشوق للماضي نوعاً من التعويض عن عدم القدرة على التأقلم في عالم الواقع المعاش. ففي قصائد (حالة الشوق) ينتقي الشاعر نُتَف من أرشيف الذاكرة ويقلبها قلبه على مهل فتظهر في أبيات هذه القصائد شوقه للحبيبة الراحلة، حنينه للأب الغائب، وتذكّر الأصدقاء القدامى، أيام الصِبا، الوطن بأزقته وشوارعه.

في قصائد (خذيني حتى آخر الشوق، حضورُ الغياب، يفاجئني الشّوق) يعود وجه الحبيبة الغائبة ليظهر من جديد. فالحبيب يشتاق لحبيبته ولطيفها الذي يزوره بين الحين والآخر في الحلم فيطلب منها أن تأخذه إلى آخر الشوق في رحلة الحلم كما في قصيدة (خذيني إلى آخر الشوق) :

إن تاهت خطاي قليلا عن الدرب
وجلس قلبي ليستريح قليلاً من شدة حيرته
ضميني إلى صدرك
ودعيني أنسى رعشة أعضائي وأسمائي جميعاً
...
وعندما آتي كوني بلا حدود
ودعي المكان للمكان
ودعينا نرحل مع الريح
حتى آخر الشوق

اما القصيدة الثانية (حضور الغياب) فالشوق الجارف للحبيبة يجعل الحبيب يخلط بين الحقيقة والخيال، فلا يعرف هل هي حاضرة أم غائبة، فهو يراها في كل مكان، على أوراق مكتبه، في زوايا غرفته، في الهواء، حاضرة في كل شيء:

حاضرٌ أنا ولكن أين ومتى؟
ومع من ؟ أين أنا ؟
حاضرة أنت على أوراقي.
وتعشعشين في زوايا الغياب
وتحلقين في هواء غرفتي
وتحضرين وتغيبين كما تشائين
وإلى أين تريدين.

وتعود الحبيبة لتظهر مرة أخرى في قصيدة (يفاجئني الشوق) التي يصف فيها الحبيب شدّه شوقه لحبيبته الغائبه الذي يفاجئه على حين غفلة ويطرحه أرضاً، ولعل الحبيب قد أدرك أنه لا شوق بلا ألم ولا حب بلا وداع. وكأنه قد استسلم للأمر الواقع وقبل بيد القدر التي فرقته عن حبيبته :

يفاجئني الشوق على حين غفلة
ودون أ، يمهلني يضغط علي ويرميني أرضاً
ويسلبني أحاسيسي
...
فلا يوجد شوق بلا ألم
ولا حب بلا وداع
ينتقل بنا الشاعر من حالة الحب إلى (حالة الوطن) في قسمه الثالث. ويعتبر الحنين إلى الأوطان والأهل والأحباب، من رقة القلب، وعلامات الرشد لما فيه من الدلائل على كرم الأصل، وتمام العقل. ولقد عَرف العربي حب الوطن والحنين إليه منذ أقدم الأزمان، فحمل لنا الشعر العربي صوراً رائعة من أشواق الشعراء وحنينهم إلى أوطانهم ومرابعهم ومراتع صباهم فيندر أن تجد قصيدة عربية ـــــــ مثلاً في العصر الجاهلي ـــــ إلا وبها حنين إلى الوطن أو ذكر المنازل والديار، ولا غروَ في ذلك، فالأرض قطعة من الإنسان لا يستطيع نسيانها أين ارتحل. وهل يستطيع الإنسان أن ينسى صورته المعلقة على جدار بيت الوالدة الماكثة في الارض والمكان؟ وهل يستطيع أن ينسى مكانه الأول وحنينه الأبدي لأول منزل كما قال الشاعر أبي تمام :

كم منزلاً في الأرض يألفه الفتى وحنيه أبداً لأول منزلِ
يجدر بنا أن نطرح سؤالا موارباً قبل الدخول في هذه المجموعة وهو: كيف يمكننا الدخول في عالم الشعر بتجرد دون أن نشير الى بلاد مشردة بين اللغات والبلدان؟ وهل يمكننا الإحالة الى ذات الشاعر دون أن نتأثر بتفاصيل عن مكانه وزمانه ؟ لا بد من أن تتراءى خلال التجربة الإبداعية تفاصيل حياة مختلفة عاشها الشاعر سروجي بين أمكنة قد تتسع أو تضيق ولكن المعاناة وإن انتهت فإنها تترك آثاراً وندوباً على جلد القصيدة الرقيق. ولعل أبرز ما يميز الشعراء الذين تركوا الوطن هو تجربة الغربة التي تتجذر وتمتد جسوراً بين الوطن الأم حتى بلد المنفى. ويتفاوت حضور الغربة من شاعر إلى آخر وحتى من نص إلى آخر، حسب الدفقة الشعورية والتجربة الإنسانية لكل شاعر.
ديوان (من وراء الغربة) للشاعر سروجي يشبه بحيرة صبت فيها أغزر ملامح تجربته في الغربة. وماذا بعد؟ وكيف الخلاص مما علق في الذاكرة والقلب والجذور من بلاد نأت عنّا ولكنها مازالت حاضرة بشكل أو بآخر فينا؟ كيف نخلّص الذاكرة من غبار الأمكنة القديمة؟ وكيف نمحو من القلب الشعور بالانتماء الى مكان عزيز مهما كانت اشكاليات ذاك المكان؟ تمثل (قصيدة القدس) جسرَ الانتقال بين قصائد المجموعة الثانية (حالة الشوق) وقصائد المجموعة الثالثة (حالة الوطن) وذلك ليس مصادفة أو ضربة حظ.
فالقدس هذه المدينة الجسر بين السماء والأرض، بين الهنا والهناك، بين الحضور والغياب، تصبح أيضا مفتاح الدخول والانتقال من حب الحبيبة بمعناه الضيق إلى حب الوطن بمعناه الأوسع. وقد حملت هذه القصيدة العديد من الإنشطارات والثنائيات التي عبر عنها الشاعر بمفردات عديدة وجاءت ملائمة لموقعها المفصلي بين طرفي الوطن والحبيبة:

حبيبتي
أَنَا أَبْحَثُ عَنْ شَيءٍ يَقْسِمُنِي.
وَلَكِنْ، لا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فَقَطْ أَيَّ نِصْفٍ،
إِنَّمَا نِصْفُ حَالَتِي، نِصْفُ زَمَنِي أَوْ نِصْفُ قَلْبِكَ.
ولكن لا اريد أن أكون اي نصف
إنما نصف زمني أو نصف قلبك

أَرْجُوكَ! لا تَشْطُرْنِي وَلا تَرْمِ بِأَشْلائِي إِلَى مَهَبِّ الرِّيحِ!
أَلْحِمْ حَاجَاتِنَا وَأَعِدْ الرُّوحَ إِلَى دَائِرَةِ الجَسَدِ!
....
وَالْقُدْسُ هِيَ الحُلْمُ.
وَالْمَدينَةُ لَهَا وَجْهَانِ مَخْدوشَانِ.
وَبِرَغْمِ هَذَا تُرَفْرِفُ الأَعْلامُ بِحُرَّيَةٍ في كُلِّ مَكَانٍ
وَتَنْتَظِرُ الَّذِينَ سَيَعُودُونَ إِلَى أَزِقَّتِهَا القَديمَةِ.
القدس يفصلها زمنين وعالمين. عالم الحُلم وعالم الواقع، عالم الحرية وعالم الإحتلال، عالم الأنا وعالم الآخر، عالم الغياب وعالم الحضور. وقد استمرت هذه الثيمات وألقت بظلالها على جميع قصائد حالة الوطن. وبقيت حالة التأرحج بينها إلا أن استقرت عند الأمل بالغد الذي يمثل الإشراق والحرية بكل ما فيه من معاني. فالقدس صابرة تنتظر الغائبين ليعودوا إلى أزقتها القديمة، مهما أعمل بها الزمان وخدش وجهها. وهذا ما كرره الشاعر سروجي في القصيدة الثانية (البحث عن آخر العناصر) بقوله :
لا تأبهي للغزاة فإنهم عابرون
وأنت انت الباقية ايتها الأرض ... أمي
وليسوا فقط أنهم عابرون ولكنه أيضا يطلب منهم الخروج من بيته وأرضه ووطنه، ليعود الوطن إلى صورته البِكر، وجماله الأول، ببيادره وحقوله وقمحه، وخريطته كما في القصيدة الثالثة : (لا نريد إلا أن نكون)

فاتركونا وحالنا!
ولا تلوثوا أزرق بحرنا!
أخرجوا من يومنا!
أخرجوا من صورتنا واتركوا دمنا!
نريد أن نعانق قمحنا ونستنشق هواءنا.
نريد أن نرسم خريطتنا بأنفسنا.

يعود الشاعر سروجي في القصيدة الرابعة (الخروج من الظل) للبحث عن الزمن المفقود والوطن الحاضر الغائب. وطنه الأم فلسطين فهي حاضر في الحلم واللاوعي ولكنه غائبة عن الواقع والوعي، حاضرة في الوجدان لكنها غائبة عن الخريطة بعد أن سقطت من خرائط الجغرافيا ومُسحت من التاريخ. وربما عودة الشاعر سروجي إلى النص القرآني وتناصه مع سورة العلق أول السور المكية التي نزلت على نبي الإسلام محمد في حادثه غار حراء الشهيرة تعد مبشراً لكتابة تاريخ جديد وجغرافيا لواقع يأبى النسيان وعصي على الاختفاء. فالقول يقابله الكتابة، بين الذاكرة الشفهية والذاكرة المكتوبة. بين الظلّ والغياب والرغبة من الخروج من الغياب إلى عالم الواقع والحضور.

هل نسوا الصوت الذي أتى من خلف الصوت وهدر:
إقرأ
إذن لماذا لا تكتبون؟
هل انتحر الشاعر لأن جنونه خانه أم لأنه ترك حبيبته؟
لا صوت يواسيني ولا كتاب ينقذ إرتباك يومي،
ولا عباءة تدثرني؟
سأعود إلى أزقة ظلي
وسأنتظر جنون رسالة قادمة من جنوب الأرض
علها تخفف من عبء السفر وتوفق بني آلا لام الضفتين
ضفة غربتي وضفة فردوسي المفقود

ورغم الغربة والحزن الشديد إلا أن الشاعر لا زال يؤمن بأن شمس الحرية ستشرق يوماً وسيجد المعذبون في الأرض الخلاص كما ورد في قصيدته (ينتظرون الشمس) :

لا يتعبون
من البحث عن مكان
يبحث عنهم
يمشون ويركضون ولا يهدؤون
أطفال عطشى وجياع
ينتظرون بلهفة نحو الشمس والحرية
يحاولون أن يعصروا الهواء بأيديهم

لا مكانَ بالنسبةِ للإنسان أجمل من المكان الذي ولد فيه وترعرع، وتفيأ ظلاله وارتوى من عذب مائه، فالمكان هو تذكر لمراتـع الصِبا، وضَحكاتِ الطفولة البريئة، وهو جزء من كيان الإنسان فمهما ابتعد عنه، وشطت به الدار، فلا بد أن تبقى أطلالُ بلادهِ في ثنايا مخيلتِه، وهذا جُزْءٌ يَسِير من الوفاءِ لهذه الأرضِ التي حملته على ظهْرها وهو يحبو، ثم وهو يخطو، ثم يمشي، ثم بعد انتهاء الأجل يدفن فيها.

وكثير من الناس من ارتشف شراب الهجر والغربة، في كؤوس من الحنين والأشواق ولعل آخر هذه المجموعة الشعرية هي (حالة الغربة) التي ختم بها الشاعر ديوانه الشعري، فهي خلاصته في هذه الحياة، وهي حالته التي يعيشها في حاضره. وليس غريباً ألبتة أن تحمل عناوين القصائد بكل ما يبوح به القلب من وجع وأنين وحنين للوطن والأحبة ومراتع الصبا والشباب كما هو الحال في العناوين التالية : ( لقاء الغرباء، سؤال الوداع، آخر حقيبة، لسانك حصانك، مينائي الأخير، قريب ولكن بعيد، جسر الحنين، أتركوا الأنبياء بحالهم).

تشير عناوين القصائد بأننا مقبلون على عالم يملأه الحنين والسفر بين الهنا والهناك، بين البعيد والقريب، بين اللغة الأم ولغة الغربة، بين الأنا وبين الآخر. هذه العلاقة الجدلية جعلت من أرض القصائد مواطن لقاء ووداع. حقائب قادمة وحقائب مغادرة، ميناءاً يستقبل عائداً ومكاناً يودع راحلاً على جسر الحنين ... جسر اللغة التي تبدأ تارة من اليمين بلغة الضاد وتارة أخرى من اليسار بلغة الغربة. ليقف الغريب بمنتصف المسافة لا هو هناك ولا هو هنا. يحلم بلغة الأم وحلبيها ويعيش لغة الواقع ومفرداته التي لا تفهما أمه. فيصيح من ألمه بعد أن تعب من السؤال والحيرة ويستمر بالسفر والحلم خارج الحلم إلى واقع قد لا يأتي ولا يحدث كما ورد في أولى قصائد هذه الحالة (لقاء الغرباء) :

وكان على عشاق الأرض أن يبحثوا عن جذعنا خلف ظلنا
لنختصر عبء السفر، وكان عليهم أن ينتظروا الحنين
الذي غاب وعاد، ليواصلوا السفر خارج الحلم وإلى داخل أيلول
.......
كم، كم واسعة هذه الغربة
وكم، وكم ضيفة هذه الحدود
وكم، وكم غريبة هي لغتنا !!!

يستمر التساؤل من القصيدة الأولى ليعبر حدود المفردات الى القصيدة الثانية فيحتل عنوانها (سؤال الوداع) ويتسمر حضور الوطن متمثلاً بالأم والمكان الأول وهو الرحم الذي احتوى هذا المسافر الذي ترك الوطن والأم والتحق بالغربة :

لماذا تريد بهذه البساطة أن ترحل
أم يكفك ذلك الرحيل من رحم أمك.

في الغربة تتبدل المواقع وتتبدل المشاعر. فلا تصبح المسافة بين المنفى الداخليّ والخارجيّ مرْئيّة تماماً. في المنفى الخارجي يُدرك الشاعر سروجي كم هو قريب من البعيد.. كم أن «هنا» هي «هناك»، وكم أن «هناك» هي «هنا». لم يعد أيُّ شيء عامّاً من فرط ما يمسُّ جوهره الشخصي. ولم نعد نعرف من هو المهاجر: هو أم الوطن. لأن الوطن يسكن فيه بكل تفاصيله وكل مشاهده الطبيعية. لذا ستحلّ القصيدةُ محلّ الواقع أي الغربة. وستحاول الكلمات أن تلملم شظايا المكان. ذلك لأن للغة القدرة على إعادة تشكيل عالمي وعلى محاولة ترويض المنفى. وهكذا، كلما طال منفى الشاعر سروجي توطدت إقامته في اللغة الأم، وصارت وطنه المجازيّ... صارت وسيلته وجوهره معاً، وصارت بيته الذي يدافع عنه ويتحمتي به من برد الغربة القارص. فيصرح بقصيده (آخر حقيبة) :

قبل أن يغادر ضوء عينيها استرسل في الهذيان
لا يريدون يا حبيبتي أن اقص عليك أسرار حبنا
ولا يريدون أن نغازل لغتنا
لن أغادر وطن كلماتي ولا مساحات روحك.
لغتي هي وطني.
لن أترك لغتي
سأخترق الجدار الذي بنوه حولها وسأحمل لك آخر الكلمات
لأنك آخر حنين يشدني ألى بداياتي
وإلى فردوسي المفقود.

من حالة الحب إلى حالة الشوق ومن حالة الوطن إلى حالة الغربة، ينهي الشاعر ديوانه بقصيده ختامية تصالحية بينه وبين الآخر المختلف عنه في اللغة والدين واللون والعِرق ولكنه يتشارك معه في كل الحالات الانسانية التي تشمل مشاعر الحب والشوق والغربة وحب الوطن وكأنه أراد أن يوصل رسالة بأن مهما الإنسان اختلف عن أخيه الإنسان إلا أنهم شركاء في الأبجدية التي وحدت كل البشر بلغاتهم المشتركة وكتبت بالحروف الأولى سيرة الإنسان عبر الأزمان. وكأنها حليب الأم التي رضع منها حليب البدايات.
اتْرُكُوا الأَنْبِياءَ بِحَالِهِم!
أَخِي، الأَيْدِي لَهَا أَلْوَانُهَا الْمُخْتَلِفَةِ،
لا تَتَشَابَهُ، لَكِنَّهَا تَتَقَاطَعُ وَتَتَلاقَى.
أَمْسِكْ بِيَدِي وَشُدَّ عَلَيْهَا!
وَلا تَكْسِرْ الفُضُولَ فِينَا
إِلَى اقْتِحَامِ الْمَجْهُولِ فِيكَ وَفِيَّ!
مَنْ لَكَ غَيْرِي؟ وَنَرْضَعُ كُلُّنَا الحَلِيبَ مِنْ أُمٍ وَاحِدَةٍ.
وَأُمُّكَ لَيْسَتْ غَرِيبَةً عَنِّي.
لا تَخَفْ! تَقَدَّمْ نَحْوِي، تَقَدَّم
تَجَرَّأْ! فَأَنَا أَسْمَعُكَ، هَلْ تَسْمَعُنِي؟
أُتْرُكْ الأَنْبِيَاءَ بِحَالِهِمْ!
وَاقْتَحِمْ عَتَبَةَ دَارِكَ! مُرَّ عَلَيَّ وَاقْرَعْ بَابِي.
وَأَنَا أَفْتَحُ قَلْبِي، فَادْخُلْ وَدَعْنَا نَبْحَثُ سَوِيَّاً عَنِ الْمُشَوِّقِ فِي أَبْجَدِيَّاتِنَا.
فَهَذَا هُوَ مَنْفَذُنَا.
ولذلك لم يكن غريباً أن يختم الشاعر دفه ديوانه بكلمة سلام وكأنها حالة الطمائنية التي توصل اليها فيما بعد وهي الرسالة التي حملها ديوانه، السلام والمحبة التي يحتاحها الانسان في كل مكان وأي زمان .. وما احوجنا إليها في أوطننا التي تعاني الموت المجاني والهابط عليها من كل مكان ..في الأمس البعيد فلسطين والأقرب منه العراق واليوم سوريا واليمن وغدا ....


رابعة حمو

أكاديمية فلسطينية دكتوراة في الأدب والنقد الأدبي الحديث

من نفس المؤلف