الحلقة السابعة

ابن زيدون بتمامه

، بقلم كريم مرزة الأسدي

ابن زيدون: يَجْرَحُ الدَّهْرُ وَيَأسُو

ابن زيدون (مشطور الرمل):

ما على ظني بأس
يجرح الدهر ويأسو
ربما أشـرف بالمر
ء على الآمــال ياسُ
ولقد ينجيك إغفا
لٌ ويرديــــك احتراسُ
ولكم أجدى قعودٌ
ولكم أكـــدى التماسُ
وكذا الحكم إذا ما
عزَّ نـــاسٌ ذلَّ نــاسُ

ابن زيدون صائغ ولا أمهر، فنان ولا أبرع، بليغ ولا أجود، لغوي ولا أثرى، يجيد ما يختار من ألفاظ، ويحسن الفخر بنفسه زاهياً كأقرانه من عمالقة الشعر والفن، فالشاعر أزهى بني الإنسان - على حد تعبير غوته، شاعر الألمان العظيم - وإنّما لكل مقال مقام، وإن كان مقامه رفيعاً، يشار إليه بالبنان، لكن من هنا يثير كوامن الحقد والحسد في وجدان الخلان والأقران!!

نعم ومع حذره وحذقه، أُوقِع به حساده وخصومه في غياهب السجون، بعد أن أوقَع هو بنفسه في الدواهي والمهاوي حين راح بالمشتري، وترك بدر الدجى!! ولِمَ لا يُوقع به؟ وما العجيب؟!! لديه منصب رفيع، وفن بديع، وعشيق لمّيع، ومال وديع، والرجل خليع صريع!!

مهما يكن من أمر، خاب ظن من تربص به الشر وأوصله للسجن المر!! عندما قالوا: الرجل مات شعره وقضي أمره، يذكرني هذا الموقف بدعبل الخزاعي وأبياته:

نعوني ولمّا ينعني غير شـــــامتٍ
وغير عدوٍ قـــــدْ أصيبت مقاتله
يقولون إن ذاق الردى ماتَ شعرُهُ
وهيهاتَ عمرالشعرِ طالت طوائله
سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمــــرَهُ
يكثرُ من أهلِ الروايةِ حامله
يموت ردي الشعرِ من قبل أهــــلهِ
وجيدهُ يبـقى وإن مـــات قائله

لا أدري كيف يحكم القائلون؟!! والشعر والشاعر - أمثال دعبل وابن زيدون - خالدان، فبأي آلاء ربّكما تكذبان، قضى سجنه، وعمق شعره، وسار على نهج شرقه، فأحكمه بحكمته، فالسجن صيّره حكيما، وعلّمته التجارب بما لم يكن بها عليما، لذلك يمكننا القول، إنّه مزج الأصالة والموروث بالتّحضر الأندلسي المبعوث، ولهذا ذهب الدكتور شوقي ضيف بقوله " كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة أو الموروثة في عُملة أندلسية جديدة، فيها الفن وبهجة الشعر وما يفصح عن أصالته وشخصيته".

نرجع لشعره في سجنه، إذ يتحفنا بهذه الرائعة السينية الزيدونية، والتي تعدّ من روائع الشعر العربي، وقد نظمها خلال فترة سجنه المأساوية، و ارسلها الى صديقه الوزير الاديب ابي حفص بن برد ليشفع له عند امير قرطبة ابن جهورحاكم قرطبة انذاك، وهي من (مجزوء الرمل)، ويذكرها العماد الأصبهاني في (خريدة قصره وجريدة عصره) ( ج 2 ص 486 - 487 ):

ما على ظني بأس
يجرح الدهر ويأسو
ربما أشـرف بالمر
ء على الآمــال ياسُ
ولقد ينجيك إغفا
لٌ ويرديــــك احتراسُ
ولكم أجدى قعود
ولكم أكـــدى التماسُ
وكذا الحكم إذا ما
عزَّ نـــاسٌ ذلَّ نـاسُ
وبنو الأيام أخيا
فٌ سراةٌ وخســـــاسُ
تلبس الدنيا ولكنْ
متعةٌ ذاك اللبـــاسُ
يا أبا حفص وما سا
واك في الفهم إياسُ
من سنا رأيك لي في
غسق الخطب اقتباسُ
وودادي لك نصٌ
لـــم يخالفه القيــاسُ
أنا حيرانٌ وللأمـــ
ــر وضــــوح والتباسُ
ما ترى في معشرٍحا
لوا عن العهد وخاسوا
ورأوني ســــــارياً
يتقى مــــــنه المساسُ
أذؤبٌ هامتْ بلحـــمي
فانتهــــابٌ وانتهـاسُ
كلّهم يسأل عن حـــا
لي وللذئب اعتساسُ
إن قسا الدهرُ فللما
ءِ من الصخر انبجـاسُ
ولئن أمسيتُ محبـــو
ساً فللغيث احتبــاسُ
ويفت المسك في التـر
بِ فيوطاً ويـــداسُ
يلبد الوردُ الســـبنتى
وله بعــــد افـتراسُ
فتأمل كيـف يغشــــى
مقلة المجــد النعاسُ
لا يكن عهـدك ورداً
إن عهـــدي لـــك آسُ
وأدر ذكـــــريَ كاساً
مـــا امتطت كفك كاسُ
واغتنم صفو الليالي
إنّمـا العيش اختلاسُ
وعسى أن يسمح الدّهــ
ر فقـــد طال الشماسُ

انتهى نص الخريدة الأصبهانية، ونعقب موجزين:

تجارب الأيام، وتقلب الدهر، وقضاء الله وقدره، يذلُّ من يشاء، ويعزّ من يشاء، وهو العزيز الحكيم، والدنيا عمرها دنيا الأضداد، فوفِّق في طباقاته بين جرحٍ ودواء، ويأس وآمال، وعزّ ناسٍ وذلّ ناس، ووضوح والتباس، وورد وآس، وسراة وخساس، ونص وقياس، ثم يزيد الطباق للمقابلة، فيزيد بصفتين على التوالي في التضاد،ينجيك إغفال ـ يرديك احتراس، وأجدى قعود ـ أكدى التماس.
من لطف الشعر، وخصائصه الفنية الخفية، أنّى وجدت الطباق والمقابلة، ترقبت الجناس بكامله وناقصه، وهما من المحسنات اللفظية الشائعة في ذلك العصر البديعي، فلك من التجانس التام ما بين ( ياسو و ياسُ)، فلفظهما مخفف، ومعناهما مختلف، فالأولى بمعنى يداوي، والثانية تعني القنوط، والناقص يتجلى بين المحاذير والمقادير، وأجدى وأكدى، فكل لفظتين متقاربتان نطقا، إلا بحرف أو حرفين. والجرس الموسيقي الداخلي لهما واحد!!

ولا أراك تحتاج إلى دليلٍ على لطف موسيقى الأجراس، وبث آهات الأنفاس، فما لظنّه من باس!! تارة يلوم نفسه بالاحتراس من الشرور، ولماذا الاحتراس؟!! ربما في الغفلة نجاة من شر الوسواس الخناس، وطوراً يشكو إلى صاحبه أبي حفص من حسّاده الأعداء، ممن يرتدي قناع الأصدقاء، ومرة ثالثة يشبّه مودته بالآس ثابت الرائحة، ويرجومن صديقه أن لا يكون كالورد سرعان ما يفقد عطره والإحساس، نفس مضطربة لا تدري كيف تحرر من الاحتباس، في حيرة والتباس، ثم لِمَ الضيق من الحبس والضيق؟!! أليس المطر يزخر بالخير بعد احتباس، والمسك لا يعجّ بالعطر إلا حين في الترب يداس، والأسد تلبد ولكن من بعد ذاك افتراس؟!!!!

ندع ابن زيدون مع قصيدة شكواه الرائعة يدور بها كما يشاء، باستعاراته التصريحية والمكنية وكناياته وصوره الحسية والتخيلية واقتباساته...

ومن روائع ابن زيدون قصيدته التهديدية التي كتبها إلى خصمه اللدود، ومنافسه لفردوسه المفقود، وولّادته بدر الدجى المعبود، الآ وهو الوزير ابن عبدوس، والحق أردت أن أفسح المجال للعماد الأصبهاني أن يزوّدنا بما خزنه في (خريدة قصره وجريدة عصره)، ولكن وجدت البرقوقي في مجلة (بيانه) / العدد 59، ص 13) ينقل قبلها أبيات أخرى مع خصم آخر، أقل وطأةٍ من العبدوس، قلت والله تأتي بمحلها، فإليك والترتيب لي!!!

أ - ابن زيدون وأبو عبد الله البطليوسي:

كان مجلس ولاّدة بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهافت أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة مسامرتها. وهي مع ذلك محافظة على علو النصاب، وكرم الأنساب، وطهارة الأثواب. ولقد طمع بعضهم في الاستئثار بها دون ابن زيدون. فنازعه على حبها، وزاحمه في ودها، رجل من رجالات عصره. وهو أبو عبد الله البطليوسي. فكتب إليه ابن زيدون يزجره بهذا الرجز:

أيا عبد الإله اسمــــعْ
وخذ بمقالتي أو دع
وأنقص بعدها أو زد
وطر في أثرها أو قع
ألم تعلم بأن الدهـ
ــر يعطي بعـــــد ما يمنع
فإن قصارك الدهـْ
ليز حيث سواك في المضجع

ب - ثم بين ابن زيدون وابن عبدوس المذكور في ما قدمناه:

ومنهم الوزير أبو عامر بن عبدوس الملقب بالفار، وكان ممن أكابر رجالات قرطبة، فاغتاظ ابن زيدون وبعث له بهذه الأبيات:

أثرت هزبر الشرى إذ ربضْ
ونبهته إذ هدا فاغتمضْ
وما زلت تبسط مسترسلاً
إليه يد البغي لمّـا انقبضْ
حذار حذار فإن الكريــم
إذا سيم خسفاً أبى فامتعضْ
وإن سكون الشجاع النهو
س ليس بمانعه أن يعضْ
عبثت بشعري ولم تتئبْ
تعارض جوهره بالعـــــــرضْ
أضاقت أساليب هذا القري
ض أم قد عفا رسمه فانقرضْ
لعمري لفوقت سهم النصال
وأرسلته لو أصبت الغرضْ

ولما فرّ من محبسه وإساره، وإقامته متوارياً كالقمر في سراره، وهو في قرطبة، خاطب ولادته حبيبة الأمس، إذ خصّته وحده من دون خلق الله، وما كانت الولادة في عصرها إلا الولادة وحدها لا غير، واستنهض صديقه الأديب أبا بكر للشفاعة، واستنزل أبا الحزم بن جهور:

شحطنا وما بالدار نأي ولا شحطُ
وشطّ بمن أهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوتْ بحـــــادث عهدنا
حوادث لا عهد عليها ولا شرطُ
لعمركم إن الزمـــان الذي قضى
بتشتيت جمع الشمل منا لمشتطُ
وأمّا الكرى مذ لم أزركمْ فهاجــــرٌ
زيارته عبّ ٌ وإلمامـــه فرطُ
وما شرق مقتول الجوانح بالصدى
إلى نطفـةٍ زرقاء أضمرها وقطُ
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما
أدير المنى عنــه القتادة والخرطُ
وفي الربرب الأنسي أحوى كناسه
نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقطُ
غريب فنون السحر يرتاح درعـه
متى ضاق ذرعاً بالذي حازه المرطُ
كأن فؤادي يوم أهوى مودعاً
هوى خافقاً منه بحيث هـوى القرطُ
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره
فمن زفرتي شــكل ومن عبوتي نقطُ
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهـمْ
فريسة مـــن يعدو ونهزة من يسطو
وأن الجواد الفائت الشأو صـافن
تخـــــوّنه شــكل وأزرى به ربطُ
وأن الحسام العضب ثاو بجفنـه
ولا ذم مــــن غربيه قدٌّ ولا قـــطُ
عليك أبــا بكرٍ بكرت بهمـةٍ
لها الخطر العــــــالي وإن نالها حطُ
أبي بعدمـــا هيل التراب على أبي
ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط
لك النعمــة الخضراء تندي ظلالها
علي ولا جحد لدي ولا غمطُ
ولولاك لم يثقب زنــاد قريحتي
فتلتهب الظلماء من نارها سقطُ
ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهــراً
فمن خاطري نثر ومن روضه لقطُ
هرمــت وما للشيب وخط بمفرقي
ولكن لشيب الهم في كبدي وخطُ
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت
من الروضة الغناء طاولها القحطُ
مئون مـــن الأيام خمس قطعتها
أسيراً وإن لم يبد سرّ ولا قسطُ
أتت بي كما ميط الإناء من الأذى
وأذهب ما بالثوب من دنس مسطُ
أتدنو قطوف الجنتين لمعــــــشر
وغايتي السدر القليل أو الخمطُ
وما كان ظني أن تغرنيَ المنى
وللغر في العشواء من ظنه خبطُ

وقبل أن نغلق باب هذا المشوار، نمر على غزله المعتاد لحبيبة الفؤاد، ومدحه
للمعتضد وهو المراد، ونكتفي بهذه الأبيات:

أما في نسيم الريح عرفٌ يعرفُ
لنا هل لذات الوقف بالجزع موقفُ
ضمان علينا أن تزار ودونها
رقاق الظبى والسمهري المثقفُ
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم
وأزهرها من ظلمة الحقد أكلفُ
يودون لو يثني البعاد زمامنا...
وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف
كفانا من الشوق التحية خلسةً
فيومئ طرفُ أو بنـانُ مطرفُ
وإني ليستهويني البرق صبوة
الى ثغر برق إن بـدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهمـــــاً
لظلمٍ لها كالــراح إذ يترشفُ
وتذكرني العقد المرن جمانهٌ
مرنات ورقٍ في ذرى الأيــك تهتف
فما قبل من أهوى طوى البدر هودجٌ
ولا ضم ريم القفر خدر مسجفُ
ولا قبل عباد طوى البحر مجلس
ولا حمل الطود المعظم رفرفُ
هو الملك الجعد الذي في ظلاله
تكفُّ صروف الحادثات وتصرفُ
على السيف من تلك الشهامة ميسم
وفي الروض من تلك الطلاقة زخرفُ
يظن الأعادي أن حزمك نائــــــــم
لقد تعد الفســــــل الظنون فتخلفُ
رأيناك في أعلى المصلى كأنما
تطلع من محراب داوود يوسفُ
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم
تشير فيمضي والقضاء مصرفُ
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد
بها يتلف المــال الجسيم ويخلفُ
لك الخير أنّى لي بشكرك نهضة
وكيف أؤدي شكر ما أنــت مسلفُ
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب
ولا ذل منقـــــاد ولا لان معطـــفُ

ماذا؟!!! كانّه أبو تمام بين يدي المعتصم، أو البحتري أمام المتوكل، أو المتنبي في مجلس سيف الدولة، وهاك!!!

وقال ابن زيدون في المعتمد بعد المعتضد من قصيدة طويلة جميلة:

وإذا غصون المكرمات تهدلت
كان الهديل ثناؤك المترنمُ
الفجر ثغر عن حفاظك باسم
والمجد برد من وفائك معلمُ

نعم المدح مدح، تذكرت بيتي المتنبي، واعتراض سيف الدولة، وتحليل الشاعر الحائك لهما، ولبيتي امرئ القيس، وإقرار السيف البزاز، الذي لا يرى في القماش إلا جماله، والحائك يعرف كلّ خفاياه وأسراره، فمنح سيف الدولة خمسين دينار صلاة، وتعادل خمسمائة دينار كجائزة للمتنبي على هذين البيتين الرائعين، ولك أن تحكم بين الاثنين:

وقفت وما في الموت شك لواقفٍ
كأنك في جفن الرّدى وهو نائمُ
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمــــةً
ووجهك وضّـــــاحٌ وثغرك باسمُ
السلام عليكم، والشعر إليكم، والسماح منكم!!!

من نفس المؤلف