السبت ١٩ آذار (مارس) ٢٠١٦

تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة

القسم الأول

صقال ماس الشعر

خطوة نحو الدخول

1
المشكلة التي لازمت شعرنا العربي الحديث منذ بزوغ قصيدة " التفعيلة " مروراً بقصيدة النثر، هي مشكلة الرؤى الشعرية، وكيفية تعامل هذه الرؤى مع الحالة الإنسانية التي هي جوهر الشعر.

فهل يكون هذا التعامل، من خلال التراث برموزه، أو من خلال الواقع اليومي بمعطياته وقضاياه؟
وفي الحالين، يكون من باب الوعي الثقافي المعرفي عند الشاعر وقدراته اللغوية والجمالية ومدى سعة إدراكه في التعامل مع الذات والآخر، والتراث.

وشيء طبيعي أن تكون القصائد محملة بمضامين سياسية واجتماعية وذاتية، لكن أن يكون ما يعد إضافة حين يقترن برؤيا شعرية جديدة، انفتحت على شخصيات روائية وقدمتها من خلال نصوص أضافت أشياء إلى ما عرفت به،والسبب في هذا إن الراوي يتوفر على فسحة واسعة، يصف من خلالها الشخصية والمكان والحاضنة الزمانية بلغة لا ضرورة لتكثيفها، بناءً وصوراً، بينما لا ينحو الشاعر هذا المنحى، حتى في القصيدة ذات الطابع الحكائي، حيث سيكون النص مكثفاً والحوار مختزلاً، والشاعر الذي لا يمتلك أدوات شعرية حقيقية ولا يتوفر على ثقافة عميقة، لن يصل إلى حيث جوهر الشعر.

وفد وجدنا إن قصائد مجموعة " أولئك أصحابي " الشعرية لحميد سعيد، تستحق وقفة نقدية وتدقيقاً في مكوناتها البنائية التي قدمت تجربة جديدة وغير شائعة في الشعر العربي الحديث.

2

" لا شك أن جملة من المتغيرات، اجتماعية وثقافية، دفعت بالشعربعيداً عن موقعه،بل إن الشعر تغير، وتغير الشاعر، ومع هذه المتغيرات تغير موقف المتلقي من الشعر، وهذا التغير العام، يكاد يشكل سمة المجتمع القارئ الآن، وإن كان ثمة استثناءات، فإنها ذات دوافع تنحرف عن إدراك جوهر الشعر حيناً وتحركها عوامل غير ثقافية حيناً آخر " "1"
هذا الرأي للشاعر الكبير حميد سعيد الذي قال أيضاً" " إن تراجع النص الشعري ليس بفعل عوامل موضوعية فحسب، بل بتأثير عوامل ذاتية أيضاً، تتعلق به وبنا نحن الذين ما زلنا نحسب أنفسنا عليه، وبالواقع النقدي في المحيط المتلقي حيث غاب أو ضعف المعيار الذي يوزن به النص الشعري " "2"

وهنا وجب القول: قد نتفق مع المقولتين المذكورتين في جانب، ونختلف في جانب آخر، فالشعر لم يتغير أو يتراجع بمفهومه العام، لكن ظهور شعراء لم يقرأوا قصيدة الشطرين وقممها العالية في جميع العصور، أو قصيدة التفعيلة في ذراها الإبداعية، وكتبوا قصيدة النثر، مثل بعض الرسامين – الآن – الذين يرسمون لوحات تجريدية من دون أساس متين يتشكل من الرسم الواقعي وما بعده من تحولات تشكيلية عظيمة، وتصور هؤلاء إن التجريد مجرد ألوان وكتل عشوائية، بينما هو فن صعب، تأني صعوبته من تفاعل الرائي مع اللوحة.

وهذا الحال يتكرر مع قصيدة النثر وبعض من يكتبها الآن، فقصيدة النثر ليست رصف كلمات في عبارات مفككة، بل هي حاضنة للجمال والفكر، أساسها الأساليب الشعرية التي عرفتها القصيدة في كل تاريخها.

غير أن النقد، أو الكثير مما يحسب على النقد، ينظر إلى الإنجاز الإبداعي من زاوية تتحكم بها العلاقات الشخصية والعصبيات الفئوية، فيطلق مقولاته على هذا الأساس من دون النظر إلى القيمة الإبداعية.

وأود الإشارة إلى أن صاحب ديوان " أولئك أصحابي " الذي نحن بصدده، صدرت له مجموعات شعرية عديدة منذ احتلال العراق في العام 2003، إلا أن نقادا ً عراقيين يتناولون فيما يكتبون الغث والغث، استقبلوا هذه المجموعات المهمة بالصمت، بسبب مضامينها وموقف الشاعر من الاحتلال والخراب، بينما تناولها كثيرون من النقاد العرب بوعي وموضوعية، ومنهم من لم يكتف بالدراسات التي نشروها في الصحف والمجلات، فأصدروا كتباً نقدية أضاءت تجربة الشاعر حميد سعيد، وهذا ما أقدم عليه عدد من النقاد العراقيين أيضاً.

وسأذكر هنا بعض هذه الكتب:

- حميد سعيد.. وعياً شعرياً مقاوماً – هادي دانيال – دار نقوش عربية – تونس 2009
- تحولات القصيدة.. قراءة جمالية وفكرية في شعر حميد سعيد – سليم النجار -دار تالة – دمشق 2010
- مصادر الصورة في شعر حميد سعيد – رشيد هارون – دار فضاءات – عمان 2010
- التناص في شعر حميد سعيد – د. بسرى خلف حسين – دار دجلة – عمان 2011 " طبعتان "
- الشمعة والدرويش.. حميد سعيد يتحدث – هشام عودة – دار دجلة – عمان 2011
- حميد سعيد.. شاعر البدايات.. مقاربة تأويلية في الدلالات المرجعية – د. مصطفى الكيلاني – دار بيرم – تونس 2012
- مسارات الإبداع الشعري.. دراسة نصية في شعر حميد سعيد- عصام شرتح –دار الينابيع – دمشق 2012
- مقامات شعرية..مقالات في الشعر العربي المعاصر – د. حسن الغرفي – دار دجلة – عمان 2012 – ضم دراسة عن شعر حميد سعيد بعنوان " مدارات حميد سعيد الشعرية "
- القصيدة التشكيلية في شعر حميد سعيد – حمدي مخلف الحديثي – دار بيرم – تونس 2014
- فرط الرمان.. قراءة في شعر حميد سعيد – حمدي مخلف الحديثي – دار ميراد – دمشق 2014
- جدلية الشكل والمضمون.. حفريات في متن حميد سعيد الشعري – نضال القاسم – دار البيروني – عمان2015
- وعي الكتابة.. قراءة في كتب حميد سعيد الأدبية – حمدي مخلف الحديثي – دار ميراد – دمشق 2015
- تأويلات نقدية في أوراق حميد سعيد الموريسكية – سليم النجار – دار البدوي – تونس 2016
- فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد – عصام شرتح – دار أزمنة – عمان 2016
- مفاتيح الشعرية في قصائد حميد سعيد – عصام شرتح – دار صفحات – دمشق 2016

مدخل خاص
1

" أولئك أصحابي" ديوان الشاعر حميد سعيد، صدر عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع بيت الشعر الفلسطيني عام 2015.

لقد صدر في وقت مهم من مسيرة حميد سعيد الشعرية، إذ جاء رداً حاسماً على القائل بأن حميد سعيد لا يمكنه الخلاص من تجربة اسبانيا وفلسطين والحرب، لذا ينبغي القول: إن تجربة " اولئك أصحابي" الشعرية تعد رائدة في موضوعها الشعري وبرؤيا جديدة وحداثة متميزة، حتى بإمكاننا أن نتوقع إن صوت النقد الجاد في استقبال هذه التجربة سيكون أكثر علواً، وسيتردد بإيقاع متزن، متجاوزاً ماكان في استقبال ديوانه " من أوراق الموريسكي "من صوت نقدي واسع الصدى

2

جاء في الغلاف الداخلي الأول، للديوان، كلمة قصيرة من دون عنوان،للشاعر حميد سعيد تتضمن رأياً غنيا على صعيد الفكر ومكثفاً، وكأنه مر بجهاز تصفية ليعطي مذاق الماء الطيب الخالي من الشوائب، ومن هذه الكلمة:
" إن مرجعيات الإبداع، هي مرجعيات الحياة، ليس في الشعر حسب،بل في جميع عناوين الإبداع وإن من يحاصر أفق إبداعه بمرجعية واحدة أو بمرجعيات محددة، سيكون بمنأى عن جوهر الإبداع..
منذ البدايات وما زلت أشرع أبواب الحياة ونوافذها للقصيدة، من الماضي والحاضر، من العربي والأجنبي، من الشفهي والنثري، من كل هذه المرجعيات أفدت وبها كلها حاولت إغناء تجربتي الشعرية "
ومرجعيات القصائد جاءت من روايات عالمية لتكون مرجعيات الشاعر الثقافية والحياتية، البؤرة الضوئية التي أضاءت الذات الشعرية، وهذه التحف الروائية هي:

- موبي ديك. هيرمان ميلفل
- عوليس. ملحمة الشاعر الإغريقي هوميروس
- الشيخ والبحر. آرنست همنغواي
- أنا كارنينا. تولستوي
- الدكتور زيفاغو. بوريس باسترناك
- مدام بوفاري. غوستاف فلوبير
- وتشرق الشمس ثانية. آرنست همنغواي
- لم يجد الكولونيل من يكاتبه. غارثيا ماركيز
- زوربا اليوناني. كازنزاكي
- الثلاثية. نجيب محفوظ
- صمت البحر. فيركور – الاسم المستعار للكاتب والرسام جان بريلير
— دون كيخوتيه. سرفانتس
- الأخوة كرامازوف. ديستوفسكي
- عشيق الليدي شاترلي. د.ه. لورنس
الأخوة الأعداء. كازنزاكي

3
الشاعر حميد سعيد قارئ رواية متميز، وله آراء نقدية في الفن الروائي، وقد سأل يوماً، لماذا الرواية؟ "3" فأجاب، ومما جاء في إجابته: " هل إن تقمص الآخر في الرواية هو الدافع الوحيد لعمق علاقة الإنسان بالمروي؟ ثم أجيب على هذا التساؤل بالقول: لا، بدليل أن القارئ يحب أماكن معينة في الرواية التي يقرأ ويحب أحد أبطالها ويتعاطف معه إلى حد البكاء، وفي الوقت ذاته يكره بطلاً آخر " "4"
ومن هذا القول، يؤكد الشاعر على أنه تعلق ببعض شخصيات الروايات فتمثلها في شعره.

4
اعتمدت القصائد على الشخصية، وقد تمثلها الشاعر وحاورها، وخلص منها إلى رؤية جمالية وموقف، وشخصيات " أولئك أصحابي " متعددة الأوجه، بين القاتل والقتيل، العاشق والمعشوق، المكافح، المتخاذل، القوي، المعذب.
شخصيات لها خصوصياتها في الرواية وفي قصيدة حميد سعيد كان لها وعيها وقدرتها على الحوار، مع ماضيها والحاضر، وإذا كانت شخصياته الشعرية في قصائده السابقة فيها الكثير منه، عاشها وتمثلها وأصغى إليها طويلاً وحاورها في الرضا والغضب، في الرفض والقبول "5"

فشخصيات " أولئك أصحابي"هو من اقتحم خصوصياتها بعد أن عاش معها في النص الروائي وظلت تلازمه منذ لحظة الانتهاء من أية رواية، لتنتقل إلى الشعر بفعل وعيه وعمق الفكر الإنساني.
فمن خلال هذه القصائد كان الكشف عن العلاقة بين مجريات أحداث الروايات وشخوصها وأماكنها وأزمنتها وبين رؤيا الشاعر، حيث تكامل الرؤى بين واقعية الرواية ورمزية القصيدة، مما جعل من هذه العلاقة فاتحة جديدة، كما كرست النصوص الشعرية واقعا جديداً لحيوات الشخصيات التي تألقت في لغة شعرية رسمت خطوطاً ملونة كما قوس قزح، فيتمتع القارئ وينفتح ذهنه لمعرفة ما يريد قوله الشاعر عبر نصوصه ويتعامل معها بروح الشعر من دون أن يكون بعيدا عن معطيات الرواية، مستذكراً الشخصيات الروائية والوقوف عند شخصيات القصائد التي ضمها الديوان.

6
إن الشاعر يسير في غابة من الرموز.. هذا ما قاله بودلير.
وغابة حميد سعيد هنا، شخصيات شعرية محاطة بكثافة رمزية، فكرية معاصرة بعيدا عن رموز الأسطورة.
وبهذا خرج الشاعر بتجارب جديدة يعيشها أبطال الروايات عبر مكونات شعرية، تتلبسها إشكاليات قد تكون مفترق طرق في التناول النقدي، حيث يسلك كل ناقد الطريق التي يراها مناسبة للكشف عما خبأه الشعر وهذا المخبوء هو لب ثمار الإبداع الشعري.

الهوامش

1،2،3،4 – تطفل على السرد – حميد سعيد – دار تالة – دمشق 2010
5 – من قول لحميد سعيد –بتصرف – ويراجع " الشمعة والدرويش.. حميد سعيد يتحدث – هشام عودة دار دجلة – عمان 2011

القسم الثاني

قلائد صائغ الشعر

1

دون الشاعر حميد سعيد في الصفحتين – 5،6 – عناوين قصائد ديوان " أولئك أصحابي" مع إيضاحات لابد من ذكرها هنا، لتكون بمثابة دليل للمتلقي، وهي:
- تجليات الماء: تتمثل شخصية القبطان – إيهاب – بطل رواية موبي ديك، لهيرمان ميلفل.
- يسأل عوليس.. إلى أين سأمضي: تتمثل شخصية – عوليس – بطل ملحمة شاعر الإغريق الأكبر هوميروس، وليس بطل رواية عوليس لجيمس جويس.

- الشيخ يعود إلى البحر: تتمثل شخصية الصياد العجوز – سانتياغو – بطل رواية الشيخ والبحر، لآرنست همنغواي.
- جحيم أنا كارنينا.. وفردوسها: تتمثل شخصية – أنا كارنينا – بطلة رواية أنا كارنينا لتولستوي.
- ملهاة الدكتور زيفاغو: تتمثل شخصية – زيفاغو – بطل رواية الدكتور زيفاغو لبوريس باسترناك.
- قيامة مدام بوفاري: تتمثل شخصية – مدام بوفاري – بطلة رواية مدام بوفاري لغوستاف فلوبير.
- لم تشرق الشمس ثانية: تتمثل أحداث رواية وتشرق الشمس ثانية لآرنست همنغواي.
- ثم وجد الكولونيل من يكاتبه: تتمثل شخصية – الكولونيل – بطل رواية لم يجد الكولونيل من يكاتبه لماركيز.
- ربما كان زوربا: تتمثل شخصية – زوربا- بطل رواية زوربا اليوناني لنيكوس كازنزاكي.
- مارواه الفتى الأزهري عن سي السيد: تتمثل شخصية – سي السيد – بطل ثلاثية نجيب محفوظ.
- صمت البحر.. ثانية:تتمثل رواية صمت البحر لفيركور – الاسم المستعار للرسام والكاتب جان بريلير.
- سيدي حامد يبحث عن دون كيخوتيه: تتمثل شخصية – دون كيخوتيه – بطل رواية دون كيخوتيه لسرفانتس.
- الأخوة كرامازوف: تتمثل رواية الأخوة كرامازوف لديستوفسكي.
- قريباً من الليدي شاترلي.. بعيداً عنها: تتمثل رواية عشيق الليدي شاترلي ل د. ه لورنس.
- الأخوة الأعداء: تتمثل رواية الأخوة الأعداء لكازنزاكي.

قصيدة.. تجليات الماء

- قبل القصيدة..
" موبي ديك " رواية كتبها الروائي الأمريكي هيرمان ميلفل، صدرت طبعتها الأولى في 18-10- 1851، ولم تلفت النظر عند صدورها وقوبلت بالإهمال، فأصاب ميلفل اليأس ليمضي بقية حياته موظفاً صغيراً في دوائر الجمارك الأمريكية ويموت مهملاً ومجهولاً في يوم من أيام العام الأخير من العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وبقيت هذه الرواية مهملة حتى العام 1907 حيث أدرجت ضمن سلسلة " إيفري مان لايبرري" الشهيرة التي تنشر الأعمال الكلاسيكية.
وعلى إثر هذا النشر " الجديد " اهتم بها النقد في بداية عشرينيات القرن العشرين وعدت فعل تطوير للرواية الأمريكية.
تمثل أحداثها صراعاً تراجيدياً، بين حوت وإنسان، وهذا الصراع يعبر عن الوضع البشري وعلاقته بالوجود والحياة، متحولاً إلى رمزية فيها الكثير من التعقيد، وبرى بعض النقاد، إن هذه الرواية جسدت المشروع الأمريكي، سياسيا واجتماعياً، آنذاك، واسلوب الرواية المؤثر، المقنع، المشوق، شد انتباه القارئ باهتمام بالغ، وقرئت في ما يعد سياحة إبداعية فكرية.

ويسأل: هل في الرواية شيء من حياة هيرمان ميلفل ن قبل أن يكون موظفاً في الجمارك أو هي حكاية سمعها ومن ثم دونها كما أراد أن تكون؟ ولم يتوصل النقاد والباحثون ومؤرخو الأدب الأمريكي إلى إجابة حقيقية عن هذا السؤال، حتى من باب التأويل.
وهل الحوت يرمز إلى تحديات المرحلة أو يمثل رأس المال في سيطرته وبطشه، أو إلى الحياة الأمريكية في ظل الحرب الأهلية؟

ومهما قيل عنها، فهي رواية صراع، في بنائها وأحداثها ورمزيتها.

- عن القصيدة..
يمثل العنوان عتبة مهمة للدخول إلى عالم القصيدة، بما فيه من دلالات تنفتح بالقارئ على التأويل، ففي هذا العنوان تقنية على صعيدي البناء والفكر، جاءت من مفردتين مهمتين في مضمونهما، تجليات والماء، ولو حذفنا مفردة الماء، أصبح العنوان، تجليات، فيختلف في الدلالة عن تجليات الماء. وما أريد قوله إن العنوان لم يأت بشكل اعتباطي وإنما صدر عن وعي.

" أفارقك الآن..
إيهابْ
حتى إذا ما التقينا على غير ما موعدٍ
في الطريق إلى مطعم الأميرة الغجرية..
عند منعطف الشارع السابع..
لا تنتظرني "

يلحظ القارئ في هذه الصورة، إيقاعاً سردياً متناسقاً، حيث يخاطب الشاعر القبطان إيهاب، الذي كان في صراع مع الحوت، وجاء الخطاب بمفردات منتقاة توظف دراماتيكية الحدث الروائي لصالح القصيدة، ف" مطعم الأميرة الغجرية " سواء كان واقعياً أو غير واقعي، فهو مكان متخيل للقاء متخيل أيضاً.

" مذْ لحتَ لي في شتاءٍ بعيدٍ..تغادر فندقك العتيق..
لتلحق بي.. تحاشيتك "
انفتحت هذه الصورة على مشهد متخيل أيضاً، حيث العلاقة المتخيلة بين الشاعر والقبطان إيهاب.
" أنت الذي لم ير البحر..
هذا الذي يتراءى لك الآن..
ليس الذي كنت تبحث عنه..
إن دم السيد الجميل.. بشهد للسيد الجميل "
هل كان يريد من الدم رمزا لدم سيد معاصر سفك على أيدي الغادرين، فاستحضر الشاعر دما سال في البحر أو على متن مركب أو كان في فم حوت، والحوت رمز لمواجهة غير عادلة، فمن هو إيهاب وقد صار بعيداً عن البحار؟ وغاب رفاق سفينته بين الموت والغربة والهجرة والتشرد.
" لا أحدٌ في الجوار ْ
مُذْ أسرتك المياه البعيدة.. غاب الحوارْ"
نعم.. لقد أسرتك المياه البعيدة وانقطع الحوار مع رفاق رحلاتك.. فماذا ستقول للغائبين، البحر والرفاق والحوت؟
صور شعرية، تأخذ المتلقي إلى أقصى حالات التوتر، موزعة بين إيهاب الرواية وإيهاب القصيدة، ويصل إليها بالتأويل، ليلتقي بإيهاب الجديد، الشاعر في غربته وبروحه التي لا تلتوي، بل ترتفع في المد الذي يأتي.
" حاولتَ أن تجعل الماء مقبرةً "
ثمَ..
" وحاول أن يجعل الماء.. مملكةً ساحرهْ "
وتأتي نهاية القصيدة..
" أفارقك الآن.. إيهاب
يتبعني الماءُ
كن حذراً منكَ.. وليكن البحر بيتك..
تأتي إليه الرياح الرخية.. من كل فجٍ عميق "
هنا شع تناص قرآني.. وقبله كان تحذيراً من الافتراق، الماء هو ماء القصيدة والبحر هو البيت الأبدي، ومجمل القول: في هذا النص الشعري وجدنا تواصل جماليات الشعر بجماليات السرد، إذ يتمثل الجمال في رؤية تتسم بالجرأة، لا تتيبس في الماضي ولا يخذلها الحاضر ولا تغلق فضاءاتها دون المستقبل.

قصيدة.. يسأل عوليس.. إلى أين سأمضي

قبل القصيدة..

هوميروس، شاعر ملحمي، تنسب إليه " الإلياذة والأوديسة " الاغريقيتين، وكان الجدل وما يزال يدور حول الزمن الذي كان فيه، فقد قال هيرودوت: عاش هوميروس في القرن التاسع قبل الميلاد، وفي مصادر أخرى إنه عاش في زمن قريب من زمن حرب طروادة التي كانت بين 1184 و 1194 قبل الميلاد.
أما الباحثون المعاصرون فقد قالوا إن تاريخ الملحمتين يعود إلى نهاية القرن التاسع قبل الميلاد.
كما اختلف بشأن أصله ومكان ولادته وعائلته، ومن هذا الاختلاف يقال: ولد هوميروس في " أبوينا " الواقعة في آسيا الصغرى، قرب جزيرة سميرنا أو جزيرة خيوس، ومات في كيكلادس، وتظهر إشارة إلى سميرنا في الرواية التي تقول إن اسمه الأصلي مبليسخين وهو ابن الحورية كربثيس، وتدل نصوص شعرية على هذا القول.

إذ كان هوميروس يألف طبوغرافية آسيا الصغرى ويعرف تضاريسها وأسماء الأماكن بكثير من الدقة والتفصيل، وكذلك في تشبيهاته التي تأتي من معرفة بالمشاهد المحلية حين يتحدث في الإلياذة عن السهول المحيطة بنهر كايسنز وعواصف البحر الايسكاري، ووصفه مزج النساء، العاج باللون القرمزي في ميونيا وكاريا " 1"

وقيل إن هوميروس كان رهينة رجل أعمى " واعتقد الباحثون لوقت طويل بأن هوميروس قد أشار إلى نفسه في الأوديسة عندما وصف شاعراً أعمى في بلاط ملكي يروي قصصاً عن طروادة، وأكدت البحوث على أن قصائد هوميروس اعتمدت على الكلام الشفهي لوجود كثير من الصياغات اللفظية الشفهية، وهذا ما أثار الاختلاف في تحويل القصائد من نص شفهي إلى نص مكتوب.

ولغة هوميروس من الإغريقية الأيونية، ومن لهجات أخرى "3" مستخدماً الوزن السداسي عشر، وشعره سهل الحركة وواضح، يخلو من الدافع العاطفي الممتلئ بالدراما الإنسانية "4"
ومن شخصياته – عوليس – المقاتل الإغريقي الذي أبدى بطولة عالية في حرب طروادة والذي أحب مدينته – إيثاكا – وكان عاشقا لزوجنه – بينلوب -.

- عن القصيدة..

كثيرون هم الشعراء الذين استلهموا الأسطورة وأفادوا منها في قصائدهم، ويعود هذا إلى " أن الموقف الأسطوري في صميمه، شعري لأنه موقف صراع دائم بين الإنسان وبين الوجود "5"
وفي هذه القصيدة كان – عوليس – هو المركز – المضمون، وجاءت القصيدة برؤية فكرية معاصرة، لم تظهر بمظهر أسطوري مباشر، وقد قيل:" كانت الأسطورة لدى العديد من الكتاب هي العامل المشترك بين الشعر والديانة " "6"
والشاعر حميد سعيد لم يكن في دائرة الديانة من خلال نصه هذا، وعوليس في القصيدة هو الرمز المشترك بين التاريخ والمعاصرة.

" يسأل عوليس.. إلى أين سأمضي
لا مكان لي..
وليس لي من سفنٍ تعيدني إلى فردوسي البعيد.. إيثاكا..
التي تعثرت بأبجدية الأحلامْ"
رؤية شعرية لاتبرر الخيبة ولا تغطي حرائق – عوليس – بل جسدت الواقع بمرارته وعتمته، إذ خسرعوليس كل شيء، وتلوى بوجع العشق الذي ضاع، وبنيران الثأر.
إن إيثاكا لم تعد مرفأ الحب والأمان.
" أيتها المدينة التي.. تسهر بانتظاره الأبواب "
في هذه القصيدة نرى عوليس بين ظهرانينا، ومن خلال الشعر نرى ما يراه، وتدل القصيدة على مصادرها، الثقافة والوعي، فالإبداع لا يصل إلى الذرى بالموهبة فقط وإنما بثراء المصادر وحيوية الأدوات الإبداعية.

قصيدة..الشيخ يعود إلى البحر

- قبل القصيدة
رواية الشيخ والبحر لآرنست همنغواي التي كتبها في هافانا عاصمة كوبا في العام 1951، وهي من روائعه وبتأثيرها نال جائزة نوبل للآداب في العام 1954.
في العام 1961 أقدم همنغواي على الانتحار بإطلاقة بندقية صيد، بعد أن حقق الشهرة والمجد، وبعد عقد من الزمن من صدور " الشيخ والبحر "، وقيل إن سبب انتحاره يعود إلى إحساسه بالعجز جسداً ومخيلة وقلماً.
وباختصار.. سانتياغو بطل الرواية، صياد عجوز حيوي ونشيط، مرت به أيام لم يفلح في اصطياد أية سمكة خلالها رغم مثابرته في الخروج كل يوم للصيد في خليج – غولد ستريم – وامتدت المدة التي لم يصطد فيها إلى ثمانين يوماً، وحلال الأربعين يوماً الأولى كان يرافقه صبي، لكن عائلته منعته من مرافقة العجوز إلى البحر ووجدت له عملاً في زورق آخر.

وكان الصبي يتألم عندما يرى سانتياغو عائداً إلى الساحل من دون صيد، وكان يساعده – خلسة – في جمع الحبال وحمل عدة الصيد وطي الشراع، وفي يوم خرج العجوز سانتياغو إلى البحر فعلقت بسنارته سمكة كبيرة، كان حجمها أكبر من حجم زورقه، وبدأ الصراع بين الصياد العجوز والسمكة العملاقة.. فهل يتخلى عنها أو يواصل الصراع معها؟
وحين سيطر عليها، ربطها في الزورق بعد صراع امتد طويلاً، وأثناء العودة إلى الميناء وسمكته – الحلم – مربوطة بزورقه، هاجمتها أسماك القرش، ليبدأ صراع جديد وشرس بين الصياد العجوز وأسماك القرش، انتهى بانتصارها عليه ولم يبق من السمكة سوى هيكلها العظمي الذي استأثر باهتمام كل من رآه على الساحل.
تميزت الرواية بجماليتها وبخبرات الصيادين وثقافة البحار وأظهرت عزم الإنسان في صراعه مع الطبيعة بكل ما يحمله الصراع من رمزية، وكان إن انتهى الصراع بهزيمة الصياد العجوز، إنها رواية ملحمية تذكرنا بأبطال الأساطير،
لقد رسم همنغواي شخصية سانتياغو من الداخل ولم يكتف برسم ملامحه الخارجية، فكان القوي القادر على خوض صراع غير متكافئ من دون أن ينكسر حتى بعد الهزيمة، كما عبرت الرواية عن جوهر المكان، البحر، والساحل والمدينة، وظل الشيخ يحلم بالعودة إلى البحر.

عن القصيدة..

لم تكن قصيدة الشاعر حميد سعيد في تمثل شخصية سانتياغو، استنساخاً لشخصيته في الرواية، بل كانت نتاج رؤية ذاتية، حتى كأنها تجمع بين شخصية الشاعر وشخصية الصياد العجوز، في الصبر والإصرار على عدم التخاذل.
" في عزلته..
يتذكر هافانا.. والبحر وأقراش البحر "
المكان – هافانا – حيث كتب همنغواي روايته، والبحر مملكة سانتياغو، و- مانولين – هو الصبي، والسمكة هي سيدة الإقيانوس، تكررت في القصيدة، وهي – الأخت – والدلافين التي رافقته في رحلات الصيد، غابت في لحظات الصراع، وجاءت أسماك القرش، كما غياب الجمال وحلول القبح.
إن صوت الشاعر من صوت سانتياغو:
" تقبل سيدة الإقيانوس.. الطيبة الهادئة.. الفضية..
تدخل في حلمي.. فأفارقها في الصحو..
لتترك لي عند ضفاف النوم.. هداياها "
صنعت هذه الصورة الإدهاش، في السرد وفي الحلم، حلم الحنين إلى الماضي..
" وأراني أصطحب البحر إلى الحانة "
حيث يدخل الحانة بكل شمائل البحر وتقاليده ورائحته..
" أنا والبحر ومانولين "
" في دفء الليل ينام.. وتحمله الأحلام ُ
إلى.. ما سيكونْ
وليس إلى ما كان"
إن هذه القصيدة، تصنع عالمها ولا تكرر عالم " الشيخ والبحر" وتتجاوز الحاضر إلى المستقبل، لكنها لا تتوهم مستقبلاً مشرقا كما في كثير من النصوص المتفائلة، حتى بات التفاؤل لازمة، طالما كانت مفارقة للواقع، بل مفارقة للمستقبل الذي تتفاءل به.

قصيدة.. جحيم أنا كارنينا.. وفردوسها

قبل القصيدة..
تولستوي، هو الكونت ليف نيكولافيتش تولستوي، ولد في العام 1828 في روسيا القيصرية، ويعد من عمالقة الأدب الروسي، وهو مفكر ومصلح اجتماعي وداعية سلام.
وكتابه " مملكة الرب داخلك " جسد أفكاره في الدعوة إلى السلام ونبذ العنف وممن تأثروا بأفكاره غاندي ومارتن لوثر كنج.

من أشهر أعماله " الحرب والسلام " و " أنا كارنينا "وقد رسما صورة واقعية للحياة في روسيا أيامذاك.
توفي بتاريخ 20 -11- 1910.
صدرت الطبعة الأولى من رواية " أنا كارنينا" في العام 1877، وسرعان ما أعيد طبعها مئات المرات وترجمت إلى معظم اللغات، ووقف النقد عندها بين الإعجاب والرفض، فمن أعجب بها وجد فن تولستوي قد وصل إلى القمة ومن وقف منها موقفا سلبياً رأى فيها خللاً فنيا، حيث طغت الأحداث الثانوية على الحدث الرئيس.
وتبدأ الرواية بجملة مهمة هي: " كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة، طريقتها الخاصة في التعاسة "
في الرواية فقراء و أناس بنفوس مهتزة، تعيش صراعات العقول والقلوب، الحب وضده، الكراهية والاستغلال، وإلى جانب هؤلاء وجود مثقفين روس ومواقفهم من القيصر والأحداث في روسيا، وقد ترك الروائي المجال مفتوحاً للقارئ، ليعطي رأيه وإثارة النقاش، رغم ما تضمنته الرواية من آراء الروائي ووصفه الدقيق لشخصيات الرواية.
وأثارت – أنا كارنينا – الكثير من الجدل لما فيها من قضايا اجتماعية عاشها المجتمع الروسي في تلك المرحلة.
أنا كارنينا، امرأة جميلة متمردة، لعبت بالنفوس وألهبت المشاعر، ومن خلال هذه الشخصية كشف تولستوي خبايا المجتمع الأرستقراطي.

عن القصيدة..

يخاطب الشاعر أنا كارنينا، ويحاورها، من خلال امرأة متخيلة، تلتقي برجال ونساء في أماكن ربما كانت متخيلة هي الأخرى، وبوعي درامي وخبرة إبداعية تنبني القصيدة.
" نترك مقعدين..
لها ولامرأة ستأتي ذات يوم "
مقعد لها وآخر لامرأة لم تأت بعد، فمن هي هذه المرأة؟ امرأة الرواية أم امرأة القصيدة، حيث أنا كارنينا امرأة واحدة ولكن بحضورين، والشاعر هنا يوظف خبرته السردية في بناء شعري باذخ.
" كان المساءُ.. مخاتلاً
والقادمات من الضواحي أو من المدن البعيدة..
بانتظار الليل
يغمزن التي باعت صفاء الروح بالوهم الجموح "
ليل بكل أسراره ومسراته، ونسوة قادمات من أماكن أخرى، وامرأة تستعرض مفاتنها، وتستعرض القصيدة ما يعد كيد نساء.
" وأنتِ.. تحاولين الجمع بين سرير عشقك والقنوطْ
هذا السقوط "
هل أراد الشاعر الإشارة إلى سرير ليلي وحرائق جسد أنثوي يواصل افتراس الذكورة، إنها صورة تصل بالمخيلة إلى أقصى حالات اشتغالها وتنفتح على تأويل لاحدود له، وتدفع بالمتلقي إلى عودة إلى الرواية، لقراءتها أو لإعادة قراءتها.
" لا أكاد أرى سوى فتنٍ.. تطلُ كما الغيوم السود"
هكذا هو الجسد المنافق حين يتجسد في امرأة لعوب:
" ولتكوني.. في مفاتنك الثرية..
ما يذكرنا بأنا"
وهنا يبدع الجمال الفني امرأة أخرى، تذكر بأنا كارنينا، وفي المتخيل الجمالي يمكن أن تكون أنا كارنينا نفسها، يا لروعة الشعر حين يحلق بفعل موهبة استثنائية كالتي يتوفر عليها حميد سعيد.

قصيدة..ملهاة الدكتور زيفاغو

- قبل القصيدة

ولد الشاعر والروائي الروسي بوريس باسترناك بتاريخ 10 شباط 1890 لأب يهودي تحول بإرادته إلى الكاثوليكية، وكان رساما متميزاً،وأستاذا في معهد الفنون، وكانت والدته روزا، عازفة بيانو شهيرة.
نشأ باسترناك في محيط عائلي منفتح على ثقافات متعددة وكان من أصدقاء والده، تولستوي ورحمانينوف وريلكه.
في العام 1910 انتسب باسترناك إلى كونسرفتوار موسكو، لكنه سرعان ما غادره، وتحول إلى دراسة الفلسفة، ثم ترك الجامعة في العام 1914، وهو العام الذي صدر فيه ديوانه الأول.
وعمل خلال الحرب العالمية الأولى في مختبر للكيمياء في منطقة الأورال، وأعطته هذه التجربة خبرة علمية خصبة أفاد منها في رواية الدكتور زيفاغو.

ولم يغادر روسيا بعد الثورة البلشفية، بل أبهرته شعاراتها وفي العام1932 اقترب من مفاهيم الثورة، فصدر له ديوان "الولادة الثانية" متمثلاً تلك المفاهيم، وصدر له ديوان " قطارات مبكرة" التي دفعت بنابوكوف إلى وصفه بالبولشفي المتباكي.

وخلال حملات التطهير في أواخر الثلاثينات، شعر، بالخيبة من شعارات الشيوعيين، فتوقف عن نشر شعره ولجأ إلى ترجمة أعمال شكسبير وغوته وصارت هذه الترجمات رائجة وعدها البعض صدى لبوريس باسترناك.
إن لغته العبقرية هي التي أنقذته من الاعتقال خلال حملات التطهير، وعندما رأى ستالين أوامر باعتقال مثقفين كان باسترناك من بينهم، فحذف اسمه وقال: لا تلمسوا ساكن الغيوم هذا.
وقبل الحرب العالمية الثانية، استقر باسترناك مع زوجته في قرية صغيرة، وفي العام 1958 منح جائزة نوبل للآداب ولم يتسلمها في ظروف غامضة، وقيل كان ذلك خوفا من أن بلحق به الأذى، وتوفي في 30 -5- 1960.
وكان يحب الحياة، لذا كان الحب موضوعاً اساسياً في روايته " الدكتور زيفاغو " وقيل إن شخصية – لارا – في الرواية هي عشيقته اولغا ايفنسكايا.

وبسبب النقد الموجه للنظام الشيوعي في هذه الرواية، امتنع كل الناشرين عن نشرها في الاتحاد السوفيتي – وقتذاك - فهربت إلى إيطاليا ونشرت فيها عام 1957، فأحدثت أصداء سلبية واسعة في الاتحاد السوفيتي وإيجابية في معظم أنحاء العالم، ولم تطبع في الاتحاد السوفيتي إلا في مرحلة سياسة البريسترويكا.

- عن القصيدة..

تنقل الشاعر بين أماكن وشخصيات، واقترب من لارا وزيفاكو، في تمثل شعري بلغة رشيقة تقود المتلقي إلى أن يتمنى أن لاينتهي من قراءة القصيدة.

في هذا النص الشعري تجربة توازي تجربة النص الروائي، حيث يتعايش مع غربة الحاضر وغربة الماضي الذي كان، وتماست الصور الشعرية مع أدق تفاصيل شخصيات الرواية بحساسية عالية، تدل على عمق إدراك الشاعر جوهر تلك الشخصيات في الرواية وفي القصيدة، كرسها في حوار فكري عميق متوهج.
ويجد القارئ في سياق هذا النص المذهل، ما يشده إلى ما تكتنفه من أسئلة، تمثل ما يمكن أن نصفها بأسرار الإبداع الاستثنائي:
" يطارده الحمرُ والبيضُ..
يطرده الملكيون والفوضويون..
ويُشكك في ما يرى و يقول.. رجالُ الكنيسة والملحدونْ
كلُ الذين أباحوا دم الآخرين
من كل قوم ودين.. وطائفةٍ
يعدون ضحكته خطراً.. يتهددهم "
لقد تمثل الشاعر شخصية زيفاغو، التي تكاد تمثل سيرة باسترناك، ولم تبتعد شاعرية حميد سعيد، عن تمثل الوضع في بلادنا، الذي عشناه وعاشه الشاعر منذ احتلال بغداد وما جاء به الاحتلال من مصائب.
" ينصبون فخاخاً لأحلامه
وتشمُ الذئاب مواقع أقدامه..
وتتبعه.."
إنها ذئاب بشرية، تستهدف الأحلام والحب والغناء، ويكون الخراب حيث تكون، وتطارد العاشقين كما طاردت – لارا – فكان التشرد ملجأها ومأمنها.
" لارا.. هي الدفء والطمأنينة
لارا.. قصيدته الأخيرة "
لكن – لارا – اختفت، إلا من مخيلة الإبداع، في أحداث رواية باسترناك أو في تجليات قصيدة حميد سعيد، وكأن هذه المخيلة امتداد منافي – لارا-.
" كل أصحابه اعتكفوا.. هاجروا.. قُتلوا.. انتحروا "
بعد كل هذه الدراما الوجودية، يظل الحلم هو الخيار الإنساني، إن كان ثمة من خيار.

-قصيدة ...قيامة مدام بوفاري

" مدام بوفاري" رواية صدرت في العام 1857 للروائي الفرنسي غوستاف فلوبير، المولود في العام 1821 والمتوفى في العام 1880، وقد درس الحقوق لكنه اهتم بالأدب.
لقد أكدت رواية " مدام بوفاري" على أن غوستاف فلوبير المثل الأعلى للكاتب الموضوعي، من خلال أسلوبه المتميز وكيفية تناوله لأحداث وحياة عصره.

وتعد هذه الرواية مثالاً مشعاً للواقعية التي شاركت في إرساء قواعدها، وقد تميزت بتحديد سمات شخصياتها، على الصعيدين الخارجي والنفسي. حيث تناول شخصية بطلته – مدام بوفاري – من خلال رؤيتين، سايكولوجية وأخلاقية، واستطاع رصد السلوك الاجتماعي بعين المبدع لا بأدوات المنظر.
إن مدام بوفاري التي عرفنا بها فلوبير، قارئة روايات ومحبة للحياة الاجتماعية، شديدة في ذاتيتها ومتعالية،غير أن زوجها الطبيب – شارل بوفاري – لم يستوعب حيويتها فعاشت فراغا دفع بها إلى التمرد والخروج على الأعراف المجتمعية.

كان زوجها مدركاً إن زوجنه متفوقة عليه، فاستسلم لهذا الحال، أما هي فكانت تبحث عن رجل من طبيعتها، ولما لم تجده، قررت أن تنتحر.

- عن القصيدة

إن قصيدة حميد سعيد " قيامة مدام بوفاري " مدهشة حقاً، في بناها الفكرية والجمالية، أما أنا فقد عشت صراعاً بين الرواية والقصيدة، انتهى بي إلى قناعة مفادها، أن تمسك بهذه القصيدة مثل أن تمسك بجوهرة.
من أي دلالة يمكن الدخول إلى هذا النص الشعري؟ من عشاقها أو من زوجها الذي لم يستطع أن يوازي حرائقها، أم من عبقرية مؤلفها غوستاف فلوبير؟
"سمعتُ في ما قاله مشخصٌ لعوبٌ..
قرب جامع الفنا بمراكش..
إن جده الذي أقام في الريف الفرنسي.. التقى بامرأةٍ
تقول.. إنها حفيدة التي افترى عليها المفترون
ويقول في رواية عن جده..
عن التي تقول إنها حفيدة التي افترى عليها المفترون
إن السيد فلوبير ذو خيالٍ صاخبٍ
وكان قد أحب.. إيما "
هكذا يلعب الشاعر بالشعر، ويدخلنا في سؤال، هل عاش غوستاف فلوبير، مثل هذا الحب؟ وهل كان أحد عشاق إيما؟
وهل تكرار وصف – التي افترى عليها المفترون - محاولة للتشكيك بما لحق بسمعتها.
" ويقول الجد.. في رواية عن الحفيدة التي التقاها..
لم تكن إيما.. مدام بوفاري"
إن فلوبير جردها من وقارها الساحر، أما القصيدة فقد أنصفتها في أن تكون امرأة كل العصور، في رغباتها وفي غيابها الدرامي المحزن.
" كل امرأةٍ إيما، وكل رجل لابد أن يعشقها يوماً..
ستنطوي سنينْ
وهي لا تكف عن مد الذين يقرأو ن عنها "
ثم:
" كأنها.. تقيم في كل زمانٍ..
بانتظار رجلٍ.. سيأتي"
إن هذه القصيدة لم تتحرر من لغة الرواية فحسب، بل جاءت بلغة شعرية ساحرة، فاشتغلت إبداعياً خارج محيط الرواية وجغرافيتها.

- قصيدة..لم تشرق الشمس ثانية

- قبل القصيدة

توقفنا عند صفحات من حياة آرنست همنغواي، في تناولنا قصيدة " الشيخ يعود إلى البحر " وهنا نتوقف عند رواية " ثم تشرق الشمس" التي صدرت في العام 1926 وقيل عنها إنها أول رواية مهمة لهمنغواي.
تتناول أحداثها مجموعة من المغتربين الأمريكيين في أوربا، وتحديداً في فرنسا، خلال عشرينيات القرن العشرين، وقد عاش همنغواي في باريس من 1921 إلى 1926 والتقى بشخصيات أدبية أمريكية، منهم إزرا باوند و فتزجيرالد سكوت.
فالرواية سيرية في مكون من مكوناتها، والراوي صحفي مغترب يعيش في باريس يدعى – جاك برنز – وهو معوق بسبب إصابته في الحرب.
يلتقي بأصدقائه في باريس ثم يسافر إلى مدينة بنبلونا الإسبانية ويقضون أوقاتهم بين الصيد والسهر الليلي وحضور عروض مصارعة الثيران، والصراع على امرأة، تتلاعب بهم.
وما يؤكد إن الرواية سيرية في مكون من مكوناتها، إن همنغواي سافر إلى بنبلونا في صيف سنة 1925 برفقة مجموعة من أصدقائه المغتربين الامريكيين وأعجب بالسيدة دوف، وأحس بالغيرة عندما عرف أنها قضت أسبوعاً مع لويب في باريس، فحدث شحار بينه وبين لويب.

- عن القصيدة

قد يكون تعاطف الشاعر حميد سعيد مع أجواء هذه الرواية بتأثير تجربته الإسبانية، وقد زار وعرف بعض الأماكن التي جرت فيها أحداث الرواية، بل لقد تعرف على مصارع الثيران وزاره في مزرعته القريبة من طليطلة.
إن الشخص في النص الشعري الباحث عن ذاته من خلال الشخص في الرواية متمثلاً سلوكه وتصرفاته وردود فعله، وكلاهما يحاولان تأمل واكتشاف الذات الإنسانية، لكن جاءت تصرفات الشخصيات الروائية في القصيدة مسبوكة ومتماسكة.
هل استعار الشاعر دور المحلل النفسي من خلال وصف مصارع الثيران وكيفية تعامله مع الثور، أما وصف همنغواي بالأمريكي المتطفل، فقد روى لي حميد سعيد بأن هذا الوصف سمعه من مصارع الثيران حين زاره بصحبة شاعر اسباني ومنشط حفلات مصارعة الثيران.
" في النزل الريفي تعارفنا..
رسامٌ بوليفيٌ ومصارعُ ثيرانٍ معتزلٍ
وأنا وامرأة سمراء..
تقولُ..
رأيتك من قبل بمقهى في الدار البيضاء
وتشير إلى طاولة في أقصى الصالة
كان هنا يجلس همنغواي.. ليكتب في كل مساءْ
صفحات ٍ"
الصورة الشعرية ببنائها السردي، تضم أشخاصاً، يحدثنا الراوي الشعري بتكثيف عال، عما جرى في ذلك اللقاء، يستعيد فيه لقاء آخر كان من قبل في رواية همنغواي، تشكل من الواقع والمتخيل الإبداعي.
في قصيدة حميد سعيد مدخل عن مكان لقاء أشخاص، إلى أحداث الرواية، وهذا المدخل ينفتح على فضاء الرواية:
" تتشكل فيها قارات.. يتخيلها
مدنٌ صاخبةُ.. حاناتٌ وفنادق..
أنهارٌ.. غاباتٌ.. وجبالٌ وموانئ..
بحارون.. نساءْ "
لقد نهضت هذه الصورة، كما ينهض فارسٌ، بمكونات تشهد حيوات مختلفة، تأخذ القارئ إلى دلالات تقوده لمعرفة ما كان من أحداث.
" ذات ضحى.. يستقبلنا بدرو روميرو.. فتحدثنا عن بدرو روميرو"
ثم تتواصل في القصيدة الإشارات إلى أشخاص وأحداث ومفارقات في الرواية.
" كان هنا بدرو روميرو.. ومضى يبحث عمن كان يُحبُ
سيأتي يوماً.. ليرى باريت
تصحو المرأة..
وتقول.. أنا باريت.. أنا باريت
سيأتي من أجلي وأنا من كان يُحبُ "
غابت باريت، ووجع بدرو لم يغب.
وختام القصيدة:
" نواصل سهرتنا..
وتشاركنا في الليل الأحلامْ"
إنها نهاية مفتوحة على رؤى وخيارات وأحلام لا حدود لها، وقالت القصيدة ما لم يقله همنغواي في الرواية.

- قصيدة... ثم وجد الكولونيل من يكاتبه

- قبل القصيدة..
غابريل غارسيا ماركيز، روائي كولومبي من مواليد العام 1927، عاش معظم حياته في المكسيك وأوربا، واقترنت باسمه وبنتاجه الروائي المدرسة الواقعية السحرية ابتداء بروايته " مائة عام من العزلة " ونال جائزة نوبل للآداب في العام 1982 وبسبب صداقته مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو أثير شيء من الجدل والتحرش الإعلامي، وظل يفضل الإقامة في المكسيك حتى سنواته الأخيرة، وتوفي بمرض السرطان في 17-4- 2014 بالعاصمة المكسيكية – مكسيكو.

كتب رواية " ليس للكولونيل من يكاتبه "بين 1956-1957 ونشرت في العام 1961، وهي تحكي عن كولونيل متقاعد، شارك في حرب – الألف يوم – وبعد أن قتل ولده، عاش وحيدا ينتظر رسالة بشأن راتبه التقاعدي، لكن الرسالة لم تصل.
وفي هذه الرواية نتعرف على حياة المزارعين وفقراء الفلاحين ومايجري من أحداث وصراعات في مزارع قصب السكر.

- عن القصيدة

يتعاطف الشاعر مع الكولونيل، فيكاتبه، ليعوضه عن انتظار الرسالة التي لم تصله، والشاعر هو شخصية القصيدة، حيث التقى بالكولونيل في المتخيل الشعري:
" ها أنذا ألتقي الكولونيل.. بعد غياب طويل
أرى فيه.. ما لم أكن قد رأيت من قبل..
هذا العزوف عن البحر "
ويروي، الراوي في القصيدة، أحداثاً توحي بأنها من الحاضر، وأخرى من الماضي، وذكريات مؤلمة حزينة، ولم تصل الرسالة التي تفتح باب الأمل للكولونيل، لكن بريد الكولونيل تعطل منذ زمان، ويرسم الشاعر كائنه الشعري في هذا الحال:
" ولا أحدٌ من سعاة البريد يعرفه
إذ تلاشى النظام البريديُ..
مذ صار لا يتذكر أن له من يكاتبه "
الكولونيل يتألم والشعر يواسيه، والراوي – الروائي- الذي هو ماركيز، يظل بعيداً ويتعايش مع سرطانه، والكولونيل لا يتصالح معه.
" لو كنت شاهدت.. خولة في وردها الحلبي..
لما تبعتك الذئاب "
وكتبتَ إليه.. قصيدتك التي أيقظت الأسئلة، يا لها من قصيدة تنفتح على الرواية والكاتب والكولونيل الذي كان، وتنفتح على الواقع والحياة والإنسان والقارئ.

- قصيدة .... ربما كان زوربا

- قبل القصيدة
رواية – زوربا اليوناني – للروائي والفيلسوف اليوناني – نيكوس كازنزاكي – وهو من مواليد العام 1883، صدرت هذه الرواية في اليونان عام 1946 ثم صدرت في لندن في العام نفسه، أما طبعتها الثالثة فقد صدرت في نيويورك عام 1953، وهكذا حققت الرواية انتشارا واسعاً.
درس كازنزاكي القانون في العام 1902 بجامعة أثينا، ثم ذهب إلى باريس عام 1907 لدراسة الفلسفة، وتأثر ب – هنري برغسون – وكانت أطروحنه في العام 1909 عن نيتشة وفلسفة الحق والدولة.
في العام 1914 التقى ب – انجلوس سكيليانوس – وتنقلا معاً لمدة عامين في الأماكن التي ازدهرت فيها الثقافة اليونانية الأرثو دكسية.
تنقل بين باريس وبرلين من 1922 إلى 1924 وبين ايطاليا وروسيا في العام 1925، وزار اسبانيا وقبرص ومصر والصين واليابان، وتوفي بتاريخ 26- 10 – 1957 في ألمانيا.

تتناول الرواية حياة رجل مثقف – باسيل – و آخر أمي، - زوربا – يلتقيان مصادفة، وتربط بينهما صداقة عميقة، وكان باسيل قد ورث اموالاً كثيرة عن أبيه، وتعلم من زوربا معنى الحياة وفن العيش فيها، ويقال إن زوربا شخص حقيقي التقى به كازنزاكي في إحدى رحلاته واعجب به كثيراً وكان الشخصية الأولى في الرواية واقترنت باسمه.
إن عبقرية كازنزاكي في الوصف تجلت بوضوح في وصف شخصية زوربا بكل تفاصيلها ومفاجآتها السلوكية والذهنية، وحبه المفرط للحياة وللنساء والرقص.
وقد أقنع زوربا صاحبه باسيل، باستثمار أمواله في منجم فحم، وحين حاول صناعة مصعد لنقل الفحم فشلت المحاولة، لكن زوربا الذي لا يعرف اليأس يسافر إلى مدينة ليحضر مواد بناء المصعد، لكنه صرف ما كان معه من مال في حانة مشبوهة.

لقد كان زوربا يسخر من كتب صاحبه، وقال له يوماً: كتبك هذه، ابصق عليها، فليس كل ما هو موجود، تجده في كتبك.

عن القصيدة

في شخصية زوربا المرحة المتفائلة التي لا تنكسر، إحساس جمالي عميق الغور ومغامر، وقد أفاد الشاعر حميد سعيد في قصيدته، من صفات هذه الشخصية وليس من زوربا في الرواية تحديداً.
والتقينا في القصيدة، بأكثر من زوربا وفي أكثر من مكان وأكثر من مدينة، واكثر من زمن أيضا.
" ورأيته يوماً..
يساوم بائعات الخبز في السوق القديم
وبعد عامين التقيت به يبيع الخبز "
هل كان الشاعر يحدثنا عن شخص رآه في مدينته قبل أن يعرف شخصية زوربا، ثم بعد أن عرفها، تذكر ذلك الشخص الذي فيه من زوربا، حيث:
" ضجيجه الليلي.. فطنته.. الحوارات التي لا تنتهي
وشراسة الذئب المحاصر.. في الشجار "
نعم، بهذا الوصف، أكاد أجيب عن تساؤلي، فالشاعر يستحضر في قصيدته شخصا زوربوياً، ولايستحضر زوربا اليوناني.
ومرة أخرى يصف لنا الشاعر، شخصاً زوربويا، في مدينة أخرى وبهيئة أخرى أيضاً، وهذا الشخص الزوربوي وجده في قرية من قرى الأناضول، يحترف السحر والتدجيل:
" مددتُ يدي إلى أوراقه الصفراء.. أكشفُ ما بها
اختلطت عليه.. قوافلُ وجحافلٌ..
مدنٌ.. وجوهٌ.. لم يفرق بينها "
ولأن الشاعر كما قلت من قبل، جعلنا نلتقي بأكثر من زوربا وفي أكثر من مكان وأكثر من مدينة وأكثر من زمن أيضاً، التقينا به مرة أخرى في بيروت:
فمضى إلى غيبوبة بيضاء..
تحمله إلى بيروت في الزمن الجميل "
ثم يتمثل حدثا في الرواية، ويقترب بنا من زوربا اليوناني في تجليات شعرية جميلة ومؤثرة:
" على ضفاف الأبيض المتوسط..
اقتربت سفينته من الميناء
في هذا المدى البحري.. تندفع الطيور البيض نحو القادمين..
كأنها انتظرته "
و:
" أيرقص مرة أخرى.. وقد طردته مملكة الغناءْ؟
واختار منفى لا تمر به النساء ْ"
إنه سؤال عجيب حقاً، لأنه سؤال شعري، يصدر عن وعي شاعري، هل سيرقص مرة أخرى، وليس من إجابة عن سؤال كهذا.
وأخيراً..
" ذلك قبره..
في كل مقبرة مررت بها..
وفي كل البلاد ْ"
إن زوربا في القصيدة، ليس هو الشخص الاستثنائي الذي عرفناه في رواية " زوربا اليوناني" لكازنزاكي، بل هو الرمز الذي نجده في أكثر من مكان وأكثر من زمان وفي أكثر من شخص.

قصيدة ...ما رواه الفتى الأزهري عن سي السيد

قبل القصيدة

نجيب محفوظ، ولد في العام 1911 بحي الجمالية في القاهرة، وسمي بهذا الاسم المركب، تقديرا من والده للطبيب أبو عوف نجيب باشا محفوظ الذي أشرف على ولادته وقد كانت ولادة متعسرة، وتوفي في 30- 8- 2006 وهو أول عربي ينال جائزة نوبل للآداب، عام 1988.
نقف باختصار عند الثلاثية:
أ-بين القصرين: هي الجزء الأول وكان مهادها القاهرة، حي الحسين، ويحكي قصة أسرة من الطبقة المتوسطة تعيش في هذا الحي قبل وأثناء ثورة 1919، ورب هذه الأسرة شخصية قوية ومتناقضة هو السيد أحمد عبد الجواد " سي السيد " وتتكون عائلته من الزوجة – أمينة – وابنه البكر من زوجته المطلقة – ياسين – إلى جانب ولدين فهمي وكمال وبنتين خديجة وعائشة.

ورأى سي السيد في الثورة تهديداً لتقاليد الأسرة ومفاهيمها.

ب-قصر الشوق: الجزء الثاني من الثلاثية، تواصل سيرة الأسرة بعد وفاة الإبن فهمي في أحداث ثورة 1919، حيث يكبر كمال الذي تخرج من معهد المعلمين وكان محباً للأدب والفلسفة.
وفي هذا الجزء نشهد زواج ابنتي سي السيد وزواج ياسين وانتقاله إلى بيت كان قد ورثه عن أمه.
وينتهي هذا الجزء بوفاة سعد زغلول الزعيم المصري، أما عنوان هذا الجزء فيعود إلى منطقة قصر الشوق، وهو قصر كانت تملكه سيدة موسرة اسمها – شوق -.
ج-السكرية: وهي الجزء الثالث والأخير من ثلاثية نجيب محفوظ، والسكرية حي معروف من أحياء القاهرة القديمة.
أما أحداث هذا الجزء فتأتي لاحقة بأحداث قصر الشوق من 1934 إلى 1943، حيث نرى أطفال الجزء الثاني شباباً، ولكل واحد منهم شخصيته ومشاريعه وتوجهاته.
وأشخاص الثلاثية كثيرون، منهم من استمر في جميع الأجزاء ومنهم من اختفى.

عن القصيدة

في ليلة لم يجد الراوي، وهو من طلبة الأزهر، أصدقاءه الذين كان يلتقي بهم في كل ليلة.
" لم أجد في هذه الليلة أصحابي..
وكنا نلتقي في مسجد الحي
وقد أرهقنا الدرس المسائي"
أين كانوا؟
والشاعر قد فقد أصحابه أيضاً، وقد غيبتهم المنافي وسجون الاحتلال.
" سلَمت على جارتنا.. بائعة التمرِ
دعتني.. مثلما تفعلُ..
أن أحكي لها عما تعلمت.. وما أحفظ من أي الكتاب..
انتظرتني وأنا أقرأ يس "

امرأة من الماضي، تحضر في القصيدة، لتمنحها جمالاً وحيوية، بإيقاع شعري ولغة شفافة تنبع من قدرة الشاعر على اختيار قاموسه الشعري، وهي – المرأة – تروي:
" فجأة.. يحملني الليل إلى مملكة أخرى
أرى من جسدي.. ما لم أكن أعرفه "

إنه صوت المرأة التي أغواها سي السيد، في حالة استذكار واعتراف، وقد استثمر الشاعر هذا الصوت، في بناء درامي، تتعدد فيه الأصوات، كما تتعدد الأزمنة، بل تتعدد الشخصيات في شخص واحد، في ازدواجية تخدم حركة النص الشعري وتؤكد حيويته.
شاركتُهُ الدربَ إلى الجامع..
مأخوذاً بأمواج الشذى
قاربته حين يصلي.. كان في المطلق كالصوفي
في ما يصل الإنسان.. بالله.. مضيئاً"
أهذا هو قناع سي السيد يرتديه نهاراً وينزعه ليلاً؟ هكذا يفتح لنا الشعر باباً على الحقيقة من خلال الوعي والجمال في آن.
"طالما شاهدتُه.. في أول الليل يعب الخمرَ"
شاهدة بائعة التمر على ما رأت وعاشت مع سي السيد لياليه، يوم كانت تملأ سهرات الليل بحضور جسدها قبل أن يذبل.
" وفي البيت.. كما يُروى عن الأبناء..
كان الملكُ الجبارُ"
تلك هي حالة أخرى من حالات سي السيد في ازدواجيته التي يحسبها سلطة أبوية مشروعة، أي اعتراض عليها يزلزل الكون.
*
كثيرة محاور القصيدة وما تطرح من قضايا، تستوقف المتلقي وتستأثر بعقله وعاطفته، فلا يتوقف عن السياحة في أجوائها وتأمل أمدائها.
وفي الختام:
" ربما ألقاه قبل الفجر.. قد عاد من السهرةِ
أو ألقاه بعد الفجر.. في الدرب إلى الجامعِ
أو.... "
وأخيرا، هل لي أن أقول، لو اطلع الكبير نجيب محفوظ على هذه القصيدة لأسعدته وانفتحت به على أكثر من سؤال فكري وجمالي.

قصيدة ...صمتُ البحرِ.. ثانيةً

قبل القصيدة..

رواية – صمت البحر – للكاتب والرسام الفرنسي جان بريلير المولود في باريس عام 1902، وفيركور اسم مستعار عرف به أيام مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا، وظل معروفاً به حتى وفاته في باريس عام 1992.
كتب – صمت البحر – في العام 1942، ايامها كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي، ووزعت كمنشور سري،ضمن سلسلة منشورات " نصف الليل" التي أصدرتها المقاومة، ومما قيل عنها وعن تأثيرها، إنها كانت مثل شعلة نار في كومة قش.
تتناول الرواية حياة المجتمع الفرنسي خلال الاحتلال الألماني، وكانت من أشهر روايات المقاومة، ومكان أحداثها قرية فرنسية، يأتي جنديان ألمانيان إلى منزل ريفي يسكنه رجل كهل وابنة أخته الشابة، يتفحصان الغرفة من أجل أن يقيم فيها ضابط ألماني، لأن الضباط الألمان كانوا يقيمون في بيوت الفرنسيين.
جاء الضابط إلى المنزل واختار غرفة فيه، وقدم نفسه، كان اسمه فرنرفون.
ويتحدث الخال قائلاً: كان الضابط يجيد الفرنسية، ويتحدث بإسهاب، لكنه وابنة أخته قابلا أحاديثه بالصمت، فشعر بأنه انتهك خصوصية المنزل وساكنيه، إذ كان الصمت سيد الموقف.
بمرور الأيام أحب الخال الضابط واعتاد وجوده، وكشف الضابط عن وجه آخر له، ثقافة واسعة وموهبة في العزف على البيانو.

كان الفرنسيون يرفضون الاحتلال ورموزه والمتعاونين معه، وكان الضابط الألماني في عذاب نفسي، حتى أعلن يوماً إنه راحل إلى الجحيم مختاراً أن يكون فرداً في معركة بدلاً من أن يكون ضابطاً يواجه بالكراهية، وكان يدرك أن الصمت قد قهره، صمت الخال والفتاة وصمت المنزل والبلاد، وأخيراً قالت له الفتاة كلمة واحدة هي: وداعاً.

عن القصيدة

المقاومة المسلحة، تظل ناقصة إن لم تقترن بالمقاومة الثقافية، فناً وأدباً، وقد مارس الشاعر حميد سعيد هذه المقاومة – الثقافية – بما كتب من شعر مقاوم.
فالاحتلال هو الاحتلال، على صعيدي الأهداف والممارسة، ولافرق بين الاحتلال النازي لفرنسا والاحتلال الأمريكي للعراق.
من – صمت البحر – خرج الشاعر بصوته، وكأنه صاحب البيت الريفي الذي واجه المحتل بالصمت، المعبر عن الرفض والاحتجاج.
" توقظه رشقةٌ من رصاصٍ
يرى كل ما كان في بيته..
قبل أن يدخل الجنود إليه..
على غير ما كان "
لأنه رأى جنود الاحتلال الأمريكي يطرقون أبواب الآمنين من العراقيين بالرصاص ويكسرونها بالدبابات وحاملات الجنود - ويدوسون الكتب بالبساطيل.
" رأى الضابط الأمريكي.. مرتبكاً
ضائعاً في تضاريسها
مثلما ضاع في ما يرى
رجلٌ غائبٌ وظلال ابنة غائبةْ"
وكما كان في صمت البحر تكرر في صمت البحر.. ثانية، تكاد تكون الحالة نفسها، إلا أن الضابط الألماني كان مثقفا وطيبا، لم يكسر شيئا من مقتنيات أصحاب البيت ولم يسرق منها، بينما عبث المجندون الأمريكيون ببيت الشاعر ونهبوا مقتنياته وعبثوا بأوراقه وبمكتبته.
" لماذا يجيء إلى بيته الضابط الأمريكي؟
ماذا جرى..
ليرى أصابع العريف الملوَن.. تعبث بالمعجم العربي
يدوس ببسطاله كتب الجاحظ وابن المقفع وابن هشام..
وما ضمَت المكتبةْ"
هل هو الحقد على الحضارة وتاريخها؟ هل هي محاولة مصممة لكسر إرادة مثقف ما اعتدى يوماً على أحد؟
" هل كان بين العريف الملوَن والطبري..
عداء قديم؟! "
و..
"بين صحوٍ وغيبوبةٍ..
جاء ورنر فون.. من صفحات ممزَقةٍ
وطروسٍ محرَقةٍ"
إنها قصيدة احتراق بدمار العراق، لتكون شهادة تاريخية، عصية على المحو والاخفاء والتزوير.

قصيدة .. سيدي حامد بن الأيل يبحث عن دون كيخوتيه

قبل القصيدة

ميغيل دي سرفانتس، روائي وشاعر وكاتب مسرحي، ولد في إسبانيا عام 1547، وانتقل إلى روما عام 1569، حيث عمل في خدمة أحد الكهنة، وتم تجنيده في قوات البحرية الإسبانية، وفي عام 1575 اعتقل من قبل قراصنة جزائريين، واطلق سراحه بعد خمس سنوات، بعد دفع فدية.
في العام 1587 نشر روايته الأولى " لاجالايتا " ثم استقر في مدينة إشبيلية وعمل موظفا يشرف على تموين الاسطول الاسباني ثم شغل منصب محصل ضرائب، ليدفع الديون التي أثقلت كاهله.
وعرف السجن والبطالة بسبب اكتشاف خلل في حسابات الضرائب، فاستقر في العام 1607 بمدريد وتوفي في العام 1616.
*
دون كيخوتيه، واحدة من أهم الروايات في تاريخ الرواية، وعدها مؤرخو الفن الروائي، فاتحة الرواية الحديثة في العالم ورائدتها، وبطلها دون كيخوتيه المهووس بكتب الفروسية، والذي عاش مغامرة أن يكون فارسا، بعد أن انتهى عصر الفروسية وتقاليدها ومتمماتها، الخادم المرافق والمعشوقة، وكان لدون كيخوتيه خادمه المرافق ومعشوقته المتخبلة.
وينسب – سرفانتس- أحداث روايته إلى رجل من الموريسكيين اسمه سيدي حامد بن الأيل، ومازالت هذه الرواية تحظى باهتمام متواصل من قبل النقاد والباحثين ومؤرخي الأدب.

عن القصيدة..

تبدأ القصيدة، بخطاب يوجهه الشاعر إلى صاحبه، وكأنه يذكرنا بالقصيدة العربية قبل الإسلام، كما في قصيدة امرئ القيس مثلاً: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه..
" ظهيرة قائضة..
وكان صاحبي يقول لي.. وصلنا "
فالشاعر وصاحبه في منطقة المنتشا، حيث كان الفارس الحزين دون كيخونيه، فيواصل صاحبه استذكار مغامراته قائلاً:
" هذه قريته.."
" ذلك الذي يخب الفرس الأعجف.. دون كيخوتيه"
" تبدو قلاع الأمس.. حيث كان َ
مدناً مهجورةً..
تأوي إلى أحراشها الذئاب "
القلاع مازالت قائمة والذئاب موجودة وإن اختلفت عن ذئاب الأمس، لكن الذين تغيروا هم رجال السلطة:
" سانشو بنثا.. حامل الأسلحة الظريف صار السيد المطاعْ
تخدمه قبائلٌ من الرعاع "
إن الخادم المضحك في الرواية أو في زمنها صار السيد المطاع في القصيدة أو في زمنها، وكانت قصيدة حميد سعيد هذه، ترفل بحساسية شعرية نادرة في زمن يعاني فيه الشعر من الهزال.
وختام القصيدة..
" لو كنا معاً هناك..
لوكنا معاً..
لو..."
إنها رحلة فائقة الأهمية تتمثل تجربة فائقة الأهمية هي الأخرى، حيث أدخلتنا القصيدة في عالم لاحدود لأسئلته وتعلمنا منها ما اضاف إلى ما تعلمناه من الرواية العظيمة وكاتبها.

قصيدة ...الأخوة كرامازوف

قبل القصيدة

ديستوفسكي من أكبر الروائيين الروس، إن لم نقل أكبرهم، ولد في موسكو عام 1821، ويرى باحثون جادون إنه أول مفكر وجودي، وقد توفي في سنت بطرسبرغ عام 1881.
اتسم أسلوبه بواقعية متميزة ويشوب سلوك شخصياته التوتر، وتناول في رواياته الحياة السياسية والاجتماعية في روسيا القيصرية.

تعد الأخوة كرامازوف قمة أعماله، وقد أمضى ما يقارب عامين في كتابتها، ونشرت فصولها الأولى في مجلة – الرسول الروسي – وتم إنجازها في تشرين الثاني من عام 1879، وعالجت الروابط العائلية وتربية الأبناء والعلاقة بين الدولة والكنيسة، كما تناولت موضوعات الخير والشر والعدالة السماوية والخلود والحرية.
المحور المهم فيها هو اندلاع صراع مرير بين الأب – فيودور كارامازوف – وابنه البكر – ديمتري – بسبب علاقتهما بامرأة – كراشونيكا- وعمرها 22 عاما، وكانت على علاقة جنسية بالوالد والولد.
الأب يهدد الإبن بالقتل إذا اقترب من خليلته، والابن لايرعوي بحجة الدفاع عن حبه، ويطلع على هذا الصراع خادم الأب، - سادا راكوف – ويقال أنه لقيط وابن غير شرهي للأب، ويقدم يوما على قتل الأب ويتهم الابن – ديمتري - بقتل والده، وتستمر الأحداث وجلسات المحكمة لتنتهي الرواية بالحكم على ديمتري بالأعمال الشاقة لمدة عشرين سنة في سيبريا.
وتضيع العائلة بموت جميع أفرادها، ويدفن القاتل الحقيقة معه.

عن القصيدة

يفيد الشاعر من صراع الأخوة كرامازوف، ليكشف من خلاله صراع آخر، وهو يرى إن الذي نحن فيه من صراع يحيل إلى صراع الأخوة كرامازوف، أو هكذا يخيل لي كقارئ.
" هي أقدارنا..
وكأن الرئي السلافي أنبأنا بالذي سيكون
أمماً وأناساً..
فكنا..كما كان أولئك الضائعون
في ما أُعدَ لهم من مصائر مربكةٍ
ليس هذا الذي نحن فيه غير الذي كان فيه آل كرامازوف
من فتنٍ "
الأشقاء يقتتلون..
ما أبشع هذا الحال؟ لقد أخذتنا هذه الصورة إلى واقعنا المر، حيث صار وطن الأشفاء، وطن الأعداء.
إن هذا التنوع الإبداعي في رسم صورة الأخوة والأب، يدق جرس الخطر للقارئ، فيتساءل ماذا جرى ولماذا؟
وعندما توقف الشاعر عند الأب وابنه، تصاعدت نبرة الإدانة في تفجر شعري:
" في خريف العلاقة العائلية أو في خريف البلادْ
أبٌ فاجرٌ وثلاثة أبناءْ
الأبيقوري والمتعالم والمتصوف..
كلٌ له حلمٌ يتآكل في عالمٍ عَطِنٍ..
مثل تفاحةٍ فاسدةْ"
و..
" أيهذا الرئي السلافي..
كيف جمعت في ما رأيت.. النقائض؟
حيث رأيتَ..
الوقاحة والجبن في رجلٍ واحدٍ..
والبراءة والعهر في امرأة واحدةْ"
يبدو لي، كقارئ، إن صورة الأب ولعب العشيقة، في القصيدة، إدانة للأب وللعشيقة، وكذلك كانت صورة – فكتوريا – التي تخلت عن خطيبها – ديمتري – وشهدت ضده في المحكمة، إنه خراب النفوس بقدر ما هو خراب الواقع.
" يسَابق الابن والأب.. والأخ والاخ..
نحو فراش سيدةٍ ساحرةْ"
إنه تسابق خراب، في الخراب، وكأن القصيدة تضعنا في مواجهة خراب شامل، في المكان والزمان والإنسان.
" هي أقدارنا..
يقبل الموت مقترناً بالخراب.. وبالشكِ
وهو يرافقنا حيث كنا
ويسكن أحلامنا "

قصيدة ..قريباً من الليدي شاترلي.. بعيداً عنها

قبل القصيدة

ديفيد هربرت لورنس، كاتب بريطاني، ولد في قرية ايستوود في العام 1885، وكان والده من عمال المناجم، وكانت والدته مدرسة، وتزوج من فتاة ألمانية وتوفي في العام 1930.
*
نشرت رواية – عشيق الليدي شاترلي – في العام 1928 في إيطاليا ولم تنشر في بريطانيا إلا في العام 1960.
وهي تحكي علاقة جسدية بين رجل من الطبقة العاملة وامرأة من الطبقة الأرستقراطية، ويقال إن – لورنس – استوحى هذه الرواية من الواقع الاجتماعي الذي عاشه، ومن علاقة حقيقية كانت بين السيدة – أوتلاين موريل – الأرستقراطية وعشيقها البناء – تايغر – الذي دخل قصرها لبناء قاعدة حجرية لأحد التماثيل في الحديقة المنزلية.

عن القصيدة

منذ بدايات الحضارات الإنسانية، والإنسان المبدع في ما يعبر، يحاول الوصول إلى قيم جديدة، لتكون فاعلة في الحياة الاجتماعية.
إن هذه القصيدة تصدر عن تجربة غنية، فلم يذهب بها الشاعر إلى محددات قصيدة الغزل، في الوقت الذي كان من الممكن أن تكون تجربة الليدي شاترلي مع عشيقها تمهد لقصيدة غزلية مثلاً.
إنها قصيدة ذات رؤية اجتماعية عميقة، تكشف دراما الذات حين تصطدم بدراما المجتمع في تقاليده ومعطياته الطبقية، ومع هذا كان يمكن أيضاً أن ينزلق الشاعر إلى تناولها في هذه الحدود، الاجتماعية والطبقية، لكن شاعراً مثقفا وموهوباً مثل حميد سعيد جعل منها تجربة إنسانية فريدة.
" للجمر.. في الجسد المعبَأ بالزوابع والرعود
خريطة صماء معتمة ٌ"
و...
" رأت صباحاً لا حدود له "
و...
" أي عاصفة من الرغبات..
يطلق جمرها الجسدُ الجميلُ؟ "
إذاً نحن نتعرف على امرأة حقيقية، لها رغباتها الطبيعية، ولها ما يبرر أن تعيش حياتها كما تريد لا كما يريد الغائب والبعيد، فتقترف سعادتها وتفارق قيود حياتها، جسداً وقيما.
" في مهرجان الماء.. تنشأ مرةً أخرى وينشأُ
كان يخلقها
وتخلقه..
ويرجو أن تكون وأن يكونْ"
إن ماعبر عنه الشاعر عن علاقة امرأة برجل أحبته واشتهاه جسدها، لا أبالغ إن قلت إنه جديد على كل ما قرأنا عن الحب، شعراً ونثراً، في الماضي والحاضر.
ثم..
" وانتهى الحلم المباح "

قصيدة ..الأخوة الأعداء

قبل القصيدة

مررنا بلمحات عن حياة الروائي اليوناني نيكوس كازنزاكي، في وقفتنا عند قصيدة " ربما كان زوربا "
و – الأخوة الأعداء – رواية عظيمة، قد تفوق روايته – زوربا اليوناني – في بنائها السردي وصراعات أبطالها وما تحيط بهم من تحديات وأحداث.
رواية مفعمة بتوجهاتها الإنسانية، حيث الصراع والتضحية، والحقد والحب أيضاً.
إن شخصية – انداروس – في توقها إلى الحرية والعدالة والإيمان، تكاد تختصر مأساة الإنسان الوجودية في عصرنا المضطرب القاسي.
ومما جاء من مقولات في هذه الرواية، نقف عند:
" يارب سلح الخراف أيضاً، حتى لا تأكلها الذئاب "
" الحب سيف، لم يكن للمسيح سيف غيره وبواسطته أخضع العالم "
"الذين يقفون حجر عثرة في طريق الحرية، هم أمثالك الذين يحرمون الآخرين من الاحتفاظ برأيهم "

عن القصيدة

من المواقف الإنسانية في هذه القصيدة، تناول مأساة الحرب الأهلية في اليونان، واختلاف الرأي بشأنها بين الأب وابنه، وبين الأشقاء، والصراع المسلح بين قرية وأخرى في الوطن الواحد، ويفصح الشاعر عن إدراك بأن أحداث الرواية نعيشها نحن الآن من خلال صراع بين مواطن ومواطن.
قصيدة – الأخوة الأعداء – هي الوردة الدامية التي نراها ولا نستطيع قطفها وإزالتها حتى تتفتح وردة الحب في حدائقنا، ولقد عملت الصور الشعرية على تجسيد واقع نعيشه:
" من لم يمت بالرصاص المخبَأ في الخبز
يقتله الخبزُ
ومن لم ينله رصاص الجنود
ناله من رصاص أخيه "
نعم، هذا هو واقع حال بلادنا،تناوب على أجسادنا رصاص المحتلين ورصاص الميليشيات والاغتيالات والمفخخات، وكأن أجسادنا الحطب المفضل لمواقد الحقد.
وختام القصيدة:
" هل سيعرف بعد فوات الأوان.. أخٌ وأخوه يقتتلان..
أين هي المعضلة ْ؟ "
هذه القصيدة، جوهرة من جواهر الديوان، صقلتها أصابع شاعر مبدع لتكون وثيقة تدين الزمن الأغبر الذي نعيش فيه.

هوامش القسم الثاني

1-كيرك ج. س – هوميروس والملحمة - لندن – عن جامعة كمبرج
2-ه. ج. ل سكوت المعجم الإنكليزي الإغريقي، حرره وراجعه هنري ستيوارت جونز ز اكسفورد 1968
3،4 –عن شبكة الانترنيت – بتصرف
5-الأسطورة في الشعر العربي الحديث –أنس داود – مكتبة عين شمس 1975
6-اوستن دارين ورينيه ويليك – نظرية الأدب – ت: محيي الدين صبحي 1972 – دمشق
7-جدلية الشكل والمضمون.. حفريات نقدية في متن حميد سعيد الشعري – نضال القاسم – دار البيروني – عمان 2015

حمدي مخلف الحديثي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى