الجمعة ١٥ نيسان (أبريل) ٢٠١٦
بقلم كريم مرزة الأسدي

مسائلٌ نحويَّة لضرائرٍ شعريَّة

ليست بمعلومات فقط، كما يتوهّم بعض القرّاء الكرام، وإنّما تبين مدى دقّة لغتنا الجميلة وعبقريتها، وتوسّع إدراك عقولنا، وتزيد نباهة أذهاننا، والعلوم متداخلة المسارب، متكاملة في رقيّها وتطورها:

الْمُقَدَّمَةُ: مَا بَيْنَ زَيْغِ الإعْرَابِ وقُبْحِ الزّحَافِ والضَّرَائِرِ الشِّعْرِيّةِ:

يقول ابن جني (ت 392 هـ ) في (خصائصه):" اعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران: زَيْغ الإعراب وقُبْح الزحاف فإنّ الجفاةَ الفصحاءَ لا يَحْفلون بقُبح الزّحاف إذا أدى إلى صحّة الإعراب... فإن أمنتَ كَسْر البيت اجتنبتَ ضَعْفَ الإعراب وإن أشفقتَ من كسره ألبتَّة دخلتَ تحت كسر الإعراب. " (1)

من هنا نستطيع أن نتفهم بموضوعية تامة أنّ الموازنة صعبة بين الزيغ والقبح، تحتاج إلى مهارة لغوية ونحوية وعروضية وفكرية وجمالية عالية، فالحكم على الشعر والشاعر ليس بهينٍ، وإن تهاون من لا يعرف أسرار وخفايا الإبداع، بل الإلهام الفني الشعري، وعليك أن تميّز بين من يتذوق الشعر العربي، وهم غالبية العرب، ومعظم ناسهم، وبين من يحكم على صحته لغوياً وعروضياً وفنياً، وأكرر ما قلت ذات يوم:

الشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط، بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه، وتتغنى به، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة، وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال... وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ الى حال، ليصبح في صيرورة جديدة... كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب ". ِ يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره:
يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ
شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ، وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض)، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره، وتفقه كنهه، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة.

أمّا الضَّرَائِرُ الشِّعْرِيّةُ فهي مخالفات لغوية، قد يلجأ إليها الشاعر مراعاة للقواعد العروضية وأحكامها،لاستقامة الوزن ولا تُعدّ عيباً، ولا خطأً، إذا كانت وفق ما تعارف عليه عباقرة العرب من الشعراء والنقاد والعروضيين القدماء، وقبلوا به، سواء كان للشاعر فيه مندوحة أم لا،والحقيقة أول من شرع بأحكام الضرورة سيبويه (188 هـ ) في كتابه (لكتاب) دون تعريف أو تنظيم، ووضعها في باب (ما يحتمل الشعر )، واستند على أستاذه الخليل في بعض أحكامه، ولما جاء ابن فارس ( 395 هـ) أجاز الضرورات الشعرية على أن لا تخل بالإعراب، وأول من ألف كتاب (ضرورة الشعر) أبو سعيد السيرافي (ت 369 هـ)، وتطرق إلى تسعة أوجه منها،ولكن أهم كتاب في هذا المجال هو(ضرائر الشعر ) لابن عصفور (ت 669 )، حيث جمع فيه جهود كل من سبقه، مهما يكن تصنف على ثلاثة أسس، وهي: ضرورة الزيادة، وضرورة الحذف، وضرورة التغيير، وكلّ ما يصحّ أن يأتي بالنثر، لا يعدّ من الضرورات في الشعر، لأن الناثر لا يجوز أن يلجأ للضرورة، لعدم إلزامه بالإيقاع الوزني.

ونحن الآن أحوج للضرائر الشعرية، وربما أحياناً في النصوص النثرية، وخصوصاً قصيدة النثر، ولكن شرط عدم اللحن، وتوليد ألفاظ عديدة لمعنى واحد، وبالتالي تتشتت اللغة، ويصبح لكل مجموعة، أو قبيلة، أو قطر لغتهم الخاصة بهم، ومن المعروف والثابت أن العرب - إلى يومنا هذا - أمة تؤمن بالأصالة نسباً و حسباً، تتشبث بالقبيلة والعشيرة، والمنطقة، وتتعدى ذلك للحسب وجاهة وأعياناً وثراءً، وغير ذلك من صغائر الأمور، فمن باب أولى وأجدى وأبقى وأخلد التعلق بأصالة اللغة التي توحّدنا، وتشدّ أزرنا، وتقرّبنا من بعضنا، بعد الويلات والنكبات والنعرات !!، وإذا عجز قياس البصريين، فعلينا بالأصيل العريق من الشاذ من مدرسة الكوفيين، وفي لغتنا الجميلة الخالدة سعة في الأقوال والمعاني والفكر والعقل والخيال...!! وإليك ما يقول أبو الفتح عثمان ابن جني ( 322 - 392 هـ / 933 - 1000م) في (خصائصه )، وكثيراً ما يلجأ إلى أقوال أستاذه أبي علي الفارسي (900-987م / 288-377 هـ )،: اقرأ ابن جني بخصائصه: " فإذا جاز هذا للعرب عن غير حصر ولا ضرورة قول، كان استعمال الضرورة في الشعر للمولدين أسهل وهم فيه أعذر، فأما ما يأتى عن العرب لحنا فلا نعذر في مثله مولدا... وقد نص أبو عثمان عليه فقال ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب.

وكلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك اولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هنا ومن هنا ورويت عن الأصمعي قال اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما الصقر بالصاد وقال الآخر السقر بالسين فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال لا أقول كما قلتا إنما هو الزقر أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها وهكذا تتداخل اللغات " (2)
تكفينا هذه المقدمة، وإليك ما يتيسر لنا من المسائل اللغوية والضرائر الشعرية:

1 - الفصل بين المضاف والمضاف إليه:

أورد عبد القادر البغدادي في ( خزانة أدبه) قول الشاعر عبيد الله بن زياد بن سميّة من (الرمل
كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا *** وكريمٍ بخله قد وضَعَهْ (3)

كما ترى قد فصل الشاعر بين المضاف (كم)، والمضاف إليه (مقرفٍ) بالجار والمجرور (بجودٍ )، وهذا لا يجوز بالنثر، وإن ورد بالقرآن الكريم على إحدى القراءات كما سنرى، فهنا يعتبر ضرورة شعرية نحوية لاستقامة الوزن، فلا يحقُّ لنا مثلا أن نقول له: لماذا لا تشكل صدر البيت كالآتي لتتخلص من الضرورة: (كم قبيحٍ جودهُ نال العلا) ؟!! ببساطة الشاعر لحظة الإبداع تأتي القصيدة حسب إلهامه، وذخيرته الثقافية في عقليه الباطن والظاهر.
ويذكر كاتب هذه السطور في كتابه (نشأة النحو...): ووافق الأخفش الأوسط البصري الكوفيين في إجازته الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وأورد كاتب السطور الشاهد التالي لابن يعيش في (مفصله) ليثبت موقفه:
فزججتها بمزجةٍ *** زجَّ القلوصَ أبي مزادهْ

المصدر (زجّ) مضاف، (أبي مزاده) مضاف إليه، والفاصل بينهما المفعول به (القلوصَ)، وذلك ضعيف جداً، إذ لا يجيز البصريون، ولا يصح عند إمامهم (سيبويه ) إلا الفصل بظرف.(4)

والأخفش البصري، وأعني الأوسط،وهو سعيد بن مسعدة المتوفي 215 هـ - يقال جامل أستاذه شيخ الكوفيين الكسائي، لمنزلته في دار الخلافة، ولشخصيته !! - المهم لم يخرج هذا الأخفش على أستاذه سيبويه، ومدرسته البصرية بهذا فقط، بل بالعديد من المسائل حتى بلغت مواضع الخلاف مع أصحابه أكثر من أربعة وثلاثين، (5) وبعض الباحثين يعدونه هو المؤسس للمدرسة البغدادية في النحو، ولهذا أخذ الرجل الأخفش بقراءة ابن عامر( سورة الأنعام، آية 137) " وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ" فنصب ( الأولادَ)، وخفض ( شركاءِ)، وهذا فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. (6)، والأصل: قَتْلَ شُرَكَائِهُمْ أَوْلَادَهُمْ. و ( أولادَ) مفعول به للمصدر قُتْلَ.

و المتنبي سار على مذهب قومه الكوفيين، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به (الرياضَ) في بيته:

حملتُ إليه من لساني حديقةً *** سقاها الحجى سقيَ الرياضَ السحائبِ
ربما تجد الأمر غريباً، ولكن هذا المتنبي، ويعني (سقاها الحجى سقيَ السحائبِ الرياضَ).
والحق أشار من بعد ابن مالك في ألفيته إلى ما ذهبنا إليه قائلاً:
فصلَ مضافٍ شبهِ فعلٍ ما نصبْ *** مفعولاً أو ظرفاً أجِزْ، ولمْ يُعبْ
فصل يمينٍ....
إذن أجاز ابن مالك أن يفصل اختياراً، وليس ضرورة، بين المضاف الذي هو شبه الفعل، والمراد المصدر و اسم الفاعل، وبين المضاف إليه بما نصبه المضاف، من مفعول به، أو ظرف، أو شبهه. وتعدى ذلك قائلاً: " ولم يعبْ فصلَ يمين "، هذا أيضاً على مذهب الكوفيين، حكى الكسائي " هذا غلامٌ - واللهِ - زيدٍ " (7)

2 - حذف حركة الإعراب وتسكين المتحرك

أنشدوا لامرئ القيس:
نعلوهم بالبيض مسنونةً****حتى يروا كالخشـــب الشائل
حلّت لي الخمر وكنت امرأً ** من شربها في شغلٍ شـاغل
فاليوم أشربْ غير مستحقبٍ ***** إثماً مـن الله ولا واغل
علينا من امرئ القيس بيته الأخير، ومثله للفرزدق:
رحت وفي رجليك ما فيهما *** وقد بداهنـْك من المئزر

أبيات امرئ القيس من البحر السريع، وعليه تفعيلات البحر (مستفعلن مستفعلن فاعلن )، وبهذا يجب عروضياً أن تكون الباء في (أشربْ) ساكنة ليستقيم الوزن، ولكن عندما يقول (فاليوم أشربُ)، فالباء من الناحية الإعرابية، تكون مضمومة، فيختل الوزن ويسقط البيت تماما، ومن هنا يكون الشاعرأمام خيارين أحلاهما مرّ، أمّا يضحي بعربيته، ويلجأ إلى اللحن، أو يسقط البيت إلى الهاوية، وبالتالي القصيدة كلّها، لأن القصيدة وحدة عضوية متكاملة مترابطة نحو وصرفاً ووزناً، شكلاً ومضمونا، والرجل قائد لواء الشعراء، فضجّ اللغويون والنحويون والعروضيون، وحاولوا إيجاد مخرجاً لهذا الخلل النحوي العروضي، وهو أقبح الضرورات على الإطلاق، فزعم قوم أن الرواية الصحيحة لبيت امرئ القيس الأخير: اليوم أسقى...، وبذلك كان المبرد يقول، وقال الآخرون: بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره أمراً، فقال: فاليوم اشربْ، وقال سيبويه: وقد يسكن بعضهم في الشعر، ولجأ بعضهم إلى القراءة السبعية، ومن هذه القراءات، قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري، فقد سكّن راء (يأمرْكم) في الآيتين الكريمتين - وغيرهما -:

" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً " - البقرة: 67 -
"إنما يأمرْكم بالسوء والفحشاء" - البقرة: 169 - (8)
وفي بيت الفرزدق من السريع ( وقد بدا هنـْكَ...)، لا يستقيم الوزن إلاً بتسكين النون ضرورة،، لذا وجدوا للسيد الفرزدق مخرجاً لطيفاً خلقاً ووزناً ونحواً، وقالوا الرجل قال: (وقد بدا ذاك من المئزر)، فعوضوا عن تسكين النون بألف المد، وهذه الـ (ذاك)، كناية عن الهن، حجارة بعصفوريَن !!
الشعراء الجاهليون حجّة على لغتنا بعد القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فنستطرد مع امرئ القيس، إذ يقول قبل موته:
ربَّ خطبةٍ مسْحنْفِرة *** وطعنـةٍ مثْعنْجِـرة
وجعبــــةٍ متحبّـرة **** تُدفنْ غداً بأنقِــرة

وأمامك (تدفن) وقد سكّنها الشاعر، والفعل المضارع لم يتعرض لعوامل الجزم، وأدواتها، يذهب الشيخ الكوني إلى أنّ " هذا السكون ليس سكون اعراب، وإنما هو سكون للتخفيف من توالي الحركات، لأنه إذا توالت الحركات ربما فيه نوع من الثقل على اللسان..." (9)، فتسكينها ضبط لحركات اللسان، وحركات الحروف، وورد في القرآن الكريم شاهد للتبرير " وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " - يوسف: 90 -، من وجهة نظري أن الشاعر لم يفكر بالحركات الأربع المتتالية ما بين الساكنين الأصليين ( تُدْفنُ غَدَاً /ه////ه)، فاللفظ المتكاوس في القافية معروف، ويتشكل من أربع حركات بين ساكنين، فالشاعر الملك الضليل سكّن نون (تدْفنْ) لاستقامة الوزن ضرورةً شعرية. وهنالك من يجد العذر للشاعر، فيجعل من تسكين الكلمة تجاوزاً للإعراب قد ورد في القرآن الكريم " فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ " - البقرة: 54-، بإسكان الهمزة على قراءة أبي عمرو بن العلاء،وهنالك من يعتبرها لغة بعض القبائل،أو أفخاذها، كما في الشاهد:

فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ *** أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُوْ بِأُمٍّ وَلاَ أَبِ
كما ترى قد سكّن الشاعر كلمة (آسموْ)، وحقّها حركة الفتح، لأنها منصوبة بـ (أنْ)، وكذلك قول جرير، وقد سكّن فاء (تعرفْكم) في البيت الآتي:
سِيرُوا بَنِي العَمِّ فَالأَهْوَازُ مَوْعِدُكُمْ *** وَنَهْرُ تِبْرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ

وهذا قول الأعشى من المتقارب، وقد مدح قيس بن معدى كرب:

إلى المرء قيس أطيل السرى*** وآخذ من كل حى عصم
و (عصمْ) أصلها عصماً، ووقف الشاعرعلى الميم ساكناً، وهي لغة ربيعة، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف. (10)
ومن الرمل:
يا أبا الاسود لمْ خليتني *** لهموم طارقات وذكر
على أنه سكن الميم من ( لم ) إجراء للوصل مجرى الوقف، و (لم) معناه لاجل أي شئ.. خليتني

ومن الوافر لحسان بن ثابت:

قالت سليمى اشترْ لنا سويقا
يعقب الأستربادي في (شرحه لشافية ابن الحاجب ) على هذا الصدر: إن الشاعر سكن الراء، وهى عين الفعل (شرى)، وكان حقها الكسر، كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن الامر رديا يا فتى، وهذه لغة رديئة، وإنما هو غلط. (11)
وهذا أبو العلاء المعري سكّن الحرف لغوياً لا نحوياً:
وقد يقالُ عثار الرجل ِ إن عثرت *** ولا يقالُ عثار الرَجْل ِ إن عثرا
فقد سكن معرينا الجيم في (الرَجُـل ) مع انها في الأصل محرّكة، وما ذلك إلا ضرورة !

3 - تحريك الساكن:

وهبت الريح بمورٍ هبّا *** تترك ما أبقى الدبا سبسبّا
يورد الرضي في شرح شافيته " والاستشهاد بهذه الابيات في قوله (جدبا والقصبا والتهبا واخصبا وسبسبا) حيث ضعف اواخر ها للوقف ثم حركها ضرورة " (12)

ويقول زياد بن الأعجم محتجاً على رجل من بني عنزه قد سبّه، والشاعر المسكين لم يضربه، وراجزاً:

عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ *** مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ

البيت من شواهد سيبويه، والاستشهاد به في قوله (لم اضربه) حيث نقل حركة الهاء الى الباء ليكون ابين لها في الوقف، وذلك من قبيل ان الهاء الساكنة خفية، فإذا وقف عليها بالسكون وقبلها ساكن كان ذلك اخفى لها، قال أبو سعيد السيرافى: (انما اختاروا تحريك ما قبل الهاء في الوقف إذا كان ساكنا لانهم إذا وقفوا اسكنوا الهاء وما قبلها ساكن فيجتمع ساكنان والهاء خفية ولا تبين إذا كانت ساكنة وقبلها حرف ساكن فحركوا ما قبلها بالقاء حركتها على ما قبلها وبعضهم - وهم بنو عدى - لما اجتمع الساكنان في الوقف وارادوا ان يحركوا ما قبل الهاء لبيان الهاء حركه بالكسر كما يكسر الحرف الاول لاجتماع الساكنين في نحو قولنا: لم يقم الرجل (13)

نرجع، إذن (لمْ أضربُهْ)، من المفترض الباء ساكنة، لأن الفعل المضارع مجزوم بـ (لم)، ولكن أعطيت حركة الهاء، وهي الضمة، وسكنت الهاء،فالعرب تقف على ساكن، ولو سكنت الهاء، والباء قبلها ساكنة، لأُبتلِعَت الهاء، لأنها حرف خفي !!

وإليك هذا البيت من البسيط، وقد حرّك الشاعر لام (حلـْم)الساكنة، فصيّرها (حلـُم):

تباً لطالب دنياً لا بقاء َ لها *** كأنما هيَ في تصريفها حُـلُـمُ
وقد يُحرّك ساكن في الروي، إذ يتم بمجيء فعل مضارع مجزوم، فيحرّك بالكسرة ضرورة بدلاً من السكون، والكسرة أقرب الحركات إلى السكون، كما في صدر مطلع معلقة زهير بن أبي سلمى:
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَـمْ (تَكَـلَّمِ) *** بِـحَوْمانَة الـدَّرَّاجِ فَالْـمُتَثَلَّـم
أو أن يكون الفعل أساساً ساكن كفعل الأمر، فيحول الشاعر السكون إلى الكسر وهذا أحمد شوقي في قصيدة نهج البردة يقول:

وقيل: كلُّ نبيٍّ عند رتبتهِ *** ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلمِ
وإذا ألتقى الساكنان، أينما كان موقعهما، تتحول إحدى حركتي السكون،وغالباً الأولى إلى حركة الكسر، وهذا كثير في الشعر، وخاصة عندما تأتي تاء التأنيث الساكن، أو فعل مضارع مجزوم قبل اسم معرّف بالألف واللام، يقول الجواهري:
أريدُ أكفاً موجعاتٍ خفيفة ً*** عليها - متى ما (شاءتِ ) - اللطماتُ

كما ترى حركة تاء (شاءتِ) الكسر، وحقها السكون، لأنها تاء التأنيث الساكنة، ولكن جاءت بعدها كلمة (اللطمات)، المعرفة بالألف واللام، ألف الوصل لا تنطق، اللام ساكنة، فيلتقي الساكنان، فتحولت حركة سكون التاء إلى الكسرة.
و قد تحرّك ميم الجماعة الساكنة (همْ) بالضم أو الكسر، حسب الحركة التي قبلها - ولا يجوز أن تأتي الفتحة - وتشبع الحركتان، كقول الفرزدق في مدح الإمام السجّاد، وقد ضمَّ ميم الجمع في (كلّهُمُ)، وأشبع الضم، لتشكيل تفعيلة (فعِلن)، فالبحر من البسيط:

هذا ابن خير عباد الله (كلّهُمُ )***هذا التقي النقي الطاهر العلمُ
والمتنبي في رثاء جدّته، يكسر ميم(لأنفهمِ)، ويشبع الكسرة، لتتشكل التفعيلة (مفاعيلن)، فالقصيدة من الطويل:
لئن لذ ّ يوم الشامتين بيومها *** فقد ولدت مني لأنفهـِم ِ رغما

4 - تخفيف الحرف المشدًد:

أمثلة على تخفيف الحرف المشدد، قول الشاعر من المتقارب:
فقالوا القصاصُ وكان (التقاصُ) *** حقـّاً وعدلاً على المسلمينا
فقالُل قصاصُ وكانتْ تقاصو ** حقـْقن وعدلن علَلْ مسْ لميْنا
فعولن فعولُ فعولن فعولن *** عولن فعولن فعولن فعولن

فقد خففت الصاد المشدّدة، وأصل الكلمة (التّقاصّ ُ)، فالصاد مشدّدة تعني حرفين، أولهما صاد ساكنة، وثانيهما صاد محرّكة، وإذا التفتت إلى الحرف الذي يسبق الصاد الساكنة، تجده ألف ال(فعولُ) و(عولن) من جوازات المتقارب،أين الشاهد، ولماذا قطّعت البيت ؟! الشاهد كلمة ( التقاصُ)، مد الساكن، ولا يجوز في حشو الشعر وأعاريضه - عدا القوافي، إذ مرّت علينا القافية المقيدة المردفة - التقاء ساكنين مطلقاُ إلاّ في حالتين فقط، نهاية أعاريض البحر المتقارب، ومجزوء الكامل، ففي حالة البيت السابق الذي قطّعناه، يمكن لـ (تقاصو) أن تسكن الصاد، فتصبح (تقاصْ - فعولْ - //ه ه)، وإذا لم يخفف الحرف المشدد في نهاية العروض، يجب أن ينقل الحرف المحرك من الشدّة إلى عجز البيت.علل الجوهري قائلاً: " كأنه نوى الوقوف على الجزء وإلا فالجمع بين ساكنين لم يسمع به في حشو بيت." (14)، ويعقب ابن رشيق صاحب (العمدة): "إلا أن سيبويه قد أنشد:

كأنه بعد كلال الزاجر *** و(مسْحه) مر عقاب كاسر

بإسكان الحاء وإدغامها في الهاء والسين قبلها ساكنة." (15) وقد خفّف المرقِش الأصغر شدّة حرف اللام في كلمة (ضالّة)، وأحال الكلمة إلى (ضالَة) في البيت الآتي:

رمتْكَ ابنةُ البكري عن فرْع ضالَةٍ *** وهنَّ بنا خوصٌ يخلْنَ نعائما
وكثيراً ما يستشهد المفسرون ببيت امرئ القيس (من المتقارب)، في موضوع القسم قائلاً:
فلا وأبيكِ ابْنَةَ العامريِّ *** لا يدَّعيْ القومُ أنِّي أَفِرْ
ونحن نستشهد به في موضوعنا، ولكن للتخفيف في القواقي، فكلمة ( أفِرْ) أصلها (أَفِرّ) لكنه خفف الشاعر للضرورة.، ويكثر تخفيف الحرف المشدّد في روي القوافي، وهذا بيت آخر لامرئ القيس نفسه:
يُعل ّ به بردُ أنيابها *** إذا النجم وسط السماء استقلْ
فقد خفف شدّة روي الفعل ( استقلَّ) إلى (استقلْ).

5 - تشديد الحرف المخفف:

يذكر رضي الدين الأستراباذي في ( شرحه لشافية ابن الحاجب ): " فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر..." (16)، ويورد هذا الرضي هذه الأبيات التالية من الرجز لرؤبة بن العجاج - وينسبها ابن عصفور إلى ربيعة بن صبيح، والصحيح للرؤبة، موجودة في ملحقات ديوانه:

إني لأرجـــو أن أرى جدَبّا
في عامكم ذا بعد ما أخصبّا
إذا الدبا فـــوق المتون دبّـا
وهبّـــت الريح بمــــور هبّا
تترك مـــا أبقى الدبا سبسبّا
أو كالحريق وافق القصـــبّا
والتبن والحلفـــاء فالتهبّـــا

وجدبا أصله جدبا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه وقال ابن عصفورفي كتاب( الضرائر): " ومنها تضعيف الاخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبيح (من الرجز)

تترك ما أبقى الدبا سبسبّا * الأبيات فشدد آخر سبسبّا والقصبّا والتهبًا في الوصل ضرورة، وكأنه شدد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف،لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجري الوصل مجرى الوقف.(17) وكما مرَّ عليك أبيات رؤبة من مشطور الرجز،( مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، وجوازات تفعيلة (مستفعلن الرجزية، وفي المشطور كما مرّ علينا الضرب هو العروض نفسها، وفي الأبيات المذكورة الضرب إما (فعولن) في معظم الأبيات، أو (مفعولن)، وفي كلتا الحالتين القافية فيها متواترة (ه/ه)، فالباء يجب أن تكون مشدّدة، ومن هنا يلجأ الشاعر لضرورة تشديد الحرف أو تثقيله. وإليك أمثلة أخرى:

و قائلةٍ والدمّ ُيصبغُ دمعها *** رويدكَ يابنَ الست عشرة كم تسري؟

فكلمة (الدَّمّ ُ) مشددة الميم لضرورة الشعر، والأصل(الدَّمُ)، ميمها غير مشدّدة. والبيت الآتي أيضاً (دمّه) مشدّدا:
أهان دمّك فرغا بعد عزته *** ياعمرو بغيك إصرار على الحسد

6 - والفرزدق يُدخل (الـ ) على الفعل المضارع في بيته:

ما أنتَ بالحكمِ التُرضى حكومته *** ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدلِ
هذا الفرزدق الزاهي بموهبته، والمتماهي بأصالته، وأروم عراقته، لا يبالي باللغويين والنحويين، ويقول: علي ّأن أقول، وعليكم أنْ تحتجوا بشعري، فذهب هؤلاء العلماء من بعده
منقسمين بين من يرى الأمر ضرورة في لحظة النظم، وبين من يحكم بالاختيار، لأنهم يقولون ببساطة، كان يمكنه، أن يبدل بـ (التُرضى) (المرضي)، وينتهي الإشكال !!

ولكن يذكر كاتب هذه السطور في كتابه (نشأة النحو...) أنّ الكوفيين كانوا يعدون الألف واللام من الأسماء الموصولة بمعنى الذي، التي، الذين، اللواتي...، لذلك كان يقول الفرزدق علي أن أقول، وعليكم أن تحتجوا، ولا أعرف كيف فات الأمر على بعض علفماء اللغة، وقالوا كان بإمكانه أن يقول: ( المرضي)، والحقيقة كان يريد أنْ يقول (الذي تُرضى حكومته ) !!، وخذْ شاهداً أخر:
من القوم (الرسول) الله منهم *** لهم دانتْ رقاب بني معدِّ
أي بمعنى (من القوم الذين رسول الله منهم)، وتمتع بمثال ثالث:
مَنْ لا يزال شاكراً على (المعه) *** فهو حر بعيشةٍ ذات سعه (18)
بمعنى ( على الذي معه)، وقد أجاز ابن مالك في (ألفيته) هذه (الـ) الموصولة، بقوله:
وصفةٌ صريحةٌ صلة الْ *** وكونها بمعرب الأفعال قلْ (19)

هل اقتنعت أنّ الألف واللام كانت تعني الأسماء الموصولة، أم لا ؟ فلماذا ذهب هؤلاء يشرقون ويغربون ولا يشيرون ولا يبحثون ؟!!

7 - وقد فصل هذا الفرزدق بين (ما ) و(زال) في الفعل الماضي الناقص (ما زال) بـ (إنْ) - والرجل يحتج بشعره - وذلك في قوله:

رأيتُ تَباشيرَ العُقوقِ هي الَّتي *** مِنِ ابنِ امرِئٍ ما إن يَزالُ يُعاتِبُه
وأبو تمام لم يسمع هذا من العرب، ولكن لمّا وجد العرب يأتون بـ ( إنْ) بعد (ما) النافية، قاس الأمر على (مازال )، وأدخلها في عدة مواقع من شعره، وإليك هذا البيت:
وَما إن زالَ في جَرمِ بنِ عَمرٍو *** كَريمٌ مِن بَني عَبدِ الكَريمِ

وسار على هذا النهج شعراء عصره كأبي نؤاس والبحتري وابن الرومي، بل أورد ابن هشام أحد شواهده، يتضمن مثل هذه الـ (إنْ) المحشورة (20).

8 - وقد ذكرت في كتابي (نشأة النحو..)، قد أجاز الكوفيون إظهار (أن) بعد (كي) كقول الشاعر:
أردتُ لكيما أنْ تطير بقربتي *** فتتركها شنّاً ببيداءِ بلقعِ
وأجازوا أيضاً دخول اللام في خبر (لكن)، كقول الشاعر: ( ولكنني من حبّها لعميدُ)، والمتنبي يحذف (أنْ) الناصبة للفعل المضارع، ويفعلها في بيته:

وقبل يرى من جوده ما رأيتهُ *** ويسمعَ فيهِ ما سمعت من العذلِ (21)
وأراد ( أنْ يرى).

9 - وقد يؤنث الشاعر الفعل مع المذكر كقول جرير يهجو ابن جرموز:

لما أتى خبر الزبير تواضعت*** سور المدينة والجبال الخشَّع
فأتى الشاعر بـ (سور)، بعد فعل ألحقتْ به تاء التأنيث الساكنة، ويعلل ابن منظور في (لسانه)، لأن السور جزء من المدينة، فكأنه قال: تواضعت المدينة !! (22)

وقد يحدث العكس تذكير ما يوجب تأنيثه، ففي البيت الآتي (رؤية معين)، والحق ( رؤية معينة):
رؤية الفكر ما يؤل له الأمر *** معينٌ على اجتناب التواني
و يعلل السيوطي في (همع هوامعه): قد يكتسب المضاف من المضاف إليه تأنيثا وتذكيرا إن صح حذفه ولم يختل الكلام به وكان بعضا من المضاف إليه أو كبعض منه كقولهم قطعت بعض أصابعه، وقول الشاعر: ( كما شرقت صدر القناة من الدم ) (23)

10- لا يجيز النحويون أنْ تأتي (أن) بين (كاد) و(يفعل)، وإنما تقول العرب (كاد يفعل)، هذا في الكلام، ولكن في الشعر تأتي ضرورة، قال ابن الأعرابي-الرجز:
يكاد لولا سيره أن يملصا *** جدبه الكصيص ثم كصكصا (24)

لولا الضرورة الشعرية، لقال المتكلم ( يكاد لولا سيره يملصا ).
11 - ويورد كاتب هذه السطور في (نشأته...)، أجاز المازني وهو شيخ البصريين دخول الباء على الفاعل، وهذا شاذ، بمعنى أنه ساير الكوفيين، في البيت الآتي:
إذا لاقيتِ قوماً فاسأليهم *** كفى قوماً بصاحبهم خبيرا
وهذا من المقلوب، ومعناه ( كفى بقوم خبيراً صاحبهم، فجعل الباء في ( الصاحب )، وموضعها (القوم)،، وفي القران الكريم شاهد ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )،، والتقدير - والله الأعلم - (ولا تلقوا أيديكم). (25)

12 - أجاز المبرد شيخ البصريين - قياساً - دخول (حتى) العاطفة على الضمائر:
وأكفيه ما يخشى وأعطيه سؤلهُ *** وألحقه بالقوم حتّاه لاحقُ
ويعقب عبد القادر البغدادي في (خزانته) "على أن المبرد زعم أن حتى هنا جرت الضمير. وليس كذلك، وإنما حتى هنا ابتدائية، والضمير أصله هو، فحذف الواو ضرورة " (26)
وقول الآخر (الوافر):
فلا والله لا يلقي أناسٌ *** فتىً حتّاك يا بن أبي يزيد
ويعقب البغدادي نفسه " على أن المبرد تمسك به على أن حتى تجر الضمير، وأجاب الشارح المحقق بأنه شاذ. والأحسن أن يقول ضرورة، فإنه لم يرد في كلام منثور " (27)

13 - منع صرف المصروف: يذكر كاتب هذه السطور في (نشأته): البصريون لا يجيزون منع صرف المصروف حتى ضرورة في الشعر، ولكن الكوفيين يجيزون ذلك، والمتنبي سار على نحوهم،فهو منهم، خذ هذا البيت منه:
وحمدانُ حمدونٌ، و(حمدونُ) حارثٌ *** و(حارثُ ) لقمانٌ، ولقمانُ راشدِ
قال أبو البقاء العكبري في (تبيانه): " ترك صرف حمدون وحارث ضرورة، وهو جائز عندنا ( يقصد الكوفيين)،غير جائز عند البصريين " (28)، وحصرتُ لك الكلمتين بين قوسين في البيت، لكي تستدل عليهما - للقارئ العام -، وفي عصرنا أيضاً، ذهب الجواهري الكوفي على مذهب المتنبي، إذ خاطبه، ومنع ابنه ( محسّد ) من الصرف، وهو مصروف، قائلاً:
ومنْ قبلِ ألفٍ عوى ألفٌ فما انتفضتْ *** أبا (محسّدَ) بالشّتم الأعاريبُ
العجز حقّه ( أبا محسّدٍ)، ولكن لا يستقيم الوزن، فلجأ للضرورة التي يوافق عليها الكوفيون، ويتحفظ عليها البصريون، والنحو الحالي نحوهم. (29)

ويقول معروف الرصافي:

(أسماءُ) ليسَ لنا سوى الفاظِها *** أمّا معانيها فليستْ تُعرفُ
(أسماء) كلمة مصروفة، وإن كانت على وزن (فعلاء)، لأنّ أصل همزتها واو(أسماو)، وقلبت، هذا حسب رأي البصريين، فعندهم الاسم مشتق من السمو، بينما يذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من (الوسم) (30)، قال تعالى: ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ...) ( النجم - 23 ).

وعلى العموم،الكلمات المنتهية بألف ممدودة ( اء ) على أربعة أقسام:

أ - أسماء مبنية مثل (هؤلاءِ )، فهي مبنية على الكسر، غير مشمولة بأحكام الأسماء المصروفة وغير المصروفة، لأن هذه الأحكام تخص الأسماء المعربة.

ب - أن تكون الهمزة فيها أصلية مثل (قرّاء ) من قرأ، و(إنشاء) من نشأ، و (وضاء)، هذه مصروفة، الأولى على وزن ( فعّال)، والثانية على وزن (إفعال)، والثالثة على وزن (فعال).

ج - أنْ تكون الهمزة فيها منقلبة مثل ( أسماء) جمع (اسم) منقلبة من الواو (السمو)،فهي مصروفة أيضاً كسابقتها، شرط أن لا تكون الكلمة اسم علم كـ (أسماء)، فتمنع من الصرف للعلمية والتأنيث.
نعود، وكلمة ( قضاء ) منقلبة من ياء وأصلها يقضي، و (استدعاء ) همزتها منقلبة من واو، وأصلها يدعو، خلاصة الكلام ( أسماء واستدعاء وقضاء ) أسما مصروفة، لأن همزتها منقلبة.

د - أمّا القسم الرابع من الكلمات، فتكون الهمزة فيها زائدة كـ ( علماء، صحراء،حسناء، شعراء، فقراء، أقرباء،أصدقاء، وأشياء)، وفي هذه الحالة يمنع الاسم من الصرف، فكما ترى (علماء) من علم، فالهمزة زائدة، وكذلك (صحراء) من صحر، و(حسناء) من حسن... وأخيراً (أشياء) من شيء على وزن (فعل)، فعند الجمع تدحرجت الهمزة إلى بداية الكلمة (قلب مكاني)، فأصبحت (أشي على وزن لفع )، وزيدت ألف التأنيث الممدودة (اء)، فصارت (أشياء) على وزن لفعاء، فهمزتها زائدة، تمنع من الصرف - وقال الكسائي على وزن أفعال - والقرآن الكريم خير شاهد (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة 101 )

14 - صرف الممنوع من الصرف: اتفق البصريون والكوفيون على جواز صرف الممنوع من الصرف ضرورة في الشعر:

قال امرؤ القيس، وهو من أوائل شعراء العربية ممن وصلنا شعرهم:
ولمّا دخلت الخدر خدر عنيزة ٍ *** فقالت لك الويلات إنّك فاضحي
وقد صرف (عنيزةٍ)، وهي ممنوعة من الصرف لعلميتها وتأنيثها، وتائها المربوطة، وقول الأخطل، وقد صرف ( مثاكيلٍ)، في بيته التالي من البسيط، والكلمة ممنوعة من الصرف على وزن (مفاعيل):
كَلَمعِ أَيدي مَثاكيلٍ مُسَلِّبَةٍ *** يَنعَينَ فِتيانَ ضَرسِ الدَهرِ وَالخُطُبِ
كان بإمكان الأخطل لا يصرف ( مثاكيلٍ)، ويدعها (مثاكيلَ )، ويمشي صدر البيت، إذ تمر التفعيلة الثالثة من الصدر (مستفعلن) بزحاف الطي، فتصبح التفعيلة (مسْتعلن)، وهي من جوازات البسيط، ولكن الرجل أراد استقرارها للطف الوزن، وهو محق، وخذ قول الشاعر، وقد صرف (أنطاكيةٍ)، وهي علم أعجمي مؤنث:
علونَ بأنطاكيّة ٍ فوق عجمة ٍ * كجرمة ِ نخل ٍ أو كجنّة يثربِ
ويروي ابن أبي الأصبع في (تحريره) قول " أبي حية النميري فيما قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل
تضوّع مسكاً بطن نعمان إذ مشتْ *** به زينبٌ في نسوة عطراتِ " (31)

15 - تنوين المنادى المبني كتنوين كلمة (جملٌ)،وهي مبنية على الضم:

ليت التحية لي فأشكرها ***مكان يا (جملٌ) حييت يا رجلُ
يروي ابن منظور في (مختصره لتاريخ دمشق) كانت عزة لسبب قد حلفت أن لا تكلم كثيراً سنةٌ، فلما انصرفت من الحج بصرت بكثير وهو على جمله يخفق نعاساً، فضربت رجله بيدها وقالت: كيف أنت ياجمل؟ فأنشأ كثير يقول - من البسيط -:
حيتك عزة بعد الحج وانصرفت *** فحيّ ويحك من حياك يا جملُ
لو كنت حييتها لا زلت ذا مقةٍ *** عندي ولا مسك الإدلاج والعملُ
ليت التحية كانت لي فأشكرها *** مكان يا (جملٌ ) حييت يا رجلُ (32)
وأكثر من هذا ما يستشهد به ابن عقيل في ( شرحه لألفية ابن مالك )، الشاهد (308):
ضربت صدرها الي وقالت*** يا ( عديا ً) لقد وقتك الاواقي

هذا البيت للمهلهل بن ربيعة أخي كليب، من أبيات يتغزل فيها بابنة المحلل، والشاهد بالبيت (يا عَدِيّاً) حيث اضطر الشاعر إلى تنوين المنادى، ولم يكتفِ بذلك، بل نصبه مع كونه مفرداً علماً، ليشابه به المنادى المعرب المنون بأصله، وهو النكرة غير المقصودة (33) كل الضرورات يوظفها الشاعر لكي لا يتجاوز أوزان بحور الخليل، وما تداركه الأخفش الأوسط، بتمامها ومجزوءاتها، ومشطوراتها، ومنهوكاتها، وبكل أنواع أضربها، لا لكي نوّلد أوزان أخرى غير مضمونة النتائج، و يمجّها الذوق العربي، وتقذف به الأذن العربية إلى سلة المهملات، التجديد بحاجة إلى عباقرة يفرضون ذوقهم الفني واللغوي والإيقاعي على مسامع الأمة، وسلامة اللغة من الضياع أو الأنحراف، وتتوارث تجربتهم الأجيال بالتصفيق والارتياح، وما جيل روّاد شعر التفعيلة إلا شهداء على ما نقول، والإبداع الإنساني ولود لا يزول، وإلى حلقة قادمة عن الضرورات والشعر الرائع المأمول !!

(1) (الخصائص ): أبو الفتح عثمان بن جني - تح محمد علي النجار - ج 1 - ص 333 - عالم الكتب - بيروت.
(2) 1 / 329 - 374 ) م. ن.
(3) (خزانة الأدب ): عبد القادر البغدادي - 2 / 418 - الوراق - الموسوعة الشاملة.
وراجع (مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ): الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - (151 / 42 ) الناشر: موقع الجامعة على الإنترنت.
http://www.iu.edu.sa/Magazine
(4) (نشأة النحو العربي...): كريم مرزة الاسدي - ص 37 - دار الحصاد - 2003 م - دمشق.
(5) م. ن.
(6) ابن يعيش: ( شرح المفصل )ج 3 / ص 9 - الطباعة المنبرية - مصر - مكتبة المتنبي - القاهرة. زججتها: طعنتها، القلوص: الناقة الشابة.
(7) راجع: شرح ابن عقيل ج2، ص 82 - 83، ( نشأة النحو...) ص 37 - 38، م. س.
(8) (النشر:2/224)، (الإتحاف:152 )، موقع جمهرة العلوم.
تسكين المعرب من الأفعال والأسماء في الوصل في القراءات السبعية
http://www.jamharah.net/showthread.php?t=15575
(9) (باب الضرورات الشعرية): لقاء مع الشيخ اللغوي عبد الرحمن بن عوف كوني - بشبكة الإمام الآجريّ. او منتديات كل السلفيين
http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?t=20018
(10)(شرح شافية ابن الحاجب): رضي الدين الاستربادي - 191 / 1- موقع الموسوعة الشاملة. عن دار الكتب العلمية - بيروت.
(11) - 4 / 225 - م. ن.
- 2 / 320 - م. ن. (12)
(13) - 322 / 2 م. ن. مصدر الكتاب من موقع اليعسوب - الموسوعة الشاملة.
(14) ( العمدة في محاسن الشعر وآدابه ): ابن رشيق القيرواني - 1 / 44 - الوراق - الموسوعة الشاملة.
(15) م. ن.
(16) (شرح شافية ابن الحاجب ): رضي الدين الأستراباذي - ج 4 - الصفحة 255 - 256 - موقع الشيعة.
(17) راجع م. س. ( ص 55 - 58 ).
(18) ص 122 م. س. (نشأة النحو العربي...): كريم مرزة الاسدي - - دار الحصاد - 2003 م - دمشق
(19) ( شرح ابن عقيل ): ج 1 - ص 155
(20 ) - مسائل نحوية من كتاب ( شعر أبي تمام دراسة نحوية)
http://majles.alukah.net
(21) راجع (نشأة النحو...): ص 35، 70 على التوالي. م. س.
(22) (لسان العرب): ابن منظور - ج 4 - الصفحة 365 - موقع مكتبة الشيعة.
(23) (همع الهوامع فى شرح جمع الجوامع): للإمام السيوطى - ج2 - ص 352 - الموسوعة الشاملة.
(24) ( الأغاني ):ابن منظور - ج 4 - ص 141- دار صادر - 2003 م.
(25) ( نشأة النحو العربي...): ص 44 - م. س.
(26) (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي - ج 3 - ص 413 - الوراق - الموسوعة الشاملة (27) م. ن.
(28) ( التبيان في شرح الديوان): أبو البقاء العكبري - 1 / 173 - طبعة الحلبي.
(29) ( نشأة النحو العربي..): كريم مرزة الاسدي - ص 71 - م. س.
(30) ص 87 م. س.
(31) (تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر): ابن أبي الأصبع - 1 / 103 - الوراق - الموسوعة الشاملة.
(32) ( مختصر تاريخ دمشق ): ابن منظور - 6 / 241 - الوراق - الموسوعة الشاملة.
(33) (شرح ابن عقيل ): ابن عقيل العقيلي - ج 2 ص 263 - الشاهد 308 - راجع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى