الجمعة ١٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٦
بقلم فاروق مواسي

مع الحُجّاج في مناسكهم

لبَّيْك اللهم لبيك!

لَبَّـيْك- حكمها في المعنى والإعراب

(لبَّيْك)- مصدر ملحق بالمثنى مضاف إلى ضمير- هو المخاطب عادة، معناه تلبية بعد تلبية، فإذا قلت: (لبَّيْك) اللهم لبيك، فالمعنى أنني ألبّي دعوتك يا رب، أي أجيبها إخلاصًا لك مرة بعد أخرى.

إعراب (لبَّيْك):

لبيـ - مفعول مطلق (أو مصدر) لفعل محذوف وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بالمثنى، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.

أما (لبيك) الثانية، فإعرابها توكيد لفظي- كما لا يخفى.

المصادر التي جمعتها مثنّاة هي:
(لبَّيْك)، و (سَعْدَيك)، و(حَنانَيك) و(دَوالَيك) و(حَذارَيك)، (هَذاذَيك)، (حَجازَيك)،
وهي مثناة تثنية يراد بها التكثير أو التتابع، لا حقيقة التثنية.

(سعدَيك) تأتي فقط بعد (لبَّيْك)، فيقال: (لبَّيْك وسَعدَيك)- أي إجابة بعد إجابة وإسعادًا بعد إسعاد، أما (لبَّيْك) فقد ترد وحدها.

(حنانَيك) معناها تحننًا بعد تحنن، وأما (دَوالََيك) فمعناها مداولة بعد مداولة، و(حَذارَيك) تعني حذرًا بعد حذر، و (هَذاذَيك) تعني قطعًا للأمر بعد قطع، و(حَجازَيك) تعني احجُز بينهما حَجْزًا بعد حجز، وليكُ بعضه موصولاً ببعض فلا ينقطع.

في كتاب (توضيح المسالك في شرح ألفية ابن مالك)- لبدر الدين المرادي، ج2، ص 800 ورد ما يلي:

"وأما "لبَّيْ ودوالَي وسعدَي" فهي مصادر مثناة تلزم الإضافة إلى المضمر، فتقول: لبيك وسعديك ودواليك ونحوها: حنانيك وهَذاذيك وحَجازيك وحذاريك.
[.....]

تنبيهات:

الأول: الناصب لهذه المصادر واجب الإضمار، ويقدر في غير (لبيك) من لفظه، والتقدير في لبيك: "أجبت" إجابتك، وكأنه من ألبَّ بالمكان إذا قام به.

الثاني: يجوز استعمال (لبيك) وحده، وأما (سعديك) فلا يستعمل إلا تابعًا للبَّـيك.

قال سيبويه: أراد بقول- لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة.

(ورد في كتاب سيبويه (الكتاب)1/ 175:

"كأنما أراد بقوله: لبيك وسعديك إجابة، كأن يقول: كلما أجبتك في أمر فأنا في الأمر الآخر مجيب، وكأن هذه التثنية أشد توكيدًا").

الثالث: هذه التثنية عند الجمهور للتكثير "لا تقع على الواحد".
الرابع: ذهب الأعلم، إلى أن الكاف في لبيك وأخواته حرف خطاب لا موضع "له" من الإعراب وحذفت النون لشبه الإضافة".

من معاني (لبيك) - لزومًا لطاعتك، أو إلبابًا بعد إلباب (اللزوم وعدم المفارقة)، وإقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة.
أو معناه كما ورد في معجم (الوسيط) نقلاً عن كتاب ابن الأنباري (الزاهر)- بيروت 1992، ج1، ص 101:
"اتجاهي إليك وقصدي وإقبالي على أمرك، مأخوذ من قولهم: داري تُلبّ دارك أي تواجهها وتحاذيها".

يقول الأنباري:

"سمعت أبا العباس يقول معنى (لبيك) أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، من قولهم (لبَّ) الرجل في المكان و (ألبَّ) إذا أقام فيه. قال الشاعر:

محل الهجر أنت به مقيم *** مُلبٌّ ما تزول ولا تريم
[....]
قال الأحمر: كان الأصل في لبيك (لبّـبَك) فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الأخيرة ياء، كما قالوا (تظنّيت) وأصله (تظنّنت)"
م. ن ، ص 100.

من الجدير بالذكر أن التلبية كانت في الجاهلية.

فالحج والعمرة شعيرتان دينيتان في ملّة ابراهيم فهما معروفان قبل الإسلام.

وكان العرب حنفاء ومشركين يحجّون ويعتمرون ويطوفون ويسعَون ويعرفون التلبية، وكانت لكل قبيلة تلبية خاصة بها، ولكن العبادات انقلبت لديهم من التوحيد إلى الشرك والوثنية.

من أحبّ أن يطّلع على تلبية كل قبيلة في زمن الجاهلية فهي في كتاب جواد علي (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، فثمة فوائد ومعلومات فيها الغَناء.

(دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، الجزء الثالث 1980م، في الفصل الثاني والسبعين- "الحج والعمرة").

التلبية إذن هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام، غير أنه غيَّر صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد، فصارت على هذا النحو:

"لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى