النظام السياسي المناسب لمصر

، بقلم عادل عامر

يتصور البعض أن النظام الأمثل في مصر هو نظام مختلط وينسى أو يتناسى أن أسوأ النظم السياسية التي يمكن أن تعرفها مصر هو ذلك الذي يفترض أن النظام الأمثل هو الذي يأخذ من كل نظام زهرة أو قطعة ويصنع خلطته غير السحرية التي تكون أقرب إلى المصطلح المصري الشهير «سمك، لبن، تمر هندي»، فتخلق نظاما عاجزا عن الإنجاز والعمل.

نظريا لا يوجد نظام مختلط، إنما نظام أقرب للبرلماني أو الرئاسي، حتى لو وضعنا قبلهما كلمة مختلط، فلابد أن تكون للنظام هوية محددة وتعبير «برلماني» هو اختراع مصري غير موجود في بلد آخر في العالم.

صحيح هناك خوف من مرارات النظم السابقة التي ادعت أنها رئاسية وكانت نظما استبدادية بامتياز، فتصور البعض أن الحل في القضاء على صلاحيات رئيس الجمهورية أو اقتسام سلطته مع رئيس الوزراء، وهو أمر غير موجود في فرنسا التي تعرف نظاما شبه رئاسي، فرأس السلطة التنفيذية هو رئيس الجمهورية وليس رئيس الوزراء، لأن فلسفة النظام الرئاسي لا تقوم على إضعاف السلطة التنفيذية وانقسامها بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إنما في التوازن بين السلطات الثلاث، والحفاظ على صلاحيات الرئيس وقدرته على الفعل والحركة ومساءلته وحسابه أيضا.

نظريا النظام شبه الرئاسي أفضل لمصر، وعمليا الأمر يحتاج إلى قواعد قانونية وإرادة سياسية لإعمال النصوص الدستورية على أرض الواقع، فالدساتير العظيمة لم تصنع بمفردها نهضة الشعوب، إنما الممارسة العملية واحترام الدستور والقانون.مبدأ التلازم والتناسب بين السلطة والمسئولية:

وهو مبدأ تفرضه اعتبارات العدالة، فضلاً عن مقتضيات حسن سير العمل، سواء في الإدارة الخاصة أو الإدارة العامة أو النظم السياسية. فالتلازم بين السلطة والمسئولية ضروري، وجوداً وعدماً، بمعنى أنه حيث تكون السلطة.. تكون المسئولية وحيث تنتفي السلطة .. تنتفي المسئولية، أو هذا ما يجب أن يكون، فالسلطة قدرة على صنع القرارات وفرض الطاعة، أو هي "وظيفة القوة"، والسلطة بدون مسئولية تتنافى مع العدالة لما يؤدى إليه عدم المحاسبة والمساءلة عن ممارستها من تحكم واستبداد، فضلاً عن أنه لا يضمن أداء الواجبات وإنجاز الأهداف التي منحت من أجلها، ومن ناحية أخرى.. فإن المسئولية بدون سلطة أمر تأباه العدالة، كما أنه قد يرتبط أو يكون نتيجة لنقل المسئولية بإعفاء صاحب السلــطة الحقيقي منها.

أي أن المسئولية دون سلطة كثيراً ما تقابلها سلطة بدون مسئولية. على أنه لا يكفى أن يتحقق التلازم بين السلطة والمسئولية – وجوداً وعدماً – وإنما يلزم أن يتحقق التناسب والتعادل بينهما، فعلى قدر السلطة تكون المسئولية، وذلك يعنى وجوب منح الموظف القدر الضروري من السلطة لإنجاز الأعمال المكلف بها، وإذا كانت السلطة دون القدر الضروري لأدى ذلك إلى العجز عن تحقيق الأهداف المنشودة والارتباك في العمل، ولتأذت العدالة من مساءلة الموظف عنه طالما أنه لا يرجع إلى تقصيره، وإنما يرجع إلى عدم كفاية الوسائل والسلطات الممنوحة له ومن جهة أخرى ينبغي ألا يمنح الموظف سلطات تفوق ما يلزم لإنجاز الأهداف المرجوة، وإلا لأدى ذلك إلى التعسف والانحراف.

على أن تحقيق هذا التناسب يقتضى تحديد واجبات وسلطات كل وظيفة بدقة وهو ما يتأتى عن طريق توصيف الوظائف، أي وضع وصف وتحليل مفصل لكل وظيفة بين السلطات والاختصاصات والواجبات التي تتضمنها، بحيث يراعى فيه إعمال مبدأ التناسب بين السلطة والمسئولية.
تقوم النظم السياسية وتعمل على قاعدة الاستقرار السياسي؛ فالاستقرار هو أساس التنمية والنمو، وهو يعكس كذلك مقدار الرضا عن النظام السياسي، ولقد أفاض علماء السياسة في شرح أسس وقواعد الاستقرار السياسي؛ حيث هناك قواعد عديدة تمثل أسسًا ثابتة لإقامة الاستقرار السياسي، ولكننا نكتفي هنا بتحديد أهم عشر قواعد بدونها لا يمكن الحديث عن الاستقرار السياسي؛ فمن ناحية، يعد بناء النظم السياسية أو ما يسميه البعض المؤسسية أو المؤسسة بمعنى التحول من الشخصنة إلى المؤسسات الثابتة والفاعلة القاعدة الأولى للاستقرار السياسي، وكم من حضارات وإمبراطوريات ودول أُزيحت من على الخريطة السياسية للعالم نظرًا لفشلها في التحول من الشخصنة إلى المؤسسية.

وتعنى المؤسسية إقامة المؤسسات المعروفة في النظام السياسي كالمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية ومؤسسة الأمن العام، وفيما يتعلق بالسلطات الرئيسية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ فإنه من الضروري تحقيق توازن حساس بينها وعدم طغيان إحداها على الأخرى أو التحيز بإعطاء حصانات وامتيازات لإحداها على حساب الأخرى؛ ففي النظم الرئاسية، تتسم العلاقة بين هذه السلطات بالتوازن، وإلى حد كبير الاستقلال، كما لا يتمتع أعضاء السلطة القضائية باى حصانات أو امتيازات خارج إطار ساعات العمل الرسمية لهم حفاظًا على مساواتهم بأعضاء السلطتين الأخريين، بينما يوجد تداخل بين السلطات في النظام البرلماني، وهو تداخل لا يقلل من دور المؤسسات في صنع السياسات العامة، وفى النظام المختلط/ شبه الرئاسي، مثل؛ النظام المصري، تلعب المؤسسية دورًا هامًا في بناء قواعد المساءلة السياسية بناءً على الأداء الفعلي للمؤسسات.

أما القاعدة الثانية؛ فتتمثل في وجود طبقة متوسطة فاعلة في النظام السياسي، ولقد أفاض أرسطو، في كتابه القوانين، حول أهمية ودور ووزن الطبقة المتوسطة في صيانة الاستقرار السياسي؛ فالطبقة المتوسطة واسعة بصورة أكبر من غيرها، ولها مصلحة في استمرار وديمومة النظام السياسي، كما ترتبط مصالحها كذلك بمستقبله، ومن ثم؛ فهي تساعد في بنائه وحمايته والحفاظ عليه، ولا شك أن الاستقرار الملحوظ في الدول المتقدمة يعود في جزء كبير منه إلى اتساع وانتشار هذه الطبقة بما تضمه من مهنيين وخبراء وفنيين ومبدعين ومخترعين،كما أن مظاهر عدم الاستقرار في الدول الأخرى يمكن إرجاعها إلى تآكل حجم الطبقة المتوسطة كما حدث في مصر في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك.

وتتمثل القاعدة الثالثة في حتمية مكافحة الفساد، سواء كان ماليًا أو سياسيًا، ولقد شددت المادة 218 من دستور 2014 على التزام الدولة بمكافحة الفساد، وهناك فارق كبير بين الفساد وتوزيع الغنائم السياسية؛ ففي بعض النظم السياسية ليست هناك غضاضة من أن يقوم الرئيس المنتخب بتوزيع بعض المناصب على المناصرين له في الحملة الانتخابية، إلا أن ذلك يتم علنًا وبشفافية شديدة ويستهدف تطبيق البرنامج الانتخابي للحزب أو الرئيس بطريق مؤسسات الدولة المختلفة، وذلك بتعيين الأنصار في تلك الوظائف، أما الفساد؛ فهو يعني-في أبسط معانيه- تحويل المنافع العامة إلى مصالح شخصية؛ ففي دراسة مهمة عن الفساد السياسي في برلمانات العالم، تبين أن عددًا كبيرًا من أعضاء البرلمانات في الدول النامية، عكس الدول المتقدمة، يدخلون إلى البرلمان وهم فقراء أو ينتمون إلى الطبقة المتوسطة ثم يتحولون بطريق الفساد المالي وفور خروجهم من البرلمان إلى أغنياء، وهكذا، يمكن أن تتحول السلطة إلى مصدر للثراء.

خلاصة الأمر

انتهج الدستور الجديد لمصر 2014 هذا النهج

لرئيس الجمهورية الحق في اختيار الوزراء وذلك مع الاحتفاظ بحق السلطة التشريعية في اعتماد تعيينهم ولا يكون رفض أي وزير مقترح إلا من خلال التصويت بأغلبية ثلثي أعضائها كما يكون للسلطة التشريعية الحق في مساءلة رئيس الجمهورية في المسائل العظمى المتعلقة بكيان الدولة ويكون الحق مشروط بموافقة ثلثي أعضائها وفى حال الإدانة وبأغلبية ثلثي الأعضاء تطرح الثقة في رئيس الجمهورية من خلال استفتاء شعبي وإذا جاء الاستفتاء موافقا للإدانة يتم إعلان خلو منصب رئيس الجمهورية .. لينتخب رئيسا جديدا .. وإذا جاء غير موافق للإدانة يتم حل البرلمان لينتخب برلمانا جديدا يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، واحترام حقوق الإٍنسان وحرياته، على الوجه المبين في الدستور.

يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته علي ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً علي الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيسا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً، عُدٌ المجلس منحلاً ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال ستين يوماً من تاريخ صدور قرار الحل. وفى جميع الأحوال يجب ألا يزيد مجموع مدد الاختيار المنصوص عليها في هذه المادة على ستين يوماً. وفى حالة حل مجلس النواب، يعرض رئيس مجلس الوزراء تشكيل حكومته، وبرنامجها على مجلس النواب الجديد في أول اجتماع له.

في حال اختيار الحكومة من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، يكون لرئيس الجمهورية، بالتشاور مع رئيس مجلس الوزراء، اختيار وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل. لرئيس الجمهورية إعفاء الحكومة من أداء عملها بشرط موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب. ولرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري بعد التشاور مع رئيس الوزراء وموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للحاضرين وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس. لرئيس الجمهورية أن يفوض بعض اختصاصاته لرئيس مجلس الوزراء، أو لنوابه، أو للوزراء، أو للمحافظين، ولا يجوز لأحد منهم أن يفوض غيره، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف