تصفير

، بقلم سعيد مقدم أبو شروق

خرج المدرس مغتاظا من الصف، وقد خرج من طوره أيضا،قال إن أحدهم يصفر ويشوش النظام، فلم أستطع أن أكمل التدريس.

ثم تابع رطينه وهو يشكو:

هؤلاء ليسوا طلابا، ولا يستأهلون الجلوس على كراسي الصف.

ولا يحترمون المدرس؛ كلهم على قلب واحد، فلا يدلونني على الصافر أو ينهونه.

كان قد مر أسبوعان من السنة الدراسية ولم نزل في البداية، حاولت أن أهدئ من روعه، فقلت:
لم أر منهم أي حركة تنافي الأخلاق أو عدم الاحترام في الأسبوع الماضي.

قال والغضب يرتعش في شفتيه:

كلهم يسكتون في الجلسات الأولى، ثم يبدؤون شيطنتهم.

كانت حصتهم الثالثة معي، والشغب غالبا ما يبرز عندما يتعب الطلاب.

دخلت الصف، سلمت عليهم، وبعد أن قرأت أسماءهم لأسجل أسماء الغائبين، بدأت التدريس.

لم أكتب الكثير على السبورة...

وإذا بأحدهم يصفر!

وإذا بصوت الضحك يعلو!

لم أهتم، واستمريت أكمل الحل على السبورة وكأني لم أسمع الصفير.

وإذا بالمصفر يعيد تغريدته!

وضعت قلم السبورة على المكتب وجلست:

من منكم صفر؟

ولم أنتظر طويلا، ولم يتغلب عليّ الغضب، بل خاطبتهم مبتسما:

ذكرني هذا الصفير بالبلبل.. وهل تعلمون أيها السادة أن البلبل يسمى عندليبا؟

ويسمى هَزارا أيضا؟

ودائما ما يلقبون صاحبي الأصوات الجميلة بالعندليب لحسن تغريدة هذا الطائر الجميل.

وجمع كلمة البلبل: البلابل.

ولكن كيف نجمع كلمة عندليب:

أبدى البعض برأيه، حتى كتبت كلمة عنادل على السبورة.

ثم دخلنا في قاموس الأسماء، ولم نخرج منه إلا بعد ما اقتطفنا باقة عبق الصف برائحتها العربية.

كان بعضهم يستمع باهتمام، وقد أطبق البعض الآخر ذراعيه يتأمل، ورأيت أكثر من طالب يسجل الملاحظات التي كتبتها على السبورة.

وأنهيت الكلام بالشكر: شكرا لمن ذكرنا بالعندليب.

واتجهت الوجوه نحو الصافر، فأطرق برأسه خجلا.

وأكملت الدرس، وهم يستمعون برغبة بعد الإعراض ذاك، ويكتبون.

ودق الجرس وخرج الطلاب بهدوء.

وعند خروجي، جاء الصافر يعتذر...

أجبته وأنا أربت على كتفه: لا تثريب عليك يا رجل.

ثم همست أكلم نفسي:

لعمري، هذا هو سحر لغة الأم!

لقد حل المشكلة بسهولة.