الجمعة ١٣ أيار (مايو) ٢٠١٦
سيميوطيقا اللغة والفن في قصائد
بقلم عصام شرتح

«أولئك أصحابي» لحميد سعيد (الحلقة الأولى)

الشعر –بالأساس- فاعلية لغوية ،وهذه الفاعلية تتحدد فنياً بمقدار إثارة اللغة لجوانب تصويرية ورؤيوية إبداعية خلاقة، وتأسيساً على هذا، نعد اللغة الشعرية المتوهجة المعطاءة هي ذروة فنية الفن،و أو ذروة الخلق الشعري الفني المتميز، واللغة- في منطلقها الفني- تبدأ من الحرف،فالكلمة ،فالجملة، فالمقطع، فالنص بكليته بوصفه جملة نصية كبرى،ولا تتحدد سوية اللغة فنياً، إلا بمقدار إثارة هذه اللغة القارئمن جهة،وتخليق الرؤية الإبداعية الفنانة أو الخلاقة من جهة ثانية،يقول أدونيس:" الشعر هو محاولة الشاعر أن يدرك ما يتعذر إدراكه. وانهماكه الأساس، إذن، ليس في أن يصور الواقع أو ينقله، وإنما هو في أن يبقي اللغة متوفزة،مرتبطة بحيوية الحدث،كأنها التموج لا يهدأ"(1)ولهذا رأى عالم الجمال(جان برتليمي) أن العمل الفني الحق هو طريقة رفيعة في التعبير،وطريقة خلاقة في الإبداع والتصوير،عن طريق اللغة ،وبها وحدها يتخلق الفن الشعري،بحيث يحقق المتعة والمجاذبة الجمالية، وهذا هو السر الذي يوحي الفن بوجوده في أرفع الأعمال الفنية.. وهو سر يدل على طريقة ما في الوجود،بحيث لا يترك لنا فرصة للتساؤل عن سببه، أو علنه"(2).

ويرى الكثير من الباحثين في علم الجمال أن الشكل هو الذي يمنح العمل الفني مصدر جاذبيته الفنية،وطاقته الإبداعية الخلاقة، والشكل هو المظهر اللغوي الجذاب الذي يثير المتلقي، ويحقق فاعليته الإبداعية الحقة، وبهذا المعنى يؤكد الباحث جان برتليمي ما يلي:" إن الشكل هو النظام الداخلي الذي يبعث الحياة في التكوين،والعمل الفني لا يوجد فعلاً، ولا يفهم إلا من خلاله، والشكل هو الذي يصبغ العمل بمعناه،وبعلة وجوده،وبحياته"(3).

والشاعر-في الفن الإبداعي الحقيقي- هو الذي يرتقي باللغة إلى آفاق فنية ،قادرة على الاستثارة والتأثير، ولهذا يرى الناقد قيس مجيد المولى:" أن الشاعر يبني من الأشياء المتداخلة، وهو مسكون بالحالة الشعرية دون أن يعي ما يفعل،فيظهر ذلك من خلال صوره الكلامية ذات المنشأ العميق والمنبع الثر،كما أن التكرار في الصورة لدى الشاعر ذي أثر فعال يتم عبر إزاحة الصفة، والوظيفة والعلاقة ولا يتم عبر شكله الاستنساخي عندما يصل الشاعر درجة توهجه، لتتحول الذات من ذات مغلقة إلى ذات مفتوحة، تتصل بالأشياء الغرائبية داخل التجربة الإنسانية التي تحفل بكم هائل من النزعات التي ترفض التوفيقية والوسطية والسكون داخل النفس"(4)

وبتصورنا: إن الفن الإبداعي الشعري يتحقق بتضافر عاملين مؤثرين فاعلين هما: ( فواعل الرؤيا) و(محفزات اللغة بتوفزاتها النصية وقفزاتها التشكيلية)،وهذا ما اعتمدته قصائد (أولئك أصحابي)عبر مسرحة الرؤيا، وسردها القصصي التصويري الشائق، ومن هذا المنطلق لا تسمو الشعرية إلا بتوهج هذين المؤثرين، أو العاملين الخلاقين في كل منتج فني إبداعي مؤثر، وقبل الخوض في غمار البحث في هذا العنوان البارز(سيميوطيقا اللغة والفن) لابد من التأكيد على أن معادلة الفن تنطلق من فنية اللغة، ومعادلة اللغة تنطلق من فنية الفن بوصفها شكلاً تعبيرياً خلاقاً عن الرؤيا الشعرية ،وذلك وفق أمور ومرتكزات تجعل قصائد ( أولائك أصحابي) على محك التلقي النصي الفاعل لاكتشاف ما لم يتم اكتشافه في حركة هذه القصائد على المستوى الرؤيوي والفني،وفق ما يلي:

الشخصية الروائية بوصفها مؤثراً فنياً وفاعلاً علائقياً في شعرية القصيدة

لاشك في أن القصيدة المعاصرة اغتنت باستحضار الشخصيات التاريخية ،وبنت فضاءاتها الرؤيوية على تفعيل الدور الفني المنوط بهذه الشخصيات، لكن الدور الذي تلعبه الشخصية الروائية يختلف تمام الاختلاف عن الدور الذي تلعبه الشخصية التاريخية، لأن الشخصية الروائية مشكَّلة من الحلم والواقع معاً،والرؤية والرؤيا،والواقع والخيال،والغياب والحضور،باختصار: الشخصية الروائية شخصية مثالية تتضمن الواقع وتحايثه في الكثير من وجوهه، وتنأى عنه في آن،ولهذا، فإن استحضارها- فنياً- في مضمار القصيدة الحداثية يكسبها فاعليتين : فاعلية الحدث الروائي،وفاعلية الحدث الشعري،وما بينهما تشتغل على فاعلية مضافة هي فاعلية التلاقح الفني المنتج من تفاعل الرؤيتين أو الحدثين معاً، وهذا ما أغنى الجانب الفني لقصائد ( أولئك أصحابي) أنها تحتفي بقوة الدور الرؤيوي المضاف من عمق تفاعل هاتين الرؤيتين،وهذا ما يجعل من الشخصية الروائية في قصائد ( أولئك أصحابي) مؤثراً فنياً وفاعلاً علائقياً في شعرية القصيدة، وللتدليل على قيمة هذا الدور نأخذ قصيدة(ثم وجد الكولونيل من يكاتبه)لحميد سعيد الذي يتمثل فيها شخصية" الكولونيل" بطل رواية" لم يجد الكولونيل من يكاتبه" لغارثيا ماركيز؛ وهنا ينقلنا الشاعر إلى التفنن باللغة والحدث بما يوحي بالعفوية والسردية الشائقة التي تجري مجرىً قصصياً،على شاكلة قوله:

ها أنذا ألتقي الكولونيل .. بعد غيابٍ طويلْ
أرى فيه..ما لمْ أَكُنْ قد رأيتُ من قبلُ..
هذا العزوفُ عن البحرِ..
لا الذكرياتُ التي ظلَّ يفتحُ فيها نوافذَ..
يدخلُ منها الذي كانَ.. يوقظهُ حين يغفو
ولا أحدٌ من سعاة البريد يعرفُهُ..
إذْ تلاشى النظامُ البريديُّ..
مُذْ صار لا يتذكّرُ أنَّ له مَنْ يُكاتبُهُ"(5).

هنا،يعتمد الشاعر في تبئير رؤيته الأستطيقية للغة بمعيار قصصي شائق،يرصد حركة الذات من خلال سلاسة اللغة، بفاعلية رؤيوية يجاري الأحداث الروائية قيمة فنية، ويرتقي عليها درجات بحساسية المشاركة الإحالية المضمنة:( شعرية الحدث الشعري الجديد) ،و(حضور الموقف الروائي) ليكون ثيمة فاعلة في تحريك مجريات الأحداث، بما يؤكد شعرية اللغة وفنيتها، ليس بالحركة التصويرية الشائقة فحسب، وإنما بالحركة السردية الرشيقة التي تفعِّل الموقف والشخصية الروائية في آن،وهذا الأسلوب من محركات اللغة بوصفها فاعلاً بؤرياً أستطيقياً محركاً للشعرية.
ولو تابعنا سيرورة الشخصية الروائية بفاعلية التعالقات الرؤيوية المضافة من الذات الشعرية، لتأكد لنا أن الشخصية الروائية ليست منقادة تبعاً لرؤية الشاعر ولا الشاعر منقاداً تبعاً للشخصية الروائية ،بل كلاهما يسيران معاً في تأكيد هوية الذات المغتربة القلقة التي تبحث عن زمنها الجديد، الذي يمحو زمن الغربة المريرة، ليتجاوز كل واحد منهما عالمه السكوني المتحجر إلى عالم إشراقي مغاير للعالم المسكون فيه كل من الذات الشعرية والشخصية الروائية في آن معاً،وهنا، تبدو الشخصية الروائية مركز الحركة الشعرية في القصيدة ومبعث تتابع الأحداث، ونقطة التقاطع بين الرواية والقصيدة، وهذا ما يؤكد تتابع الأحداث في القصيدة بمجريات متفاعلة تنم عن وعي، ومهارة، ومعرفة في تحريك الشخصية الروائية بحراك الذات الشعرية وأحاسيسها الداخلية المعتمرة في قرارة أعماقها الباطنية دون أن تغيب الشخصية الروائية أو يتراجع دورها في القصيدة،يقول الشاعر:

كُنتُ بعدَ الغيابِ الطويلِ
أَسكُنُ ذاكرتي.. وأراها بلاداً
وأبحثُ فيها عن الأصدقاء الذين توزَّعَهمْ.. كوكبٌ خشنٌ..
عناوينهم .. ومصائرهمْ
وكتبتُ إليه.. مثنىً .. وكرّرتُ..
ما جاءني منهُ ردٌ
تخيَّلتُهُ بانتظاري..
وكُنتُ سأسألُهُ عن بلادٍ جَفَتهُ
فبادرني بالسؤالِ
أأنت الذي لم يجد في البلاد.. بلاداً..
ففارقها؟
قُلتُ .. لا
لمْ أُفارقْ .. فقد سكَنَتْني بلادي"(6).

هنا،تأتي الأستطيقية اللغوية، لتحيل الداخل على الخارج ،والخارج على الداخل، لتشتغل الشخصية الروائية والشخصية الشعرية تجربة المحايثة، أو المعاصرة الواقعية الراهنة،فينتقل الشاعر من ذاته ليلتحم بالشخصية الروائية، ويعكس -من خلالها- واقعه الاغترابي بإحالة(سكنتني بلادي)؛ فالعراق لم تغب عن الذات الشعرية قيد أنملة،فكما أن الكولونيل لم يغب خياله وأمله براتبه التقاعدي ،فكذلك حال الشاعر لم تغب عن مخيلته الفضاءات البغدادية؛ بجامع الإحالة المضمنة التي تجمع الشخصيتين في مرجعية رؤيوية مشتركة تستشف الداخل من الخارج، والخارج من الداخل ،بحراك شعوري متفاعل تقوده الدوال اللغوية، والتساؤل الرؤيوي الوجودي المفتوح( أأنت الذي لم يجد في البلاد .. بلاداً ففارقها)،وهذا التفعيل للشخصية الروائية يجعلها فاعلاً علائقياً مهماً في تحريك الرؤى والأحداث في القصيدة ،فكما أن فراق الشاعر لبلده كان قاهراً ومفاجئاً و قسرياً،فكذلك كان غياب الراتب التقاعدي عن الكولونيل قاهراً وقسرياً، لأن البريد كان معطلاً، ولم تصل رسائله،ولم يصل راتبه التقاعدي،وكلاهما يعيش معمعة الإحالات، والمرجعيات، والأماني الخائبة المنكسرة،وبهذه الرؤى الجامعة المشتركة تشتغل الأستطيقة اللغوية على فنية التلاعب بالأحداث بين الشخصيتين، والتفاعل الرؤيوي الخلاق بينهما،وهنا،تحقق الشخصية الروائية ذروة توهجها، وإحساسها المأزوم ،وهذا ما جسده الشاعر، ومثله شعرياً في قوله:

"وأسألُ عن ديكهِ..
فيقولُ.. لقد فرَّ بعد مهارشةٍ خاسرهْ
ومضى باتّجاه الحدودْ
غيرً أن الجنودْ
حاولوا قنصهُ فتوارى..
ويظهرُ لي في منامي كما الصقر.. ربّما سيعودْ
والمعاش؟"(7).

إن الجامع التحولي في علاقة الشخصية الشعرية بالشخصية الروائية،يعكس إسقاط الشاعر رؤاه التفاؤلية رغم قسوة الظروف وعجافتها ومرارتها على ذات الشاعر،فهو مازال متأملاً ،وأمله المنكسر يقوده رويداً رويداً إلى تحريك الشخصية الروائية، لتنبض بداخله وداخلها في الآن ذاته، بآمال تفاؤلية تكسر جمود زمنهما المتحجر بالعقم والفقر واليباس ؛وكأن الشخصيتين هما شخصية واحدة مصطرعة تتناوش الرؤى حراكها بين الأمل حيناً والرجاء الخائب المنكسر حيناً ثانياً،وتبدى لنا ذلك من خلال الإحالة الشعرية المرجعية( ويظهر لي في منامي كما الصقر.. ربما سيعود والمعاش)، ولا عجب إزاء هذه الرؤى الإحالية المضمَّنة أن يقدم الباحث عباس عبد جاسم فيما أسماه(الانتصاص الشعري) مقولته القرائية المهمة: "وسواء كان الكولونيل : أداة أو ثيمة أو موضوعة ، فهو مدار الرواية ، أمّا الشاعر وإن كان يشكل مركز هذا المدار ، فهو نظير موازي له ، وهنا تكمن جمالية ( الانتصاص ) بوصفها جمالية خلافية مع ( التناص)"(8)؛ وهذا يعني أن الانتصاص يمثل المدلول المعكوس للتناص،وهنا رغم ثنائنا على الباحث، وجرأة طرحه، لكن ما تمثله الشخصية الروائية يتجاوز مصطلح الانتصاص،ليدخل ضمن مصطلح الميتانصية، أي أن يخلق الشاعر رؤية نصية تحيل على النص، وإحالاته الخارجية،وليس فقط الداخلية،وهنا، تمثل الشخصية الروائية الحدث الروائي، والحدث الشعري في القصيدة،ولهذا، فالحركة الجدلية في شخصية الكولونيل تمثل الحدثين الشعري والروائي معاً، وتخرج عن نطاقهما لتسع جميع المواقف والإحالات الخارجية المفتوحة على عالم الشاعر وأمله بالعودة إلى الفضاءات البغدادية من جهة، وعلى عالم الشخصية الروائية بتجاوز زمنها الراهن القائم على العسر إلى زمن إبداعي خصيب يحظى فيه براتبه التقاعدي، ويفوز ديكه بالسباق ،ونيل الجائزة؛ وهذا يعني أن زمن الشخصية الروائية زمن تحولي متجدد ترقى فيه الشخصية الروائية لتحل محل الذات الشعرية، ولكن الناطق بها لسان الشاعر وحاله الاغترابي المرير وليس حال الشخصية الروائية في ومنها الروائي المتحجر؛، وهنا، يتلاعب الشاعر بالرؤى، والأحداث، متحدثاً إلى الشخصية الروائية وكاشفاً عنها، إذ يقول:

"أيُّها الكولونيلُ الخُرافيُّ.. يا كومةً من عظامٍ وجلدٍ عتيقْ
إنَّ جموح البلاغةِ أعطاك هذا الحضورْ
أَحرجني.. بينَ جوعٍ مُذِلّ،ٍ وسَمْتٍ وَقورْ"(9).

إن الاستطيقية اللغوية -في القصيدة- تشتغل على ما أسميناه(لعبة الفن أو التفنن باللغة)؛فالشاعر اعتمد الحرفنة اللغوية بأن جعل الشخصية الروائية محك الحضور، والمحاورة، والمناورة في تحميلها من الإحالات ما تتخطى به حاجز المرجعيات التي امتازت به هذه الشخصية من حضور روائي للتعالق النصي بحضور شعري يُحَمِّلها من الرؤى، والأدوار، مالا تحتمله في واقعها الروائي ،وهذا مصدر غناها وحراكها الفني المكتسب في القصيدة.
ولعل ما يثير القارئ جمالياً ليس فقط الدور الذي لعبته الشخصية الروائية بإحالتها (الميتانصية)،وإنما بفواعلها الرؤيوية المكتسبة في القصيدة، بخلفيات رؤيوية تؤكد تفاعل الشاعر مع الشخصية، وتفعيلها بما يخدم واقعه الاغترابي الراهن الذي يعانيه،ولا نعني –بذلك- أن الشاعر يجيِّر الشخصية الروائية، لتنطق بما يريد أن يقول ،ولكن ليبعث في الشخصية الروائية نبض الحياة ودفقها الروحي الخصيب،الذي يجعلها تتجاوز زمنها لتدخل زمننا الراهن بكل موجودياته، وصراعاته، وأزماته المعاصرة،صحيح أن القصيدة لم تُصَرِّح بذلك عبر شفيراتها اللغوية؛ أو بؤرها الدلالية الظاهرة، ولكنها صرحت به عبر الدلائل والإحالات الميتانصية الخارجية المضافة إلى القصيدة، وهذا يقودنا إلى القول إن لعبة الاستطيقية اللغوية بتحميل اللغة لعبة الفن هو ما يجعل من حضور اللغة كاشفاً نصياً عن فواعل الشخصية الروائية بإحالاتها المتجددة التي تبعث على التأمل والتفكر بهذه المفاعلة النصية بين الشخصية الشعرية والشخصية الروائية،مما يكسبها العمق، وبلاغة الحضور الفني الذي تشع به القصيدة على المستويات الرؤيوية كافة.

ولو تتبعنا حراك الشخصية في بواعثها الرؤيوية النهائية لتأكد لنا أن سر جمالية الشخصية الروائية في القصيدة أنها تحقق تفاعلين: تفاعل على مستوى موجوديتها، ودورها المرجعي القديم، والإحالة الجديدة المضافة إلى الشخصية الروائية، لتتجاوز نطاق إحالتها المرجعية إلى إحالة جديدة محايثة لواقعنا، وإحساسنا الراهن الذي تمثل في شخصية الشاعر، وقوة الحضور، والتلاعب بالنسق الشعري، لينقل لنا ليس فقط أحداث الرواية وفضائها الإبداعي الحقيقي الذي تنطوي عليه بتفاصيلها وأحداثها المروية،وإنما إحساسه بها وتفاعله معهاـ،كما لو أن الشخصية الروائية لبست لبوساً جديداً تجاوز دورها القديم ولبوسها الذي حملته على جسدها في زمنها الروائي الماضوي ،وهذا هو سر الجمالية في حراك الشخصيات الروائية في قصائد ( أولئك أصحابي) لتشتغل على أكثر من دور،وأكثر من دلالة، وأكثر من إحالة مرجعية، وإحالة مضافة.
ولعل ما يبرهن على كل ما قلناه في الخاتمة النصية والتمهيد التحضيري الرؤيوي الذي أظهر عمق تمثله لهذه الشخصية والتفاعل معها، ليضع إحالته المرجعية الدامغة في قوله:

"في الطريق إلى الساحل المُعمَّدِ .. بالشكِّ والخوفِ..
وَدَعتهُ..
وتخيَّلته .. أنْ يعيشَ طويلاً..
سأسأله ذاتَ يومٍ.. إذا ما كتبتُ إليهِ..
عن الحرب بين الأشقّاء!
هل كان يُمْكِنُهُ أن يفرِّقَ بين الدماءْ؟!
ولماذا يموتُ فقيراً.. ويسخرُ من فقره الأغنياءْ
وكتبتُ إليهْ..
ها أنذا أستعيدكَ بعد سنينْ
ومازلتَ توقظ أسئلتي..
وأشكُّ بكل الذي قيلَ عنكَ..
أشكُّ بما قُلتُهُ عنكَ.. ثمَّ أشكُّ بأسئلتي
وكتبتُ إليهْ..
لم يبقَ لي ما أقول..وكلُّ الذي قُلتُهُ سأعودُ إليهْ
. . . . . .
. . . . . .
وتبقى.. كما اقترحتك الكتابةُ
لا تتبيّن ما تركته العناكبُ في ما حلمت به..
وتُحاولُ بين الرجا والشجا.. أن تكونْ"(10).

إن قوة حضور الإحالات المرجعية التي تتبناها الأستطيقية اللغوية بإحالات جديدة تتمظهر في هذه الأدوار المتلاحقة لهذه الشخصية، والمحاججة بين الشخصيتين الروائية والشعرية بقالب فني مشوق يجمع البساطة والعفوية إلى جانب المهارة وبداعة الصنعة،فكل من شخصية الكولونيل وشخصية الشاعر تشتغلان على بؤرة الإضافة والإحالات الجديدة المكتسبة، ليتجسد حضور الشخصية الروائية ماثلاً في حضور الشخصية الشاعرة لا العكس،وهنا، تتداخل الخيوط بين الإحالات المرجعية الملتصقة بالشخصية والإحالات الجديدة المكتسبة من حضور هذه الشخصية. وبتفاعل الإحالات المرجعية و الإحالات المضافة يزداد حراك الشخصية الروائية، وتزداد العلائق والبنى والأدوار والمرجعيات والإحالات المكتسبة قوة في تخليق شعرية الشخصية الروائية في هذه القصائد،وهذا ما يشكل حضورها الفاعل وحراكها الجمالي المتداخل،ولعل أبرز دلائل الإحالات المضافة هو الحديث عن واقع الشاعر الراهن والأزمات التي تعيشها أمتنا في هذا الزمن المعيش ،والإحالة الرؤيوية المرجعية المضافة في قوله:) سأسأله ذاتَ يومٍ.. إذا ما كتبتُ إليهِ..
عن الحرب بين الأشقّاء!
هل كان يُمْكِنُهُ أن يفرِّقَ بين الدماءْ؟!
ولماذا يموتُ فقيراً.. ويسخرُ من فقره الأغنياءْ"

إن الشاعر بإحالته تلك حقق التفاعل بين الدور الذي لعبته الشخصية الروائية والدور المضاف إليها بإحالة جديدة، لتكون الشخصية الروائية شاهداً على أمسنا المنصرم وواقعنا الراهن وحاضرنا المعيش ،وهنا،تفاعلت الشخصية في القصيدة لتكون محور ارتكازها وعمودها الفقري،والذي أكسبها هذا الحضور قيمة الإحالات الجديدة المضافة من قبل الشخصية الشعرية، لتبرز الشخصية الروائية هذا البروز ،وتحقق هذا الحضور البليغ في تكثيف دلالات القصيدة بإحالاتها ورؤاها وأدوارها المكتسبة الجديدة.

وصفوة القول: إن القيمة الجمالية للشخصيات الروائية في مجموعة قصائد( أولئك أصحابي) تتمثل في قوة حضورها الذي أضفاه الشاعر عليها، لتغدو متحركة بإحالات جديد،ة ومداليل مكتسبة في نسقها الشعري الجديد الذي يموج بالحيوية، والسلاسة، وعمق التفعيل، وتحريك الأحداث، والأدوار، وفواعلها الرؤيوية العميقة ضمن القصيدة، لتكون إحالتها المرجعية جزءاً صغيراً من شعرية إحالاتها الخارج نصية التي أضفاها الشاعر العراقي الكبير على قصائده في هذه المجموعة.

الحواشي:

(1)أدونيس،علي أحمد سعيد،1985- سياسة الشعر،دار الآداب،بيروت،ط1،ص79.
(2)برتليمي،جان،1970-بحث في علم الجمال،تر: أنور عبد العزيز،نظمي لوقا، ،دار نهضة مصر،ص414.
(3) المرجع نفسه،ص339.
(4)مجيد المولى،قيس،2009-مخيلة النص(اشتغال آخر للمعنى) ،دار الينابيع،دمشق،ص66.
(5)سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص35.
(6)المصدر نفسه،ص35.
(7) المصدر نفسه،ص35-36.
(8)عبد جاسم،عباس،2016-الانتصاص الشعري في ( أولئك أصحابي) مقال،مخطوط لدى الباحث،ص6.
(9)سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص36.
(10)المصدر نفسه،ص37-38.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى