السبت ٢ تموز (يوليو) ٢٠١٦
بقلم فاروق مواسي

جولة أدبية

التلويح في "طويل النجاد"، "رفيع العماد "، "كثير الرماد"

تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر:

طويلُ النجاد رفيعُ العماد
ساد عشيرتَه أمْردا
وفي موضع آخر:
طويل النجاد رفيع العماد
ليس بوغْد ولا زُمَّـلِ

بل قرأت بيتًا ثالثًا نُسب إلى الخنساء، ولم أجده في ديوانها:

طويل النجاد رفيع العماد
كثير الرماد إذا ما شتـا*

انظر : كتاب (البلاغة الواضحة) لعلي الجارم ومصطفى أمين، ص 123..

نلاحظ أن (طويل النجاد)، (رفيع العماد) و (كثير الرماد) كل منها كناية عن صفة، فطويل النجاد تعني الشجاع، ورفيع العماد تعني رفيع المنزلة، وكثير الرماد تعني الكريم.

لكن المعنى لا يتأتّى بيسر، ولا يهتدي إليه إلا كل حصيف، يستنتج خطوة خطوة حتى يصل إلى المعنى المُراد.

(طويل النجاد)- يعني أن حِمَالة السيف طويلة، فيستلزم ذلك أن يكون الرجل طويل القامة، ثم إن الطول يدل على شجاعته وقدرته على القتال، فالعرب تجمع بين الطول والشجاعة، فلبوسهم في الهيجا سرابيل (في قصيدة كعب- البردة)، وكقول الشريف المرتضَى:

ومدت إليه من رجال أعزة
طوال الخُطى أيدي القنا والقواضب
وكقول الوازع بن ذؤالة:
إذا لقحت حرب مرَتْها سيوفهم
وأيدٍ طوالٍ لم تخنْها الأشاجعُ

(رفيع العماد)- يعني أن أعمدة خيمته عالية ورفيعة، وهذا يعني أن خيمته شامخة بارزة، وهذه تكون عادة لرفيع المنزلة وكبير القوم، أما سائر الخيام في البادية فتتشابه في ارتفاعها وأحجامها وأطوال أعمدتها.

(كثير الرماد)- يعني أن ناره كثيرة، لذا كان رمادها كثيرًا، ثم يعني ذلك أن النار المتقدة كانت للطهي الكثير، وبالتالي لكثرة ضيوفه، فهو الكريم.

إن التحليل والاستنتاج الذي يمر خطوة إثر خطوة يسمى (التلويح)، فلوّح بالسيف لمع به وحرّكه، فكأن المعنى يلوّح للمعنى الآخر.

لسنا هنا أمام رمز فيه نستنتج المعنى من خطوة واحدة، بل إننا نجد الوسائط حتى نصل إلى الصفة، ففي التعبير الأول استنتجنا صفة صخر أنه شجاع، وفي الثانية، أنه كبير في قومه، وفي الثالثة كريم.

لم تكن الخنساء وحدها قد استخدمت هذه الكنايات نفسها، فقد ورد للأعشى هذا التلويح، وهو يمدح هَوذة بن علي الحنفيّ، وفي العبارتين أنفسهما:

طويل النجاد رفيع العماد
ويحمي المضاف ويعطي الفقيرا
(ديوان الأعشى الكبير، ص 147)
وللأعشى بيت آخر فيه هذا التلويح في مدح قيس الكندي:

رفيع الوساد، طويل النجاد
وضخم الدسيعة رحب العَـطَن
(ص 75)
فرفيع الوساد كنى فيه ولوّح إلى أنه ذا مكانة سامية، و ضخم الدسيعة أن جفنته كبيرة، وبالتالي فهو جواد، ورحب العطن أي أن المُناخ حول مورد الإبل كان واسعًا جدًا وبالتالي فذلك يدل على سلطته.

كما وجدت أن حسان بن ثابت قد أتى على المعنى بقوله:

طويل النجاد رفيع العماد
مُصاصُ النِّجار من الخزرجِ

ويعني بـ (مصاص النجار) خالص الأصل.
(ديوان حسان، ص 43.)

أرأيتم كيف أن المعنى كان يسوق إلى معنى، فيستمتع المتلقى وهو يكتشف الدلالة الأخيرة، وكأنها الدرّة في الصدف.

الأمرد- هو الذي بدأت لحيته تظهر شعرها، وقد طُرَّ شاربه أي ظهر شعر شاربيه في بداية شبابه، فصخر كان زعيم قومه مذ يفاعته.

الزُمّـل= الضعيف الجبان الرذل، والوغد هوالحقير.

المقصود في (إذا ما شتا)= أي أن الكرم يتم في وقت الحاجة القصوى، حيث تقل مصادر العيش في البادية، فالكرم وقت الضيق هو أجود الجود.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى