الخميس ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم طارق البكري

البنت المقدسية

إكرام ابنة قرية مقدسية قديمة محتلة…

جدها مسعود لم ينزح من قريته قبل سنوات طويلة رغم أنهم طردوه من بيته وأرضه.. فضل أن يبقى يفلح ترابه ويزرعه.. وإن كان يخدم من اغتصب بيته وبستانه فقد كان يؤمن بأنه لا يخدمه هو، بل يخدم الأرض التي يحبها.. ويعرف كل حبة رمل فيها.

لم يكن جد إكرام يفهم بالسياسة ولا بالعسكر..

كان متدينا بسيطاً، صحيح أنّه كان يصلي ويصوم ويحفظ آيات كثيرة من القرآن الكريم.. لكنه لم يكن يفهم إلا بالزرع والحصاد..

وبالرغم من معيشته الصعبة.. وما ذاقه من المحتلين من آلام وجراح.. رضي العيش في خدمة المحتل ولو دون بيت..

فهو يفضل النوم في ظل شجرة من أشجاره التي زرعها بيديه من أن يرحل ويعيش في قصر من القصور..

إكرام الصغيرة لم تعرف جدها الا بسماع قصص عنه..

استشهد قبل ولادتها بأعوام..
لم يقتل في معركة ضد المحتل، ولا في تظاهرة أو حتى مجرد اعتراض..

قتله ابن مغتصب أرضه التي ورثها عن أجداده..

قتله الصبي بعد أن أهداه أبوه بندقية جديدة بمناسبة بلوغه العاشرة من عمره..

أراد الصبي أن يجرب بندقيته الجديدة.. وبدلاً من أن يجربها على عصفور أو فأر أو حتى صرصار؛ صوب بندقيته نحو قلب الجد مسعود..

كان مسعود يفلح الأرض ويسقيها عرقه..

رفع مسعود معوله إلى الأعلى ليهوي به نزولاً يشق الأرض..

فاجأته طلقة البندقية في قلبه مباشرة..

تعرف إكرام قبر جدها..

تحمل اليه من وقت لآخر عوداً أخضر تغرسه في تراب القبر..

تقرأ الفاتحة وتدعو له ولنفسها ولأسرتها.. ثم تغادر كما جاءت وعلى كتفها شنطة المدرسة..

والد إكرام يحمل جنسية المحتل غصباً عنه..

لم يكن أمامه خيار: أما الإذعان أو الرحيل..

جدته (أرملة مسعود) رفضت الأثنين.. حبست نفسها في كوخ متهالك، قررت الموت في قريتها لتدفن قرب زوجها الشهيد..

عاشت الأسرة حياة بسيطة جداً، في حي تحيط به مساكن المحتلين كالسوار بالمعصم..

لم تكن إكرام تعرف الكراهية.. كانت مثل جدها مولعة بالأرض..

في مدرستها طالبات كثيرات يشبهنها تماماً.. لكل واحدة منها قصص تحكيها..

هن يشعرن أنهن أسعد حظاً من نظيراتهن البنات اللاتي بمثل سنهن ويعشن خارج الوطن، أو تحت قصف الاحتلال وإرهابه في ما تبقى من وطن..

كانت هي أيضاً تظن أنها محظوظة لبقائها في أرض الوطن، بل أكثر حظا لأنها قريبة الى قبر جدها وتسكن داخل قريتها التي كانت..

هي تذهب الى المدرسة، وهن قد لا يذهبن، ويعشن ظروفاً قاسية..

هي تعيش في أمان مصطنع.. وهن يعشن في ساحات الدم..

لكنها لم تشعر بالأمن التام، فكل ما هو عربي حذر على الدوام..

تفتحت إكرام على هذا المشهد..

أقصى مكان تذهب اليه هو المدرسة في الصباح والعودة الى البيت ظهراً..

تحرص على الذهاب والعودة مسرعة..

تهرول جنب الحائط وتدخل البيت ولا تخرج الا عند الضرورة، وأحياناً تذهب الى جارتها مريم التي تسكن الحي نفسه لتراجع لها دروسها وتشرح لها ما غمض عليها في دراستها..

ومريم في الحقيقة ليست مدرسة.. لم تكن تعمل في مدرسة ولم تكن تعمل أبداً..

حاولت مراراً أن تجد عملاً، لكن ماذا تفعل بأطماع أصحاب العمل؟؟ عندما كانت تقول لهم: عيب عيب.. يضحكون ويطردونها قائلين بلكنة عربية سخيفة: (ها ها.. روح حبيبي روح.. دورلك مكان تاني).

لذلك قعدت مريم في البيت تعلم أبناء الحي وبناته.. تعطيهم دروساً خصوصية مقابل أجر زهيد.. لكنه يبقى أفضل بمليون مرة من موافقة أصحاب العمل هؤلاء على طلباتهم..

في المساء..

وقبيل نومها.. تفتح إكرام نافذتها الصغيرة، تتمدد على السرير، ترمي ببصرها الى السماء تتأمل النجوم المنتشرة مثل حبات لؤلؤ حول القمر..

حي إكرام لا ينعم بالأمن التام مثل سائر الأحياء التي تحيط به..

تشكل تلك الأحياء حالة رعب..

لم يكن يمر يوم دون أن يعبث أحد بالحي.. زجاج يطاير.. سيارات تضرب بالحجارة.. بيوت تتعرض للسطو..

طفل يشج رأسه بضربة عصا..

القمر وحده صديق إكرام..

ليس هنالك أصدقاء..

أبواها مشغولان على الدوام.. جدتها الكبيرة بالسن لا تستطيع الكلام وغالباً ما تكون نائمة..

أبوها وأمها يعملان عند تاجر محتل..

يعملان عنده مثل عبدين طائعين، ولا يستطيعان الاعتراض..

فالجنسية الوهمية لا تؤمن أية حماية..

أذعنا للواقع كيلا يكون مصيرهما مثل جدها المسكين, أو الرحيل..

لم تكن إكرام تجد مسلياً غير القمر..

تبحث في المساء عن إذاعات عربية ومحطات عربية، لكنها تخفض الصوت كيلا يسمع أحد من الخارج..

تراقب حياة أطفال العرب.. كيف يعيشون وكيف ينعمون..

ثم تنظر للقمر.. تحلم بالحياة وللحياة..

ثم تغلق عينيها وتنام على حلم جديد..

وفي عصر يوم يسبق امتحاناً مدرسياً مهما.. ذهبت إكرام الى مريم..

تأخرت إكرام في بيت مريم.. كانت الدروس كثيرة وتحتاج الى شرح.. مضى الوقت بسرعة.. لم تنتبه إكرام الا بعد مضي وقت طويل..

بقيت إكرام في منزل مريم حتى غربت الشمس..

ولم تكن تتأخر يوماً..

رجتها مريم أن تبقى عندها الليلة.. خافت على أبويها.. ستبكي أمها أن لم تعد الى البيت.. ستظن أن عصابة خطفتها..

وما أكثر مثل هذه العصابات..

خافت من أن يخرج أبوها وأمها للبحث عنها فتؤذيهما تلك العصابات..

قررت الخروج فوراً والسير قرب الحائط على الطرف الثاني حتى تراها مريم لغاية وصولها الى البيت..

الكهرباء مقطوعة عن الحي مثل العادة..

قالت لها: خذي هذه الشمعة لتنير لك الطريق..

قالت الطفلة: لا أريد شمعة.. من الأفضل أن أمشي في الظلام كيلا يراني أحد..

أصرت مريم.. خشيت أن تصدمها سيارة في الظلمة.. أن تقع في حفرة.. وما أكثر الحفر في الحي..

أخذت الطفلة الشمعة بحذر..

سارت مسرعة نحو الرصيف قرب الحائط على الجانب الآخر من الطريق لتتمكن مريم من رؤيتها حتى وصولها البيت..

كانت مريم خائفة..

كانت إكرام خائفة..

الظلام تشقه شمعة؟

لم تعد مريم ترى في الظلام غير نور ضئيل يتحرك قرب الحائط..

رأت ضوء سيارة مسرعة.. سمعت صوتاً مرعباً.. سمعت صراخ طفلة..

وزعيق إطارات سيارة..

ومن ذلك اليوم لم يعد أبناء الحي يضيئون شمعاً بليل..


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى