الاثنين ١١ تموز (يوليو) ٢٠١٦

قراءة في قصيدة : «وَلَهْ» للشاعرة فاطمة نزال

وَلَهْ...
وَجئتُ بثوب يشِفُّ عن لُغتي
عَن لوعة الحب المخبأ
تحت أستار رقيقه،
وفتحتَ إذ أبصرتني أزرار حرفك
ولملمتَ بكف الحب
ما تفتح من أزاهير الحديقة ...

القراءة:

لم يعد يكفي أن تقول عن بيت من الشعر أو قصيدة أنها خفقة قلب أو دفقة شعورية كما كان يحلو لمن جعلوا الشعر من قبيل الوجدان المحض ولا شيء غير هذا ، وقاسوا قيمة القصيدة بما تحتويه من وجدان صاحبها ، وكان هذا القول في حينه ثورة على كلاسيكية شوقي وحافظ على أنه - أي هذا الرأي - لم يكن نبتا عربيا خالصا وإنما اتبعوا فيه المدرسة الإنجليزية في النقد إبان الربع الأول من القرن العشرين ثم أحدثت المدرسة النقدية الفرنسية ثورة نقدية على يد " كلود ليفي شتراوس " مذ أصدر كتابه الفذ " المدارات الحزينة " سنة 1955م متأثرا بنظرية " دي سوسير " في اللغة حيث جعلها نسقا قائما وحده مبرزا ثنائية الدال والمدلول. .ولم يقدر لهذه المدرسة الاستمرار في فرنسا إذ ماتت بالسكتة سنة 1968م وإن انتقلت إلى بلادنا العربية في العام التالي لموتها او قبل ذلك بقليل - لست أذكر بالضبط فأنا أكتب من الذاكرة - غير أني أذكر أن مقالا للأستاذ / محمود العالم هو الذي ابتعثها من مرقدها ، وقوبلت بما يقابل به كل جديد وإن كان هذا الجديد في بقعة أخرى من بقاع الأرض جيفة لا أكثر ..

أقول : لم يعد مقبولا ان نقول عن قصيدة أنها نفثة مصدور أو خفقة قلب ولا شيء غير هذا خاصة إذا كنت أمام نص للشاعرة فاطمة نزال والتي تصل - في بعض قصائدها - إلى كنه الأشياء وحقائقها المجردة أو قل تصل إلى العلاقة بين الأشياء وقوانينها الجامعة وهذا غير كائن لغير الشعراء الكبار كجيتة وأليوت وطاغور وغيرهم من الكبار الذين يحلقون في فلك الفن الأعلى ..

نعم لا تظفر منها بهذا في كل حين غير أن من ينتظر هذا من كائن من كان في كل حين فهو أحمق كل الحمق لا بعضه ، ويكفي اللحن الواحد أو اللحنان دلالة على العظمة والنبوغ على أنني لا أدعي أني ملم بكل قول قالته الشاعرة .
تكشف الشاعرة عن ثنائية الوجود ..تلك الثنائية التي يقوم عليها بناء الحياة كما تقوم عليها العلاقة بين الأشياء حتى في دنيا الجماد ، فقصيدة فاطمة نزال ليست غزلية كما هي عند عمر بن أبي ربيعة أو مجنون ليلى / لبنى أو أي مجنون شاعر في دنيا الغزل وأعدها -أنا كاتب هذه السطور - من القصائد الفلسفية في شعرنا العربي أو قل في الشعر الإنساني الذي تحلق فيه الشاعرة ببعض ما تنتجه أو قل بقلة قليلة منه ..وهل نحن إلا تبر وتراب؟ ..

وقد تحدث شتراوس عن تلك الثنائية إلا أنه لم يجعل منها قانونا عاما ولا يعني هذا أن ماجاءت به الشاعرة لم يسبقها إليه أحد بل هو مقرر في الفكر الإسلامي خاصة وقد جاء به التنزيل الحكيم إذ بين بجلاء تلك الثنائية وجعلها أساس الحياة وقانونها العام فالحياة قائمة على فكرة الزوجية ، وجعل الحق هذا المبدأ في الإنسان منبثقا منه فالزوجية في الإنسان تختلف عن الزوجية في بقية الموجودات من جهة المنشأ ..ولا تقتصر الزوجية على هذه الدنيا وحدها في الفكر الإسلامي بل تتعداها لتصبح قائمة فيما بعد الموت ...في الآخرة :

" ...الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها " (النساء .1 )
" ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة " ( الأعراف . 19 )
وفي الآخرة :
" وإذا النفوس زوجت " ( التكوير . 7 )
وفي غير عالم الإنسان :
" قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين " ( هود . 40 )
" ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين " (الرعد . 3 )
" ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " ( الذاريات .49)
" وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى " ( النجم .45 )
" فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى " (القيامة .39 )

هذا إذن قانون الخلقة وسنة الوجود ، وقد طار العقاد ، وتبعه المازني - كعادة المازني إذ لم يكن غير ظل للعقاد - حين كتب العقاد كتابه عن ابن الرومي ، وجعل من قول ابن الرومي : " أنثى تصدت للذكر " - أو لذكر - آية نبوغ ابن الرومي وفلسفته العميقة ، ولم يلمح إلى ما ورد في التنزيل بما يكشف سر البناء ..

وتأتي فاطمة نزال في قصيدتها : " وجئت " لتبدي تلك الثنائية في بنية الوجود أوقل في بنية الحياة الإنسانية وتظهر كون العلاقة بين القطبين - أي الذكر والأنثى - ليست صراعا كما صور لنا أو كما يراد لنا أن نتصور ، وأن البيت أو الأسرة أو التزاوج ليس سجنا ، وما كانت العلاقة بين الزوجين علاقة عبد بسيده أو سجين بسجانه أو كعلاقة الديكة تلك التي لا تكف عن النقار ..

هاك الثنائية في توازن متقن ، وتقابل لا ذرة فيه من تناقض أو تضاد وإنما هو البحث عن الاكتمال والفزع لسد العوز النفسي والفكري والجسدي :
وجئت. .......(بتاء الفاعل )
عن لوعة
تحت أستار
.............وفتحت ( بفتح التاء )
.............ولملمت
............ما تفتح .

فالعمود الأول يمثل فعل الأنثى في حين يمثل الثاني رد الفعل أو الحركة المقابلة أو النتيجة للمقدمة التي تبنتها الأنثى. .
وهنا تلمح الشاعرة إلى كون المرأة / الأنثى هي الفاعلة ..هي التي تبدأ أو :

" أنثى تصدت لذكر " كما قال ابن الرومي. .

والمجيء في العمود الأول يقابله وفتحت في العمود الثاني أي فتحت أيها الذكر ..

وعن لوعة يقابلها فعل لملمت - بفتح التاء -
ليس هذا وكفى :
بثوب يشف عن لغتي
الحب المخبأ
أستار رقيقة
ويقابلها ب :
أزرار حرفك
بكف الحب
أزاهير الحديقة .

واللغة غير القول المشار إليه بحرفك وتجد هذا جليا لدى علماء اللغة ..وتجعل الشاعرة من المرأة لغة ومالرجل غير حرف ..ولا تنسى أن تقرر حياء المرأة مع كونها البادئة فتقول : الحب المخبأ ..ويقابل هذا بكف الحب في العمود الثاني ..
ولعلك تسأل : وإذن لم التصدي ؟ ، ولم : وجئت؟ ..وأرد دون تلعثم لكونها ركن الزاوية وأساس البناء والقاعدة والمحضن وهذا كائن في كافة أجناس الخليقة ..

وتكمل الشاعرة : أستار رقيقة ليقابلها في العمود الآخر : أزاهير الحديقة ..
ولا تنسى أن تذكر الفعل تفتح قبل أزاهير دلالة على استمرارية العطاء فكف الحب تلملم ما تفتح أما مالم يتفتح فباق ينتظر أوانه .

للشاعرة نزال قدرة على استبطان اللغة وتشكيلها بحيث تعطي أقصى طاقتها في الدلالة على ماتريده وكأنما قد ألينت لها العربية ..واللغة ليست صماء بكماء إلا حال استخدامها من قبل أصم أبكم أعمى فساعتها تجدها جامدة ..
وتظهر اللغة أسرارها حال الاجتماع والبناء إذ اللفظ في ذاته مجرد أداة ولا يظهر مكنونه ومعناه بغير اجتماع لذا كان اللفظ في مبني بحيث يكون لبنة من لبنات هذا البناء غيره في معجم ..

ولنرى معا مدى توفيق الشاعرة وقدرتها على جعل الحرف يبوح بمكنونه وسره بين يديها : قول الشاعرة : " بثوب يشف عن لغتي " ، يظهر لغة الأنثى ، فلغتهاالفتنة والاغراء ، وثوب يشف كناية على ذلك .. وهو الجانب المادي في العلاقة بين الذكر والأنثى. .

ويقابل هذا عند الذكر : " أزرار حرفك " ..تلقي الفتنة بالقبول حال أن أبصرها ..
لكن لا يكفي هذا الجانب وحده فقد يسد جوعةجسد ، فأين ما يسد جوعة الروح وظمئها ، وهي جوعة لا تقل عن جوعة الجسد ان لم تكن أشد ، لذا تأتي في السطر الثاني ب : " عن لوعة الحب المخبأ " ..وقد جمع الحب بين الحرقة وكونه مخبأ مما يزيد من ألمه ..

وقابلها هو ب : " ولملمت بكف الحب " ، بما يشعر بعظيم اهتمامه ، وفي كف الحب مع الصورة البلاغية - ولم أتناول الجانب البلاغي كيلا يطول مقالي هذا - ما يوحي بالتفاعل ومع كونها من بدأ إلا أن تفاعله أكثر ..

" المخبأ
تحت أستار رقيقة " ، أي يشف فلا هو بالظاهر للعيان ظهورا وقحا وما هو بالغائب في سراديب الباطن غيبة الموتى ، وإنما تحت أستار رقيقة ..

وقابله منه : " ما تفتح من أزاهير الحديقة " ، وما تفتح يعني بمفهوم المخالفة أن ثمة مالم يتفتح بعد كما أن من تبعيضية بما يوحي بالاستمرارية أو أن الذكر لا يستطيع الغوص إلى أعمق أعماقها فهو فقط يأخذ الظاهر وتظل الأنثى لغزه الأبدي الذي يسعى له على أمل لكن هيهات أن يصل إلى حله فهو أبدا بها معلق ومشغول ومفتون ..

هو غزل راق إذن ، وقصيدة فلسفية في المقام الأول وفريدة في عالم القصائد بل أدعي أنها - أي القصيدة - كافية للولوج بكاتبتها إلى مدارات الفن العليا رافعة الرأس على أن للقصيدة مدارات أخرى لم أتناول منها شيئا إذ لكل مقام مقال وأنا في مقام الإشارة لجودة نص وتفرد ناصة في دنيا القصيد .

ثروت مكايد

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى