ظهور مدبورة

، بقلم فتحي العابد

لم تبارح مخيلتي إلى اليوم صورة ومعاناة ذلك الحمال الصغير.. طفل لم يتجاوز الثانية عشر من عمره. واعتبارا مع ماكان يشتغله حين تطلعت في منظره وكأني أقرأ رواية "الموت مرّ من هنا"...
يلتحف بطفولته ويتسكع داخل السوق الواسع، يمضغ الأصوات والإهانات، يبحث عن شيء يحمله ليتقاضى مقابل ذلك بعض الدريهمات، لكي يأكل، فهو يعرض ظهره لحمل البضائع خفيفها وثقيلها، يتثاقل في خطواته مثل الدابّة الهرمة التي تنتزع قوائمها انتزاعا لتواصل كبوات لاتنتهي.. هاهو يتمنى أن يخلع تعبه ويقذف بحمولته ويركض ليشارك الأطفال ألعابهم.. وسرعان ماتقفز إلى مخيلته الأخت التي تكبره بعام بحزنها وهي منكفئة على الرحى، تطحن وتطحن في سبيل كوب حليب للأخ الأصغر اليتيم القابع في حضن أمه المحتضرة.

ماعليك أيها الصبي إلا مواصلة الأنين تحت حمولتك الثقيلة، وتسير مع هذه الأنهج المتعرجة الضيقة المسدودة..

تواريت وأنا أحدث نفسي كيف صرنا، وكيف هم، يحرثون على ظهورنا سنين، وحين تتعب وتدْبرْ، يهملوننا باحثين عن غيرها من الظهور التي ستصير مدْبورة، محْدودبةً بعد مواسم الحرث الطويلة، لتأتي بعدها ظهور وظهور، تتبعها ظهور.. مادمنا نعيش في مجتمع استبدادي لا يعترف بحقوق الضعيف، بل يجرّده من إنسانيته، ويعامله كما يعامل الحيوان، وربما أسوأ.

لاقيته من الغد على نفس الحالة، هونت من تعبه بكاس حليب عبه عبا، وأنا أسرد قصة قرأتها حينما كنت أحداثا: شاب شعر بعدم الرضا عن وضعه، فذهب إلى معلمه يستنصحه، فنصحه المعلم بأن يضع حفنة من الملح في كأس من الماء ثم يشربه، ليعود له في الغد وهو يبصق من شدة ملوحته.. فأخذه ومعه نفس كمية الملح ولكن للبحيرة، ورماها فيها، وسأله معلمه بعد أن شرب من ماء البحيرة: كيف تستطعمه؟

أجاب الشاب: إنه حلو.

وهنا نصح المعلم الشاب الصغير قائلا :إن آلام الحياة مثل كمية الملح التي رميتها، فكمية الألم في الحياة تبقى نفسها بالضبط، ولكن كم المعاناة التي نستطعمها يعتمد على السعة التي نضع فيها الألم، لذا فعندما نشعر بالمعاناة والآلام فكل ما يمكن أن نفعله هو أن نوسع فهمنا وإحساسنا بالأشياء، لا تكن مثل الكأس بل كن مثل البحيرة.