الأربعاء ١٣ تموز (يوليو) ٢٠١٦
من أعجب ما قرأت:
بقلم فاروق مواسي

عشق مذهل! لا يُصدَّق!

نزل الخليفة يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشام، ومعه حَبابة فقال: زعموا أنه لاتصفو لأحد عيشة يومًا إلى الليل إلا يكدّرها شيء عليه، وسأجرب ذلك.

ثم قال لمن معه: إذا كان غدًا فلا تخبروني بشيء، ولا تأتوني بكتاب.

وخلا هو وحبابة فأتيا بما يأكلان،
فأكلت رمانة فشرقت بحبة منها، فماتت.

أقام يزيد لا يدفنها ثلاثًا حتى تغيرت وأنتنت، وهو يشمها ويرشفها، فعاتبه على ذلك ذوو قرابته، وعابوا عليه ما يصنع، وقالوا: قد صارت جيفة بين يديك! حتى أذن لهم في غسلها ودفنها، وأمر فأخرجت في نطع (بساط)، وخرج معها لايتكلم حتى جلس على قبرها، فلما دفنت قال: أصبحت والله كما قال كُثيَِـر:

فإن يسلُ عنك القلب أو يدعِ الصِّبا
فبالبأس يسلو عنك لا بالتجلّـد
وكل خليل راءني فهو قائل
من اجْلك: هذا هامة اليوم أو غد
فما أقام إلا خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جنبها.

روى المدائني أنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها، فقال: لابد من أن تنبش.

فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغير تغيرًا قبيحًا، فقيل له: يا أمير المؤمنين، اتق الله، ألا ترى كيف صارت؟
قال: ما رأيتها قط أحسن منها اليوم، أخرجوها.

جاءه أخوه مَسْلمة ووجوه أهله، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها، وانصرف فكمد كمدًا شديدًا حتى مات، فدفن إلى جانبها.

قال إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الشفافي عن العباس بن محمد، أن يزيد بن عبد الملك أراد الصلاة على حبابة، فكلّمه مَسْلمة في أن لا يخرج وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها. فتخلف يزيد ومضى مسلمة، حتى إذا مضى الناس انصرف مسلمة وأمر من صلى عليها.

وروى الزبير، عن مصعب بن عثمان، عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: خرجت مع أبي إلى الشام في زمن يزيد بن عبد الملك، فلما ماتت حبابة وأخرِجت لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي، فحُمل على منبر على رقاب الرجال، فلما دفنت قال: لم أصلِّ عليها، انبشوا عنها. فقال له مسلمة: نَشدتكَ الله يا أمير المؤمنين، إنما هي أمَة من الإماء، وقد واراها الثرى!

فلم يأذن للناس بعد حبابة إلا مرة واحدة.
قال: فوالله ما استتم دخول الناس حتى قال الحاجب: أجيزوا رحمكم الله.
ولم ينشب يزيد أن مات كمدًا.

رواية أخرى:

ثم لما ماتت حبابة جزع عليها يزيد* جزعًا شديدًا، فضم جويرية لها كانت تخدمها إليه، فكانت تحدثه وتؤنسه، فبينا هو يومًا يدور في قصره إذ قال لها: هذا الموضع الذي كنا فيه. فتمثلت:

كفى حزنًا للهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا

فبكى حتى كاد يموت. ثم لم تزل تلك الجويرية معه يتذكر بها حبابة حتى مات.

المصدر: أبو الفرج الأصفهاني- (الأغاني)- ج 15، ص 140 وما بعدها.

* من الغريب أنني وجدت في كتاب (تزيين الأسواق في أخبار العشاق) لداود الأنطاكي أن الخليفة الذي أحبَّ قَـيْـنَتَه حَبابة- هو يزيد بن معاوية (ج1 ص 238)، وهذا غير صحيح، فالمصادر الأخرى تجمع على أن الخليفة هو يزيد بن عبد الملك، ثم إن أخاه هو مَسلمة، ولم يكن لمعاوية ابن سمي هذا الاسم.

** فائدة:

ذكر الثعالبي في (فقه اللغة) "ترتيب الحب وتفصيله"، فسمّى ذهاب العقل من الهوى= (التَّـدْليه)، ومنه رجل مُدَلّـه، وآخر مراتبه (الهُيوم) وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه. (المطبعة العصرية، ص 211).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى