الجمعة ١٠ حزيران (يونيو) ٢٠١٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

ديفداس بنسخه البوليودية الثلاث ترجمة لروح الرواية البنغالية

تحت أوتار قيثارة كريشنا وقع ديفداس أسير الهوى، فرقصتْ بتلات القلب على ألحانه، لكن الريح العاصفة هبّت على تلك البتلات الرقيقة ولم تعطه الفرصة كي تنشر العبير في المقاطعة البنغالية، ذبلتْ الزهرة ولكن بقي الحقل يزهر بمئات أفانين الزهور على ضفاف الغانج المقدس.
كتب الروائي والقاص البنغالي سارات تشاندرا تشاتوبادياي رواية ديفداس، وكان يبلغ من العمر 17 عاماً، ولم يكن يعلم أن شخصية بطل روايته ستصبح من أكثر الرموز ديمومة في تاريخ السينما الهندية والأكثر مازوشية من خلال تعذيب الذات حتى الموت ، ولربما هي نتيجة منطقية للراوي كونه كتبها في مرحلة عمرية مبكرة حينما كان يافعا، لكن مع ذلك سطّرها بعين متصفحة تصور بقوة العادات الاجتماعية السائدة في ولاية البنغال في أوائل القرن العشرين.

تحكي الرواية عن ديفداس الصبي الحساس المنحدر من عائلة بنغالية إقطاعية، والذي يتم إرساله إلى كالكوتا للحصول على تعليم يليق بمستوى العائلة، وتعتبر هذه اللحظة الفاصلة والمرحلة الانتقالية في حياة ديفداس من مرحلة الطفولة حتى سن النضوج حين ينفصل عن صديقة الطفولة بارفاتي. وعندما ينال ما يبتغيه من تحصيل علمي يعود إلى المقاطعة لتتحول إشباع الحاجة للانتماء والمشاركة إلى حاجة عاطفية، فيرغب بالارتباط بها، لكن تقف الطبقية في وجههم حائلا؛ فعائلة بارفاتي ليست غنية كما عائلة ديفداس، وذلك لم يكن مألوفا في ولاية البنغال الإقطاعية في مطلع القرن العشرين؛ زواج رجل غني من امرأة من مستوى اجتماعي أدنى ،
تتزوج بارفاتي وتنحدر حياة ديفداس للدرك الأسفل بعد زواجها وحرمانه من الميراث، فيدمن على الكحول ويلازم المواخير بين أحضان الراقصة شاندرا موركي ، إلى أنه يعد بافارتي؛ بأنه عندما يستشعر باقتراب ساعته سيموت أمام بيتها، ودواليك إلى ان ينتهي به المطاف ميتا أمام بيتها جراء تلف كبده من إدمان الكحول.
شخصية ديفداس إشكالية تشبه إلى حد كبير شخصيات شكسبير، وليس غريبا ذلك على الروائيين الهنود تأثرهم بالمسرح الإنجليزي؛ فتعيش الشخصية ثنائيا حديا رهيبا وصراعا غريبا؛ لامرأة لا يجوز أن يحبها، وأخرى لا يستطيع التوقف عن حبها، يجسد هذا الثلاثي؛ الثالوث الهندي المقدس في الديانة الهندوسية؛ عبر رادها وكرشينا وميرا ، في الفيلم نراها مجسدة من خلال ديفداس وبارو وشاندرا موركي.
أصبح اسم ديفداس اسما حاضر في كل القلوب؛ ميثولوجيا هندية من خلال حكاية صوفية، حطمت شخصية روميو وأحلت "مجنون بارو" ديفداس في ذاكرة العشاق بدلا عنها، رسمها وحرثها الروائي تشاندرا بحرفية مزارع من البنغال،
نتناول هنا ثلاثة أفلام بوليوودية، تناولت الرواية بثلاث نسخ على مدار ثمانية عقود، تباينت طريقة المعالجة والطرح، ولكنها في النهاية جسّدت روح الرواية وبقيت ناقلا أمينا لها.
ديفداس بنسخته أثناء الاحتلال البريطاني 1936 :
شكّل ديفداس علامة فارقة في تاريخ السينما الهندي بعد إطلاقه عام 1935، ليجسّد بثيمته الكبرى ثورة على الطبقية و الانسلاخ عن الجذور الإقطاعية على المستوى الاجتماعي،
النسخة البنغالية من إخراج وبطولة المخرج والممثل العبقري براتميش باروا، أما النسخة الهندية فحظي ببطولتها عندليب الهند كاندال لال سيغال وجامونة باروا زوجة مخرج الفيلم، في حين وضع الموسيقى كل من تيمير باران وبانكاج مولكيك، والجدير بالذكر أن مصور الفيلم حينها كان المخرج الكبير بيمال روي في أولى تجاربه، كما سنرى لاحقا سيحظى بأن يكون مخرج النسخة البوليودية الثانية بعد عقدين من الزمن.
على مستوى الأسلوب، اعتمد المخرج لغة الصورة السينمائية على عكس اللغة المسرحية الدارجة في تلك الفترة، كما خلا التمثيل من المبالغة والارتجال المسرحي بالاعتماد على حركة العيون وإيماءات الجسد وتلوين نبرات الصوت.
في المشهد الختامي تتجسد روعة الرمز والإيحاء؛ عندما يحتضر ديفداس أمام بيت بافارتي وهي تركض مسرعة إليه، فإن الأبواب تبدأ بالإغلاق على مصراعيها، كما أن بارفاتي تنزل عدة درجات من القصر في إحالة ضمنية إلى انحدار سمعتها أمام أهل المقاطعة. إلى جانب أن الباب يجسد كناية عن المحرمات الاجتماعية ضد المرأة المتزوجة و الاندفاع لرؤية عشيقها السابق، وعبور عتبة منزلها الزوجي؛ تلك الحدود الفاصلة عن المحرمات.
اللقطات القريبة والمتقنة لعجلات العربة شكّلت بعداً جماليا أخر للفيلم، كأنها تسابق الزمن وتفصح عن النهاية المحتومة والمترقبة لبطل الفيلم.
جسد الفيلم لاحقا ثورة مبكرة بالانسلاخ عن الجذور الاقطاعية ورفض الطبقية، فكان خير عمل خلّاق ينادي بالتمرد إبان الحكم البريطاني من خلال لغة سينمائية ناضجة عبر حوار وجداني آخاذ، كما شكّل براتميش باروا بعبقريته أيقونة للسينما الهندية؛ عندما أسند دور البطولة في النسخة الهندية للمغني كاندال لا سيغال؛ فشكّل كاراكترا جديدا للبطل الهندي من خلال خصلات شعره الناعمة والمنسدلة على جبينه، وصوته المشحون بالعواطف بإحساس مميز، وربما سبب اختياره لسيغال أيضا؛ هويته الإقليمية باعتباره بنجابيا، المعروفين بجرأة الفلاحين بينهم إلى جانب الانتماء الطبقي كونه من الطبقات الملكية؛ المحاربين، إضافة إلى بنيته قوية، وبشرته الفاتحة التي تبدو أكثر قربا للعرق الآري.
إلى الآن يعتبر جمهور سيغال أنه ديفداس من طراز أخر ، وذلك بعد وفاته في سن مبكرة أيضا جراء إدمانه للخمر، كما تبدو علاقة براتميش باروا بشخصية ديفداس علاقة مرضية وروحانية في آن واحد؛ إذ تنبع جذورها من الديانة البوذية وتناسخ الأرواح على حد قوله:
" كان ديفداس في داخلي قبل أن أولد، لقد خلقته في كل لحظة من حياتي حتى قبل أن أقدمه على الشاشة".
ديفداس بنسخة التحرير إبان ثورة نهرو عام 1955 :
بعد عقدين من الزمن على مرور إطلاق النسخة البوليودية الأولى من ديفداس، تصدى المخرج الكبير بيمال روي لإنتاج وإخراج فيلم ديفداس واستحضاره إلى حيز الوجود مرة أخرى، وتولى بطولة الفيلم كل من؛ ديليب كومار، وفيجاي ماتيلا، وموتيلال ، وسوتشيرا سين.
رشح بيمال روي مينا كوماري لتجسد دور بارو إلا أنها رفضت نظرا لظروف كانت تمر بها مع زوجها كمال أمروهي، كما رشح الممثلة نرجس لكي تلعب دور تشاندرا ولكنها رفضت أيضاً؛ لأنها أرادت أن تلعب دور بارو، ونفس الأمر حدث مع الممثلتين ثريا وبينا راي، مما أدى به الأمر إلى الاستعاضة عنهم لتعلب النجمة الصاعدة آنذاك فيجاي ماتيلا دور تشاندرا، وسوتشيرا سين لأخذ درو بارافاتي.
واعتمد روي على أشعار الشاعر ساحر لدهيفاني وموسيقى ساتشين ديف بورمان، وأصوات كل من مطربي البلاي باك؛ محمد رافي وطلعت محمود ولاتا مانجيشكار.
حصد الفيلم ثلاث جوائز في مهرجان الفيلم فير؛ جائزة فيلم فير لأفضل ممثل ديليب كومار، و جائزة فيلم فير لأفضل ممثلة مساعدة فيجاي ماتيلا ، و جائزة فيلم فير لأفضل ممثل مساعد موتيلال.
برع الممثل ديليب كومار بتجسيد المعاناة الداخلية و ترجمها بحسه العالي. كما استخدم المخرج بيمال روي تكتيكا بنيويا سينمائيا متطورا من خلال توظيف الرموز ؛ الأبواب المستخدمة بكثرة في الفيلم تشير إلى أن أبواب السعادة تم اغلاقها ولم تستطع تجاوز الأعراف الاجتماعية وكأنها تقول هذه حدودك أيها البنغالي فلا تتجاوزها، إلى أن تفتح أبواب السماء في وجه ديفداس.
الفيلم قصيدة بصرية وكأنك تسمعها على ضفاف الغانج؛ بتوظيف رائع للفضاء الواسع في أول الفيلم والذي رويدا رويدا تبدأ المناظر والديكور فيه بالتضييق والانقباض، تزامنا مع دقات قلوب المشاهدين.
الحوارات في الفيلم جاءت رشيقة جدا تتناسب مع مضمون وتوجهات الفيلم، فضلا على بلاغة الصمت في الكثير من المشاهد وخاصة بالتصوير الدقيق لسطوة الطبقات الاجتماعية آنذاك.
قالت عنه ابنة المخرج بيمال روي: " ديفداس نقطة مرجعية منهجية للسينما الهندية ".
كما عقّب أحد الصحافيون الهنود عليه ساخراً: " ما تعنيه شخصية ديفداس للممثل الهندي هو ما تعنيه شخصية هاملت لنظيره الممثل الغربي ".
ديفداس في الألفية الجديدة :
بعد 47 عاما، حوّل المخرج سانجاي ليلا بهانساي حلمه إلى حقيقة وأخرج الفيلم مضيفا عظمة بصرية وعاطفية، يعد الفيلم بنسخته الحديثة مدخلا بصريا إلى حال الهند في بداية القرن العشرين، ويتمتع بمواصفات أسلوبية تعكس الأصالة النابعة من تراث ثقافي فني عريق، من خلال كاميرا غاية في الرقة، حركتها ناعمة، لا تشعر بها، إلى جانب توازن اللون المبهر والدافئ، ولأن سانجاي درس الرقص الهنديّ الكلاسيكي فأولى أهمية كبرى للموسيقى والرقص، إضافة إلى المستوى التقني المتطور والاستعمال الهائل للمؤثرات الخاصة، كما برع سانجاي بالحفاظ على التشويق من خلال الحبكة السينمائية المحكمة مع البقاء على أمانة نقل سير القصة في الرواية،
الفيلم من بطولة كل من النجوم شاهروخان و ايشواريا راي ومادهوري ديكسيت، ووضع موسيقاه إسماعيل دربار، وحصد الفيلم أربع جوائز في مهرجان الفيلم فير كأفضل ممثلة وممثل وفيلم وممثلة مساعدة.
وتعقيبا على رواية ديفداس وسبب تحويله إلى فيلم، يقول المخرج سانجاي ليلا بهانسالي :
" لم تكن قصة ديفداس الأكثر شعبيةً فحسب، بل أنها استحدثت معها حركة وطنية حداثية في الأدب الهندي، دخلت كلّ قلب بدون أي استثناء، كانت القصة في رأسي دائماً، فهناك الكثير من الأشياء التي تهزني في شخصية ديفداس إنها مفارقة رجل، مثلما الطفل تجده محبوبا تارة ومتمرّدا أخرى ، يريد أن يحبّ وأن يكون محبوباً بشدّة، ولكنه لا يستطيع التعبير عن أحاسيسه، إنه يفعل دائماً عكس ما يجب أن يفعل، لكنه صافي القلب وغامض جدا،
في الحقيقة، أعتقد صدقاً بأن نزعة الطفلٍ الذي يؤذي نفسه في حالة الغضب، وهو بحاجة كبيرة إلى الحب؛ موجودة في كل رجل وبشكلٍ خاصّ عند الهنود، حتى يومنا هذا هناك ديفداس في كلّ شارع."

وختاما ربما نتساءل، لماذا تم إنتاج هذه الأفلام بهذه الأوقات بالذات وعلى مراحل مختلفة من تاريخ الهند؟!، أول النسخ البوليودية تم إنتاجها في وقت الاحتلال البريطاني؛ فجاءت كثورة مضمرة على الاحتلال تدعو إلى التمرد عن طريق شخصية ديفداس المتمردة على كل شيء فما بالك باحتلال المستعمر، أما ثاني النسخ فكانت بعد تحرير الهند وخيبة أمل المثقفين بثورة نهرو الاشتراكية التي لم تحقق طموحاتهم، فجاء الفيلم كي يتقمص شخصية كل هندي ثائر ؛ يقول لا لم نضحِ بدمائنا وشبابنا كي تخيبوا ظننا، أما النسخة الثالثة التي أنتجت في بداية الألفية الثانية فربما كان الهدف منها التمرد من الاضطراب في الحكومة الاتحادية الهندية إبان استلام حزب الشعب والجبهة المتحدة زمام الأمور، وإضفاء الصبغة الهندية على شخصية ديفداس وخاصة بعد انفصال باكستان وبنغلاديش، علاوة على أنها كانت مناسبة لاستحضار الشخصية المنسية إلى حيز الوجود مرة أخرى، وليتعرف عليها جيل جديد بعد نصف قرن.

رواية كتبها مراهق لكنها أبكت جيلا كاملا

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى