الخميس ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم رائدة ياسين

مرايا الأنا والاخر في رواية (غزل الذاكرة)

ملخص:

تتناول هذه الدراسة رواية (غزل الذاكرة) لـ"يوسف العيلة" تحليلا ونقداً بالقدر الذي يخدم تجلية مرايا الأنا والآخر فيها، واستيضاح الصورة التي يرسمها (يوسف العيلة)، في روايته، للذات الفلسطينية والعربية، وهي صورة بدت متعددة منذ بداية الصراع مع اليهود، وقيام دولتهم عام 1948، وحتى تاريخ كتابة الرواية عام 1997.

ودراسة مرايا الذات ما هي إلا ضرورة فرضتها دراسة الآخر، فمن هو الآخر في هذه الرواية؟ وكيف صوره (يوسف العيلة)؟ وما هي المراحل الزمنية التي صُور فيها؟ وهل بدت صورته إيجابية مشرقة، أم سلبية قاتمة؟ ولماذا؟
هذه الأسئلة هي ما ترمي هذه الدراسة إلى الإجابة عنها، كما ترمي أيضا إلى بيان موقع هذه الرواية من الأدب الفلسطيني وإلى معرفة ما إن كانت تضيف في هذا المجال شيئا جديدا.

تبدأ الدراسة بتمهيد حول صورة اليهود في الأدب الفلسطيني في المراحل السابقة لكتابة الرواية، يضع القارئ في صلب الموضوع، متيحاً له إمكانية المقارنة.

ثم تبحث في مدى الالتقاء والافتراق بين السارد والكاتب والشخصية؛ بهدف التعرف على الذات الساردة، التي نتعرف من خلالها، سواء بالإخبار، أو بالحوار الذي تجريه مع بعض الشخوص، على صور الذات والآخر لنقر ما إذا كان السارد هو كاتب الرواية أم لا.

ثم تأتي الدراسة على مرايا الأنا، موضحة طبيعة كل منها؛ تمهيداً للحديث عن الآخر في الرواية، الذي نورده على الرغم من تعدده، موضحين الصور التي أبرزها الكاتب له، والصفات التي أطلقت عليه.

وفي نهاية الدراسة نبحث في نظرة الذات إلى ذاتها، ثم نظرة الآخر للذات كما تتصورها الذات، وننهي بخاتمة، تبين الجديد الذي أضافته الرواية.

تمهيد

ارتبطت الكتابة عن اليهود في الأدب الفلسطيني بالصراع العربي- اليهودي، وكانت دائما صدى له، ومرآة تعكس مجرياته، فرغم وجود اليهود على أرض فلسطين قبل وعد بلفور، لا تظهر صورتهم في الأدب الفلسطيني، كجماعة مختلفة، إلا بعده؛ ذلك أن وجودهم كأقلية دينية لم يكن ليؤرق الكاتب الفلسطيني الذي لم يرَ فيهم خطراً إلا بعد ظهور الحركة الصهيونية، وأهدافها الرامية إلى تأسيس وطن قومي في فلسطين. ومع تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أخذ الأدب الفلسطيني يرسم صوراً لليهودي الذي بات عدواً.

كيف بدت صورة اليهودي في هذا الأدب؟ وهل اختلفت في أيام الحرب والانتفاضة عنها بعد اتفاقات (أوسلو)؟ هل عومل معاملة واحدة دون تمييز؟ وهل صورت شخصياته من الداخل، أم لم تتعدَ كونها نماذج؟

اختلف الكتاب في تناولهم لشخصية اليهودي باختلاف مراحل الصراع معه، فعندما كان اللقاء به ممكنا بعد وعد (بلفور) وحتى عام 1948، وجدنا من ميز بين يهودي غربي وآخر شرقي، وبين يهودي وصهيوني، كما فعل وديع البستاني في بعض أشعاره(1). وفي المقابل هناك من اتخذ موقفا معاديا من اليهود كلهم، معتبرهم أعداءه بالمطلق. وقد تأثرت الكتابة الفلسطينية عن اليهود بما كتب عنهم في الآداب الأوروبية، فصورت اليهودي كما برز في مسرحية (شيلوك)، الذي يفعل أي شيء للحصول على المال، دون تبكيت ضمير أو شعور بالذنب وهذا ما بدا واضحا في رواية "الوارث" لـ"خليل بيدس" 1920م، ورواية "في السرير" لـ"محمد العدناني" 1964م، واليهودي غير المندمج كما في رواية "القناع" الجزء الثالث من "ثلاثية فلسطين" لـ"نبيل خوري"(2).

بيد أن الدارس لا يعدم في هذه الفترة، وجود كتاب تناولوا اليهودي، إنساناً له حياته، وعمدوا إلى إبراز جانب من هذه الحياة، فبدا إيجابياً تارة، وسلبياً طوراً، كما فعل ":نجاتي صدقي" الذي صور الواقع كما هو، ولم يسقط رؤاه الفكرية عليه كما في قصتي "شمعون بوزاجلو" و"العابث"(3).

وبين عامي 1948-1967، وبعد تأسيس اليهود دولتهم، اقتصر اللقاء اليهودي الفلسطيني على المصانع الإسرائيلية، حيث الفلسطيني عامل، واليهودي صاحب عمل يكيل له الشتائم، يجد الدارس نفسه في هذه الفترة أمام نوعين من الأدباء على اعتبار المكان، أدباء الداخل، الذين بقوا في مدنهم وقراهم، وحملوا الهوية الإسرائيلية، وأدباء المنفى. وبينما كتب أدباء الداخل بتحفظ وميل نحو الرمز خوفاً من السلطات الإسرائيلية، كما فعل "توفيق فياض" في مسرحيته "بيت الجنون"(4)، تمتع أدباء المنفى بقسط من الحرية عبروا فيه عن مشاعرهم القومية التي استعرت، تأثراً بالمرحلة الناصرية.

وعلى الرغم من عثورنا في هذه الفترة وما بعدها على نماذج إيجابية، وأخرى سلبية، إلا أن الكتاب ظلوا أسرى الحرب القومية، بين العرب واليهود؛ فلم يستطيعوا خلق شخصية إسرائيلية واقعية إذ أن أعمالهم كانت تهدف إلى الدعاية، صوروا الإسرائيلي فيها جندياً في جيش العدو لا ملامح فردية له (5). كما هو في رواية "ما تبقى لكم" لـ"غسان كنفاني" 1966. ورغم تخلص الجندي من قالبه النمطي في بعض القصص يظل جنديا يمثل العدو، حتى لو طالب أقرانه بالعودة من حيث جاؤوا، واقتنع باستحالة إقامة دولة لشعب لا يجمع بينه سوى الدين، كما رأى الضابط الغربي (مارسيل) في مسرحية "زهرة من دم" لـ"سهل إدريس".
وقد عني الكتاب الفلسطينيون بالخلافات الطائفية في المجتمع اليهودي، والتمييز العنصري بين اليهود الشرقيين والغربيين، وأظهروا اليهودي الشرقي متعاطفاً مع العرب، لكنه لا يجرؤ على البوح بذلك، كما ظهرت شخصية "سعد هارون" اليهودي الشرقي في مسرحية "زهرة من دم" لـ"سهيل أدريس" (6). بل وعرضوا في قصصهم ليهود قادمين من بلاد عربية، يشعرون بالغربة وعدم الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، مثل "راحيل" التي تتمنى زيارة العراق ولو ليوم واحد، في قصة " باكراً في هدأة الصباح" لـ"رياض بيدس"(7).

وبعد هزيمة 67، التي كشفت الحقائق للفلسطيني، وجعلته يعتمد على ذاته في حل مشاكله إثر خيبته بهزيمة العرب، مالت قصص هذه الفترة وما بعدها إلى تسييس الشخصيات اليهودية وتصويرها وفقا لمواقفها السياسية، وليس وفقا لإنسانيتها، ومكوناتها الشخصية من الداخل(8).

انحسر اللقاء مع اليهود بعد 87، نظرا للانتفاضة التي جعلت شعب فلسطين في صف واحد مواجه لليهود كلهم، ليقتصر على اللقاء العسكري المتوتر، مع الجندي المدجج بالسلاح (9) وراح الأدب يصور مجريات هذه الفترة، واصفا معاناة الفلسطيني على أيدي الجنود والضباط، مبينا مواقف بقية اليهود مما يجري كما في قصة "البؤرة" لـ"رياض بيدس" 1988م، التي تصور ثلاث شخصيات يهودية، تؤيد ما يقوم به الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، بل إن (عاموس) إحدى هذه الشخصيات يطرد ولده لرفضه الخدمة في الضفة الغربية، وجلبه العار لوالده.

هذا وقد ألغت الانتفاضة أية صداقة كانت بين الفلسطينيين واليهود، وجعلت كلاً منهما في مواجهة الآخر كما صورت قصص "غريب عسقلاني" "زائر الفجر" و "وردة بيضاء من أجل ديفيد"(10). ونجد النماذج السلبية لليهود في بداية التسعينات أيضا، إذ يصور "إميل حبيبي" في روايته "خرافية سرايا بنت الغول" 1991م، اليهود، رجالا ونساء، بالحيوانات التي لا إحساس لها، يفتشون الفلسطيني على المعابر، ويعرضونه للإذلال والتعرية كما فعلوا بعمة الراوي "نزيه" التي أصيبت بالشلل الحقيقي.

ولم تبرز النصوص المنجزة بعد اتفاقات (مدريد)، و(أوسلو)، صورة إيجابية لليهود، كما هو المتوقع، بل عبرت عن خيبة الثوري والمثقف الفلسطيني، واصطدامه بقسوة الواقع، وكأن لسان حاله يرفض هذه النتيجة، فراح يعبر في أدبه عن عدم إمكانية التعايش مع اليهود، الذين رسم لهم صورة سلبية كما فعل "أحمد حرب" في روايته "بقايا" (11) 1996م، إذ ينتهي زواج اليهودية (أرنونا) من العربي "هادي" بالفشل وعدم التعايش في مرحلة السلام، بعد أن استمر في فترة الانتفاضة التي قاوما خلالها كل صعوبة واجهتهما، تعود (أرنونا) إلى ديانتها، لاعنة اليوم الذي تزوجت فيه من "هادي" ويرى "يحيى يخلف" في روايته "نهر يستحم في البحيرة" أن إمكانية التعايش غير واردة إطلاقا (12).

أما المرأة اليهودية فقد اقترن ذكرها بالفكرة القائلة "أن اليهود يوظفون نساءهم لتحقيق أهدافهم". هذه الفكرة التي ترددت كثيرا قبل عام 48، واختفت بعده لتعود بعد 67، فقد صورت المجندة بالزانية،التي تقوم بإغواء الشباب لانتزاع المعلومات منهم مثل (راشيل) في "زهرة من دم" و (راحيل) في "شمشون ودليلة".

ولا يعني هذا عدم وجود نماذج إيجابية للمرأة اليهودية، فقد صور "نجاتي صدقي" في قصة "العابث" امرأة يهودية قادمة من الغرب، تريد إقامة علاقات مع العرب، لكنها ترفض تجاوز الحد معها، بل تطرد العربي من بيتها عندما تشك في حسن نواياه.

وكذلك "مريم" في "حبات البرتقال" لـ"ناصر الدين النشاشيبي" تنحاز لإنسانيتها، وتناضل مع (سابا) الفلسطيني ضد الحركة الصهيونية.
ويخلص الدارس إلى أن شخصية اليهودي، الإيجابية منها والسلبية، غالباً ما ظلت باهتة، ضبابية، لا تصور من الداخل، ولا يُعنى بإنسانيتها، بقدر العناية بفكرة أراد الكاتب تجليتها.

شيء عن بنية الرواية:

يكتب "يوسف العيلة" رواية ضياع وطن وهوية، ولأن "الحديث عن الهوية يتورط دوما في إشكالية مرتبطة بالمكان والزمان" (13) ولأنه "ينطلق من واقع ذات معذبة" (14) يغازل في روايته الذاكرة، يهرب من واقع أسود إلى ماضٍ عثماني حمل في طياته نصراً وحبوراً.

يخط رواية ذكريات، وحلم بنصر وشيك؛ يتجاوز به لعنة الحاضر، وقتامة الهزائم، رواية تحوي بين دفتيها قصة حب لوطن على هيئة امرأة، وامرأة على هيئة وطن.

يبدأ السرد بعد عشرين عاماً من الغياب، وحاول جاهداً فيها فعل شيء من أجل امرأة، وطن، أحب، بيد أنه ما استطاع سوى معاينة سقوطه مرة تلو أخرى، ومعايشة نكباته وخيباته، على أيدي الأعداء، بمعونة العملاء، ودعاة سلام، وأهل سياسة أعطوا الآخر شرعية أرض اغتصبها، وجسد اعتلاه.

يودع الكاتب قصته أمانة في عنق "نبيل" الذي يرويها في ثمانية فصول يكاد يكون عدد صفحاتها يتساوى، عدا الفصل الأخير، الذي لا يتجاوز السبع صفحات، وكأن ذاكرته أُرهقت، وغُصّ حلقه بخيبات النهاية.

يسرد "نبيل" الرواية بضمير المتكلم مخاطبا "عايدة" الشخصية الثانية التي راوح في رسمها بين الطريقة التحليلية، والتمثيلية، فهو يشرح عواطفها ومواقفها ويعقب على تفسيراتها، ويترك لها زمام الحديث لتخبرنا عن جوهرها بالبوح والاعتراف، والمراجعة الداخلية.

يتراوح السرد إذن بين ضمير المتكلم "الذي ابتدع خصوصا في الكتابة السردية المتصلة بالسيرة الذاتية، لما فيه من حميمية، وقدرة على تعرية النفس من داخلها عبر خارجها" (15)، وضمير المخاطب "الذي لا يستطيع إبعاد نسج الأنا من الشريط السردي، بل لعله لم يزده إلا مثولا" (16).

بـ"الأنا" يخبر "نبيل" عن ذاته، ومواقفه، وأسرار شخصيته، وتحليله لكل حدث خارجي، مبدياً رأيه، معلقا، أو مفسرا، او ساخرا. وتخبر هي عن نفسها، وقناعاتها، ويجعل "أنت" بجعل كلام الأنا "نبيل" موجهاً لآخر هو "عايدة" يستمع إليه، ويبدي تعليقه عليه، كأنهما "وجهان لعملة واحدة اسمها الهوية" (17) هي وطن، وهو مواطن.

زمانياً: هي رواية استرجاع للماضي، عودة إلى الذاكرة، هربا من زمن جرح وتأزم، ينبش "نبيل" ذاكرة من حوله، يفجر الألم في نفوسهم بحجة الحفاظ على الوطن.

فلا يراعي تسلسل الزمن، وترتيب الأحداث، بل يبدأ من النهاية، ويعود، من خلال الذاكرة، إلى الماضي البعيد أو القريب، ثم يرتد إلى الحاضر، ويتجاوزه بحلمة إلى المستقبل.
فأحداث الرواية متقطعة، مربكة، تعكس نفسية الراوي/ الكاتب، وضياعه بين الأزمان، والأحداث باحثا عن مقومات الهوية، وأسباب الفقدان. هي رواية الحبكة المفككة، حوادثها منفصلة تكاد لا ترتبط برباط، تعتمد وحدة العمل فيها على الشخصية الأولى "نبيل"، والنتيجة التي ستنجلي عنها الأحداث (18).
ولأن الذات لا يمكن تحديدها إلا على ضوء علاقتها بالآخرين، يتعدد الآخر في الرواية، وتخبرنا الأنا، نبيل، عايدة، وآخرون لا يختلفون عنهما في التصور، عن صورة الآخر كما يرونها، وصورتهم كما يتخيلون الآخر يتخيلها، وهذا ما هدفت الدراسة إلى تجليته وإبانته.

الكاتب- السارد- الشخصية- التقاء وافتراق:

من هو السارد الذي تنعكس في مرآته صورة للآخر؟ وما علاقته بالكاتب "يوسف العيلة"؟ يحدد الكاتب جنس نصه الأدبي؛ إذ يكتب على الغلاف "رواية". الكاتب والسارد والشخصية فيها هم "يوسف العيلة" نفسه، نعتمد في هذا على أمرين:

الأول: قراءة النص، وقراءة ما كتب على الغلاف من رأي للمؤلف ولنقاد آخرين.

الثاني: قراءة النص، وقراءة المؤلف في الوقت نفسه، للبحث عما هو مشترك بينهما.

يورد المؤلف في النص الموازي مقطعا ورد في الصفحة الأخيرة من الرواية، توحد فيه صوت السارد، وصوت الكاتب "يوسف العيلة" يخبرنا أنه وضع قصته أمانة في عنق "نبيل آخر يأتي بعد ليل.." وكأنه بذلك يعترف أنه هو "نبيل" الأول، الذي أحب، وتجرع الخيانة والغدر عقدين كاملين يروي أحداثهما في هذه الرواية، ويرى "فايق مزيد" أن الكاتب قارب في عمله الروائي هذا بين السيرة الذاتية والرواية، حيث ورد رأيه أن هذا على غلاف الرواية.

وبالعودة إلى "يوسف العيلة" نجده ولد في قلقيلية عام 1951كما هو "نبيل" من قلقيلية ولد بعد سنوات من النكبة" رافق ميلادي قيامه سياسية لا تبشر بخير لأمتي ولا لشعبي" (19).

درس "العيلة" الأدب الإنجليزي في بيروت بين عامي 1970-1974، وعاد ليعمل مدرسا في رام الله، فصل عام 1979 لأسباب سياسية، وعاد لعمله في وزارة التربية والتعليم عام 1994، يتطابق هذا تماما مع "نبيل" الذي ذهب إلى بيروت بعد هزيمة 67 بسنوات، ليعود حاصلا على شهادة جامعية، ويعمل مدرساً في رام الله، يتم اعتقاله في سجن نابلس المركزي، ليفصل بعدها من عمله، وتفرض عليه الإقامة الجبرية مدة ثمانية عشر عاماً. وهو كاتب له كتب وأبحاث منشورة، أكمل دراسته العليا في الجامعة العبرية، وهكذا "نبيل"، بطل الرواية، فهو كاتب روائي، له سيرة منشورة (20) أكمل دراسته في الجامعة العبرية، المكان الذي التقى فيه "بعايدة"وسجل قصة حبه في كتاب هو هذه الرواية.

يعارض "العيلة" اتفاقات (مدريد) و (أوسلو)، ويخوِّن من فاوضوا، وكذا "نبيل"، "أنزوي في زاوية بيتي فأتهم بمعارضة النهج الوطني العام، وربما معاداة العقيد عوني" (21).

أما نقطة الافتراق بينهما، فتكمن في كون "العيلة" متزوجا وله خمسة أولاد ذكور، وابنتان، في حين كان "نبيل" متزوجاً، لكنه طلق زوجته لغيرتها من حبه لعايدة، وهي ليست ذي بال، فربما كانت قناعا رأى الكاتب ارتداءه لسبب أو لآخر.

يلتقي الكاتب مع السارد إلى حد التطابق، وبما أن السارد هو الشخصية المحورية في الرواية، يكون الكاتب والسارد والشخصية هم "يوسف العيلة" نفسه، فتكون مرآته هي التي تعكس لنا صورة الآخر محور الدراسة.

مرايا الأنا في الرواية

تتعدد مرايا الأنا والآخر في الرواية، ولما كانت الدراسة تهدف إلى إبانة صورة الآخر، كما ترتسم في مرآة الأنا، كان ضرورياً تحديد هذه المرآة، التي تتعدد بدءاً من أنا السارد "نبيل" ثم "عايدة" التي أحب، مروراً بجده، ووالدته، وأصدقائه، وغير ذلك من شخوص ترتسم في مرآتها صورة للآخر بطريقة أو بأخرى.
ونلاحظ في الرواية، رغم التعدد، مرآتين رئيستين للأنا، "نبيل" و"عايدة" إذ يمكن اعتبارهما شخصيتين إنسانيتين، لهما ملامح فارقة، ومميزة، نعرف عن حياتهما ودواخلهما. أما بقية الشخصيات، فلا تتعدى كونها نموذجا بشريا، يعبر عن رأي جماعة، وتصورها، ولا يخبرنا السارد عنها إلا بالقدر الذي يؤهلها لإبداء رأي ما دون أن يكون كافياً لتمييزها عن غيرها.

المرآة الأولى

"نبيل" وقد تم الحديث عن بعض ملامحه سابقاً، وهو شخصية ثابتة، لا يغير رأيه في الآخر، بل يبقى على خط واحد من أول الرواية لآخرها. يبدي رأيا مشبعاً حسرة وسخرية من مفارقات القدر، وتناقض الوقائع، يغازل وطناً يرتحل، يكتب نصا يحميه من الغياب، ويمني الذات الجمعية بحلم التخلص من حالة الفقدان والتلاشي (22). بعد أن فشل في تحقيق حلمه على الواقع، وأعلن هزيمته أمام توالي الخيانات. يسائل عن أسباب الضياع، ولا يتردد في الكشف عن كل النقائض والتآمرات، ممارسا نقدا ذاتيا، فرسمه للآخر منطلق من نفس أرهقتها الهزائم، وأزّمتها الخيانات.

المرآة الثانية

"عايدة" الشخصية التي تبدوا إنسانية بقدر ما تبدو رمزاً له دلالات مهمة، إنسانية من حيث صفاتها الشكلية، وآراؤها الداخلية، وحوارها مع "نبيل" الذي أحبها وأحبته. فهي شابة، جميلة، مثقفة، لها قسمات وزي أوروبي وربما يهودي، من قرية العثمانية غربي القدس، عاشت طفولتها في أمريكا غريبة بين لغتين، وثقافتين، عادت مع والدها الدكتور إلى قريتها الخائنة، فازدادت غربتها، وتوزعت ذاتها بين ثلاث لغات، وثلاث ثقافات، هي من أصل عثماني، هاجر أجدادها إلى القدس تبركاً بها. تلف حول عنقها كوفية عربية، مسكونة بهاجس البحث عن الهوية، مشدودة إلى الماضي، قاومت إغراء(تاش) الأمريكي و(كوك) الإنجليزي، ولدى غياب "نبيل" تقع فريسة لغواية اليهودي (بن نفتالي ديفيد) الذي يغتصبها بعد سلسلة محاولات قاومته خلالها، تحمل بطفل كريه تسميه "جاد"، تبعث به إلى روضة للتبني، وتلقي باللائمة على "نبيل" الذي كان غيابه سبباً لما حدث. فتاة غير عادية، تحلم بزواج غير عادي، لذا تترك خطيبها "رباح" الذي لا يستوعب مرونة هويتها، وترضى بخطبة العميل "عوني أبو الشباب" لها، وترى فيه إطاراً اجتماعياً (23).
يصورها الكاتب في نهاية الرواية، وقد راحت تزور ابنها "جاد" وتلتقي مع (تاش) و(كوك) وتعقد اتفاقات معهم، فيظن أنها تتآمر ضده، معهم، ويبقى مصيرها معلقاً دون تحديد.

بيد أن هذه الصفات، وبالقدر الذي تؤنسنها فيه، تؤكد رمزيتها، فرغم كل صفاتها الشكلية، وأفكارها، هي رمز له دلالات غاية في الأهمية، ونعوِّل في ذلك على أمرين:

أولهما: الصفات التي وصفت بها، أو أخبرت بها عن نفسها.

ثانيهما: حديث الرواي عنها، وما أطلق عليها من مسميات.

أما الجانب الأول وهو: صفاتها، الشكلية منها والداخلية، فيؤكد أنها فلسطين، وربما مناطق 48 تحديدا، ففلسطين مهد الحضارات، والديانات الثلاث، كما تعيش عايدة بثقافات ثلاث، عاشت فترة تحت الحكم العثماني، كما عايدة، ولما ثار العرب عليه، وتشتت الدول، صارت مطمعا للغزاة، قاومت الحروب الصليبية، والإنجليز ممثلين هنا ب(كوك) وظلت تحافظ على عروبتها، الكوفية هنا، تبحث عن حاكم غير عادي، لم تكن ترى في اليهودي محتلاً، بل كيانا يمكن التعايش معه، إلى أن ظهرت الصهيونية، وانطلقت الثورات لمقاومتها. سقطت عام 48 بعد رحيل الفلسطينيين عنها، وتخلي العرب، كما سقطت "عايدة" بعد غياب "نبيل"، واستولى اليهود على مدنها وقراها، كما اغتصب (ديفيد) "عايدة" وصارت القدس مدينة داود الجديدة.

ونتيجة لهذا الغزو لم يجد العرب الذين بقوا في أراضي 48 مناصاً من التعايش مع اليهود رغماً عنهم، تعايشاً أدى في أحيان إلى تزاوج، وإنجاب أطفال كطفل "عايدة"، "له هوية وملامح يهودية، بنكهة عربية، غير عسملية" (24).

أما رمزيتها من خلال حديث الراوي عنها، فتتجلى بتسميتها وطناً تارة، وقلادة عسملية طوراً، مع تأكيد رمز القلادة إلى الدول العربية، تحديدا فلسطين، يقول "نبيل" كنت متيماً بامرأة على هيئة وطن، يتشكل على نحو قلادة، فقدتها في طرفة عين" (25)، "أنت قدس من أقداس هوية طواها رسم الزمن العاتي" (26)، "هكذا تكلم الوطن يوماً على لسانك" (27). يمتلئ النص بعبارات كهذه، تؤكد أن فلسطين عايدة، وعايدة فلسطين، وبالتالي فعندما تتحدث "عايدة" نستمع إلى صوت فلسطين تقص مصيبتها، وتبدي رأيها في الأنا والآخر معاً.

المرآة الثالثة

جد الرواي "نبيل" لوالدته، وهو جندي في الدولة العثمانية، انضم بعد سقوطها إلى حزب التحرير، رفض بيع أرضه للعميل "أبو جميز"، لكن الأخير سرق الكوشان، وضاعت الأرض، ليترك الجد أسير ضياعها، وضياع ابنه الذي قتل على أيدي الإنجليز.

المرآة الرابعة

"محمود الأقطش" رجل التاريخ، صديق الراوي، وصديق جده، خدم أيضا في جيش العسملي، وظل محتفظاً بهيبة الترك في خياله وفاءً لهم، يوِّقت ساعته بالتوقيت الهجري، ويعتبر التوقيت الميلادي جريمة.

المرآة الخامسة

"سليم وعدنان" ابنا عمة الراوي، لكل منهما رأي في "جمال عبد الناصر"، "وسليم" ثوري جديد، بالمعنى الاجتماعي قبل السياسي، يريد تغيير الواقع الفلسطيني وما فيه من خرافة وجهل، ويرى أن استمرارهما يعني استمرار فقدان الوطن.

أما "عدنان" فهو مثقف، عارف ببواطن الأمور، يرى أن ما نحن عليه وسيلة للحفاظ على الوطن والهوية.

الآخر في الرواية:

تصور الرواية، كما أراد كاتبها، ذواتاً تبحث عن هويتها، تسائل عن سبب ضياعها، ولا تخجل من إلقاء اللوم على ذاتها، وتأنيب تقاعسها، فكيف بالمعتدي الذي كان سببا أساسيا في الضياع؟ وكيف بالعملاء الذين سهلوا عليه المهمة؟

يسم الحديث عن الآخر في الرواية أمران:

أولهما: أن شخصياته "نماذج" وليست شخصيات إنسانية؛ إذ يكتفي الكاتب بإيراد شخص ليس له ملامح فردية، ولا نعرف شيئاً عن شكله "يجسد مجموعة خاصة من الناس، يحوي جميع صفاتها وخصائصها، أو يصور سجية من السجايا، أو نقيصة من النقائص" (28).

ثانيهما: تعميم القول فيه إن سلباً وإن إيجاباً، فالنموذج يمثل الجماعة، والجماعة هي النموذج.

ويمكن تقسيم الآخر في الرواية استنادا إلى هويته اللغوية والدينية إلى مجموعتين:

الأولى: الآخر العربي أو المسلم، ممثلاً في العربي الخائن، التركي المسلم
الثانية: الآخر الأجنبي، ممثلا في الأمريكي، الإنجليزي، اليهودي.
الآخر العربي أو المسلم:

(1-1) العربي الخائن:

في الرواية غير عميل، يخون الوطن بغير طريقة، إذ يورد الكاتب الراوي، اسماً لكل خيانة دون أن يعنى برسم ميزات شخصية، أو ملامح شكلية تميز الخائن عن قرينه، ولا تقف الخيانة على أفراد عاديين، بل تتعداهم إلى قرى، وقيادات سياسية.

ويمثل الخائن جماعته، إذ غادرت من عقله وفؤاده قداسة الوطن، يتلبس بلبوس الثورة والتحرير أحيانا، وبزي الرسمي وشعاراته أحياناً أخرى (29).
تتنوع مستوياته بدءا من السارق البسيط، والسمسار "أبو جميز القلقيلي وجماعته" الذين سرقوا القلائد العثمانية، وباعوها للإنجليز، سرقوا الأعطيات التي يضعها البسطاء على قبور المقامات، سرقوا كوشان أرض جد الرواي (30). إلى الوجيه المتنفذ، كبير قرية العثمانية "الحاج موسى" الذي يمد يد العون للإنجليز وخلفائهم اليهود، الذي بخيانته تخون القرية، تتخلى عن عروبتها وإسلاميتها، تخون مآذنها التي تمتنع عن رفع الأذان ثلاث سنوات حفاظاً على مشاعر اليهود، الأمر الذي اعتبره الحاكم العسكري إنجازا فوق عسكري (31). ولا يشفع له سبب الخيانة الذي يدعيه، وهو اتهام ضابط أردني لقرية العثمانية بالخيانة، فقرر حينها أن يكون خائنا بجدارة.

إلى أستاذ المدرسة "نظام" الذي سجنته المخابرات الإسرائيلية، بتهمة تجارة الحشيش، ليخرج بعد أسبوع متعاوناً معهم، سمساراً، يدير مكتب تهجير للشباب الفلسطيني والكفاءات، ليحل اليهود محلهم، يدير شبكة متعاطين لحبوب المخدرات التي يوزعها مجانا على شباب القدس، ما أدى إلى إسقاط العشرات أمنيا وأخلاقيا (32)، ويبرر خيانته بضعفه أمام قوة أمريكا، وإنجلترا، واليهود.

ثم خيانة قيادة الأحزاب المناضلة، ممثلة في رئيس مكاتب اللجنة المشتركة في الأردن، الذي يخفي وجهه خلف نظارات حتى لا يعرف من قبل الفلسطينيين لا اليهود؛ فهو عميل لديهم كما يرى "نبيل" يأخذ أموال المعتقلين، ويوقع بدلاً منهم، يسرق نضال الشرفاء، ويقبض ثمناً لصبرهم. هو "أبو جميز" أو من نسله، بل أن والد "نبيل" يرى في المسؤولين عملاء، نصفهم في الضفة الشرقية، والآخر في الغربية، ويخاف من اجتماع دائرتهم، وحكمهم إن هم تولوا الحكم.

وتتجاوز الخيانة هذا وذاك، لتصل إلى القيادات السياسية المتحكمة في مصير الشعب، قيادات تفاوض باسمه، وتوقع تنازلا بدلا عنه، ويشير الكاتب/ الراوي، هنا إلى اتفاقات (مدريد) و(أوسلو)، واللقاءات السرية التي تمت بين العرب الفلسطينيين واليهود. يورد موقفه الرافض، لكنه يورد أسماءً غير حقيقية، ربما تهرباً من المساءلة، وتهمة التشهير بمن فاوضوا، ممثلين في الرواية بـ"العقيد المحامي عوني أبو الشباب" ابن "أبو جميز" الذي يظهر بلباس السياسي، بعد أن خلع لباسه الثوري، يشارك في زيارات سرية لمدينة السلام، ويجتمع مع اليهود برعاية الإنجليز والأمريكان، ويرسل من منفاه مالاً وأوراقاً صفراء، تضفي على مسلكيات "عنايات" شرعية النضال (33). ليصير متحدثا باسم الشرفاء، خطيباً شكلياً لعايدة/ الوطن، دون أن يملك حق التدخل في أموره، إلا بإذن من (ديفيد) اليهودي. وهذا حال من فاوضوا إذ باتوا حكاماً شكليين، أمرهم بيد اليهود.

تشاركه الخيانة "عنايات" مديرة روضة "مدينة السلام" القادمة من (مدريد)، ويرى "نبيل" أن هزيمة المسلمين في الأندلس جعلتها ترتد عن دينها، وتنطق بلسان الآخر، جاءت إلى الشرق، تؤمن بكنعنة الهوية الثقافية للشعبين العربي واليهودي، تريد تجريد المستقبل من الماضي، بإنشاء شباب لا يحفل بتاريخه، لذا تجمع اللقطاء، وتدعو إلى التطبيع (34)، تريد شعبا في زي موحد من الغيبوبة والفقدان، دون أن ترى نفسها خائنة، بل تقتنع برأيها الذي لا يقنع الكاتب/ الراوي، الذي يعتبر خيانتها هي الكبرى إذ تحرق سويداء قلبه.

فالخائن، على تعدده، سمسار، يبيع الأرض للعدو، يطارد أبناء وطنه، يحصي عليهم الحركات، يساعد العدو في تنفيذ أهدافه ومخططاته، يتاجر بالعرض، يمتهن الكرامة، يبيع الوطن ومن عليه مقابل غناه الشخصي، يهجِّر أبناء شعبه إلى الخارج، وينشر المخدرات بين من تبقى.
ويلفت نظر الدارس، في نص كتب يعد (أوسلو) لكاتب معارض، إدانة السياسيين الذين فاوضوا، واعتبار ذلك خيانة أشد ألماً من خيانة الإنسان العادي.
ويرسم الكاتب/ الراوي صورة العميل بناء على تجربة معيشة؛ فقد سرق "أبو جميز" قلادة والدته، وتسبب في تهجير عمه، وعدم حصوله على المال الذي يستحقه بعد أن فصل من عمله، والأهم من هذا، تسببه في ضياع عايدة/ فلسطين التي أحب.

(1-2) الآخر التركي

يظهر التركي في الرواية تاريخاً مشرقاً، وماضياًُ منتصراً، أكثر منه شخصا مميزاً، فليس في الرواية إلا شخصيتين لا ملامح لهما:
الأولى: شخصية "السلطان عبد الحميد" في طليعة سلاطين آل عثمان الذين يصلون في مسجد قصر (الدولما بهجة).
الثانية: شخصية الشهيد "حسن الطوطلي" الذي نستمع إلى صوته، مخبراً "نبيل" أين يبدأ بحثه.

عدا هاتين الشخصيتين تبقى استنبول ماضيا، يلجأ إليه الفلسطيني، ممنيا النفس باسترجاعه، بينما يعمل الآخر الإنجليزي، والأمريكي، واليهودي على طمس أي معلم لجنوده، "أية بصمة عثمانية، تربط الماضي بالحاضر، والإنسان بالتاريخ، والشعب بالخلافة" (35)، يريد شخصاً مهزوزاَ منقطعاً عن جذوره التاريخية، معترفا بضعفه، مقراً بهزائمه، كي يذهل بقوة الآخر، ويركع أمام انتصاراته.
استنبول إذن وكما يصورها "نبيل" مهد الخلافة والتاريخ (36)، الذي صاغه الأجداد وكانت السيادة فيه للإسلام، وليس للزمن العبري، تاريخ يرتحل إليه "نبيل" بروحه، يزور أماكن هي رموز حضارته، ورؤوس انتمائه، ممثله بسفوح الأناضول، القفقاس، قصر (الدولمابهجة). أماكن انطلقت منها جيوش إسلامية إلى بلاد العرب والعجم.

أما القلادة العسملية، فترمز ،كما أوضحنا سابقا، إلى الدول العربية، تحديداً فلسطين، التي كانت تحت خلافة عثمانية، انتهت بثورة العرب الكبرى، خلَّصوا فيها البلاد، ولم يحافظوا عليها، فسقطت في أيدي الإنجليز ومن ثم اليهود.
هذه القلادة/ الوطن/عايدة، التي يبحث عنها "نبيل" دفعته سفراً إلى تركيا، بيد أن الشخصية التركية الناطقة "الشهيد حسن الطوطلي" يخبره بسوء اختياره للطريق؛ فهروب الذات إلى ذاكرة انتصاراتها لا يسترجع هذه الانتصارات، وإنما يبدأ البحث من الحاضر، من داخل الوطن، وليس من دولة كان الوطن يوماً تحت حكمها. وهو ما خلص إليه الفلسطينيون إثر هزيمة 67، وكان الكاتب يخاطب توجهاً لدينا، راجياً منا ألا نبقى في أسر ماضٍ لن تعيده الدموع، ولن يجلب التقوقع في شرنقة الذاكرة إلا مزيداً من الفقدان.

2. الآخر الأجنبي

(2-1) الأمريكي

للأمريكي في الرواية حضوران، حضور للثقافة الأمريكية، وحضور لشخصية نموذجية، نجد الأول على لسان "عايدة"، ذات الطفولة الأمريكية، في معرض مقارنتها بين ثقافتين، إذ تستحضر ثقافة العرب المنغلقة، ثقافة الأمريكي "التي تمتاز بالعالمية والشمولية" (37) يختار فيها الفرد بحرية ما يريد، وما يتمنى من نمط حياة (38)، ثقافة تبيح عرض مفاتن الجسد، وتؤمن باستنطاقه، ورسم لغة إنسانية، بلكنة استعراضية، بين صاحبة الجمال والمتلقي الأمريكي، لغة تدينها هي وترى جسدها مقدساً كتراب الوطن.

والأمريكي- كما يرى أصدقاء والد الراوي، قدّم الدعم، من رجال، وسلاح، ومال، لليهود، الذين لولا هذا الدعم ما انتصروا (39).
أما الشخصية الأمريكية المسماة فهي (تاش) القنصل الأمريكي في القدس، نموذج يمثل حكومته، بلا ملامح شخصية تميزه، فتن بجسد عايدة/ فلسطين، رغب بتعيينها موظفة في القدس الشرقية، لكنها أدركت رغبته في جسدها، فرفضت على الرغم من كل محاولاته. ولا يراه "نبيل" رجلا غربيا يحلم بفض بكارة فتاة شرقية، بل هو غاز أبيض، يرى أن نساء المستعمر مباحات له، يغزوهن جميعا، ثم يبدأ بالفرز، حيث يأتي دور المثقفات المنيعات(40). لذا يختار "عايدة" فهي "قلعة من تاريخ وثقافة مختلفتين، أراد اقتحامها بذكورة دبلوماسية. "كدبلوماسي تحرير" (41)، وفي هذا إشارة إلى جنسنة العلاقة بين الغرب والشرق، التي لا تتسع لذكرين، "فيذكرِنُ المنتصر ذاته، ويقدم برهانا على أنوثة الآخر" (42) كما فعل (تاش) هنا إذ اعتبر نفسه الذكر الغازي واعتبر عايدة/ فلسطين الأنثى البكر.

قاومت عايدة/ فلسطين مستر (تاش) فترك اليد الطولى ل(ديفيد) اليهودي، يفعل بها ما يشاء، وعندما يغتصبها الأخير، يصبح (تاش) راعيا لمفاوضات السلام، مشاركاً في الاتفاقات السرية، يجري حوارات مطولة مع عنايات (43)، مدعيا حرصه على مصالح عايدة/ فلسطين، وهكذا يساهم (تاش) الأمريكي مع (كوك) الإنجليزي و (ديفيد) اليهودي في رسم مستقبل فلسطين، وفي وضع اللبنة الأولى، والأخيرة، بمساعدة العملاء، لوطن صار صفقة سياسية مبرمجة (44). فالأمريكي كما يرى "نبيل" هو من سهَّل مهمة اليهود في فلسطين، وقدم لهم العون، ورَّكز وجودهم على أرضها، وتعكس هذه الصورة مجريات الواقع، الذي يستقي منه "يوسف العيلة". (2-2) الإنجليزي يظهر الإنجليزي في الرواية صنواً للأمريكي، أكثر شراسة، ربما، لأن التجربة معه أمرّ، فقد احتل فلسطين، ومارس غزوا ذكوريا مدة ثلاثين عاما، قتل بعض أبنائها، وشرد البعض الآخر، وتوج جرائمه بوعد بلفور، زارعا إسرائيل في خاصرة ال

وطن. في الرواية حديث عام عن الإنجليز، وشخصية نموذجية لضابط هو (كوك). يوصف الإنجليز، ممثلون بجنودهم وضباطهم، بالمجرمين، فقد قتلوا أخا جدة الراوي، وأبا الشباب وآخرين (45). هم جلادون، محتلون، رحل كثير من أبناء الوطن هرباً من سياطهم كما فعل عم الراوي (46)، يستقطبون العملاء، وينشرونهم، عيوناً لهم، تراقب كل مكان، وتحصي كل حركة. يظهرون بوجهين ويتعاملون بطريقتين، يدَّعون حفظ الأمن، ورعاية مصلحة البلاد، ويخفون رغبة كامنة في الاستيلاء على كل شيء. سرقوا القلادة من أيدي العثمانيين، وأرسلوها إلى المتحف الأصلي في بريطانيا، معلنين حيازتهم لها، صهروا القلائد الأخرى، وترمز إلى أراضي الوطن، وأعادوا تشكيلها (47). فغيروا ملامح الوطن، ووسموه بملامح بريطانية يهودية. وهم كما يرى "جد نبيل" التحريري، الذي ينطلق في تصويره من منظور إسلامي، وحزب يحلم وما زال بإعادة الخلافة، ملاعين، سبب كل بلاء يصيب أهل فلسطين، يكرهون الإسلام، يتآمرون على الخلافة؛ لأنهم يخافون سطوتها. "هم زرعوا إسرائيل على صدورنا". ويذكرنا رأيه برأي "برهان الدين العبوشي" في مسرحية "وطن الشهيد" الذي يرى أن الحكم البريطاني في فلسطين أفسد الأخلاق؛ إذ لم يفعل شيئاً أمام أخلاق اليهود الغربيين، فهو سبب البلاء (48). وهو ما رآه "محمد العدناني" في رواية "في السرير"؛ إذ يحمِّل الإنجليز مسؤولية وجود اليهود في فلسطين(49). أما الضابط (كوك) الذي يظهر بزي العسكري، معروف في يافا والقدس، ذكي، يتبع سياسة اللين، والمهادنة مع الوجاهات الاجتماعية، كي يكسب تعاونها، ويمارس قوة وعنفاً مع ثوار 36؛ إذ يراهم مشاغبين، خارجين عن نظام الانتداب البريطاني، وهو حاقد، متهور، زوَّج أختيه (باميلا وكيتي) من (كربجيان) الأرمني و (ديفيد) اليهودي، الذين يسكنان في (بتاح تكفا) ويفتحان مكتبا في "يافا" لشراء الأراضي العربية والذهب العسملي. يقدم العون لليهود، ويشترك مع (تاش) في رسم سياسة الوطن.

وهكذا قام الإنجليز بالغزو الذكوري على مدار ثلاثين عاماً، وزرعوا، قبل مغادرتهم، إسرائيل، لتحفظ مصالحهم، ثم راحوا يبحثون عن سبل التعايش بين الشعبين بوسائل سياسية تخدم إسرائيل أولا وأخيراً. وكأن الكاتب في روايته يوثق مجريات التاريخ، أو يكتب تاريخاً بصيغ فنية. (2-3) الآخر اليهودي لا يفرق الراوي/ الكاتب بين يهودي وصهيوني، وإسرائيلي؛ فهي مصطلحات لا تضيف سوى تنويعاً لفظياً لآخر عدو بالدرجة الأولى، محتل، وسالب أرض، وهو فوق هذا غريب ومسؤول عن ضياع الوطن وشتات أهله. يبدأ الراوي حديثه عن اليهود منذ قيام دولتهم عام 1948، فلا يتردد في استخدام مصطلح إسرائيلي/ دولة إسرائيل، كنوع من الصدق المرّ، واعتراف بواقع قائم، رغم سواده، كما فعلت قبله "سحر خلفية" في روايتيها "الصبار"، "عباد الشمس"، و"أفنان القاسم" في الجزء الثالث من رواية "المسار" التي تناولت الفترة بعد حرب 67 (50). ترد صورة اليهود في الرواية من خلال حديث عن دولة إسرائيل وما فعلته منذ تأسيسها ووصف لليهود عامة. أما الشخصيات اليهودية فهي: ضابط مخابرات، مجندة، الضابط (بن نفتالي ديفيد). أولا: دولة إسرائيل تشكل الدولة الإسرائيلية، وقد جاءت من رحم حرب كبرى بعد الحرب العالمية الثانية، قيامة سياسية لا تبشر بخير لأمة الراوي وشعبه، واقعا سياسيا تجذر على مدى عقود عديدة، لا يعترف للفلسطيني، الذي هرب خوفا من الإنجليز أو منه، بحق العودة "التي دونها الموت على أسلاك شائكة" (51) فهي دولة تقتل الشعب الذي سلبت أرضه، وأطنبت في فرض حصارات مناطقية على كل مدينة وقرية بعد تهجير سكانها، وتولت هي إدارة شؤونها (52). ولم يكن أحد ليجرؤ على السفر إلا بموافقتها، أحاطت نفسها بالعملاء، واتخذت من مقامات الأولياء، التي تحمل أسماءً عبرية، ذريعة لأحقيتها في الأرض، لذا طالب "سليم" باجتثاث هذه المقامات التي تستدعي شياطين الإنس "اليهود" لاجتثاث الفلسطيني، وتهجيره (53)، وصارت اللغة العبرية كما ترى "عايدة" صاحبة السيادة على حياة الفلسطيني، واهتماماته اليومية (54). أما قوات الأمن في هذه الدولة، فتخشى المثقف وتخافه، تعتقل "نبيل"، على الرغم من كونه غير منتم إلى أي حزب، وتفصله من عمله، وتفرض عليه الإقامة الجبرية. وقد عملت هذه الدولة على تسفير الشباب الفلسطيني والكفاءات من خلال العملاء (55). وراحت توزع على من تبقى المخدرات بالمجان، لإسقاطهم أخلاقياً وأمنياً.

هي دولة عنصرية، تميز بين رعاياها، تتخذ موقفاً مسبقاً من العرب، إذ تعتبرهم أعداء حتى لو حملوا الهوية الإسرائيلية، دولة محكومة بمنطق قمعي، لا يختلف مطار "بن غوريون" فيها عن السجن المركزي في نابلس؛ إذ تشعر "عايدة" أنها محاصرة فيه، على الرغم من كونها مواطنة إسرائيلية (56). ثانيا: اليهود عامة يصف "نبيل"، ومعه أصدقاء والده، اليهودي بالجبان، لكنه إذا خلا بأرض ادعى الشجاعة وطلب النزال (57) وفي هذا تكرار لما ورد في قصيدة نظمها "إبراهيم طوقان" رداً على شاعر اليهود (رئوبين) واصفاً اليهود بالجبناء، يختبئون خلف الشبابيك، حتى إذا رأوا الأطفال، ألقوا عليهم القنابل، وهي صفة قديمة متجددة لليهود. ويتفق كل من "نبيل" و"عدنان" على أن اليهودي عدو يخطط بليل بهيم (58)، يتآمر على الأمة، والشعب، على القلادة والذات الجمعية، ويرى "نبيل" أن من لا يذهب مذهبه شخص لا يملك القدرة على ربط تماثل الأحداث، وتكرارها في الوطن الواحد. بينما تخالفهما "عايدة" التي ترفض مبدأ التآمر، الذي يجعل كل شيء مبرمجاً" (59). فاليهود يحددون أهدافهم، ويخططون من أجل تحقيقها، لضمان نجاحها وتلافي إخفاقها. هم ذئاب كاسرة (60)، أعداء، يدكون المدن العربية، يسببون الدمار، كافرون أعداء الله، وأعداء الدين، وهي صفات وردت في القرآن، ونعت بها اليهود دوما. هم أيضا غرباء، وقادمون جدد، يمتازون بعقلانية متوحشة في رصد هناة الفلسطيني، ومواطن ضعفه في كل موضوعة من موضوعات الحياة، وهي حقيقة تبدت ل"نبيل" وشعبه بعد 67.

وعلى الرغم من أن الكاتب/ السارد، لا يميز لفظاً بين يهودي شرقي، ويهودي غربي، إلا أنه ومن سياق نعته لليهود بأنهم قادمون جدد، وغرباء، إنما يصف اليهود الغربيين الذين قدموا بعد وعد (بلفور)، وليس يهود البلاد الشرقيين. ثالثا: ضابط المخابرات يرتدي ضابط المخابرات لباساً مدنياً، والفلسطينيون جميعهم في نظره متهمون، يسألهم بدقة، كما فعل مع "عايدة"، التي سرق قلادة كانت قد اشترتها ل"نبيل"، ثم طلب منها أن تهديها له، ولما رفضت طلبه، أخبرها أن القلادة محجوزة، لن تعاد إلا بإذن من إدارة الجمارك العامة، وكأن الكاتب/ السارد، يرمز بسلوك هذا الضابط إلى ما يمارسه شعبه ودولته، الذين ادعوا، بعد اغتصاب فلسطين، وسلب أراضيها، رغبة في التفاوض؛ ليسحبوا اعترافاً فلسطينيا بشرعية وجودهم. رابعا: المرأة اليهودية يقتصر وجودها على صورة المجندة، وإشارات عامة، بدت فيها رخيصة، سهلة المنال، كما في عبارة "سليم" الساخرة "تتزوج من شلية يهوديات بدل صحبة شلية البقر" (61) والتي رغم سخريتها تشير إلى تصور متعمق في ذهن الفلسطيني عن المرأة اليهودية. وتتكرر في الرواية فكرة، توظيف اليهود لبناتهم من أجل تحقيق أهدافهم، إذ يرى أصدقاء والد "نبيل" أن اليهود دفعوا بناتهم الجميلات، لإغراء ضباط الإنجليز، دفعوا بناتا، وأخذوا بلادا، لا شرف عندهم ولا ناموس(62). وهو ما فعلته (جاليا) في رواية "وادي الحوارث" ل"توفيق فياض" 1994، إذ أغرت الضابط الإنجليزي (فوستر) حتى يغض الطرف عن هجرة اليهود إلى فلسطين، وقد وردت هذه الفكرة في قصيدة "الدولة اليهودية" ل"محمد العبوشي"، وفي قصص تناولت المجندة الزانية التي تغري الشباب العرب لانتزاع اعترافاتهم مثل (راشيل) في "زهرة من دم" و (راحيل) في "شمشون ودليلة" وغير ذلك من أعمال.

وتبدو المجندة الإسرائيلية فظة، تأمر بنبرة حادة، تعبث بأوراق المسافرين، وقحة، تخضع النساء للتفتيش الجسدي؛ إذ تطلب من "عايدة" خلع ملابسها، والدوران حول نفسها، وعندما تشكوها الأخيرة إلى الضابط، تكتشف أنه لا يقل وقاحة عنها؛ إذ لم يحرك ساكناً، ويلتقي الكاتب في هذه الصورة مع " أميل حبيبي" في رواية "المتشائل" 1977، التي تصور المجندة، الحاسدة، عند تفتيش العربيات جسدياً (63).

خامسا: "بن نفتالي ديفيد"

وهو الشخصية الوحيدة التي تحمل اسماً، سمسار، يشتري الأراضي الفلسطينية، لا يمثل شخصا بقدر ما يمثل دولة هي إسرائيل، ومجتمعا هو مجتمع اليهود؛ فلا ملامح شخصية له سوى ما يرد على لسان "عايدة" أنه وسيم. يترك له الكاتب حيزاً ليعبر عن نفسه، محاوراً "عايدة" وكأنه حوار بين اليهود، الصهاينة تحديداً، وفلسطين، يدَّعون فيه أنهم أحق بها من غيرهم، فقد أحبوها، وضحوا من أجلها، لذا فهم يستحقونها. ويعيدنا حديث (ديفيد) إلى حديث (دوف) في "عائد إلى حيفا" الذي يرى أن اليهودي الذي بنى فلسطين، ودافع عنها، أحق بها من الفلسطيني الذي هرب تاركاً وراءه كل شيء، يقول (ديفيد) ل"عايدة" "تعالي أحبك، أفعل المستحيل لإسعادك، .. لن تعودي لهم ثانية"(64).

وما فعله (ديفيد) ب"عايدة"، كما ترويه هي، هو ما فعله اليهود بفلسطين، كان يغريها، يعترض طريقها، حاولت الفلات منه مراراً، لكنه يضيِّق عليها، يراقب المسالك المشتركة بين قريتها والكيبوتس، يسد عليها المنافذ، استفزازاته مبرمجة، يضغط باستمرار لإقامة علاقة ساخنة، وبعد محاولات عديدة، وغياب "نبيل"، المواطن الفلسطيني الذي طرد بالقوة، استسلمت له، فأزال كوفيتها، رمز العروبة، مقدمة لاغتصابها (65)، فهو الغازي الأبيض، اقتحمها من غير سلاح، وتحولت من مدينة القدس إلى مدينة داوود.

يعترف "نبيل" بعد ذلك أن اليهودي قوي، يغتصب الوطن كل يوم، يقنع العالم أن حقه فيه أكبر، وأقدم من قوته الغاشمة (66)، وفي ذلك إشارة للحق التاريخي الذي ينادي به اليهود. تحمل "عايدة" ب"جاد" ثمرة الاغتصاب، الذي يرمز إلى الجيل الناشئ بعد إقامة دولة عربية إسرائيلية، تزاوج أبناؤها، وحاولوا التعايش مع اليهود، جيل "له هوية وملامح يهودية، بنكهة عربية غير عسملية". وتقف "عايدة" عند مصطلح "عربي إسرائيلي" الذي ينادي به اليهود، وتراه مسكوناً بجريمتين، يطمس إسلامية الفلسطيني، وفلسطينيته؛ إذ لا يعترف بهما أصلا، يلحقه بدولة انتزعت أرضه وقتلته، وشردته. ويلتزم "نبيل" موقفاً واحداً من اليهود من أول الرواية وحتى آخر سطر فيها، فهم أعداء، محتلون، سلبوا الأرض، وهجروا الأهل. وليس ذلك بالغريب على شخص شعور الفقدان ينخر عظامه، يسرد قصته ضياع وطن، ويلقي باللائمة على كل من ساهم في هذا الضياع، يعتبره مسؤولاً عن كل عذابات شعبه، ويسعى إلى كشف أساليبه على الملأ، يقاومه بالكلمات حتى يأتي من يقاوم بالسلاح وينتصر. أما "عايدة" فيختلف موقفها ويتبدل، اعتقدت منذ طفولتها، كما يخبرنا "نبيل"، أن اليهودي لا يريد سوى التماثل معه، وقبوله، بكسر حواجز الرفض (67)، ولم يكن لديها مانع من التعايش مع اليهود، الذين لا ترى لهم نوايا سيئة. في حين يتبدل هذا الموقف بعد اغتصابها من قبل (ديفيد)، ليصبح هدف العدو في نظرها "تذويبنا وإلغاء ذاكرتنا، وخلعنا عن هويتنا، وكل انتماء لنا.. وكل انتقاصة من جسدي إضافة إلى رصيده" (68). ويسهل فهم هذا التغير في موقفها عند تغليب رمزيتها، واعتبارها ممثلة لفلسطين وأهلها، الذين لم يمانعوا التعايش مع اليهود كأقلية دينية في مجتمعهم، الموقف الذي لم يتغير إلا بعد قدوم اليهود الغربيين، الذين احتلوا البلاد، وهجروا أهلها بكل وسائل التعذيب والإرهاب، وأقاموا على الأنقاض دولتهم، عندها أدرك الفلسطينيون، كما أدركت عايدة، حقيقة الخطر، وضرورة التصدي له بكل الوسائل. هكذا ورغم التفنيد السابق، ظلت صورة اليهود سلبية بالمطلق، وظلوا في نظر الكاتب/ السارد، كفرة، مجرمين، سرقوا الوطن، وغيروا ملامحه، تبذل نساؤهم الأجساد، ويخططون هم لكل عمل، كي يضمنوا النجاح، إذ يعترف لهم الكاتب/ السارد، بالذكاء والقوة، لكنه ذكاء شيطاني مدمر. ولم تغفر لهم اتفاقات أوسلو، ولم تسهم في تبييض صفحتهم، والتقليل من سلبيتهم، بل أضافت جريمة على جرائمهم السابقة؛ إذ نشدوا فيها شرعية لما سرقوا.

ويستقي الكاتب/ السارد، صوره من القرآن الكريم، ومن واقع الصراع مع اليهود؛ فقد عايش نكبات الوطن، وضياعه على أيدي اليهود والعملاء، ولد بعد النكبة الأولى، وشهد ويلات النكبة الثانية، عانى مرارة التهجير عن الوطن، وألم السجن، وفقدان العمل، ثم الخيانة الكبرى التي تمثلت في مفاوضات مدريد وأوسلو، وهي الأشد أثرا في نفسه، والأنكى جرحا. تصور الذات لذاتها يمثل هذا الجانب نقدا ذاتيا، ومراجعة الذات لذاتها، ومجتمعها الفلسطيني بكل أبنائه البسيط منهم والمثقف، السياسي والجاهل، تبيناً لأسباب الهزيمة والضياع.

نبدأ ب"نبيل" الذي ما فتئ يسائل عن مواطن الضعف، ومكامن الهزيمة، يستمع إلى قومه، ويناقشهم علَّه يصل إلى إجابة شافية. أول ما يشده أصدقاء والده الذين يرون أنفسهم شجعان، منتصرين في جولات حربهم كلها مع اليهود (69)، فيطرح السؤال الذي طرحه "كنفاني" في "عائد إلى حيفا" لماذا ترك الفلسطيني وطنه إذا كان منتصراً؟؟ ورغم قول أحدهم أن دعم الإنجليز والأمريكان هو الذي نصر اليهود عليهم، رغم ذلك، تظل لهجته ساخرة بقدر ما هي حائرة، وينتقص في موقع آخر جهل شعبه بحقيقة ما يجري، وعدم إعطاء قضية اللجوء القدر الذي تستحق من الاهتمام، فيراهم فئويين، خرافيين، خاصة جيل الآباء منهم الذين شغلوا بأنفسهم حتى نسوا الوطن أو تناسوا (70)، وقبلوا بالواقع المهين من خيمة، ورقم بطاقة، دون التساؤل عن أسباب ما جرى، أو العمل من أجل إلغائه، كأنهم لا يدركون عمق النكبة. ويرى أن الفلسطيني لم ينتبه لنمو الذاكرة اليهودية، وتعميق جذورها في أرضه، وثقافته، وتاريخه، حتى حلت محله، وأخرجته من التاريخ بعد إخراجه من الوطن، وبدل أن يواجه هرب إلى الماضي وانتصاراته، وظل يساكن الذاكرة، تسيطر عليه كان وكنا.. وكأنه مات ورضي بموته (71).

يشتد تقريع الذات ولومها بعد حرب حزيران، التي أزالت قناع الوهم، فتبدت الحقائق عارية، إذ يؤكد الراوي أن العرب لم يجتمعوا يوما حول رأي، أو عقيدة للدفاع عن وطن سليب، ونفي اجتماعهم إثبات لاجتماع غيرهم، وتوحدهم حول قيادتهم وأهدافهم. والفلسطيني فوق هذا جاهل بشكل فاضح بالقادم الجديد ونواياه، غير مهتم بمعرفته وجمع المعلومات حوله، عكس الآخر الذي يرصد مواطن الضعف في كل الموضوعات. ويرى "نبيل" نفسه، وكل المثقفين المشغولين برسم الكلمات في زمن تسيطر عليه لغة السلاح، ضعيفا، تجعله ثقافته، التي لم تجد نفعا، رمزا مثيرا للتقزز، لضعفه وهوانه على نفسه والآخرين.(72).

ويبالغ في تقريع الذات ولومها في نهاية الرواية، إذ يعترف بفشله في حماية عايدة/ الوطن، وكأنه يؤكد عدم استحقاقه له (73)، فلولا إهماله ما ضاع أصلاً. ولا يقف بلومه عند ذاته، وأبناء محيطه، بل يتعداهم إلى الوطن/ عايدة، الذي ينفي محبة الشرفاء، ويحتوي العملاء(74). وكما يجلد "نبيل" ذاته، وأبناء محيطه تفعل "عايدة" التي لا تتوانى في إظهار نقائص أبناء محيطها، فتنكر على شباب القدس تحرشهم بالفتاة الجميلة، وكأن لهم حق في جسدها، تنتقد بذلك القمع الجنسي الذي يمارسه المجتمع العربي على أبنائه. ترى في عرب هذا الزمان، أناسا لا يتقنون إلا الاقتتال والنزاع فيما بينهم، أناسا لا يحاربون العدو كما يفعل رجال الماضي- الذي بشدها-(75) هم قوم لا يملكون غير التباكي على وطن فقد، وكأنهم يصرخون علانية أنهم فقدوه إلى الأبد (76). وصوتها صوت فلسطين التي تعمل على استنهاض الهمم، تريد فعلا لا بكاء، استعادة لما ضاع لا حزنا عليه. تحمِّل عايدة/ فلسطين مسؤولية ما جرى لها للعرب الذين تخلوا، والفلسطينيين الذين هاجروا نجاة بحياتهم، وتركوها دون حماية، دون سلاح أو رجال، فسقطت فريسة تحت أقدام الصياد اليهودي، فهم جلادون وهي ضحية "أنت الفارس العربي، تغيب عن الحمى وتفترض أن الحمى مصان!" (77) وفي النهاية ترى أن كل فلسطيني مدان بجرائم عديدة، الصامد في أرضه، والمنافق الذي تعايش مع الآخر، الهارب إلى المنافي.. ولا يسلم من اللوم إلا العملاء أو الشهداء. يجلِّي النص صورة ل"جمال عبد الناصر" في مرآتي "عدنان" و"سليم"، يرى "سليم" أن عرب اليوم لا يفهمون الديمقراطية، ولا يستطيعون تطبيقها، لا يستحقون زعيماً مثل "عبد الناصر" الذي يبقى رغم هزيمته نمطا فريدا، فلاحا، وفيا لمبادئه، لم يدّع انتسابه إلى القدس أو الرسول أو علي. هو زعيم أحبه الشعب، واحتضنه، ويشير به إلى نقيضه من زعماء العرب، الزعانف، الذين يتنكرون لمبادئهم، ويصلون نسبهم إلى الرسول (ص)، يريدون للشعب أن يظل جاهلا، درويشا، عاكفا على زيارة المقابر (78). بينما يراه "عدنان" عسكرياً، وصل إلى الحكم بالقوة، دون انتخاب، كغيره من زعماء العرب. ليس "نبيل" المثقف المعاصر، وحده الذي يجلد الوطن، بل يشاركه "محمود الأقطش" رجل التاريخ، الذي يحتقر الوجوه الضعيفة، التي استكانت للإنجليز واليهود، وهادنتهم، وقبلت بحمل هوية إسرائيلية.

يستنكر على الوطن/ عايدة قبوله بالتعايش مع الآخر، الذي غير معالمه، وطمس تاريخه، وعروبته، "وطن يحمل شارات حياة غربية.. وطن يمثل الآخر" (79). فكما كان الآخر متهما، كانت الذات كذلك، ساهم جهلها، واستخفافها في ضياع الوطن. صورة الذات في مرآة الآخر، كما تتصورها الذات بدا تصور الآخر للذات، من وجهة نظر الذات، قليلا في هذه الرواية؛ ويعود ذلك إلى قلة شخصيات الآخر، إذ تكاد تقتصر على ثلاث شخصيات هي: (تاش، كوك، ديفيد)، شخصيات ليست إنسانية كما أوضحنا، لا نستمع إلى صوتها إلا في حيز ضيق من الرواية. وبناء على رسم "نبيل" لها، وحوارها المقتضب، تتلمس صورة الذات العربية عندها كما تخيلها "نبيل" و"عايدة". فعايدة/ فلسطين، في نظر (تاش) القنصل الأمريكي غزالة شاردة، تحتمي به من الطامعين فهو الوصي عليها، بيد أنه لا يرغب فيها رغبة غربي بجسد امرأة شرقية، فهي في نظره، ونظر حكومته قلعة من تاريخ وثقافة، أراد اقتحامها، وتجاوز عناصر الرفض في وجدانها لرجل مختلف، مرفوض من قبل محيطها الثقافي والاجتماعي (80)، فهو مدرك أن الذات العربية ترفضه، ولا ترضى حكمه عليها. وهو رأي الحكومة الأمريكية، التي تزعم أنها حاكمة العالم، وراعية السلام، تدخلها مقبول، يخضع الفلسطيني لإرادتها طائعاً وليس مكرهاً. ولا يختلف الإنجليزي عنه في التصور، فكلاهما يرى المرأة العربية، سراً تاريخياً، وهوية دينية، لا بد من اختراقها كما فعلوا بالأرض العربية من المحيط إلى الخليج (81)، فقد نجحوا في احتلال البلاد العربية، عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً، وفي جعل السياسي العربي يتقبلهم، ويعتبرهم جزءاً من الذات.

بيد أن الإنجليزي والأمريكي، لم يكتف بالغزو السياسي والعسكري، بل طمع إلى الغزو الأخلاقي، أراد غزو المرأة العربية، فهي في نظره النواة الصلبة التي تشكل اللحمة الاجتماعية والتربوية في المجتمع العربي، هي قلعة يحصنها حياؤها، وخفرها من خروقاتهم، شرف انتمائها يقلقهم، هي، كدينها، في نظرهم، تعلو ولا يعلى عليها (82). لذا يسعون إلى قبول عاطفي منها، إلى جعلها عارية من ثيابها، وأخلاقها حفيدة ل(مارلين مونرو) وصنوا ل(مادونا). وقد حذر "العيوشي" من هذا في مقدمة مسرحيته "وطن الشهيد" إذ خشي من أخلاق اليهود الغربيين على المرأة والشباب المسلم أيضا. وأهل فلسطين في نظر (ديفيد) اليهودي: جهلة، منغلقون على خرافية أنفسهم، مهزومون، حصانهم خاسر، لا يراهن عليهم (83)، هربوا إلى المنافي بدل الدفاع عن وطنهم، ففقدوا استحقاقهم له.

وتقف دولة إسرائيل من العرب موقفاً معادياً، كما ترى عايدة، لا فرق بينهم مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية، تراهم مرفوضين سواء حملوا الهوية الإسرائيلية أم لم يحملوها. خاتمة بعد تتبع صورة الآخر في الرواية، ورصد الصفات التي تطلقها الأنا عليه، صفات أظهرته بصورة تكاد تكون واحدة، رغم تعدده، نقف عند صورة اليهود تحديدا، للمقارنة بينها وبين الصور التي رسمت لهم فيما سبق الرواية من أعمال، ونلاحظ الآتي: - يكرر "يوسف العيلة" الصفات السلبية لليهود، يقولبها بما يناسب روايته، فهم أعداء مجرمون، محتلون، كافرون، يسخرون النساء لتحقيق الأهداف،...، وغير ذلك من صفات وردت عند غيره من الكتاب، تمت الإشارة إليهم في ثنايا الدراسة. ويضيف على هذه الصفات جريمة السلام؛ إذ يراه اغتصابا سياسياً للوطن، أراد به اليهود إعطاء شرعيه لما سرقوا. - أن تكرار الصفات السابقة في هذا الزمن بالذات يُعد جديدا، ونعني زمن كتابة الرواية 1997، أي بعد ثلاث سنوات من اتفاقات أوسلو، كان المتوقع خلالها ظهور صورة إيجابية للآخر، غير أن الكاتب رأى في توقيع المفاوضين، واعترافهم بدولة إسرائيل، ضياعاً، ولو مؤقتاً، لفلسطين، فكتب رواية تعبر عن خيبته بما جرى، يغازل فيها وطناً يرتحل، ممنياً النفس بظهور جيل جديد، نبيل آخر، يدافع وينتصر. ويلتقي الكاتب، بخيبته هذه مع يحيى يخلف، وأحمد حرب، وتوفيق فياض، وغيرهم ممن كتبوا نصوص خيبة بعد اتفاقات أوسلو. - أن الكاتب بمقدار جلد الآخر، يجلد الذات، ويحَّملها مسؤولية الضياع، والفقدان، ويتهمها بالتقصير والتخاذل، وجعل مصالحها فوق مصلحة الوطن، مصراً على قول ما يراه حقيقة حتى لو كان مؤلماً وموجعاً.

الهوامش:

1. الأسطة، عادل: اليهود في الأدب الفلسطيني بين 1913-1987، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، 1992، ص18، 19.

2. أبو مطر، أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني، بيروت، 1980، ص362، 364.

3. الأسطة، عادل، اليهود في الدب الفلسطيني بين 191-1983، اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، 1992، ص43، 44.

4. السابق، ص78.

5. بلاص، شمعون: الأدب العربي في ظل الحرب بين 48-1973، ترجمة: محمود حمزة غنايم، دار الشرق، 1984، ص102.

6. السابق، ص95.

7. غنايم، محمود حمزة: رحلة القصة الفلسطينية في إسرائيل، المدار الصعب، حيفا، 1995، ص319.

8. السابق، ص310.

9. الأسطة، عادل: أثر الانتفاضة على رؤية قصاصي الأرض المحتلة عام 1967 لليهود، غريب عسقلاني ويعقوب الأطرش نموذجا، مجلة النجاح للأبحاث، 1995، مجلد 3، عدد 9، ص 350.

10.السابق، ص354.

11. الأسطة، عادل: أدب المقاومة من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات، منشورات وزارة الثقافة، غزة، 1998، ص27.

12. السابق، ص29.

13. أفاية، محمد نور الدين: الهوية والاختلاف، أفريقيا الشرق، 1988، ص14.

14. السابق، ص15.

15. مرتاض، عبد الملك: في نظرية الرواية، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1998، ص93.

16. السابق، ص190.

17. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 2000، ص145.

18. نجم، محمد يوسف: فن القصة، بيروت، 1959، ط3، أنظر حول الحبكة المفككة، ص73.

19. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 2000، ص46.

20. السابق، ص30.

21. السابق، ص160.

22. السابق، ص24.

23. السابق، ص65.

24. السابق، ص161.

25. السابق، ص25.

26. السابق، ص71.

27. السابق، ص141.

28. نجم، محمد يوسف: فن القصة، ص105.

29. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، ص43. 30

. السابق، ص42.

31. السابق، ص20.

32. السابق، ص123.

33. السابق، ص160.

34. السابق، ص156.

35. السابق، ص40.

36. السابق، ص91.

37. السابق، ص22.

38. السابق، ص108.

39. السابق، ص61.

40. طرابيش، جورج: شرق وغرب رجولة وانوثة، الطليعة، بيروت، 1997، ط4، ص14.

41. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، ص112.

42. طرابيش، جورج: شرق وغرب ص15.

43. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، ص158.

44. السابق، ص158.

45. السابق، ص38، 37.

46. السابق، ص50.

47. السابق، ص37.

48. الأسطة، عادل: اليهود في الأدب الفلسطيني، ص29.

49. السابق، ص34.

50. السابق، ص95، 96.

51. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، ص50.

52. السابق، ص54.

53. السابق، ص22.

54. السابق، ص120.

55. السابق، ص110.

56. السابق، ص52.

57. السابق، ص59.

58. السابق، ص55.

59. السابق، ص63.

60. السابق، ص59.

61. السابق، ص61.

62. غنايم، محمود حمزة: رحلة القصة الفلسطينية، ص300.

63. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، ص135.

64. السابق، ص137.

65. السابق، ص139.

66. السابق، ص56.

67. السابق، ص140. 68

. السابق، ص60.

69. السابق، ص 56. 70

. السابق، ص56.

71. السابق، ص135.

72. السابق، ص166.

73. السابق، ص 134.

74. السابق، ص120. 75. السابق، ص65.

76. السابق، ص141.

77. السابق، ص58.

78. السابق، ص132، 133.

79. السابق، ص112.

80. السابق، ص112.

81 . السابق، ص113.

82. السابق، ص135.

المصادر والمراجع

1. أبو مطر، أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني، بيروت، 1980.

2. الأسطة، عادل: اليهود في الأدب الفلسطيني بين 1913-1983، اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، 1992.

3. الأسطة، عادل: أدب المقاومة من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات، منشورات وزارة الثقافة، غزة، 1998.

4. الأسطة، عادل: أثر الانتفاضة على رؤية قصاصي المناطق المحتلة عام 1967 لليهود: غريب عسقلاني ويعقوب الأطرش نموذجا، مجلة النجاح للأبحاث، ص1995، مجلد 3، عدد 9.

5. العيلة، يوسف: غزل الذاكرة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 2000.

6. أفاية، محمد نور الدين- الهوية والاختلاف، أفريقيا الشرق، 1988.

7. بلاص، شمعون: الأدب العربي في ظل الحرب بين 48-1973، (ترجمة: محمود حمزة غنايم)، دار الشرق، 1984.

8. طرابيشي، جورج: شرق وغرب رجولة وأنوثة، الطليعة، بيروت، 1997. ط4.

9. غنايم، محمود حمزة: رحلة القصة الفلسطينية في إسرائيل، المدار الصعب، جامعة حيفا، 1995.

10. مرتاض، عبد الملك: في نظرية الرواية، المجلس الوطني للثقافة والفنون، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1998.

11. نجم، محمد يوسف: فن القصة، بيروت، 1959، ط3.

ل يوسف العيلة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى