الأربعاء ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٦
بقلم حسين سرمك حسن

لا توجد أي آية تحرّم الخمر في القرآن

ما أنقله هنا نصّاً هو رأي الفيلسوف المسلم روجيه (رجاء) غارودي من كتابه "الأصوليات المعاصرة- أسبابها ومظاهرها"، تعريب الدكتور خليل أحمد خليل، صادر عن دار عام ألفين، باريس، عام 2000. يقول الفيلسوف المسلم رجاء غارودي على الصفحة 90 من كتابه:

(هناك مثل نموذجي لهذه التربية الإلهية، يتناول البشر في المستوى الذي هم فيه، في لحظة معينة من تاريخهم، ليقودهم إلى استيعاء مبادىء مطلقة، نجده في 6 آيات من القرآن حول الخمر. جاء في القرآن (16،67):

(وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
وبالتالي، في هذا "آيةٌ" على نِعَم الله. غير أن السَكَر يمكنه إنساء الإنسان معنى الحضور الإلهي. فقد جاء فيه أيضا (4،43):

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ)
إنها وقاية واضحة وتحذير بيّن من الإفراط بهذه النعمة. ثم يأتي هذا الإنذار لمواجهة الاستمرار في الإفراط والتجاوز:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...) (2،219).

أخيراً، في المدينة، وقبل ثلاث سنوات من وفاة النبي، بلغ الإفراط حدّاً أدّى إلى اضطرابات واختلالات. عندها نزل أمرٌ أشدّ، بعد 17 عاما من التحذيرات والتنبيهات إلى مخاطر تعاطي المسكرات والإفراط فيها (5،90):

(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ..)
و(5،91):

(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)

ليس في هذا كلّه أي تناقض: فالأوامر مُعطاة وفقاً للوضع في المدينة ودرجة سيطرة البشر على ذاتهم. لكن المبدأ ثابت لا يتبدل: فالمؤمن لا يمكنه سوى التسليم بأن السُكر يعتّم فيه وعي الله ويجرّده من السيطرة على نفسه. ففي الجنّة، أُعِدّ "للمطهرين" خمر خاص:
(يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ) (83،25)

(وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) (47،15)

إن النَسْخ، أي إحلال آية محل أخرى، يرمي كلّما فرض واقع جديد تبدّلاً في الوسائل، إلى بلوغ الهدف ذاته: تغيير الحياة مع الإحاطة بكل ما يظهر من جديد في العالم الذي خلقه الله، (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) (36،81)، (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (10،4)، إنّه "الحيّ" (2،255؛ 3،2.. إلخ).

إن النسخ بحد ذاته يتضمن قانونا حقيقيا لتطوّر المعايير الحقوقية انطلاقاً من المبدأ الأخلاقي الثابت. لقد نزل الله في التاريخ مع رسله: وأعطى المثل، في القرآن ذاته، عن ضرورة تطبيق المبادىء الأزلية بطرق مختلفة باختلاف الأوضاع التاريخية المتباينة.

كان خلفاء النبي الأوائل والأكثر وفاءً، يعون تمام الوعي أن من الضروري أن يغلّبوا الروح على الحرف، وفقا لروحية "نسخ" القرآن، في كل حين من التاريخ.

فالخليفة عمر، من صحابة النبي المُشبعين من تعاليمه إشباعا عميقاً، لا يتردّد في التصرّف خلافاً لآيات القرآن المُحكمة عندما يمكن لتطبيقها الحرفي أن يسير في عكس روحية الكتاب. مثال ذلك أنّه كان قد ورد في القرآن بشكل صريح جدا أن الزكاة- الضريبة الدينية الإلزامية على الثروة- كان يجب أن تُخصّص للمعوزين، ومن بينهم (المؤلفة قلوبهم) (9،69). فهذا كان سويّاً في بداية الإسلام، عندما كان اعتناق الإسلام يؤدي إلى مخاطر وتضحيات في وجه أعداء أقوياء، أشدّاء، كانوا ينكّلون بالمؤمنين الأوائل. ولكن عندما أخذ الإسلام يتحول مُلكاً وامبراطورية، صار "الدخول في الإسلام" يشكّل امتيازات. فلم يعد ثمّة موجب لمساعدة المؤلفة قلوبهم، خشية تميّز الوصوليين. كما رفض عمر كل مساعدة للمسلمين الجدد، آخذا في الاعتبار ذلك الانقلاب التاريخي. [هذا الموقف ألغي في عهد الخليفة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وعاد إليه الخليفة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام]

وبالروحيّة ذاتها، حرّم على المقاتلة، عندما ساد بلاد الشام، تطبيق الآية القرآنية حول تقاسم الفيء بين الغالبين (59،7). ولكن إذا كان من الضروري، في المحيط المعادي في العصور الأولى، أن يُثاب أولئك الذين كانوا يخاطرون بحياتهم دفاعاً عن الإسلام، وأن يُكافأوا- وفقاً لعادة عربية سابقة- فإن توزيع أراضي بلاد الشام [والعراق] الغنيّة على الفاتحين أدّى إلى نشوء إقطاعية مُخالفة لروح القرآن.

ودائما بالروحيّة ذاتها، علّق عمر حدّ قطع يد السارق (5،3) في زمن "المجاعة" مقلّدا بذلك سنّة النبي.

ذكر النسائي وأبو داوود الحديث التالي: "قال عبّاد بن شرحبيل: قدمتُ مع أهلي إلى المدينة، فدخلتُ في حقل قمح، واقتلعتُ عدّة سنابل واستخرجتُ منها حبّها. وحين وصل صاحبها أخذ ملابسي وضربني، فمضيتُ لمقابلة النبي شاكياً عليه، فأرسل النبيّ وراءه، وسأله:
-  ما الذي جعلك تفعل ذلك ؟

قال:

-  يا رسول الله، دخل هذا الرجل حقلي، وأخذ منه سنابل واستخرج حبّها.

فقال النبي:

-  كان جاهلاً ولم تؤدّبه. وكان جائعا ولم تطعمه . ردّ إليه ثيابه.

وأعطاني رسول الله مكيالا من الحنطة".

هذه السُنّة سار عليها كبار الفقهاء الأوائل، كأبي حنيفة الذي كان يعيش في بلاد فارس، وبالتالي في بلاد ذات ملكية ممركزة، وذات اقتصاد معقّد، وذات ثقافة ألفيّة؛ وهذه كلّها أمور لم تكن قائمة في أمّة النبي في المدينة. إنّ عبقرية أبي حنيفة تكمن في أنّه بيّن كيف كان يُمكن أن يُعاش الإسلام في ظروف مختلفة جذريا عن ظروف المجتمع الذي وُلد فيه .

أمّا الشافعي فقد ردّ على أولئك الذين كانوا يندهشون من كون تعليمه الفقهي، في مصر، مخالفا لما كان عليه عندما كان يعبش في بلاد فارس: "إنّه التعليم ذاته، ولكن الظروف هنا مختلفة".
تظل مبادىء الشريعة الأخلاقية هي المصدر، لكن تطبيقها الحقوقي، الفقه، يتعيّن عليه أن يحيط بالوضع التاريخي، لكي يظل وفيّاً للشريعة بشكل صحيح.

وخلافاً لما تُعلّمه ذِمامةً علماء مزعومين أو فقهاء، ذِمامتهم المجرّدة واللازمنية، يمكن لكل مسلم ورِع أن يدرك أنّ قراءة "حرفية" لهذه الآية أو تلك، خارج سياقها التاريخي وبمعزل عن القرآن ككل، لا يمكنها إلّا أن تؤدّي إلى مستحيلات، إن لم تؤدّ إلى جرائم. مثال ذلك ما جاء في القرآن بشأن صوم رمضان:

(.. وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجر...) (2،187).
فكيف يُطبّق هذا بحرفيته على الإسكيمو الذين يمكن أن يدوم عندهم الفاصل بين شروق الشمس وغروبها مدة ستة أشهر؟

ما العمل، لأجل تطبيق حرفيّ للنصوص التي تحدّد حقوق السيّد وواجباته في مجتمع عبوديّ؟ هل يتعيّن إحياء العبوديّة، لجعل الأمر ممكناً ؟ وهل يتوجب، مثلا، التسليم بأن للسيّد الحق في أن يفرض على أَمَتهِ أن تكون خليلته، وأن يشمل ذلك (سبايا الحروب) (33،52؛ 4،24،25)؟ أهذا هو السبيل إلى مرضاة الله ؟ أم أنّ ذلك من آثار العادات الجاهلية التي حارب الرسول أشدّها، دون أن يتمكن من إلغائها كلّها في عصره؟

يقول القرآن، ليست مرضاةً الله مرضاةَ في الشكل والعبادة المذهبيين. فهو عندما يحدّد "المسلم الحق" لا يقول : إنّ "المسلم الحق" هو ذلك الذي يمارس العبادات، بل هو ذلك الذي يعطي للآخر ما يُحبّه، من جرّاء حبّه لله:

(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ...) (2،177). وبالتالي، بأيّة ضلالة، يمكن البحث عن الله خارج الكل (2،115؛ 68،4.. إلخ).، فهو أولاً، في سرّ أفئدتنا (50،16)؟
ويقول أيضا:

(لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) (3،92).

يذكر أبو هريرة هذا الحكم الإلهي الذي أصدره النبي مُندّداً برياء البِرّ الزائف ونفاق الممارسات الشكليّة : "حدّث بعضهم النبيّ عن امرأة معروفة بصلاتها وصومها وزكاتها، ولكنّ لسانها كان يجرح أقرباءها. فقال النبي: "مكانها النار". ثمّ حدّثه الرجل نفسه عن امرأة أخرى، كان صيتها سيئاً، لأنها كانت تهمل الصلاة والصوم، لكنها كانت معتادة على مساعدة المعوزين، وما كانت تذمّ أقرباءها أبداً. فقال الرسول: "مكانها الجنّة".

باختصار، إن كل آية من القرآن هي جواب إلهي عن مسألة ملموسة، وهذا لا يلقي الشك إطلاقا على الطابع الإلهي للتنزيل هذا، بل يضعه في عصر من تاريخ شعب ومن ثقافته وحياته. فجواب مسألة تاريخية هو من وحي إلهي، هو "قدوة" (17،89؛ 39،27.. إلخ) وليس مادة في قانون مجرّد، لا يستلزم سوى استنتاج النتائج. إنه نقيض القانون الروماني.

إن التكرار الحرفيّ يجعل الرسالة مبهمة ويشل العمل والحركة. لذا، كتب فزلور رحمان، أن العلماء والفقهاء، من متملقي الأمراء، "جعلوا الشعب عاجزا عن فهم القرآن منذ ألف سنة". فهم إذ قتلوا كل روح ناقدة، وإذ راهنوا دهماويا على الماضي لكي يجلبوا الناس إلى الأمراء ، إنما حالوا دون دلالة القرآن الشمولية ودون إحيائه في ظروف تاريخية جديدة.

فهذا التأويل للرسالة إنما يشلّ العمل من خلال تجميد العلاقات الإنسانية في فترة قديمة من التاريخ، ومن خلال جعل المؤمنين عاجزين عن ابتكار مشروع مستقبلي، انطلاقاً من مبادىء الرسالة الحيّة الخالدة.

وإنّ الأصولية، إذ تدّعي أنها مالكةُ الإسلام، إنما تحصر في العلماء والفقهاء، تفسير القرآن والسُنّة، وتنزع إلى إقامة نظام إكليركي، أو ثيوقراطية مفوّضة ومرتهنة ترفض حق الشعوب في أية مشاركة حقيقية لبناء المستقبل.

ليس الإسلام خزّانا للحلول الجاهزة. إذ في إمكان مبادئه أن توجّه تفكيرا وبحثا دؤوبين، طالما دعا القرآن إليهما، وفي إمكانها أيضا أن تشق دروبا جديدة للخروج من الانحطاطات المفروضة.

لقد كسب إسلام العصر الأول، العالم من الأطلسي إلى بحر الصين، اكتسبه من جهة بثورة اجتماعية قطعت مع التصوّر الروماني للملكية بوصفها "حق استعمال وإفراط"، وحالت دون تكديس الثروة في قطب من المجتمع وتكديس الفقر في قطبه الآخر، واكتسبه من جهة ثانية بوحيّ إلهي كنس المذاهب المغلقة وامتيازات امبراطوريتي فارس وبيزنطة المتحجرتين. لم يكن ذلك فنحا عسكرياً، بل كان انفتاحا واستقبالا لكل الثقافات الكبرى، واعترافا بكل الأنبياء السابقين وبكل الروحانيات السالفة.

إن هذه العودة إلى النبع، ليست رجوعا إلى الماضي، لأن "النهر إذ يجري نحو البحر يكون مخلصا لنبعه".

على هذا النحو فقط يمكن أن تُحارب "الأصولية" دون تقديم تنازل، وذلك بتبيان أن حرفيتها، شكليتها، ادعاءها بأنها "المالكة" الحصرية للإسلام، تشكّل خيانة للإسلام الحيّ، وأنّ هذا النوع من المواقف كان سبب كل الانحطاطات). (انتهى كلام الفيلسوف المسلم رجاء غارودي على الصفحة 95)..

قارن يا سيّدي القارىء فهم هذا الفيلسوف المسلم المتنوّر العلمي المنفتح للقرآن الكريم وجوهره الروحي المتجدّد بفهم هؤلاء الزعاطيط من نوّاب جزر الواق واق من ذوي الصماخات المرصوصة الكبيرة والعقول المتحجرة الصغيرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى