صفحة من

الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيطالية

، بقلم فتحي العابد

قرية ساراشينسكو

هي قرية جبلية على ارتفاع 908 متر، وتبعد 53 كلم عن روما، أصل أهلها عرب مسلمون توطنوا فيها في ظروف تاريخية قدرها الله..

بعد أن قام الأغالبة بحملة على روما، ودخلوها في صفر سنة 232 هـ، الموافق لأغسطس 846 م، وكان ذلك في أيام الأمير أبي العباس محمد بن أبي عقال الأَغلب السّعدي، رابع أُمراء الأَغالبة، والذي حكم من سنة 226 إلى سنة 242هـ.

في نوتيتيا دينييتاتوم وثيقة وضعت من قبل مجهول، يرجع تاريخها إلى الفترة ما بين القرن الثالث وبداية عهد الإمبراطور الروماني فالنتينيانو الثالث ، يذكر فيها أن المسلمين كانوا قوة عظيمة ضمن الجيش الروماني، وخاضوا حروبا ضمن وحداته، وكان الرومان يعتمودون عليهم في تشكيل سلاح الفرسان. لذلك تجد أن الإمبراطور فريدريكو الثاني أعطى أعلى المناصب لأولئك الجنود المسلمين خوفا من قوتهم، وكان ضمن جيشه من العرب نحو 20 ألفا.

لكن هاته المجموعة التي دخلت روما عن طريق نهرالتافيري، انفصلت عن جيش الملك هولشتاين ورفضت البقاء في مدينة لوشرة “ من إقليم بوليا، فوقعوا إلى تلّ الأنياني بين نهري ليشانسا وأنياني”، وأحاط بهم الأهالي، مما أدى إلى انحصارهم في تلك الأرض المحصنة بالجبال، رافضين الإستسلام، حتى وقع صلح بينهم وبين الأهالي فسكنوها، وبنوا قرية ساراشينسكو.

والزائر المتأمل يرى أن سَحَنَهم لا تزال تدل على أصلهم العربي، وأن بعضا من مآكلهم، ومشاربهم، وأهازيجهم تدل على عروبتهم، ورغم زيارتي لها لم أستطع التنقيب أو التحدث إلى كبارها، والتعرف والتثبت من صحة مارأيت من آثار تدل على الوجود العربي، سواء في النواعير، أو الطواحين، أو طريقة الري للبيوت والحقول، وساراشينسكو إسم كان يطلقه النصارى الأوروبيون في العصور الوسطى على المسلمين، وقد اختلف في سبب تسميتهم للمسلمين بذلك.

يقول أمير البيان شكيب أرسلان عن لفظة سارازين في هامش (ص15) من كتاب تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط: "قيل: إنها أطلقت على العرب، لكونهم غالبا سمر الألوان أشبه بالحنطة التي يقال لها: سارازين، وقيل: بل هي محرّفة عن سراكنو، التي هي المسلمون بلغة الروم، وهذه محرفة عن شراقة ”، أي شرقي، وقد ذكر ابن بطوطة في رحلته أن ملك القسطنطينية سأل عنه: هل هو سراكنو؟ أي مسلم".
كما ذكر أيضا تعليقا على خبر نقله عن السيد رينو ” حول غزو المسلمين لموضع قرب روما بقوله: "الذي عرفته في رومة من روايات بعض أدباء الطّليان، والمطلعين منهم على التواريخ، أنه يوجد على مسافة أربعين كيلو متر من رومة قرية يقال لها: سراشينسكو، أصل أهلها من المسلمين، كان سلفهم غزاة، وقعوا إلى تلك الأرض، وأحاط بهم الأهالي، فقتلوا جانبا، واستسلم لهم الباقون، وتنصّروا، وعمروا تلك القرية".

وقد ذكر ديفز ” في كتابه أوروبا في العصور الوسطى: "إن العرب كانوا يختلفون إلى ضواحي رومة، ويشنُّون الغارات فيها، وفي إحدى المرار اجتمع عليهم الأهالي، فهزموهم، فخلص منهم فئةٌ إلى البحر، وفئةٌ اسْتؤصلت بالسيف، وفئةٌ من بقايا السيوف لاذت بمكان منيع هناك، وناضلت عن نفسها، وبقيت تحمي نفسها، إلى أن وقَع الصّلح بينها وبين أهل البلاد.

وقال كذلك بعد أن وصف دخول المسلمين لروما بالإجتياح: ورد في التواريخ: أن العرب صعدوا إلى رومة من مصب نهر التيفيري، واجتاحوا البلدة، وأخذوا من كنيسة مار بطرس أو سان بياترو ” تابوتا من فضة، ولكنهم لم يستقروا برومة.

وأضاف ديفز أن المسلمين ـ الذين أَسماهم بالقراصنة العرب ـ قد أنزلوا التخريب في نفس العام بميناء أوستيا.
وذكر هنري بيرين” أن المسلمين قد حاصروا قلعة القديس أنجلو ”في غزواتهم المذكورة على روما، ولكن أرشيبالد لويس ” والذي أعتقد أنه أكثر واقعية، قد ذكر مسارا آخر للأحداث، ربط فيه بين الهجوم على المدن الساحلية المذكورة وبين الهجوم على روما في عام 846 م، فقال: لما حِيل بين المسلمين وبين ما يبتغون في تلك المنطقة، تحولوا إلى أراضي البابوية، ففي عام 846 م أنزل المسلمون على السواحل قوات هزمت الحاميات الموجودة في شيفيتا فاكيا، وأوستيا نوفا، وأغارت قواتهم هذه على ضواحي روما ذاتها.
ومن هنا يتأكد لنا أن إسم قرية ساراشينسكو مرتبط بالمسلمين أكثر منه بالعرب الذين دخلوا شبه الجزيرة الإيطالية، وتولوميو ” “ في كتابه يقول: يطلق نعت على منطقة بين مصر وإسرائيل التي تتضمن سيناء، وسميت باسم مدينة ”، وأيضا يذكر القبائل التي سكنت شمال الشرق العربي ”. بحيث هناك اختفاء تدريجي لإسم العرب من المصادر القديمة، واستبداله في كثير من الأحيان بمصطلح "المسلم".

يذكر أن كل من هيبوليتوس الروماني، باردساني وأورانيو أنطونينو ” دونوا أن هناك ثلاث مجموعات عرقية مختلفة في المملكة العربية منذ النصف الأول من القرن الثالث، وهم: الطّائيين ”، (هو غير متأكد من هوية الطّائية ) والعرب أو الساراشينسكو. يسكن الطائيين ” في الشرق، في اتجاه نهر الفرات، في حين أن العرب المسلمين شماله.

في السيرة الذاتية لأوغوستا أورليان ”، يذكر أن الملكة زنوبيا في بالميرا ” تستشهد بخوف العرب المسلمين أو ساراشينسكو من بعضهم البعض. في الفترة نفسها الوقائع البيزنطية والتي ذكرها مالالس ” في بالميرا عن ساراشينسكو أو العرب المسلمون.
وفقا لما ذكره راتسو ” أن الأمويين انتحلوا لأنفسهم مصطلح العرب دون غيرهم، وتركوا للمسلمين الآخرين أسماء قومية الإنتماء (السوري، الفارسي، ...)، ومصطلح "ساراشين" انتشرت غربا، وخاصة بعد الفتح التدريجي لغرب البحر الأبيض المتوسط.

ويذكر سيناك ” أن صورة الإسلام والمسلمين في أوروبا المسيحية في القرون الوسطى، هي في المقام الأول صورة مغالبة حضارية ودينية، بين العرب المسلمين أو ساراشينسكو والفرنجة، أو ماتسمى بالإيطالية ”، وبذلك أصبح حسب رأيه كل ساراشينيسكو معاديا للحضارة الحرة.

في أوقات سابقة إلى أميانو ”، كلمة المسلم أو "ساراشينسكو" أصبحت شعبية في الأدب اليوناني واللاتيني.
آثار المسلمين التي تسمى باسم السارازين في هاته البلاد كثيرة، فمنها: أبراج، ومضائق جبلية، وكهوف، ومغارات، وطرق بين الجبال، وجسور، وقصور، وسدود طواحين، وأودية صغيرة، وجداول كبرى، وصخور تسمى السارازين، وأبواب، وحيطان، ومعسكرات..

ومن أكثر النعوت التي تطلق على العرب في إيطاليا نعت مورو كان الرومان يسمون المغرب الأقصى موريتانية، وهناك بقعة شمال فروزينوني ” يقال لها منبع ديل مورو، ويوجد في البيامونتي ti” ممر يقال ممر مونتي مورو.

هذه نبذة بسيطة من التاريخ الإسلامي في شبه الجزيرة الإيطالية، لعلها تساهم في التعريف بالتراث الإسلامي هنا وتقرب المسلمين فيها إلى حب التنقيب والتعرف على ماتركه أجدادهم هنا، وأنهم أتوا فاتحين وليس غزاة كما يصنفهم بعض المؤرخين المتحاملين على الإسلام والمسلمون..