الثلاثاء ٣١ أيار (مايو) ٢٠١٦
استطيقا الرؤيا الشعرية والروائية
بقلم عصام شرتح

في قصائد« أولئك أصحابي» لحميد سعيد

لاشك في أن مصطلح (الرؤيا) من المصطلحات المهمة التي تطرق إليه الكثير من باحثينا ودارسينا في حقل الشعر والشعرية،لاسيما الكبار من النقاد والشعراء،أمثال أدونيس،وعلي جعفر العلاق،وعز الدين المناصرة، وآخرين،و يرى أدونيس - في الشعر الرؤيوي- التجاوز، والابتكار، والخلق الإبداعي الجديد،وهو ينظر إلى الشعر الإبداعي الحقيقي على أنه خلق، وتجاوز دائم،وحراك رؤيوي مستمر،وتطور ملحوظ في الرؤيا، وطريقة التعبير،وهذا ما يراه شاعرنا حميد سعيد، إذ يرى أن الشعر الحقيقي هو الذي ينطوي على رؤيا إبداعية خلاقة،ولغة وثابة متوهجة، بالبكارة، والغنى، والثراء،والتجدد، والخصوبة الرؤيوية، والدهشة التعبيرية والغنى القاموسي(خصوبة المعجم الشعري وتنوع حقوله الدلالية)،وذلك لئلا يكون الشعر مجرد تكرار لفظي تقليدي ممجوج لما قد سلف،ولهذا، يقرن الشاعر حميد سعيد الشعر التجاوزي الإبداعي بكل ما هو خلاق ومبدع في الشكل اللغوي،والرؤيا المتوهجة الخلاقة التي ينطوي عليها،وهذا الشعر هو الذي ينبغي أن يحظى بالرعاية والاهتمام؛وهذا ما يؤكده إذ يقول:( إن الكثير من النصوص الشعرية التي تبدو جميلة ومقبولة لا تستهوي النقاد، و لا يجد فيها الناقد ما يستدعي قراءة نقدية مهمة"(1).لأن الشعر الحقيقي هو الذي يقدم رؤيا شاملة، ونظرة متجددة للحياة، والخلق، والكون، ولا يهم التنميق، والتوشية اللفظية، والمشاكلات اللفظية المموسقة الفارغة، وإنما ما يهم –بالدرجة الأولى- الرؤيا الخلاقة المتوهجة التي تتجاوز زمنها الخاص وتخلق زمنها الإبداعي المتفرد.

ويرى الناقد يوسف جابر أن الرؤيا" هي حصيلة معاناة اجتماعية قامت أساساً على محاور كونية متقاطعة،توحد في مركزها الشاعر مع الحياة بفئاتها حتى خبرها واستوعبها،وصار من هذا المركز يبث رؤاه على تلك المحاور في اتجاهاتها المختلفة تبعاً لغنى تجربته وخصبها"(2).وهذا المنظور الشامل للرؤيا،يجعلها محور الوجود التأملي لدى المبدع؛ولهذا، نجد أن الكثير ممن خبروا العملية الإبداعية على حقيقتها،يقفون على رؤى دقيقة لحقيقة الإبداع والشعرية،فهاهو الشاعر الكبير خليل حاوي يعرِّف الشعر باعتماد ركيزة الرؤيا في تحديد جمالية الإبداع الشعري الحقيقي عما سواه، قائلاً: "الشعر رؤيا تنير تجربة، وفن قادر على تجسيدهما"(3).وبهذا التعريف المختصر يضعنا في صلب الوعي الدقيق لمفهوم(الرؤيا) في جوهرها الإبداعي الذي وعاه أدونيس وعبر عنه في أكثر من موقف، ولهذا يرى أدونيس أن الشعر في رؤياه الخلاقة هو تجاوز، وخرق أسلوبي وفكري لكل ما هو معتاد، ليس على صعيد اللغة والشكل اللغوي فحسب، وإنما على صعيد الفكر، والرؤيا، والإحساس الجمالي، إذ يقول:" فكل واقع في الشعر نتجاوزه ويوصلنا إلى واقع آخر أغنى وأسمى.. هذا البحث عن الواقع الآخر،عن الممكنات،هو ما يعطي الكشوف الشعرية فرادتها. ففي هذه الكشوف يتعانق المرئي مع اللامرئي، والمعروف مع المجهول،والواقع المحسوس مع الحلم. وهكذا،تكتمل رؤيا الشاعر في جدلية الأنا والآخر، الشخص والتاريخ، الذات والموضوع،الواقع وما فوق الواقع"(4).

وما نقصده ب(أستطيقا الرؤيا) القيمة الإبداعية التي تحققها القصيدة في توهجها الرؤيوي، وبكارة الطرح الرؤيوي، والقوة الدافقة التي تولده في النص، بما يثير الحركة الشعرية، ويخلق الرؤية الجمالية الفتانة في القصيدة، فالنص الإبداعي لا يسمو ولا يحقق فرادته إلا بتوفر عاملين –على حد تعبير الناقدة بشرى البستاني- هما اللغة المتوهجة الوثابة، والطاقة الرؤيوية الفاعلة(شعرية االرؤيا)،وهذان هما الشرطان الضروريان في الإبداع،وفي تخليق المنتج الجمالي الإبداعي المؤثر؛ تقول الناقدة المبدعة بشرى البستاني:" البحث عن الشعرية وفي الشعر –باعتقادي- ليس هو إلا البحث في اللغة والرؤيا،وعند التنقيب في هذين المجالين ترد كل التقنيات الأخرى، فالبحث في الصورة الفنية إنما هو بحث في اللغة، ومن ورائها المخيلة التي تشكلها،والبحث في الرمز بحث في اللغة،وفي المخيلة التي تعمل على تشكيل الروابط بين الرامز والمرموز له،والبحث في الإيقاع هو بحث في اللغة،وفي طرائق تشكها،وأنظمة تعبيرها زمنياً،والبحث في المعجم الشعري،وفي تراكيبه هو بحث في اللغة،وفي طرائق اللعب الحر بها؛ فالفن هو أرقى أنواع اللعب،لأنه يمتلك قوانينه الدقيقة والراقية"(5). وهذا يعني أن لعبة الفن الاستطيقية هي العزف على استطيقا اللغة، وأستطيقا الرؤيا،ومادام توهج اللغة من توهج الرؤيا سينصب البحث في أتون فاعلية الرؤيا وتوهجها فنياً في مسار الحركة التي تحكم سيرورة هذه القصائد في مدها الدلالي وحراكها الرؤيوي المكثف.
فواعل الرؤيا الشعرية والروائية أستطيقياً في قصائد ( أولئك أصحابي) لحميد سعيد:

إن قارئ قصائد ( أولئك أصدقائي) لا يخفى عليه القيمة العظمى التي تمتاز بها هذه القصائد على مستوى توهج الرؤيا،وحساسية المنظور الشعري،فالشاعر حميد سعيد كما صرح لنا بالدافع الذي كان وراء إنتاج مثل هذه القصائد وهو(الرؤيا الجمالية) يؤكد في موضع آخر الآلية الجمالية في توهج هذه القصائد ومطلبها الإبداعي المتوخى منها، إذ يقول:" نعم، أنا أوظف ما أتوفر عليه من معرفة وما أمتلك من ثقافة ، في كل ما أكتب، وبخاصة في ما أكتب من شعر، وقد عرفنا شعراء كثيرين موهوبين ، وبداياتهم تفصح عن موهبتهم، لكنهم يظلون عند البدايات، يكررونها من دون تجديد أو إضافة، لأنهم لا يمتلكون ثقافة عميقة، وجادة وحيوية، أو لأن ثقافتهم محدودة، وهامشية، وأمثال هؤلاء ، أما أن ينصرفوا عن الكتابة الشعرية فتضمر موهبتهم، أو أن يكون نتاجهم ، مجرد كم يتكرر .وسواء في قصائد هذه المجموعة أو في سواها، أجد في الثقافة وفي القراءات ، ما يغني تجربتي الشعرية، ويعدد مساراتها، وينفتح بها على آفاق واسعة، وأمداء جديدة.هل كان عليَ، أن أتنازل عن معارفي وثقافتي وتجاربي وقراءاتي، وأضعها في محيط معزول، لتبدو قصيدتي سطحية وباهتة، لا تقارب إلا ما هو شائع ومعروف ومكرر من الأفكار والصور، من أجل أن أتصالح مع ناقد كسول، وقارئ أكثر كسلاً،، أو مستمع يصفق لما يعرف وينأى بنفسه عما لا يعرف"( 6).

