الثلاثاء ٢٢ آذار (مارس) ٢٠١٦
علي الوردي: (52)
بقلم حسين سرمك حسن

مبتكر الأسلوبية الجديدة في الثقافة العراقية

(( وأحسن ما ننصح به في دراسة الأدب العربي القديم هو كتابان للدكتور علي الوردي، الأول (وعاظ السلاطين)، والثاني هو (أسطورة الادب الرفيع)، فإن في هذين الكتابين ما يفتح العقول والعيون على حقائق تواطأ كثيرون على إخفائها، ولا يمكن لذلك فهم الأدب العربي بدونها..))
(سلامة موسى)
(كتاب التثقيف الذاتي – 1958)

سمة "الطبيعية" أو "التلقائية":

منذ كتابه الأول / محاضرته التي ألقاها سنة1951(شخصية الفرد العراقي) خرج الوردي على القراء بأسلوب جديد في الكتابة صار سمة مميزة له فيما بعد. يقتبس الوردي قطعة أدبية ذكرها (سلامة موسى) كأنموذج للأدب الرفيع الذي كان سلامة يسميه (أدب الفقاقيع) لأديب يتحدث عن معاني ومزايا الاتفاق ووحدة الكلمة:) الإتفاق وما أدراكم ما الاتفاق؟ الإتفاق حمامة بيضاء تحمل بفمها غصن زيتون لتبشر القوم بنجاتهم من الطوفان. وهو بلبل غريد يطرب بأنغامه البديعة قلوب من لمستهم الأحزان. هو عندليب يرتفع في الفضاء ومن هناك يرسل لنا بنغماته الشجية ممزوجة بنسيم الحنان. هو ملك سماوي يرفرف بأجنحته النورانية فوق أرواح الشجعان. الله أكبر، من أنت؟ ما اسمك؟..إلخ)

وحتى لو توفرت فكرة ما في هذا (النص) فإنها ستضيع تحت ركام هذه السجعات والاستعارات والمجازات والتشبيهات والكنايات كما يقول الوردي. يشبّه الوردي صاحب هذا الأسلوب بالممثل القديم الذي يملأ المسرح بعويله وعياطه وحركاته فيشغل المشاهد عن فهم الفكرة. في حين أن الكاتب الحق هو الذي يشبه الممثل الحديث الذي يخلب لب المشاهد بأدائه التلقائي وينسيه أنه ممثل ويشعر المتلقي بحقيقة ما يكتب وكأن الأخير يساهم معه في معركة الحياة:

(ومثل هذا يجب أن يكون الأديب الحق، إنه يجب أن يكون رائد فكرة وصاحب رسالة في الحياة، ولابد أن ينغمر في رسالته كما ينغمر الممثل في دوره، وعلى مقدار انغماره هذا يصدق لقب "الأديب" عليه ) (358).
إذن السمة الأولى التي حددها الوردي للأسلوبية الجديدة هي "الطبيعية" أو "التلقائية"، وترك التصنّع الذي هو من موروثات نثر الفترة المظلمة.

الإنحياز للمعنى مع عدم إهمال المبنى:

أما السمة الثانية فتتمثل بالانحياز للمعنى مع عدم إغفال أهمية المبنى. فاللفظ مهم لأنه الوعاء الذي توضع فيه المعاني والوعاء يجب أن يكون نظيفا وفيه من الأناقة الطبيعية ما يساعده على أداء وظيفته. لقد كان الكتّاب منشغلين في زركشة الوعاء ناسين أهمية ما سيوضع فيه من معاني. وقد يكون الأدباء القدماء محقين نسبيا في الانهمام بالألفاظ لأن الأفكار كانت آنذاك محدودة، لكن المعاني في القرن العشرين أصبحت بعدد الرمل والحصى وصار بمقدور الأديب أن يستعمل الألفاظ الواضحة المفهومة دون أن يفقد شيئا من مكانته العالية، فهو الوسيط بين الجمهور وما يظهر في العالم من أفكار جديدة كما يقول الوردي. ويضع الوردي معادلة لرفع سوء فهم شائع يعتقد فيه القراء أن أديب المعاني لا يعاني مثل أديب الألفاظ حسب الأطروحة السامة للجاحظ الذي أشاع أن المعاني مطروحة في الطريق وبالتالي فهي يسيرة مشاعة يستطيع أي أديب الإقتراب منها وتعاطيها ببساطة ومن دون جهد عسير، ولأنها مطروحة في الطريق فإن الفيصل بين الأديب الجيد والأديب الرديء هو القدرة على بناء الشكل اللغوي والتعاطي مع الألفاظ حسب أسس البلاغة العربية التقليدية. وهذا يجعل أديب الألفاظ "يعاني" أكثر من أديب المعاني. لكن الوردي يرى خلاف ذلك:

( يجب على القاريء أن يعلم بأن أدباء المعاني قد يلاقون من الصعوبة في صياغة أدبهم ما يفوق تلك التي يعانيها أدباء الألفاظ. إنهم يبحثون وراء المعاني ويكدحون في سبيل الحصول عليها، حتى إذا عثروا عليها جابهتهم صعوبة كبرى هي كيف يصبون تلك المعاني في القالب الواضح المفهوم. إنهم بعبارة أخرى يكدحون مرتين، اولاهما في البحث وراء المعاني، والأخرى في تبسيط تلك المعاني وتوضيحها. ويأتي القاريء بعد ذلك فيجد المعاني جاهزة بين يديه وهي ميسورة الفهم واضحة المعالم، فيظن أن كاتبها جرى فيها جريان القلم من غير عنت ولا كفاح، إنه لا يدري إن وضع المعنى الدقيق بأسلوب واضح، هو من أعسر ما يعانيه أدباء الأفكار).

واليوم عدنا إلى الوقوع في مصيدة لعبة ألفاظ لا تقل عما واجهه الوردي في مرحلته وتتمثل في ما جاءت به التيارات الحداثوية ومابعد الحداثوية من مفهوم "اللغة المتعالية – METALANGUAGE" التي أصبحت لغة النص النقدي في ظلها معقدة غير مفهومة من قبل أفضل العقول، وصار النص النقدي بحاجة إلى نص يفسّره.

مراحل تطوّر الأسلوب الجديد ؛ من الرنين اللفظي إلى الأسلوب التلغرافي:

وقد مرّ التطور الأسلوبي لدى الوردي بعدة مراحل كان أولها تاثّره – الخاطيء كما يصفه – باسلوب (أحمد حسن الزيات) بعد أن قرأ مقالة للأخير في إحدى الصحف البغدادية، أيام كان الزيات مدرسّا في بغداد وهو يرثي عبد المحسن السعدون بعد انتحاره. لقد عشقتُ أسلوبه في المزاوجة والرنين اللفظي كما يقول الوردي.. كان الوردي يحمل في جيوبه آنذاك قصاصات ورق هي افتتاحيات مجلة الرسالة التي كان يكتبها الزيات يعيد قراءتها ويتدرب عليها ليتقن فن البلاغة:
(وخلاصة القول أني كنت في أيام شبابي سلاميّا في تفكيري، وزيّاتيا في أسلوبي. وهذا هو سبب ازدواجيتي. لقد كانت أفكار سلامة موسى تجتذبني من جهة وأسلوب الزيات يجتذبني من الجهة الأخرى. والآن حين وصلت إلى أواخر عمري أجدني قد صرت سلاميا في أسلوبي، وثائرا على سلامة في تفكيري) (359).

أما المرحلة الثانية فهي التي اتبع فيها أسلوب سلامة موسى الذي كان يسمّيه بـ (الأسلوب التلغرافي) الذي يشبه أسلوب من يرسل تلغرافا أو برقية، فهو يضع الألفاظ على قدر المعنى لا يزيد فيها ولا ينقص، لأن زيادة الألفاظ تؤدي إلى زيادة أجورها، أما نقصها فيؤدي إلى غموض المعنى فلا يفهمه المرسل إليه. وهذا الأسلوب يتطلّب بلاغة خاصة تختلف عن البلاغة القديمة. إنه يتطلب رشاقة لغوية محسوبة، تحسب حساب جسد المعنى كي تلائم قماشة اللفظ عليه لا العكس حيث يستبد المبنى بالمعنى ويضيعه.

أسلوبيّة عربيّة تأثرت بثورة الغزالي الأسلوبيّة:

ولكن من المهم أن نشير إلى أن الأنموذج الأساس الذي وجّه انتباهة الوردي نحو الإهتمام بالمعنى أولا، وباللغة الميسّرة المفهومة ثانيا هو أسلوب الإمام " أبو حامد الغزالي ". فالغزالي في الحقيقة هو صاحب ثورة أسلوبية كبرى على اللعب اللفظي وطغيان المبنى على المعنى أولا، وعلى " نخبوية " الثقافة المتعالية التي لا تفهمها سوى "عصبة" الفلاسفة في وقته:

(فقد ظهر هذا الرجل في زمن كانت الأفكار الفلسفية فيه عويصة لا يفهمها إلا أصحابها، وهم يتراطنون فيما بينهم ويتباهون. فعمد الغزالي إليها يدرسها ويقلّب النظر فيها ثم أخرجها من بعد ذلك إلى الناس واضحة لا عسر فيها، بحيث يستطيع أي قاريء أن يفهمها من غير عناء).

ومن المعروف أن الغزالي في ثورته الأسلوبية هذه قد واجه مقاومة واستخفافا وعنتا شديدا من الفلاسفة الآخرين الذين كانوا يؤمنون أن تعقد المظهر يعكس كرامة الجوهر وتعقيده وثقل موضوعاته. كانوا يصفون أسلوبه بالضعف والركاكة وسوء السبك والفجاجة ويندهشون لأن "فيلسوفا" يتحدث بلغة يفهمها عامة الناس الذين اعتادوا على الخطاب المعقد الذي يحتاجون إلى وسيط يفسره لهم. وحين لا يتوفر لهم ذلك، تكون النتيجة أن هالة من الغموض الممزوج بالهيبة والرهبة تستولي عليهم وهم يقفون عاجزين منبهرين أمام نصوص النخبة الفلسفية:

( وقد اتضح الآن ان الغزالي كان مصيبا وهم المخطئون. يقول " رينان ": " أن الحضارة الإسلامية لم تنتج مفكرا مبدعا عدا الغزالي ". وهذا القول لا يخلو من مبالغة، إنما هو يدل مع ذلك على عظمة الأفكار التي جاء بها الغزالي. وأنا واثق أن الغزالي ما كان قادرا على الإتيان بهذا الإبداع الفكري لو كان مثل زملائه حريصا على زخرفة الكلام. وإني لأشعر حين أقرأ الغزالي كأني أنساب معه في تيار أفكاره دون أن يعيقني فيها عائق من اللفظ. فهو يجذبني إلى متابعته، ويمضي الوقت بي دون أن أحسّ به. ومثل هذا أجده في كتب الأدباء العظام الذين يزخر بهم العالم الحديث )(360 ).
وقد لحق أسلوب الوردي القائم على الاهتمام بالمعنى تحوّل مهم في أسلوبية الكتابة في الثقافة العراقية، حيث كان الوردي يرى أن المعاني قد أصبحت بعدد الرمل والحصى وذلك لأن المعاني لم تعد مرتبطة باهتمامات ( السلاطين) اليومية المحدودة والمكررة. إن النهضة الحديثة التي شهدها القرن العشرين دشنت عصر الجماهير التي أصبح لديها خزين معاني وهموم لا ينتهي. لقد فرض هذا التحول الجذري أن يصبح فكر الكاتب (شعبيا). وقد حقق الوردي انجازا مزدوجا في هذا المجال: فمن ناحية صار شكل كتابته مفهوما وبسيطا وبعيدا عن التزويقات والمحسّنات التي يمجّها الذوق الشعبي، لهذا كان هو الكاتب الأول في البيع والانتشار في سوق الكتاب العراقي. والغريب أنه ما زال كذلك حتى اليوم وهذا ما علّق عليه الباحث المعروف " كوركيس عوّاد " بقوله:

(هناك من المؤلفين العراقيين من يصدّرون كتبهم فلا تلبث أن تختفي من الأسواق. وإذا كان لابد من ذكر مؤلف بعينه، ففي وسعي القول أن صديقي الأستاذ الدكتور علي الوردي قد أحرز في هذا السبيل نجاحا منقطع النظير، ذلك أن مؤلفاته نفيسة جليلة الشأن، كتبها باسلوبه الشيّق، السهل الممتنع فهي تقرأ من قبل شتى طبقات القراء، فيطالعها المؤرخ والشرطي والأديب والخياط، والطبيب والجندي، وعالم الاجتماع والصحافي، والضابط والمعلم، والفنان والتاجر وغيرهم، وكلهم يقرأ هذه الكتب فيستسيغها ويفهمها ويستوعب ما فيها دون أن يتضايق من قراءتها. ولاريب عندي في أن الدكتور الوردي يكتب بأسلوب ميسّر جذّاب مفهوم لدى مختلف صنوف القرّاء. ثم أنه وهو العالم في الاجتماع يعرف كيف يطعّم كتبه في المطيبات والتوابل وغير ذلك فيُدخل أمورا سياسية وفكاهية وأدبية في تضاعيف بحثه، فيزداد بذلك إقبال القرّاء عليها. وهذا هو النجاح في التأليف بعينه) (361).

أوّل من دعا إلى "الأدب الشعبي":

ومن ناحية ثانية فقد صار جلّ معاني الوردي متعلق بهموم الأغلبية الساحقة المقهورة. لقد كان الوردي أول من دعا إلى "الأدب الشعبي" الذي واجه بسببه الكثير من العنت. يقول ردّا على الدكتور عبد الرزاق محيي الدين:
(يعتقد الدكتور محيي الدين أن دعوتي إلى الأدب الشعبي لم تأت في أوانها، بل هي جاءت بعد أوانها بخمسين عاما.وأنا أناشد الدكتور محيي الدين ومن لفّ لفّه بأن ينظروا في دعوتي إلى الأدب الشعبي من حيث هي، لا من حيث تأخرها عن موعدها بخمسين عاما. وهي لو كانت قديمة كما يدّعي الدكتور لما امتعض منها بعض أخواننا من دعاة الأدب الرفيع ولما ملأوا علينا الدنيا شتما وعويلا) (362).

ويضع الوردي إصبعه على عامل حساس فرضت قناعته به حتمية أن ينحو بأسلوبه منحى شعبيا. وهذا العامل لا يمكن فهمه بصورة دقيقة دون أن نفهم العوامل التي جعلت الكتّاب، سابقا يكتبون بأساليب بلاغية معقدة من ناحية، وجعلت المتلقين يستسيغون مثل تلك الأساليب من ناحية مقابلة.

إن هذا العامل ينقلنا إلى مأثرة ريادية أخرى مهمة للوردي أشار إليها كثيرون قبله لكن لم يثابر على الطرق على مفاصلها الحساسة أحد مثله في تاريخ الثقافة العراقية بصورة منهجية كما ونوعا، ألا وهي دعوته للتخلص مما أسماه بـ "أدب السلاطين"

الدعوة للتخلّص من "أدب السلاطين":

إن إعلان الوردي المنهجي والمتكرر أنه قد آن الأوان للتخلص من "أدب السلاطين " والاتجاه إلى أدب الشعب الذي يهتم بهموم الطبقات المسحوقة يرتبط بصلب موضوعة شغلت ثقافات العالم سواء في العالم المتطور أو في الدول النامية وتتعلق بالدور الاجتماعي للأدب، وموقفه من مشكلات ومعاناة الطبقات المقهورة. إن الأدب العربي، حسب الوردي المتهكم صار من " أرفع " الآداب العالمية قاطبة لأنه يحتقر الصعاليك والمساكين من أبناء الشعب ويعتبرهم مستحقين للحالة المزرية التي وقعوا فيها. يقول الوردي:

" بدأ الأدب الحديث يتغلغل في الأوساط الفقيرة ويدرس أحوالها الاجتماعية والاقتصادية. والأديب الحق يستمد معظم قصصه وروائعه من الأزقة الضيقة والبيوت القذرة. أما أدباؤنا – سامحهم الله – فهم في شغل عن ذلك بأدبهم الرفيع. ولا يكاد أحدهم يمرّ بزقاق أو مقهى حقير حتى يسد أنفه بيده ويأخذ بالتأفف ".

ويرى الوردي أن هذا الأمر متوقّع منذ قرون مادام النقاد العرب القدامى يرون أن المعاني – حسب الجاحظ – مطروحة في الطريق ولا يميّزها غير الألفاظ وحسن صياغتها. يقول أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين:
(وليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه وكثرة طلاوته ومائه.. إلخ).

ويحاول الوردي طرح تفسير نفسي لا تتوفر له أدواته بحكم اختصاصه رغم قربه من علم النفس حيث يقول:
(يُخيّل لي أن في نفوس هؤلاء الأدباء عقدة كامنة لا يعرفون كيف يفصحون عنها. إنهم يحتقرون الحمال والبقال والزنجي والنبطي من أعماق قلوبهم. وقد اقتبسوا هذا الاحتقار لاشعوريا من أسيادهم المترفين. وهم يحاولون بشتى الوسائل أن يزيلوا عن أنفسهم أية صلة تربطهم بأولئك الصعاليك الأنجاس. ولو فرضنا جدلا أن الصعاليك كانوا يستعملون الألفاظ المزخرفة في كلامهم، لرأينا إخواننا يستعملون الألفاظ البسيطة المفهومة.إنها مسألة ترفّع وكبرياء. وهم يستخدمون كل وسيلة تقع في أيديهم لئلا يقال عنهم أنهم يسلكون في أدبهم مسلك السوقة والصعاليك) (363).

ولكن العامل النفسي الأساسي ليس كذلك، والوردي غير قادر، كما قلنا، على توصيف الظاهرة علميا من الناحية النفسية. إذ ماذا يقول الوردي عمّا يسميه هو نفسه بـ " غفلة الصعاليك " التي انجرف فيها الصعاليك أنفسهم بذلك التيار الذي اختلقه المترفون وأعوانهم، فصاروا لا يحترمون من الأدب إلا ما كان عويصا. إن اقتداء الأدباء بالمترفين في سلوكهم هو صورة من صور التماهي بالمعتدي – identification with the aggressor التي أشرنا إليها سابقاً. ويقترب الوردي من جوهر هذه الآلية الدفاعية حين يقول:

(ومشكلة الصعاليك بوجه عام هو أنهم يقتبسون معاييرهم وقيمهم من الطبقة العليا. وكثيرا ما يسيئون إلى أنفسهم في ذلك من حيث لا يشعرون. فالطبقة العليا تحتقرهم وتتكبّر عليهم بأساليبها المعقدة، ولكنهم يجارونها في تقديرهم لتلك الأساليب كأنهم لا يعرفون بأنها موضوعة للنكاية بهم) (364).

تأثير طفولة الوردي في اسلوبيته الجديدة:

لكن علينا أن ننتبه إلى وجه آخر من وجوه السمة الشعبية هذه وارتباطها بروح الصعلكة، وهو الجانب المرتبط بنشأة الوردي، في طفولته خصوصا، حيث يصف نفسه بأنه كان من هؤلاء الصعاليك وذلك بحكم نشأته التي أحاطت بها الصعاب وظروف الفقر والفاقة التي عاشها. يقول الوردي:

(دخلت المدرسة الابتدائية، ووصلت الصف الخامس الابتدائي، وكنت متفوقا في الدراسة مما جعل المرحوم "مصطفى جواد" الذي كان معلما لنا في ذلك الحين ينظم بيتين من الشعر في مدحي. وما زلت أحتفظ بهذين البيتين وهما بخط يده. وعلى حين غرّة قرر أهلي أن أترك المدرسة بحجة أني يجب أن أتعلم مهنة تنفعني في كبري، فصرت صانع عطار أقضي في الدكان نهاري كله من شروق الشمس حتى الساعة الواحدة بعد المغيب. وكنت أعمل طيلة الأسبوع حتى يوم الجمعة، إذ لم يكن من المألوف في الاسواق آنذاك تعطيل يوم الجمعة للراحة. أمضيت في مهنة العطارة خمس سنوات. وكانت تلك أبشع فترة من حياتي. ومن الجدير بالذكر أني كنت في تلك الفترة اجتاز مرحلة المراهقة والبلوغ. وهي مرحلة ذات أهمية بالغة في نمو شخصية الإنسان. ولعلني لا أغالي إذا قلت أن شخصيتي نمت على أساس من المرارة لا حدّ له) (365).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى