تجميع الدراسات المرجعية

من مهارات البحث العلمي

، بقلم محمود سلامة الهايشة

عند الشروع في إجراء بحثٍ علمي في أي مجال من مجالات العلوم المختلفة، سواء أكانت علومًا إنسانية أو بحتة أو تطبيقية، أي في مرحلة فكرة البحث، أو حتى أثناء الإجراء، والأهم في مرحلة الكتابة، فلا بد من تجميع مجموعة من الأبحاث المرجعية السابقة حول النقطة البحثية موضع الدراسة، ويفضَّل أن تكون تلك الدراسات والأبحاث مرتبطةً ارتباطًا قويًّا بموضوع البحث موضع الدراسة، وكما يستحسن أن يكون منشورًا في مجلة علمية مرموقة في مجال التخصص الدقيق لهذا الفرع من العلم، وتاريخ نشر تلك الأبحاث خلال العقد الأخير، أو خلال الألفية الثالثة، حيث لا يتم الاستعانة بالأبحاث القديمة التي نُشرت من خمسين أو ستين سنة، إلا الأبحاث الخاصة بالإجراءات والطرق، كخطوات إجراء التحاليل المعملية والإحصائية وغيرها من الطرق التي استقر عليها ولم يطرأ عليها أي تغيير.

فكلما استطاع الباحث تجميع عددٍ جيدٍ من الأبحاث الحديثة التي تدور وتتمركز حول النقاط موضع البحث، تمكن الباحث من تطوير فكرته، ودراسة النقاط أو العوامل التي لم تدرسها الأبحاث السابقة، أو استكمل التوصيات التي خلصت إليها تلك الأبحاث، أو محاولة تطبيق ما قام به الباحثون في بلد آخرَ بعيدٍ جغرافيًّا عن بلد إقامة الباحث للتوصل إلى الفوارق بين نتائج تغيير ظروف إجراء التجرِبة أو الدراسة.

لذا؛ فالبحث الجيد لا بد وأن يكون وراءه باحث جيد، وعليه فمسألة تجميع الدراسات السابقة تُعَدُّ من المهارات الهامة والضرورية، بل والرئيسية في البحث العلمي، فكلما امتلك الباحث تلك المهارة وتمكَّن منها، زاد ذلك من مستواه العلمي والبحثي، واستطاع ببحثه أن يرتقي بالبحث العلمي في جامعته أو مركزه أو معهده البحثي بشكلٍ خاص، وبمنظومة البحث العلمي في بلده بشكلٍ عام، بالإضافة إلى ارتقاء بحثه لأنْ تَقبَلَه كبرى المجلات والدوريات العلمية على المستوى العالمي بالنشر فيها، فلكل دورية في أي تخصص نقاط أو مركز بين غيرها من الدوريات، فالمجلات العلمية داخل كل تخصص كأنها داخل سباق، ويسمى هذا العامل الخاص بالدوريات العلمية بالـ Impact Factor (IF)، حيث تأخذ كل مجلة أو دورية رقمًا، وهذا الرقم هو عبارة عن درجة من عشرة، تبدأ بالصفر (Zero)، فواحد.... وهكذا حتى نصل إلى 10 درجات كاملة.

وحتى يصل الباحث أو الدارس إلى أبحاث في صلب موضوع بحثه؛ لا بد من تحديد الكلمات الرئيسية أو المفتاحية للبحث، والتي تسمى بالإنجليزية Key words ؛ أي: الكلمات المفتاحية، فهي مثل الأقفال والأبواب المغلقة، فلكل قُفْلٍ مفتاح، ولا يستطيع أي مفتاحٍ فتحَ أيِّ باب إلا إذا كان يتلاءم مع هذا القفل، وهنا يأتي دور الذكاء العقلي والمعرفي للباحث، فلا بد أن يتسم الباحث بالمرونة الفكرية في عمل التباديل والتوافيق في استخدام الكلمات الرئيسية التي يبحث بها عن الأبحاث التي سوف يستخدمها في كتابة الجزء الخاص بالدراسات المرجعية، أو ما يطلق عليه في الأبحاث الإنسانية بالجانب أو الجزء النظري من البحث، حيث يكون موضعها في الأبحاث التي تنشر بالدوريات العلمية في مقدمة البحث (Introduction)، أما في الأطروحات العلمية (ماجستير ودكتوراه)، فتكون في الجزء المسمى بالـ(Review Article)..

فعلى سبيل المثال: يستخدم المقابلات والمرادفات لبعض الكلمات، ولا يتمسك بكلمات ثابتة، معرفة معنى بعض الكلمات المفتاحية في اللغات الأخرى، أو المعاني المرادفة ولكن بلهجات أخرى داخل نفس اللغة المستخدمة في البحث عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وخاصة من خلال محركات البحث العلمية وداخل مواقع الدوريات العلمية العالمية، كذلك التعرف على الاسم العلمي لبعض تلك الكلمات المستخدمة، فكلما كان الباحث دقيقًا في الكلمات المستخدمة، كانت النتائج المتحصل عليها من رحلة بحثه عن الأبحاث السابقة أفضل، ووفرت عليه الكثير من الوقت والجهد، فالوقت والجهد يترجم بعد ذلك إلى مال وتكاليف.

كثيراً ما يشتكي بعض الباحثين من عدم وصوله إلا إلى بحث واحد أو اثنين في صميم نقطته البحثية، وأنه عاجز عن الوصول إلى غير هذا العدد الضئيل، ويتوقف عقله عند هذا الحد، ولكن ننصحه بالاهتمام بمراجع ما وقع في يده من أبحاث حتى ولو كان بحثًا واحدًا، في خلال قراءة تلك المراجع لهذا البحث بتمعن شديد، واستخراج ما بها من مراجع سابقة استعان بها هذا البحثُ الذي بين يديه، وسرنا وراء تلك المراجع بمحاولة الحصول على المهم منها بشكلٍ كامل أو بصورة جزئية، فسوف يحصل على مزيد من الأبحاث المرجعية السابقة التي تخدم البحث القائم، وكما تقول الحكمة: "ما لا يُدرَك كله، لا يُترَك كله"، فمن خلال بحث واحد حديث نحصل عليه في نقطتنا البحثية، نستطيع التوصل للعديد من الأبحاث التي سوف توصلنا إلى عشرات الأبحاث المماثلة، التي سوف تجعلنا نجمع مئات الأبحاث الملائمة... وبهذه السلسلة المتتالية سوف نصل في النهاية عزيزي الباحث إلى بر الأمان، وننتهي من بحثنا على الوجه المطلوب بدرجة الجودة تتخطى 80% في أسرع وقت وبأقل مجهود، مع كتابة البحث بشكل جيد يؤهله للنشر بدورية علمية مرموقة، تجعل من البحث إضافةً جديدة للباحث وللبحث العلمي في مجال التخصص الدقيق.

من نفس المؤلف