ولهذا،حاول حميد سعيد أن يرتقي بالرؤيا الشعرية بفواعلها الاستطيقية البليغة،لتصيب مرماها الفني، بقوة تعبيرية فعالة، وحراك رؤيوي مفتوح، ومن يقرأ قصائد( أولئك أصحابي)- بعمق وشمولية- يلحظ أن غنى الحركة الجمالية إبداعياً فيها يعود إلى توهج الرؤيا،وتنوع مساربها الدلالية،والدلائل الاستطيقية على ذلك كثيرة؛ فقوة الحدث في مسار الشخصيات وفواعلها النشطة في هذه القصائد ترتد إلى شعرية الرؤيا، وتوهجها فنياً،وكذلك سموق الزمن الشعري بفواعله المحرضة يرتبط بالرؤيا ومحفزاتها للحدث والمشهد الشعري في آن،وكذلك فإن شعرية الحدث ترتبط بشعرية الزمن وحراك المواقف والأحداث الشعرية ضمن مسار القصيدة ترتبط بشعرية الرؤيا كذلك، فالشعرية إذاً- في هذه القصائد كل متكامل- ترتبط بجذرها الإبداعي- وهو استطيقيا الرؤيا – وترتبط بالأحداث المتعلقة بالشخصيات والمواقف الجديدة التي تفرزها هذه القصائد في مسارها الإبداعي؛ فكما ترتقي بعض القصائد بفواعل الحدث،وحراك المشاهد الدرامية فإن بعضها الآخر يرتقي بمحفزات الرؤيا والإحالات الجديدة المضافة لتبدو الرؤيا الشعرية ليست وليدة الرواية،وإنما وليدة الذات الشعرية، في حراكها الشعوري المكثف،وهذا يرتد إلى فواعل الرؤيا المتوهجة التي حركت الأحداث، وأكسبت المواقف قوة بلاغية في تعزيز الرؤيا الشعرية المتعلقة بالحدث الروائي والشعري معاً؛وهذا يعني – باختصار- أن قوى الجمال -في هذه القصائد- ترتد إلى الفواعل المشتركة بين الأحداث، والرؤى، والتجارب، والمواقف الجديدة التي تنطوي عليها الحركة الدلالية والرؤيوية في هذه القصائد،سواء على مستوى حراك الشخصيات أم على مستوى كثافة الأحداث، وتوترها الدرامي، أو البانورامي في هذه القصائد.

1-أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة(قريباً من الليدي شاترلي .. بعيداً عنها) لحميد سعيد:
لابد من الإشارة بداية أن خصوبة الرؤيا الشعرية- في هذه القصائد- لا ترجع إلى الشخصيات الروائية،ولا إلى أحداثها، وفواعلها الرؤيوية النشطة في الرواية،وإنما إلى فواعل الحدث الشعري، والموقف الشعري الجديد المتخذ في تحريك الشخصيات، فالشخصية الروائية لا تحمل الأهمية من كونها لب الحدث الشعري، أو لب الاستقطاب الرؤيوي للمواقف، والإحالات، والأحداث الجديدة،ولكنها من كونها تعرض رؤيا متوهجة، تعايش الواقع الراهن،وتسعى إلى تجاوزه،ولهذا، يضفي الشاعر على الحدث الروائي ما هو متخيل من جهة،وما هو معاصر لنا في واقعنا الراهن من جهة ثانية؛ وهذه المفارقة هي ما يكسب هذه القصائد سحرها الجمالي وعجائبية مردودها الإيحائي،وتوالدها الرؤيوي على الدوام،ففي هذه القصيدة(قريباً من الليدي شاترلي.. بعيداً عنها) لحميد سعيد، يتمثل فيها الشاعر رواية" عشيق الليدي شاترلي" ل- د. ه لورنس - .و(ديفيد هربرت لورنس، كاتب بريطاني ، ولد في قرية ايستورد في العام 1885 ، وكان والده من عمال المناجم، وكانت والدته مدرسة، وتزوج من فتاة ألمانية وتوفي في العام 1930نشرت رواية – عشيق الليدي شاترلي– في العام 1928 في إيطاليا، ولم تنشر في بريطانيا إلا في العام 1960 .وهي تحكي علاقة جسدية بين رجل من الطبقة العاملة، وامرأة من الطبقة الأرستقراطية، ويقال إن – لورنس – استوحى هذه الرواية من الواقع الاجتماعي الذي عاشه، ومن علاقة حقيقية كانت بين السيدة –أوتلاين موريل – الأرستقراطية وعشيقها البناء –تايغر– الذي دخل قصرها لبناء قاعدة حجرية لأحد التماثيل في الحديقة المنزلية"(7).

وقد كان الناقد حمدي مخلف الحديثي، محقاً في تعليقه على هذه القصيدة بقوله:" إن هذه القصيدة تصدر عن تجربة غنية، فلم يذهب بها الشاعر إلى محددات قصيدة الغزل، في الوقت الذي كان من الممكن أن تكون تجربة الليدي شاترلي مع عشيقها تمهد لقصيدة غزلية مثلاً.إنها قصيدة ذات رؤية اجتماعية عميقة ، تكشف دراما الذات حين تصطدم بدراما المجتمع في تقاليده ومعطياته الطبقية، ومع هذا كان يمكن أيضاً أن ينزلق الشاعر إلى تناولها في هذه الحدود ، الاجتماعية والطبقية، لكن شاعراً مثقفا وموهوباً مثل حميد سعيد جعل منها تجربة إنسانية فريدة"(8).

وهذا القول الحصيف من الناقد يدل على دراية ومعرفة بالبعد الرؤيوي للقصيدة،فهي ليست صراعاً بين شعرية الجسد أو شعرية الروح، إنها صراع استطيقي بين المتناقضات، أو المتضادات ( الجوهر/والمادة)،و(الواقع/ والمثال)،و(الممكن/والمستحيل)،و(الحسي/والمعنوي)،صحيح أن الشاعر غلَّب الطابع الغريزي الحسي على شخصيته الروائية، لتعلن ثورتها بالجنس والجسد،على حساب الجوهر أو الروح،ليؤكد أن للقصيدة طيفها الرؤيوي المختلف عن نسق الرواية، إنه أراد أن يبين أن قوة الجسد تجذب الروح ،لاسيما حين تجمح هذه القوة ،وتعلن ثورتها على الأعراف والتقاليد،ولهذا كرَّس هذا الجانب في هذه القصيدة على الروح:

للجمرِ.. في الجَسَدِ المعبّأ بالزوابع والرعودِ ..
خريطَةٌ صمّاءُ مُعتِمَةٌ
سيفتَحُ في خطوط الطول حيناً
أو خطوط العَرضِ .. حيناً آخرَ..
الأبوابَ..
نحوَ فضاءِ فتنتها.. وما اكتنزتْ من الأسرارْ"(9).

هنا،يلعب الشاعر أستطيقياً بالعزف على شعرية الجسد، ويبث رؤاه الاغترابية الثائرة من خلال لغة الجسد الجموح بالرغبة رغم كل القيود،وهنا، يفتح بوابة الاصطراع بين تغليب الحسي على المعنوي، وتغليب المعنوي على الحسي بمفارقة رؤيوية مصطرعة بين ما تمثله شخصيته الروائية(الليدي شاترلي) من قوة ورغبة جامحة تؤكد عصيانها وتمردها على الواقع وبين إحساسه الوجودي؛ فهو يعلن تمرده على الواقع ليس بلغة الجسد، وإنما بعزيمة الروح ،فالقصيدة هي صراع بين قوة الجسد وثورته ممثله ب(الليدي شاترلي)،ورغبتها وتمردها المشبوب بالانفتاح والتمرد وكسر القيود الاجتماعية،وقوة الروح وثباتها ممثلة بشخصية الشاعر، فكلاهما يعلن ثورته في جانب على حساب الجانب الآخر،وكلاهما يعلن تمرده الفائق،واغترابه المحتدم،وهنا؛ تنفتح التساؤلات،وتطرح القصيدة جملة من المتغيرات والمفارقات المفتوحة على أشدها،كما في هذه التساؤلات المدببة بالرفض والتمرد والثورة،(الليدي شاترلي )على واقعها،وهو على واقعه الاغترابي المرير، كما في قوله:

مَنْ أعطى الرياحَ شراسةَ الإعصارْ
تِلكَ التستفيقُ على جليدٍ .. يسكنُ الرحمَ البليدَ
رأتْ صباحاً لا حدودَ لهُ..
وشمساً طفلةً تتسلّقُ الأشجارْ
تقترنُ السحالي بالسحالي
والسناجبُ بالسناجبِ..
كلُّ ما في الغابة العذراء من شَجَرٍ..
يحضُّ الماء..
تغتلِمُ الثمارْ"(10).

هنا،ينتقل الشاعر بمرواحة أستطيقية مكثفة من التساؤلات المفتوحة التي تشير إلى شخصيته الروائية من بعد؛ ليترك الرؤيا الروائية مشرعة كل الاحتمالات أي مشرعة على رؤى ودلالات متتابعة لا تسكن في موقف أو هدف بَيِّن ظاهر،وهذا يعني انشغال الشخصية بالجزئيات والمرئيات البسيطة على حساب القضايا والرؤى الكبرى،( كلُّ ما في الغابة العذراء من شَجَرٍ..يحضُّ الماء..تغتلِمُ الثمارْ"؛وهذه الرؤى تنفتح بكثافة لتزداد قوة الحدث، وتوهج الرؤى المحتدمة،وكأن الإحالات الرؤيوية الجديدة فعَّلت الشخصية،وأكسبتها قوة في نقل الحدث،والتعبير عن شعرية الجسد، وثورته على جميع الأعراف، والتقاليد، والأنظمة الاجتماعية الضيقة،ليدخل لب الحدث الروائي في حراك رؤيوي مفتوح،كما في قوله:

"في ليلةٍ ما عادَ يذكرها..
وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً
فَتَهرَعُ كي تراهْ
وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها ..
وفي غَيبوبةٍ بيضاء.. تَشْتَبِكُ الحرائقُ
أيُّ عاصفةٍ من الرغباتِ..
يطلقُ جمْرَها الجسدُ الجميلُ
أكانتْ امرأةَ ؟
يكادُ يَشُكُّ ..
ما هذا الثراء الفضُّ في إيقاعِ ربوَتِها..
وفي النهدين ؟!
كيفَ يكونُ هذا السحرُ في لغةٍ..
تنوءُ بما تُشيرُ إليه منْ فِتَنٍ "(11).

هنا، يدخلنا الشاعر أجواء الرواية،ويسرد لنا الأحداث بلعبة أستطيقية مكشوفة بتفاصيلها، ورؤاها الجزئية،ومشاهدها، ولقطاتها المتخيلة . كيف تهرع إليه،وهو يتلقفها ويستقبلها بذراعيه ،ويشتم أريجها بعبق يفيض بالشهوة والغريزة،وهنا، تتراكم التساؤلات المدببة بالرؤيا الشعرية المفتوحة،وتزداد الأسئلة حراكاً وكثافة كلما أوغل القارئ في تتبع حيثياتها الجزئية:( وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً فَتَهرَعُ كي تراهْ وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها)،وهذا التصوير المشهدي البانورامي الحي يدلنا على طزاجة الرؤيا وحراكها المشهدي المتتابع،وهكذا، فإن الرؤيا الشعرية تؤسطر الجسد الأنثوي،ليقف القارئ أمام لوحة في تجسيد مفاتن الأنثى وإحساسها الداخلي، بلغة تقترب في وقعها من حساسية القارئ، ولذلك،تتمثل القصيدة الواقع الروائي،وترصد تفاصيله برؤى متخيلة تتغوَّر أعماق الشخصية،ومداراكها كافة،ولو تتبع القارئ الجزئيات والمشاهد المتخيلة لأدرك شعرية الرؤيا،وعمق ما تصيبه من رؤى ودلالات ثائرة ترتد إلى عمق الشخصية الروائية، وعمق الذات الشعرية في تمثل أبعاد الشخصية،وماتنطوي عليه من رؤى ومشاعر محتدمة في قرارة الذات الداخلية،كما في قوله:
تقولُ لهُ..

أَ نقرأها معاً ؟
ماذا سنقرأُ ؟!
إنَّ مُعجَمها تعثَّرَ بارتياب العاشقينْ
وليسَ ثَمَّةَ من يقينْ
بما ادعتهُ..
ستندمينَ .. إذا ارتضيتِ حدودَ فتنتها..
فذاكَ فضاؤها
ابتعدي قليلاً أو كثيراً.. وليكنْ لكِ ما يخصّكِ من فضاءْ"(12).

هنا،تتعدى الرؤيا حيز المشهد الحواري الوصفي لتدخل قمة المعمعة الشعورية بين إحساس الذات الشعرية، و الشخصية الروائية التي تنفتح على أكثر من محرق دلالي،وكأن المشهد الحواري الغريزي الذي تنطق به شخصيته الروائية يرتد إلى الداخل، إلى الإحساس بالتمرد والثورة على الواقع، بكل ما فيه من سلبيات، ومواقف صاخبة تمتد في مسار رؤيوي، على أكثر من محرق دلالي، وأكثر من رؤية،كما في قوله:

كيفَ التقاها ؟
عندَ بابِ الفندقِ الجبليِّ .. في .... ؟!
كانت بقبَّعَةٍ وبنطالٍ قصيرٍ
لم يكن يسعى إليها
كان معتزلاً حزيناً..
هلْ تَذَكَّرها ؟
وإذ حلَّ المساءْ
تَخيَّلته كما تشاءْ
وأدخَلَتهُ خريفَ غابتها.. وأمطَرَت السماءْ
وكأنَّ عُريَهُما أعادَ إليهما..ما كانَ بينهما
و" أسدلت الظلامَ على الضياءْ"
وبانتظار ثمارها
غطّى ضجيج العُريِّ بالأزهارْ
إنَّ أريجها الليلي يدخلُ في استعارات الكلام
وإذ تحاولُ أن ْ.... ؟!
تفيضُ ضفافُها حُمَماً..
وتحرمُ كلَّ مَنْ في الغابة السوداء..
مِنْ نِعَمِ المَنامْ."(13).

هنا ،يقوم الشاعر برصد المشهد الغرامي الحميم المتخيل بين شخصيته البطلة(الليدي شاترلي) وعشيقها،وكأن الشاعر يرصد المشهد عن قرب بإحساس رؤيوي شامل،من خلال الإحاطة بالمكان، ورسم تفاصيله الجزئية،وهذه القوة في رصد المشهد بتفاصيله،هو ما يهب الإحالات الرؤيوية المتخيلة قيمة عليا من التكثيف،والتفعيل الرؤيوي الكاشف،ولهذا، يستغرق الشاعر في رصد المشهد بقوى بلاغية رؤيوية مفتوحة،كما في قوله:

"في مهرجان الماءِ.. تنشَأُ مرَّةً أُخرى ويَنْشَاُ
كان يخلقُها
وتخلقهُ
ويرجو أن تكون وأنْ يكونْ
ويغادران معاً .. ويفترِقان ..
لامرأةٍ من البللور كان قد اقتناها..
من مَزادٍ هامشيٍّ في الضواحي
بعضُ ما قد كان فيها
هل ستخرُجُ ذاتَ يومٍ من تَشَكُّلها المُريب ؟!
وهل تكون ؟
وهل يكون ؟(14).

إن اللعبة الاستطيقية الرؤيوية تتبدى في التساؤلات المتخيلة المفتوحة على كم وافر من المفارقات والاستفهامات اللامتناهية عن جمالها، وفتنتها، وثورتها الجسدية التي تكسر حاجز العرف، والعادة، وتحلق في سماء أنوثتها، وفتنتها،وهذا ما يضمن للقصيدة شعرية الرؤيا، وكثافة التعبير،وتنامي الدلالات وانتشار طيفها الدلالي الواسع،وهنا، تتلون الدلالات، تبعاً لمنعرجات الحدث، وفواعل الشخصية، وحراكها الرؤيوي المتجدد،كما في قوله:

"مازالَ حين يمرُّ بالشجرِ المُخاتل .. حيثُ كانا
يَتَخَيّلُ امرأةً.. تَسلَّلُ في الظلام إليهِ..
من مسكٍ وغارْ
شاخت أعاصيرُ البلادِ .. ولَمْ تَشِخْ
فَرَسٌ ..
تَذَكَّرَ ما تجودُ به عواصفُها..
وما تهبُ الرياحُ
حتى إذا اقتربَ الصباحُ
لمَّت بقايا عطرها السريِّ ..واعتكفَتْ بعيداً..
وانتهى الحُلُمُ المُباحُ"(15).

هنا،يفتح الشاعر بوابة الرؤيا، ليحكي على لسان عاشقها، بما يجول في خاطره، من رؤى متخيلة لرغبته بها والأنس بجسدها البض الجميل،وكأن رغبة الشاعر بها رغبة في العودة إلى عالمه الوجودي العراقي، إلى زمنه القديم،ليستعيد ما كان،فالشاعر أراد أن يجسد من خلال هذه القصيدة فكرة الحب المثالي، أو الثورة الوجودية على الأعراف، والعادات، والتقاليد الاجتماعية،برؤى مفتوحة، تشي بأكثر من دلالة، وتفيض بأكثر من مدلول،وهكذا،تتأسس الرؤى الشعرية على تحريك المداليل الرافضة للأعراف، والعادات، والقوانين الصارمة ،وما شخصية (الليدي شارترلي) إلا الشخصية الرمز الثائرة على وجودها، عبر حرية الجسد، والانفتاح به على واقع وجودي مفتوح على كل زمان ومكان،فهي رمز لقوة العراق، وحيويتها، وزهوها في الزمن الماضي،ولهذا،تكاثفت الرؤى، وانفتحت على أكثر من معنى، ومدلول، وإيحاء. وهذا يقودنا إلى القول : إن فواعل الرؤيا الشعرية تنطلق من الرؤى المتخيلة المضافة للشخصيات، والأدوار التي لعبتها بفواعل رؤيوية نشطة، تثير الدلالات الجديدة، وتغدو الشخصيات الشعرية متنفس الشاعر الوجودي في التعبير عن رؤاه العميقة، ومنظوراته الرؤيوية الجدلية للحياة. ولهذا، تلعب الشخصيات الروائية في المتن الشعري دور المحرك للرؤى الشعرية، ودور الباعث الرؤيوي الدافق، لتفاعل الأحداث، والمواقف الرؤيوية –الشعرية التي تبثها القصائد في محرقها الرؤيوي، وحراكها الدلالي المفتوح.
2—أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة(صمت البحر) لحميد سعيد:

لابد من الإشارة بداية إلى أن قصيدة(صمت البحر)لحميد سعيد تعد درة قصائد (أولئك أصحابي)رؤيوياً،من حيث كثافة أحداثها ،وتعدد رؤاها، وغنى موحياتها ومؤثراتها الفاعلة في توجيه الرؤى صوب مركز رؤيوي محدد يصب في دائرة الاحتجاج والرفض الصامت،فالقصيدة تطرح رؤيتها بجسارة إبداعية، وقوة تصويرية بالغة العمق، والفاعلية، والتحفيز الجمالي،ولذلك، فإن قارئ هذه القصيدة لا يخفى عليه عمق الطرح،وقوة الحدث،وتنوعه في حقل الوعي،والإثارة، ورشاقة الأسلوب، وغناها بالرؤى،والمواقف الاحتجاجية الرافضة في الموقف والسلوك،ولعل أبرز مفاتيح الدخول فضاء هذه القصيدة ما أضاء نقاطها الكثيرة حمدي مخلف الحديثي ، إذ يقول: رواية – صمت البحر – للكاتب والرسام الفرنسي جان بريلير المولود في باريس عام 1902، وفيركور اسم مستعار عرف به أيام مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا، وظل معروفاً به حتى وفاته في باريس عام 1992 .كتب – صمت البحر – في العام 1942 ، أيامها كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي، ووزعت كمنشور سري،ضمن سلسلة منشورات " نصف الليل" التي أصدرتها المقاومة، ومما قيل عنها وعن تأثيرها ، إنها كانت مثل شعلة نار في كومة قش؛ تتناول الرواية حياة المجتمع الفرنسي خلال الاحتلال الألماني، وكانت من أشهر روايات المقاومة، ومكان أحداثها قرية فرنسية، يأتي جنديان ألمانيان إلى منزل ريفي يسكنه رجل كهل وابنة أخته الشابة ، يتفحصان الغرفة من أجل أن يقيم فيها ضابط ألماني، لأن الضباط الألمان كانوا يقيمون في بيوت الفرنسيين .جاء الضابط إلى المنزل واختار غرفة فيه، وقدم نفسه ، كان اسمه فرنرفون.ويتحدث الخال قائلاً: كان الضابط يجيد الفرنسية ، ويتحدث بإسهاب، لكنه وابنة أخته قابلا أحاديثه بالصمت ، فشعر بأنه انتهك خصوصية المنزل وساكنيه ، إذ كان الصمت سيد الموقف .بمرور الأيام أحب الخال الضابط، واعتاد وجوده ، وكشف الضابط عن وجه آخر له، ثقافة واسعة، وموهبة في العزف على البيانو.كان الفرنسيون يرفضون الاحتلال ورموزه والمتعاونين معه ، وكان الضابط الألماني في عذاب نفسي ، حتى أعلن يوماً إنه راحل إلى الجحيم مختاراً أن يكون فرداً في معركة بدلاً من أن يكون ضابطاً يواجه بالكراهية ، وكان يدرك أن الصمت قد قهره، صمت الخال والفتاة وصمت المنزل والبلاد، وأخيراً قالت له الفتاة كلمة واحدة هي : وداعاً"(16).
تطرح القصيدة رؤيتها بجسارة، من خلال البنى،والمتعلقات، والإسقاطات الرؤيوية،فهو يعلن من خلال قصيدته(صمت البحر) صرخته الاحتجاجية على الممارسات الأمريكية في حقه من مداهمة منزله، وكسره،ونهب مقتنياته،برؤى صارخة كاشفة،من خلال ربط الواقعين معاً،(الواقع الروائي-والواقع الشعري)؛ولهذا،يحاول الشاعر أن يرسم ملامح الحدث، برصد مشهدي بالغ الدقة، والحساسية، والرهافة الشعورية،وهو كعادته دوماً يبدأ قصائده بداية سردية توصيفية بالتمهيد لصوغ الحدث الشعري، أو التمهيد للدخول بواطن النص من فضاءات الحدث، ومتعلقاته من وصف الأماكن أو الأحداث، أو وصف المشاعر الصاخبة التي تجول في خاطره في لجوة الاحتدامات والصراعات الداخلية ،كما في هذه البداية الموفقة التالية:

"ظلَّ يدفَعُ عنه مخاوِفَهُ.. بالتذكُّرِ
ماذا تَبَقّى له؟
والبلادُ تُفارِقهُ.. وسيرحلُ بعدَ قليلٍ..
إلى أين؟"(17).

إن الرصد الشعوري لبواطن الذات والخوف الذي ينتاب الذات الشاعرة قبل مغادرة البلاد جعله مفتاح المتخيل الشعري لدخول فضاءات القصيدة، وبواطن الشخصية الروائية،فهو يرصد ما يغلي في داخله من توجسات واصطراعات؛ إلى أين المسير في ظل هذا الجو العاصف بالرصاص، والخراب، والدمار،وهذا السؤال جاء ليثير الحدث الشعري، ويمهد الطريق لبوابة الرؤيا الشعرية، وفضائها المفتوح،وكأن الشاعر يعلن بداية رصد التوجسات والمشاعر المحتدمة،والقلق الذي ينتاب الذات لحظة فراقها الوطن إلى أين المسير، وما هي الطرق المفضية إلى الهرب بأمان:

"توقظهُ رشقةٌ من رصاصٍ..
يرى كلَّ ما كانَ في بيته..
قبلَ أن يدخل الجنودُ إليهِ..
على غيرِ ما كانَ
إذْ لمْ يَجِدْ ساعة الجدار التي طالما شاركَتْهُ الليالي..
إلى الفجرِ
لا صورة المتنبّي.. التي رافقته من زمن القرنفل البابليِّ
إلى اللحظة الأخيرةِ..
هذا الحُطامُ الذي يملأُ الأرضَ"(18).

هنا،يعبر الشاعر أستطيقياً تعبيراً مشهدياً عن الواقع الذي عاناه في زمنه الواقعي إزاء الاحتلال الأمريكي وممارساته الإجرامية من تدمير أثاث منزله،والسطو على ممتلكاته، والعبث بدواوينه، وأوراقه، ومكتبته، وكأن الذي حدث بالأمس،يحمل من الوجاعة، والأسى، والحزن ما يجعل حطامه راسخاً في ذاكرته لا يمحي أثره أو يزول،وهكذا،تتلون الدلالات والرؤى المريرة،بجامع الالتحام بين واقعه الذي حدث له في العراق وشخصياته الروائية التي عانت الاضطهاد، والاحتلال الألماني،فكما انتهك الجندي الرسام بيت الرجل العجوز وابنة أخته التي تعيش معه في نفس المنزل،فاحتجا عليه بالصمت،فهو كذلك احتج على الممارسات الأمريكية ليس بالصمت الكظيم،والتنديد بالواقع،وإنما بالغليان الداخلي، وتعرية مواقفه الوحشية، ورصد المشاهد الإجرامية بعين لاقطة لا تنسى أي لقطة من تلكم اللقطات، أو مشهداً من تلك المشاهد،كما في قوله:

كان فضاءُ القصيدةِ
تُقبِلُ من كوكبٍ بعيدٍ .. إليهْ
تُغافِلُهُ
ثمَّ تدنو مُشاكِسَةً .. لتُريه مفاتِنها
تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..
وتتركُ جمرتَها في يديهْ"(19).

فكما عانى الشاعر الاضطهاد عانت شخصيته الروائية الواقع ذاته،وأعلنت طقس حدادها المرير،وهذا يعني كثافة الرؤى المريرة،وكثافة المدلول الحارق على الذات،وفداحة الرؤيا واتساع وقعها المرير(تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..وتتركُ جمرتَها في يديهْ"؛وهكذا تتلون الرؤى، وتتداخل الأحداث الروائية بالشعرية،والواقع الاغترابي الكظيم بالواقع الحالي،كما في قوله:

قبلَ أنْ تبدأ القصيدةُ.. طقسَ الحِدادِ
رأى الضابطَ الأمريكيَّ .. مُرتبِكاً
ضائعاً في تضاريسها..
مثلما ضاعَ في ما يرى..
رجلٌ غائبٌ وظلالُ ابنةٍ غائبهْ
رجلٌ واحدٌ..تتدافعُ في ذهنهِ صورٌ شاحِبهْ
لماذا يجيءُ إلى بيته الضابطُ الأمريكيُّ ؟!
ماذا جرى..
ليرى أصابعَ العريفِ الملوَّنِ..
تعبثُ بالمُعجَمِ العربيِّ؟!
يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ
وما ضمَّتْ المكتبهْ
من فرائدَ.."(20)0

هنا،يرصد الشاعر الممارسات الإجرامية التي حدثت معه في العراق من مشاهد، وصور عالقة في الأذهان،وكأن ثمة إحساساً مريراً متصدعاً تعاني منه الذات في اغترابها وأساها المرير،إزاء المشاهد الوحشية المترامية التي تجول في خاطره،وتركت وقعها المرير ماثلاً في مخيلته،قبل مغادرته العراق،وهذا يعني أن الحركة النصية مفتوحة على رؤى ممتدة تشي بوجاعتها، وإحساسها المرير، وتصدعها المؤلم،وهذه المشاهد عبر عنها بقسوة بالغة وجارحة،كما في قوله:( يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ وما ضمَّتْ المكتبهْ من فرائدَ.)؛ وهكذا، تتلون الدلالات، والرؤى،والمداليل الشعرية الباعثة على التأمل،والإثارة والتأزم الداخلي،كما في قوله:

"هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..
عداءٌ قديمْ؟
لماذا تَخَيَّرَ تاريخَه واستباحَ الفصولْ ؟
لوحةٌ من سمرقّند .. حيث المدينة حشدُ قَبابْ
وأخرى..
عجوزٌ يدبُّ على الثلج من أصفهانْ
كلُّ ما كانَ في البيتِ.. غطّى شذاه الدخانْ"(21).

وما ينبغي الإشارة إليه بداية أن القيمة الجمالية التي تنبني عليها القصيدة،تتأسس على الانتقال المفاجئ من التجريد على التجسيد،والانتقال من الحدث الروائي إلى الحدث الشعري بمناوشة دلالية مفتوحة تنفتح على فضاءات الرواية،بتعرجاتها الكثيرة، وفضاءات الرؤيا الشعرية بأطيافها الرؤيوية الواسعة،وهذا يعني أن ثمة مناوبة بين إثارة الصورة المشهدية في مدها الدلالي،وإثارة الحدث الشعري،بجوامع كاشفة عمق الحدث، وعمق تمثل الرؤية الروائية-الشعرية،وتأسيساً على هذا،تتفاعل الرؤى، والمؤثرات الشعرية حاملة مجموعة من الدلائل، والمشاهد الشعورية المترامية،متسائلاً على سبيل السخرية، والتهكم: ("هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..عداءٌ قديمْ؟)، وهذا يعني احتدام الرؤى المتداخلة بين الواقع الروائي،والوقع الشعري، وكأن هذا المد الشعوري المترامي،يرصد الحالة بكل وجاعتها وإحساسها التعروي الصارخ، كما في قوله:

كأنَّ الذي كانَ.. كلّ الذي كانَ..
صارَ سؤالاً..
أما زلتَ بعد الذي كان.. كلّ الذي كانَ..
تَزعمٌ إنَّ الجمالَ
يرفعُ راياته في مواجهة القوّة الغاشمه ْ؟!
منذُ سقراط والفلسفهْ
تَتَخَيَّلُ فردوسها.. وتُسَيِّجُهُ بالملاحم والشعر والمعرفهْ
وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!
فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ"(22).

هنا،ينقل المأساة الوجودية إلى رقعة التساؤل الرؤيوي المفتوح،هل الجمال ينتصر على القبح؟! وهل الإيجاب ينتصر على السلب؟ وهل يصمد الجمال أمام قوة الحرب وآلياته المدمرة، ووحشيتها البشعة؟!!،فالإجرام مازال هو المسيطر على التاريخ، ومازالت القوى الغاشمة تفرض نفسها على جميع معالم البراءة، والصفاء، والجمال،بقوة وتبيد الحضارات، وتمحى أمام قوى الشر الغاشمة وآلياتها المدمرة:( وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ").،وهذا يعني أن رؤيا الشاعر تساؤلية مفتوحة على آفاق مدلولية لاتحد،وذلك بالانفتاح على جو الرواية، وجو المآسي الوجودية التي تحدث في جميع العصور، وفي كل الأزمان، فالآلة المدمرة هي هي دائماً رغم اختلاف العصور،وامتداد الأزمنة هي التي تمحو البطولات والأمجاد،وتعلن الخراب والدمار وتمحو معالم الثقافة والحضارات التي شهدتها الأمم، كما في قوله:

"بينَ صحوٍ وغيبوبةٍ..
جاءَ – ورنر فون – من صفحاتٍ مُمَزَّقَةٍ
وطروسٍ مُحَرَّقَةٍ..
وأناشيد َ بيضْ
هادئاً ونحيلاً
وغابَ العريفُ الملوَّنُ والضابطُ الأمريكيُّ
كأنَّ الرُكامَ الذي كان بيتاً جميلاً..
يعودُ إلى البيتِ
يستقبلُ الهادئ النحيلَ الذي فاجأته الدماءْ
أيّها الهادئ النحيلُ.. كيفَ وصلتَ؟!
وكيفَ ارتضى صاحباكَ.. باخ وموزارتْ ..
أَنْ يشهدا ما شهِدتَ ؟
يَمُدُّ الرصاصُ مخالبهُ في النشيد الألهي..
أو في المقامِ العراقيِّ..
في ما تُغَنّي النساءُ .. لأطفالهنَّ
وينزلُ سيلُ دمٍ من ربابي
تغصُّ به صفحاتُ كتابي""(23).

لاشك في أن انفتاح الرؤيا على آفاق الرواية،يكثف من مردودها الإيحائي؛فالشاعر لا يقيس زمنه بزمان شخصيته الروائية،وإنما يستقطب الشخصية الروائية لتعيش زمنه الراهن وإحساسه المأزوم، وكأن الشاعر ينقل إحساسه الرؤيوي عبر مناوشة الأحداث الروائية تارة، ومناوشة عوالمه الماضية، بكل مرارتها، وأساها المفجع، على قلبه تارة أخرى، كحنينه الدامع إلى منزله،ورغبته في العودة وحنينه إلى الوطن، ولعل هذا التفصيل في شخصيات الرواية (ونر فون)وصاحبيه( باخ وموزارت)،يقرب الواقع الرؤيوي إلى الواقع الشعري ،ويجعل الرؤيا الروائية والشعرية تصب في خانة واحدة هي الرفض والاحتجاج على وجود المحتل ،(الرواية بالاحتجاج الصامت)والقصيدة (بالاحتجاج الصارخ)والتعرية الكاشفة؛ وهكذا يحاول الشاعر أن يؤسس رؤيته التفاؤلية رغم الغربة الداخلية، والاحتراق الشعوري، كما في قوله:

بين صحوٍ وغيبوبةٍ.. جاءَ
الفضاءُ الرماديُّ أغلقَ باب الصباحِ..
من أينَ جاءَ؟
الطريق إليه يَمُرُّ قريباً من الشجرِ المستباحِ..
من أينَ جاءَ ؟
رآهُ.. يُجَمِّعُ أوراقَهُ
ويمسحُ عنها الدماءْ"(24).

هنا،يحاول الشاعر أن يمثل دور العائد إلى أحضان الوطن، مغيباً شخصيته الروائية، لتحل شخصيته، بديلاً عنها، وتتراكم الرؤى والتساؤلات إيذاناً بعودة قريبة يلملم من خلالها شعث آلامه، وجراح غربته،وهكذا، تتأسس هذه القصيدة على رؤى عميقة،تصب جلها في رحم الرؤيا الاستطيقية (غربة الذات والشخصية الروائية)،ورصد المشاهد الدموية الراسخة في الأذهان إبان الاحتلال الأمريكي للعراق؛وتأسيساً على هذا تحقق القصيدة موجوديتها الفاعلة، ومتحققها الرؤيوي، وطاقتها الإبداعية الخلاقة،ودليلنا على ذلك أن الشخصية الروائية لم تكن سكونية،ولم تكن رهينة حدثها الروائي الملتصق بها في زمنها الروائي المعتاد؛ فكما رحل الجندي النازي إثر الاحتجاج الصامت ،فالعدو الأمريكي رحل باحتجاجه الصارخ،وصرخته الاحتجاجية المدوية؛وهكذا استطاع الشاعر أن يشكل رؤيته الفنية،بالاعتماد على الحدث الروائي، والارتقاء به إلى الحدث الشعري،من خلال نقل الحدث الروائي إلى الواقع الراهن،وتكثيف مردوده الراسخ في الذهن،وكأن ما حدث للشاعر بالأمس ماثل في حاضره وزمنه الراهن واقعاً معاشاً الآن لا ذكريات ولت في زمنها وقضي أمرها.

وصفوة القول: إن شعرية الرؤيا في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد تبني عالمها الشعري-الروائي بقالب فني متغير، بتضافر كتلة من الأحداث والمواقف والرؤى المتغيرة،والإحالات الجديدة التي تتضافر فيما بينها في تعزيز الموقف الشعري والحدث الروائي المرتبط به.

3- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة(لم تشرق الشمس ثانية) لحميد سعيد:

يحاول الشاعر في هذه القصيدة تمثل رواية(ثم تشرق الشمس) لآرنست همنغواي،وتتناول أحداث الرواية مجموعة من المغتربين الأمريكيين في أوربا، وتحديداً في فرنسا، خلال عشرينيات القرن العشرين، وقد عاش همنغواي في باريس من 1921 إلى 1926 والتقى بشخصيات أدبية أمريكية ، منهم إزرا باوند و فتزجيرالد سكوت .فالرواية سيرية في مكون من مكوناتها، والراوي صحفي مغترب يعيش في باريس يدعى – جاك برنز – وهو معوق بسبب إصابته في الحرب.يلتقي بأصدقائه في باريس ثم يسافر إلى مدينة بنبلونا الإسبانية ويقضون أوقاتهم بين الصيد والسهر الليلي وحضور عروض مصارعة الثيران ، والصراع على امرأة ، تتلاعب بهم .وما يؤكد إن الرواية سيرية في مكون من مكوناتها، إن همنغواي سافر إلى بنبلونا في صيف سنة 1925 برفقة مجموعة من أصدقائه المغتربين الأمريكيين وأعجب بالسيدة دوف ، وأحس بالغيرة عندما عرف أنها قضت أسبوعاً مع لويب في باريس، فحدث شجار بينه وبين لويب"(25) .

تحاول القصيدة أن تطرح رؤيتها من خلال جسارة المنظور الشعري وإبراز جو الاصطراع، ونقله من جو التصادم والتصارع على امرأة عشقها ثلاثة أصدقاء في الواقع ، إلى حلبة الصراع مع الثيران، إلى الفضاء الروائي والشعري؛وهنا، تبرز لغة القص الشعري ، أو لغة الراوي الذي تمرس في سرد الأوصاف، والتعبير عن المشاهد بحرفنة سردية شائقة، ورؤية فنية مفتوحة،كما في قوله:

"في النزل الريفيِّ تعارفنا
رسامٌ بوليفيٌ ومصارعُ ثيرانٍ معتزلٌ..
وأنا وامرأةٌ سمراءْ
تقولُ..
رأيتكَ من قبلُ بمقهى في الدار البيضاءْ
وتُشيرُ إلى طاولَةٍ في أقصى الصالةِ..
كان هنا يجلسُ همنغواي.. ليكتبَ في كلِّ مساءْ
صفحاتٍ..
تَتَشَكَّلُ فيها قاراتٌ.. يتخيَّلها
مدنٌ صاخبةٌ .. حاناتٌ وفنادقُ..
أنهارٌ.. غاباتٌ وجبالٌ وموانئُ..
بحارّونَ .. نساءْ
ذاتَ ضحىً.. يستقبلنا بدرو روميرو.. فتحدَّثْنا عن بدرو روميرو"(26).

هنا، يبدو المشهد الشعري توصيفياً سردياً يقع ضمن دائرة سرد السيرة ،وكأن الروائي اختار هذه اللغة (السير-ذاتية)لإبراز الواقع التصادمي الذي يعيشه الأصدقاء الثالثة، وولعهم بالمرأة ذاتها التي أحبها كل واحد منهم على طريقته،وهنا؛ يكثف الأحداث، والمشاهد المحتدمة،ليرصد الحراك التصادمي بين أولئك الثلاثة،كما في قوله:

كُنتُ قريباً منهُ.. فيسألُني
هلْ صَدَّقت الأمريكيَّ المتَطَفِّلَ .. في ما قالَ؟
أحقاً.. تعنيكَ مصارعةَ الثيران؟!
وتلكَ المُدمنةُ العجفاءْ
يتقاسمُها في الليلِ سكارى فقراءْ
فيجعلُ منها امرأةً..
تتهادى بينَ رجالٍ ورجالٍ .. في خُيَلاءْ"(27).

إن القارئ للقصيدة يتضح له البعد الدرامي في تصوير ملامحها،خاصة عندما يستغرق في ترسيم الأوصاف والاصطراع على تلك الفتاة من قبل الأصدقاء الثلاثة،وهنا؛ تتضح الحبكة القصصية ،وتتسع الأطياف الدالة في رؤاها، ومتغيراتها النسقية،وكأن الشاعر يبث رؤاه الصاخبة بقلق، وانكسار، وتأزم شعوري عميق،كما في قوله:

إنَّ امرأةً أُخرى..
تظهرُ لي بين ذؤابةِ سيفٍ مسلولْ
وضَراعةِ ثورٍ مخذولْ
ترقصُ في غابات النارْ
فيجثو.. كبناءٍ ينهارْ
كنتُ أراها مُفردَةً في الجمعِ..
تُناديني
وكما النجمةُ تصعدُ من خلف الأسوارِ..
تُحَييّني
فإذا انفضَّ المُحتفلونْ
أَفَلَتْ.."(28).

إن القارئ للقصيدة يلحظ التوصيف الدقيق لكل شخصية في الرواية، وهذا التوصيف المشاعري يكتظ بالرؤى الدقيقة التي ترصد الواقع الروائي،بكل ما فيه من أحداث،ورؤى،ومشاهد تعود إلى الوقع الروائي، بكل مسبباته ورؤاه ،خاصة بإدخال المرأة المعشوقة حيز الصراع وحلبة السيرك، وكأنه يروض الشخصية الروائية لتنطق بمتغيره الشعوري ورؤاه الصاخبة، كما في قوله:

وأنا مُذْ غادرتُ الميدانْ
أَبحثُ عنها في كلِّ مكانْ
هلْ كنتُ أراها؟!
أمْ كانتْ روحاً تحميني..
من خطرٍ يتراءى لي.. أتفاداهُ
وتدفعُ عنّي الموتَ.. وكنتُ أراهُ"(29).

هنا، يحوِّر الشاعر بالشخصيات الروائية، ليكون مربي الثيران البوليفي البطل الروائي لأحداثها والشخصية المحركة لكل أجواء الرواية؛ليس فقط عاشق الفتاة الحسناء التي يتصارع مع أصدقائه من أجلها،بل هو الذي يبرهن أن الصراع على الحياة أقسى وأمر من الصراع مع الثيران، لأن الحياة أوسع في الميدان، وأكثر قوة وصعوبة في مواجهتها، إذ يقول:

"يقولُ الرسامُ البوليفيُّ..
وكنتَ محاطاً بالرسامينَ وبالشعراءْ؟
فيصمتُ.. ثمَّ يقولُ..
لا أَتذكَّرُ إنّي كنتُ محاطاً بالرسامين وبالشعراءْ
أنا رجلٌ.. أعرفُ كيف أربي الثيرانَ..
وأعرفُ كيفَ أقاتلها
فيقول الرسام البوليفيُّ.. تربّي الثيرانَ وتَقتلُها
أقتُلها..
أقتُلُها..
إنْ لم أقتلها تقتلني .. أو يقتُلُها غيري
أوْ يقتلها القصّابُ .. لتأكلها"(30).

هنا، يحكي الشاعر على لسان الرسام البوليفي واقعه الروائي في الصراع مع الثيران ،وهذا الصراع هو أشبه بصراع الحياة، فكما أن الصراع مع الثيران إمَّا أن تكون قاتلاً، وإما أن تكون صريعاً،فكذلك صراعك مع الحياة قد تضعك الحياة في هذه المواقف في كثير من الأحيان،ولهذا، يرى في صراع الثيران،صراع الواقع بكل مرارته المؤلمة،وأساه المرير، إذ يقول:
في الليلِ نرى امرأةً.. ولّتْ شمسُ أنوثتها..

في بار النزل الريفيِّ..
وحدَّثنا النادلُ عنها.. إذْ تأتي حين يحلُّ الصيفُ
وتسألُ عن رجلٍ كان هنا..
تحكي عنه إذا سكرتْ
فإذا قيلَ لها لنْ يأتي.. امتعضتْ
تُخرجُ من طيّاتِ حقيبتها.. صوراً وقصاصات من صحف الأمسِ..
تُحَدِّثُ مَنْ فيها..
أتكونُ المرأةُ تبحثُ عما كنّا نبحثُ عنهُ (31).

هنا، يصور لنا المرأة المعشوقة كيف بقيت لوحدها في الحلبة، وانتهى الصراع وبقيت وحيدة في الحانة تنتظر عشاقها المتصارعين من أجلها،تحاول أن تستعيد زمنها القديم ،وواقعها الذي كان، لكن دون جدوى انتهى كل شيء،وبقيت مجرد ذكريات، وبقايا صور، تتلقفها بالدموع، والحسرات، والأنات المريرة.وهكذا، انتهت الرؤية الشعرية لتحط رؤاها، على مدلولات عميقة ،فكما أن المحبوبة قد فقدت بريق أيامها، ولياليها الخصبة الغناء،فكذلك هو فقد فضاءاته البغدادية وأزمنته الماضية التي كانت تموج بالخصوبة والجمال؛فكلاهما فقد الجو الذي يحب،وكلاهما فقد العالم المزدهي الذي يرغب؛وهكذا، تتلون الرؤى والدلالات في القصيدة لتصل في النهاية إلى الفكرة الرؤيوية المبئرة للحدث الشعري:

"تُغَنّي السيِّدةُ السمراءْ
كانَ هنا بدرو روميرو.. ومضى يبحثُ عمّن كانَ يُحبُّ
سيأتي يوماً ليرى " باريت"
تصحو المرأةُ..
وتقولُ.. أنا باريت.. أنا باريتْ
سيأتي من أجلي وأنا مَن كان يُحبْ
تتوارى الشمسُ بعيداً .. وتضيء أعالي الأشجارْ
تعمُّ العتمةُ..
في ما يهرع من كان هناك.. إلى الحاناتْ
نواصلُ سهرتنا..
وتشاركنا في الليل الأحلامْ"(32).

هنا،يدخلنا الشاعر فضاء الرواية بمتخيل شعري يبث الأمل في نفس العاشقة المهجورة التي فقدت زمنها وأهميتها،وفقدت سحرها الذي كان،وهكذا، تتلون الرؤى ،وتدخل غمار الحدث الشعري،وتزداد قوة الحدث تعبيراً عن الواقع الروائي، الذي تتنوع أحداثه، ورؤاه بكثافة الرؤى الشعرية، والإحالات الجديدة المكتسبة إلى الشخصية،وبناءً على ما تقدم يمكن القول: تتمحور قصائد( أولئك أصحابي)على التفعيل الفني للشخصيات الروائية، لتنطق بواقع رؤيوي جديد،يمنح الشخصيات الروائية متنفساً إبداعياً جديداً؛ وهذا ما يحسب لها في تكوين تشكيلها الرؤيوي، ورؤيتها الجمالية الخلاقة؛وهذا يقودنا إلى القول: إن زبدة الحدث الروائي تتأسس على مرجعية فنية خلاقة،تثير الحدث الشعري،وتحقق متغيره الجمالي،لاسيما عندما يضفي الشاعر على الشخصية والأحداث من لمساته الشيء الكثير،وهذا ما يمنحها أهميتها في النسق الشعري المتضمنة فيه.
وصفوة القول:

إن ارتياد فضاء قصائد(أولئك أصحابي) من بوابة الرؤيا الاستطيقية وفاعليتها في توجيه الأحداث وتنامي التجربة،لمغامرة في حد ذاتها لأن توهج الرؤيا، وتعدد مساربها الدلالية،يفرض على القارئ تعدد الرؤى والأساليب في الدخول متنها؛ وهذا ما حاولنا الارتكاز عليه في الكشف عن الكثير من الرؤى والدلالات التي ترتكز عليها هذه القصائد في مسارها الرؤيوي المفتوح.ولا نبالغ في قولنا: إن جوهر الرؤيا الشعرية في هذه القصائد يعود إلى إبراز المتغير الوجودي في الحياة؛وإبراز جوانب الصراع بين الخير/ والشر،والحق/والباطل،والوعي/والجهل،والقوة /والضعف، فكل واحدة من شخصياته الروائية تظهر الجانبين معا،وربما تظهر السلوكين معاً،ولهذا، تشكل وجهي الحياة المتناقض أو المحتدم،لأنها متغيرة،ومنفتحة على الحياة بكل إيجابياتها، وسلبياتها، واستكانتها، وتمردها،،ويخطئ من يظن أن هذه القصائد لعبة شاعر تجريبي،وإنما قدرة شاعر إبداعي رائي أراد أن يُضَمِّن قصائده نبض الحياة،ليكون هو شخصية خفية ضمن شخصياته الروائية، يعيش تجربته كرواية،يرويها من خلف الكواليس،مظهراً غربته، وحرقته الداخلية، وجوانب مهمة من غربته الروحية.وهذا لا يدركه إلا من تغور عمق الدلالات وحراكها على المستوى الباطني.

الحواشي:

(1)شرتح،عصام،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية،ص313.
(2)جابر،يوسف،1991- قضايا الإبداع في قصيدة النثر، دمشق،دار الحصاد،ط1، دمشق،ص180.
(3)عوض،ريتا،1993- رائد القصيدة الحديثة يعيد للشعر دوره الحضاري،مقدمة ديوان(خليل حاوي) بيروت،
دار العودة،ص10.
(4) أدونيس،1971- مقدمة للشعر العربي،دار العودة،بيروت،ط4، ص120-121.
(5)شرتح،عصام،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية(حوار بشرى البستاني ص365-366.
(6)شرتح،عصام،2016- حوار مع حميد سعيد حول مجموعته( أولئك أصحابي)،مجلة ديوان العرب،موجود على الرابط الإلكتروني التالي: www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(7) مخلف الحديثي،حمدي،2016- تكامل الرؤى،بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...
(8) المرجع نفسه على الرابط نفسه.
(9)سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي، ص61.
(10) المصدر نفسه،ص61.
(11)المصدر نفسه،ص62.
(12) المصدر نفسه،ص62.
(13)المصدر نفسه،ص63.
(14) المصدر نفسه،ص63.
(15) المصدر نفسه،ص64.
(16) مخلف الحديثي،حمدي،2016- تكامل الرؤى،بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...
(17)سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص48.
(18)المصدر نفسه،ص48-49.
(19) المصدر نفسه،ص49.
(20) المصدر نفسه،ص50
(21) المصدر نفسه،ص50
(22) المصدر نفسه،ص51
(23)المصدر نفسه،ص51.
(24) المصدر نفسه،ص52.
(25) مخلف الحديثي،حمدي،2016- تكامل الرؤى،بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...
(26)سعيد،حميد،2015- أولئك أصحابي،ص30.
(27)المصدر نفسه،ص30.
(28)المصدر نفسه،ص31.
(29) المصدر نفسه،ص31.
(30) المصدر نفسه،ص32.
(31)المصدر نفسه،ص33.
(32) المصدر نفسه،ص34.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى