الثلاثاء ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠١٧
الرؤيا الجمالية في قصائد
بقلم عصام شرتح

«أغنية للبلشون الحزين»

لاشك في أن الرؤيا الجمالية الفاعلة هي التي تحرك كل المنتجات الفنية والأجناس الأدبية على اختلافها وتنوعها،وتعدد أساليبها، وتوجهاتها المختلفة،ولذلك تتنوع الفنون وتختلف فيما بينها،تبعاً لمتغيرها الجمالي ورؤيتها الإبداعية الخلاقة؛ وبما أن النص الإبداعي الخلاق هو حصيلة خبرة وتجارب إبداعية عديدة فإن ما يهب النص الإبداعي تميزه هو الرؤيا الإبداعية الفذة، واللغة المتوفزة المنتجة لمختلف القيم والتقنيات الجمالية المثيرة، بجوانبها ورؤاها المتعددة، ولذلك ، فإن غنى أية تجربة إبداعية لا تتحدد إلا بفاعلية الرؤيا واللغة المنتجة المتفجرة نبضاً وإحساساً وسموقاً جمالياً في التشكيل والخلق الفني.

وبتقديرنا: إن الرؤيا الجمالية هي الحبل السري الذي يصل المبدع بمنتجه الجمالي أولاً ، ومتلقيه المبدع الحساس ثانياً؛ والنص الإبداعي لا قيمة له بمعزل عن متلقيه الجمالي الحساس الذي يمتلك الخبرة الجمالية في تقييم هذا المنتج الإبداعي وفق أسس جمالية وحدس جمالي مركز، يقول الناقد أحمد الشايب:" العالم حركة وخلال كل تغيراته هناك إيقاع مستمر، وعندما يوافق إيقاع نفوسنا إيقاع الأشياء في الكون تكتسب الأشياء حقيقتها ومظهر جمالها".

وهذا يعني: أن ثمة اندماجاً روحياً بين رؤيا المبدع الجمالية ورؤيا المتلقي الإبداعية التي تترجم هذا الإحساس الجمالي إيقاعاً داخلياً يتمثل في التفاعل والتلاقي الروحي بينهما، أي خلق نوع من "التناسق الهرموني في نفس القارئ ".

وهذا التلقي الروحي هو ما يجعل العمل المنتج يستحوذ على خاصيته الجمالية أو الإبداعية، نظراً إلى ما حققه من لذة ومتعة وسلاسة شعورية لحظة تلقيه، فالشاعر مثلاً يستجر اللغة؛ ليخلق منها نفثة جمالية من نفثاته الشعورية المحتدمة، ولهذا سمي الشاعر" جلاداً رقيقاً يعذب اللغة"(). لأنه يختار الكلمات بعناية للبحث عن رنين الألفاظ أو غرابتها أو ندرتها لدرجة ترغمه أحياناً أخرى على وضعها في المكان المناسب لها في أتون الأرض بحيث يجذب بعضها بعضاً أو يرد بعضها على بعض لتعطي لنفسها ولجاراتها قيمة خاصة، أو يدفعه أحياناً إلى مجرد وضع معناها بصيغة غير طبيعية أو إلى إحياء معناها القديم عن طريق إروائها من المنابع الأولى للغة".

وهذا يعني أن الرؤيا الجمالية- في لغة الشعر- لتستحوذ على شعريتها لا بد من أن تخلق درجتها الفنية التأثيرية بحنكة تصويرية تحقق عنصر المتعة؛ والمفاجأة؛ والإثارة النصية، يقول السيد برادين:"إن الفنية الشعرية هي فنية السهو". والسهو لحظة جمالية يغيب فيها الوعي لحظة الانشداه إلى ما هو ممتع ومثير جمالياً؛ وهذا يؤكد حقيقة قلما لمسها النقاد، وأشار إليها برتليمي وهي:" كلما كان بيت الشعر جميلاً رناناً مشعاً بالإيقاع ابتعد عن منفعته الجمالية أو الشاعرية الإبداعية الحقيقية، وباختصار، كلما شغل بيت الشعر نشاطاتنا السطحية قلت نسبة احتمال دخوله في المنطقة الشاعرية للروح. فالإعجاب شيء والسحر شيء آخر، لأن العظمة تسطع وتبهر ليكون لها تأثيرها الكامل من حيث لفت النظر فحسب، ولا بد من وقت أطول ومكان أوسع لكي تنتشر الموجات الغامضة الهادئة، الساكنة للترنيم الشاعري .. إذ ليست المعجزة إطلاقاً هي بيت الشعر نفسه، بل هي شبكة من أبيات تسمح للتيار الشاعري أن يسري"().
ومن هذا المنطلق، فإن الإبداع الشعري جمالياً لا يخلد كمؤشر على التناسق والانسجام فحسب، وإنما كمؤشر على الرؤيا الشعرية المنظمة للكلمات والعبارات والجمل بشكل لائق أو رائق فنياً، وتبعاً لهذا؛ فإن:" التناسق الجمالي بين أجزاء البناء اللغوي للنص الشعري، وتآلف تلك الأجزاء وتناسبها هو لب الإيقاع ، فلكل حرف أو كلمة موضع في المجموع، وأساس من أسس الحركة الإيقاعية، والكل يؤدي عمله الخاص به والمرتبط بما يسبقه، أو يليه من كلمات؛ ومن هنا، تعمل أجزاء النص الشعري لصالح المجموع، وعلى هذا الأساس، فإن جمالية الإيقاع لا ترتبط بمقاييس ثابتة يقوم على الخطأ والصواب، كما في الوزن الخليلي الذي يقوم على الصحة والاعتلال، لأن الإيقاع لا يقوم على قوانين محددة يمكن من خلالها أن يقيس الناقد جماليات القصيدة .. وعلى هذا، فإن المعنى الشعري والموقف الوجداني والقوة الإبداعية يشتركون معاً في تحقيق الإيقاع، وتقييم عناصره وتفضيل دلالاته:

وتأسيساً على ما سبق، يمكن أن نعد الرؤيا الجمالية ريشة المبدع في ارتياد فضاء الكون محطماً تصاميمه، وتشكيله بتصاميم جديدة تسمو فيها الروح والمخيلة فوق مادية الأشياء ومنطقية علائقها ، يقول جيور جيودي شريغو :" سيتحرر الفن من خلال الفلاسفة والشعراء المحدثين". لأنهم الأقدر على تشكيل العالم لانتزاع الجوهر أو الكشف عن ماهية الأشياء، وجوهرها الأصيل ؛ فالفن ما هو إلا رؤية الجوهر، أو الكشف عن روحانية الوجود وعصارة الأشياء ، ولا يمكن للفن أن يرتاد السطح دون العمق، إذ ثمة إشعاعات جمالية يوجهها الفن إلى متلقيه؛ وهذه الإشعاعات لا تعطينا كليتها ، وإنما تمنحنا جزءاً من الرؤيا، لنتابع فاعلية الكشف والبحث الجمالي عن كنه ما يخفيه العمل الإبداعي الأصيل؛ لهذا فإن الكثير من علماء الجمال لا يقفون على الشكل الجمالي بوصفه منجزاً فنياً نهائياً؛ وإنما يبقى في طور التوالد والنمو والتكاثر المستمر؛ وهذا ما أشار إليه بول كلي في قوله:" لا يجوز أن ننظر إلى الشكل بوصفه إنجازاً نهائياً باعتباره نتيجة نهائية بل يجب أن ننظر إلى الشكل بوصفه سفر تكوين ونشوء ، بل هو تكون صيرورة ، كينونة.حسن اعتبار الشكل حركة فعلاً . حسن هو الشكل اليومي المتغير. حسن هو اعتبار الشكل هدوءاً ونهاية. حسن هو التشكيل. سيئ هو الشكل. الشكل : نهاية، موت، والتشكيل حركة في فعل. التشكيل فعل حياة".

فالذي يمنح الشكل الفني جماله واتزانه الرؤيا الجمالية التي هي مثار الإدهاش في إنجاز أي عمل إبداعي مثير أو مؤثر فنياً، وهنا نتساءل:

هل الرؤيا الجمالية خاصية إبداعية تتعلق بالمبدع أم بالمتلقي أم بكليهما معاً؟ ما هي مقومات الرؤيا الجمالية الفاعلة أو المحرضة للإحساس الجمالي و الخبرة الجمالية؟ ومتى ترقى الرؤيا الجمالية وتستمد خاصيتها المؤثرة؟! وما هي السبل المؤدية إلى تغذيتها في المبدع أولاً والمتلقي ثانياً؟!

نقول:

إن الرؤيا الجمالية وليدة إحساس جمالي أولاً، وخبرة جمالية ثانياً، ونفس مشبعة نبضاً وإحساساً دافقاً بالأشياء الكونية المحيطة بالذات؛ ومن هنا، فالمبدع لا يستمد رؤيته الجمالية من فراغ، وإنما من حصيلة خبرات وتجارب ومعارف وجودية وكونية سابقة وعميقة في الآن ذاته؛ تذهب مباشرة عبر منتجه الجمالي لتتغلغل إلى مشاعر وأحاسيس المتلقي، ليس لاستساغتها فحسب، وإنما ليتفاعل معها؛ وبقدر ما تحقق الرؤيا الجمالية خاصيتها الإبداعية بوصفها محرضاً إبداعياً للخلق والتأثير بقدر ما تزداد درجة إثارتها عمقاً وأثراً في المتلقي، وترقى الرؤيا الجمالية في كليهما معاً.

والمبدع- من منظورنا الجمالي- هو القادر برؤيته الجمالية على بلورة الحدث الفني الفاعل أو المؤثر الذي يستثير الرؤيا الجمالية، بل ويحفز منتوجها في العمل الإبداعي المنتج، خاصة عندما يختار الحدث الفني المؤثر رؤيوياً، يقول كيتس" إن الفن قد يكون الطريقة الوحدية التي تتوفر لدينا لتجميد اللحظة ووقف تدفق الزمن". وهذا؛ لن يتحقق إلا عبر الرؤيا الجمالية التي تمثل قناة الاتصال الحقيقية بين المبدع والمتلقي، فالرؤيا الجمالية هي التي ترسم الأشياء، وتبلور حيزها الجمالي المؤثر لاستثارة الرائي أو المشاهد إلى ماهية العمل الفني ومنتوجه الإبداعي المؤثر؛ وهذا يدل أنه: "حين تجابهنا أحداث غنية بالمعنى في الحياة، فإننا نفقد الإرواء إذا أوقفنا الحدث؛ ومع ذلك فحالما نقوم بالعمل، فلا بد للحظة المرتوية أن تمر. إن الفن يقوم حقاً بوقف الحدث، ويجعل اللحظة أزلية نسبياً".

وهذا يعني أن لحظة الإرواء الدسمة جمالياً هي لحظة تفاعلنا مع العمل الفني الإبداعي، واكتناه لغزه الإبداعي، ورؤيته الجمالية؛ ولحظة الإرواء أو إشباع هذه هي لحظة التلقي الجمالي للعمل الإبداعي المؤثر؛ إنها لحظة الاستثارة أو التأثير التي يبثها المبدع في منتوجه الجمالي؛ ولهذا قال أحد الرسامين واعياً بهذه القيمة:" أود لو أنني في أحد الأيام أمسك بلحظة من الحياة في جمالها الكامل ذلك سيكون اللوحة المطلقة".

وهذا يدلنا أن اللحظة الجمالية التي يؤطرها العمل الإبداعي المثير هي لحظة روحية تنبع من عمق الذات، وهذه اللحظة هي لحظة الإحساس بمحايثتها الجمال أو تحثثها الحقيقة أو التمتع بما يحايثها ولو وهماً؛ فاللحظة الجمالية هي لحظة شعورية فردية أو فردانية؛ ومهمة الفن بوصفه فناً جمالياً هي الارتقاء بهذه اللحظة جماليا،ً والكشف عنها؛ أو لذة الارتحال في الكشف عنها، يقول برغسون:" ليس للفن أي هدف آخر، سواء أكان رسماً أم نحتاً أم شعراً أم موسيقى، سوى الكشف والإماطة عن الرموز المستفادة عملياً في التعاميم الاجتماعية التقليدية، وباختصار، الكشف عن كل ما تستره الحقيقة عنا". ومن هذا المنطلق؛ فإن الرؤيا الجمالية هي لحظة محايثة أو اكتشاف للحقيقة المسكونة في أعماقنا؛ والتي تلمع فجأة من ركام المؤتلفات والمتغايرات الوجودية، وهذا يعني أن لحظة الإحساس الجمالي هي لحظة مقاربة أو محايثة لهذه الحقيقة المجهولة الغائرة في أعماقنا، وهي لحظة فردانية تشع من خبراتنا الفردانية وإحساسنا الفردي؛ وهذا ما بينه "برغسون في قوله:"إن الفن دائماً يذهب نحو الفردانية، فهو يبدو بكلمات أخرى"إرسالاً للذات الفردية، أو القدرة على استحضار الذات الفردية في عرض مناسب وموافق".

والمبدع الحقيقي هو الذي تتوافر- لديه- حقائق الرؤية الجمالية أو موروثات الخبرة الجمالية تلكم الخبرة التي تجعل المبدع الجمالي هو الأقدر على استحقاق هذه اللحظة، والتحليق بها من فردانيتها أو شخصانيتها إلى كليتها وعموميتها، ومن لحظتها الآنية العابرة؛ إلى لحظتها السرمدية الخالدة؛ فالفن هو المخلص لهذه اللحظة؛ والباعث لحيويتها على الدوام، يقول عالم الجمال (جيمس):" إن ما هو آتٍ أهم مما هو واصل فعلاَ". والمبدع الجمالي بوصفه مبدعاً يستثير الخيال؛ ويرسم بريشته الفنية دفقات مشاعره رسماً دقيقاً يناوش حس المتلقي الجمالي فهو الأقدر على ممارسة هذا الفعل الجمالي الذي يجعله بتواصل مستمر مع ما هو إبداعي ومؤثر جمالياً بالمتلقي. ولا تظهر معالم هذه الجمالية إلا من خلال المهارة في تحسين سلوكنا وسلوك الآخرين وذوقنا وذوق الآخرين الفني،لنتحثث ما هو جميل ومؤثر فنياً، وهذا ما صرح به قائلاً:" ينبغي أن ينظر إلى الفرد كظاهرة نشاطية؛ ومع التأثير المشترك للنشاطات الأخرى يستطيع الفرد أن يحسن من خصوصيته".

وتبعاً لهذا؛ فإن نشاط المبدع جمالياً يتحدد بمستوى نشاطه الإبداعي، ومنجزه الفني، ومدى حيازته لتميزه وتفرده جمالياً، وبقدر ما تزداد أسهم الرؤيا الجمالية ارتفاعاً وسموقاً تزداد خصوبة المنتج الجمالي؛ وتظهر دلائله ومؤشراته الجمالية بتنوع وكثافة داخل المنتج الجمالي.

فاعلية الرؤيا الجمالية في قصائد(أغنية للبلشون الحزين) لنجاح إبراهيم:

إن قارئ قصائد( أغنية للبلشون الحزين) لنجاح إبراهيم يدرك أن الشاعرة قاصة وروائية من الطراز الرفيع، لأن إيقاع السرد والبوح الذاتي يكاد يطغى على تشكيل القصيدة لديها،ويدرك –كذالك- قيمة التشكيل اللغوي التصويري للمواقف، والأحداث الشعرية، مما يجعل المشاهد متحركة تارة، بالمشاعر المكثفة، والأحاسيس، والصور المتتابعة، والرؤيا الجمالية الخلاقة، وكأن الشاعرة تعيش الموقف الجمالي بكل حراكه الرؤيوي المنفتح،وإحساس التجلي الصوفي، أو الابتهال الصوفي لديها،مما يدل -بالدليل القاطع- أن الموقف الصوفي، وتجسيد الحالة الروحية هي التي أسدلت ستارها على الفضاء الجمالي والرؤيوي، لمثل هذه القصائد، فالبوح –لديها- ليس بوحاً ذاتياً فحسب،وإنما هو بوح روحي يعبر عن صدى إحساساتها العميقة، ورؤاها المكثفة؛ إزاء الكثير من القضايا الوجودية والأحاسيس الوجدية المحمومة التي تدل على وله صوفي عائم،ونبض روحي دفاق، يزداد كلما استغرقت بالسرد التوصيفي للحالة الوجدية؛ لدرجة يتنامى تدريجياً، حتى يصل إلى القمة في تصوير الموقف والأحداث بكل شمولية الرؤيا، وصدى الموقف المجسد،والحدث المشهدي الملائم للمواقف، والحالة الوجدانية التي تم التعبير عنها.

ولعل أبرز ما يحرك الرؤيا الجمالية في قصائد (أغنية للبلشون الحزين) لنجاح إبراهيم الحياكة الجمالية للأنساق الشعرية،فالشاعرة تبني إحساسها الجمالي على الوعي التشكيلي بالأنساق الشعرية المراوغة التي تملك حيزها الرؤيوي الفاعل من التكثيف والإيحاء، وهذا يعني براعة الأنساق الشعرية في الكشف عن مخزون الرؤيا الجمالية التي تجريها بين الأنساق،ذلك أن الرؤيا الشعرية الحقة هي التي تحدد المستوى الفني والجمالي الرائق للأنساق الشعرية،ومدى الحياكة الجمالية في إبراز حيوية الصورة،وعمق المشهد، على شاكلة المقتطف الشعري التالي:

بقداسةٍ ألجُ قيامتك
فالجسدُ الذي واروه الترابَ
لم يغبْ عنّي
والمرأة التي كنتِها
ما غادرتني
كالطائر البردان تلفني غرفتك
وغيبوبةُ بهائك
أصحو على عزفِ حضورك اللا يرحل مني
أبدأ برائحةِ العقيقِ
وأقمشةٍ امتصّت من شجن المسام
حدَّ الرّواء
هي ذي الأقراط تسبح بعطر
خلفَ أذنك
وأزهارُ البنفسج ترنو إلى حزن
عميق في كف
أتوضأ بصهيل ناري" (17).

بادئ ذي بدء، نقول: إن شاعرية اللغة الشعرية المتفجرة، نبضاً وإحساساً في النسق الشعري السابق تعود إلى عمق الحالة الصوفية،وبراعة منتوجها الدلالي ومخزونها الرؤيوي الخلاق،وهنا، سرعان ما يدرك القارئ فاعلية الرؤيا الجمالية التي تملكها الشاعرة من خلال عمق الصورة،وفاعلية الرؤيا الجمالية التي تشي بها كل صورة على حدة،وارتباطها بالنسق الجمالي الكلي الذي تشكله، لتصل إلى أعلى مراتب الإثارة ،والفاعلية، والتكثيف، كما في قولها:(أصحو على عزفِ حضورك اللا يرحل مني / أبدأ برائحةِ العقيقِ)، وهذا يعني ارتباط النسق الشعري بمثيرات الرؤيا، ومخزونها الفني،فالشاعرة تعي أبعاد الكلمة ومكمنها الروحي الدافق بالحساسية ،والشعور، والجمال، كما في قولها في هذه الاستعارة الدافقة:(أتوضأ بصهيل ناري)، وهذه الاستعارة لا تنم عن موقف جمالي عميق فحسب، وإنما تنم عن رؤيا شعرية وموقف عاطفي روحي دافق بالحساسية والجمال.

ولعل حراك الأنساق الاستعارية بهذه الحنكة التشكيلية المراوغة ولد درجة من الشاعرية والإدهاش في التقاط المشاهد المكثفة، والتعبير عن وقع الحالة الصوفية بكل ما تشي به عذوبة اللغة، وفيوضاتها الصوفية الممتلئة نبضاً و إحساساً،وشعوراً .

وبتقديرنا: إن شاعرية الرؤيا،ومكمن جمالها في قصائد( أغنية للبلشون الحزين) تعود إلى خصوبة الأنساق الاستعارية، ورؤيتها الإبداعية الخلاقة ،وإنتاج الدلالة المشتعلة في نسقها ،لتؤدي مدلولها وسحرها الفني المتحرك،كما في قولها:

بحجمِ قفّة من انكسارٍ
ينحني على طفولتهِ
بين أرتالِ الخيامْ
وحيداً إلاّ من أنفاسٍ
تُعاركُ صبراً
وجوعاً يشدّه إلى جهةِ نار
حافٍ نهارُهُ
من شمسِ الحنان"(18).

إن أبرز ما يحرك الشعرية في القصيدة الإحساس الجمالي في تصوير الحالة،والصور الدافقة بالحساسية والجمال؛ وكأن الشاعرة تبني الحدث بناءً مجسداً يتضمن كل مظاهر القوة والكثافة والجمال، والسرد التصويري القصصي الشائق؛ وهذا يعني أن شعرية التوصيف الدقيق للحالة الشعورية هي التي كثفت الدلالة،وأسهمت في تحريك الحدث، والمشهد الشعري.وهذا يدلنا على أن شعرية الاستعارات السابقة تنبثق من عمق الرؤيا وكثافة مخزونها الفني،كما في النسق الاستعاري الفاعل:(بحجمِ قفّة من انكسارٍ/ينحني على طفولتهِ). إن الشاعرة هنا أفضت باستعارتها إلى التعبير عن حالة الوله الصوفي، والهدهدة والنشوة الروحية.

وبتقديرنا: إن شعرية الحدث،وقيمة تجسيد الحالة هي التي عززت الموقف،وزادت من مكمن إثارة الشعرية وتحفيزها؛ووفق هذا التصور فإن ما يزيد من شعرية القصيدة رشاقة السرد،وفاعلية الحالة التصويرية المجسدة، كما في قولها:

"من أغانٍ تأتي بالشجرْ
وقبراتِ الغيم والمطرْ
وعيدان التفاح المغطّس بالسّكّر الأحمرْ
عارٍ وقتُه
من أصابعَ تتقرّى النبضَ الوجيعَ"(19).

إن القارئ للمقتطف الشعري السابق يلحظ بكارة الرشاقة السردية، والحنكة التصويرية في الانتقال من وصف إلى آخر، ومن رؤية إلى أخرى،وهذه الرشاقة اكتسبتها من الحراك الرؤيوي السردي أو القصصي،مما يدل على حالة من الإثارة، والخفة ،والسلاسة التصويرية في تكثيف الحالة، والارتقاء بها جمالياً وهذا الأسلوب المتبع في التشكيل هو ما عزز من شعرية الحالة، وحرارة الموقف العاطفي المجسد،ووفق هذا التصور، فإن كل ما يحرك الشعرية يدخل ضمن نطاق الرؤيا الفاعلة،ومحرضها الشعوري،كما في قولها:

"الرّيح تُعولُ
تقتاتُ من يديهِ فرحَ الدّفء
لأسنانه رقصةٌ غجرية ٌ
تشبعُ شبقَ الناعسين"(20)..

إن القارئ للمقطع الشعري يلحظ فاعلية الرؤيا، وبداعة النسق التشكيلي المنسق للصور الرومانسية الحالمة، وكأن المشهد الشعري يفرض إيقاعه التشكيلي المراوغ،ودهشة الصورة المركبة:(لأسنانه رقصة غجريةٌ تشبع شبق الناعسين)؛وهنا، تلفتنا الشاعر بإيقاع صورها التشكيلية ،وحراكها الدافق بالجدة،والمهارة، والابتكار وعمق الاكتشاف ،وكأن الشاعرة مسكونة بهاجس البث، والشكوى الداخلية؛ بإيقاع رومانسي يفيض بالدلالة،والعاطفة،والإحساس الجمالي.

وهذا يقودنا إلى القول: إن شعرية الصورة،وفاعليتها المكثفة تتمحور على حركة النسق في قصائد (أغنية للبلشون الحزين)، وكأن ثمة حراكاً متتابعاً؛ موجهاً صوب المشهد المتنامي في حركته التصويرية والمشهدية، أي إن الشاعر يعبر عن حراك المشاهد، بكثافة رؤيوية وحس شاعري متحرك،على شاكلة قوله:

"كم يحتاجُ من نصرٍ
ليبقى على قيد وطن؟
كم يحتاجُ من أكفّ
تمدّه بالأمان؟
لا تشعلوه نبضاً
لحظات وينطفئ لوحدهِ
كيراعة مرّت في سوادِ ليلْ
يسمّره البردُ والظلامُ
ببطءٍ ينسحبُ الدّمُ من خديهْ
مثلَ جيشٍ مهزوم"(21).

بادئ ذي بدء،نقول: إن شعرية الرؤيا- في قصائد هذه المجموعة- تتأسس على محرق الدلالة، وحراك المشاهد، وتنامي الأحداث،وهذا يدلنا على أن الشاعرة توجه قصائدها صوب الرؤية المكثفة والموقف العاطفي المحموم، وكأن القصيدة –لديها- حبكة قصصية منسوجة بقالب شعري، تدمج المخيلة بالواقع،وتربط الواقع بالمخيلة لتبني قصيدتها على المشهد المتحرك، والرؤيا التحريضية المرهفة.وهنا، على ما يبدو،تؤدي الأنساق الشعرية عبر تقنية السرد ملمحها الجمالي، من خلال فاعلية الاستعارة، ووقعها الجمالي المتحرك، ذلك أن السرد الوصفي من محركات الشعرية، لاسيما عندما يرتبط ارتباطاً مباشراً بالدلالة،ويشتغل على محور ارتكازي، يثير الحركة الجمالية في القصيدة،هذا المحور هو التشكيلات المراوغة التي تخلق متعتها، من بكارتها، وحيازتها الجمالية، كما في قولها:( أصابعَ تتقرّى النبضَ الوجيعَ/ لأسنانه رقصةٌ غجرية ٌتشبعُ شبقَ الناعسين)، وهذا يعني أن فاعلية الأنساق الشعرية المبتكرة تعزز المد الشعوري،بما تحققه من دلالات،ورؤى متحركة، تنعكس على أكثر من رؤية ودلالة،ولهذا،تزداد فاعلية الرؤيا الجمالية في قصائد (أغنية للبلشون الحزين) من شعرية متحولها الجمالي، بالانتقال من صورة إلى صورة،ومن دلالة إلى أخرى، وهذا ما تبرزه الأنساق الشعرية التالية:

"في المدنِ الحزينةِ
الشجرُ يموتُ
ولا يصبحُ حطباً!
مقهوراً
لاوياً العنق
من الخجلِ
والشِعرُ يذوبُ:
ملحاً
في يدي
والحمامُ
يختبئُ في الثقوب
مذعوراً!
راثياً طوق الخُضرة في العنقِ"(22).

لاشك في أن الشعرية الحداثية تصل إلى أوج ذروتها عندما تتأسس على شعرية الرؤيا،إذ تحقق متغيرها الجمالي أو لنقل مكونها الجمالي الأسمى، لاسيما عندما تحقق القصيدة أبرز درجات تفاعلها على مستوى الأنساق اللغوية ،وصولاً إلى قمة الإشراق اللغوي،وهذا ما نلحظه في المقتطف الشعري السابق، إذ نجد أن الشاعرة تستغرق في الحدث،وتصوير الموقف بعين لاقطة ،تدلل على مهارتها في التقاط المشاهد والأحداث، وتلوين الصور،على شاكلة قولها:( والحمامُ يختبئُ في الثقوب مذعوراً!راثياً طوق الخُضرة في العنقِ"؛ وهكذا، تتفاعل الصور،وتبرز في النسق الشعري، لتدلل على قيمة جمالية تتنامى تدريجياً لتصل إلى أعلى درجات الاستثارة والتأثير على شاكلة قوله:

لا يدَ ترمي بالحنطة
في صَحنِ الجامعِ المكسور!
في مُدنِ القهر
لا مصابيحَ يشقُّ ضوؤها
صفحاتي
ولا تُولَمُ للبرقِ عصافيرُ الغيم
سأتخيّلُ أني تجاوزتُ
تلك المدن ذات
إغفاءة!
فهل أرغبُ عنها
بإفاقة؟"(23).

إن قارئ هذه الجمل الشعرية يدرك الطاقة الإبداعية والرؤيوية الخلاقة التي تملكها الشاعرة من خلال توظيفها الرشيق للسرد الشعري،والرشاقة اللغوية،والحركة التصويرية المماحكة للقارئ من خلال جمالية الرؤيا،وعمق المنظور، وهذا يعني أن شعرية الرؤيا تتمثل في شعرية المتحول الجمالي الرؤيوي الذي يتأسس على كثافة المشاهد، وبداعة الصورة واللقطة الرومانسية التي تفيض بالموهبة والرؤيا، كما في قولها:(مقهوراً لاوياً العنق من الخجلِ والشِعرُ يذوبُ)، وهذا الأسلوب الجمالي في التشكيل الشعري يحقق أعلى درجات الفاعلية والإثارة الجمالية،كما في قوله:( مذعوراً! راثياً طوق الخُضرة في العنقِ)؛ وهذا دليل أن الحركة الجمالية عبر مساحة الرؤيا الشعرية من مغريات دينامية الصور السردية الوصفية التي نستنبطها من الحدث والموقف الشعري،وهذا يمتد ليشمل النسق بحرارته وامتداده، وألقه،وفضائه الرؤيوي المفتوح.
وهكذا تتأسس فاعلية الرؤيا الجمالية في قصائد (أغنية للبلشون الحزين) لنجاح إبراهيم على المرتكزات الجمالية التالية:

المماحكة النسقية:

ونقصد ب (المماحكة النسقية) براعة التشكيلات اللغوية وقوة حراك المشاهد وتحولها من نسق إلى آخر، بمقتضى نسقي فاعل ينم على فاعلية الأنساق وارتباطها بالرؤيا، مما يحقق تناغمها وتفاعلها الجمالي، وهذا دليل أن تفاعل الأنساق هو من مولدات الشعرية،ومحركاتها الجمالية الخلاقة، فتفاعل الأنساق وانسجامها في النسق الشعري عند نجاح إبراهيم يحقق أعلى فاعليته في السياقات العاطفية المسكونة بحالة من التصوف الروحي،كما في قول الشاعرة في هذا المقتطف الشعري التالي:

"أما كنتَ صوتي
وكنتُ صداكَ
بل كنتُ أكثرَ
كنتُ وجهَك القمحيّ
وسرّ غواياتِ الوقتِ الورديِّ
ومفتاحَ بوابةِ صبري
على الملمّاتْ
خذْ ما شئتَ من الغيابْ
سيبقى حبلُ الرّمانِ
في الجبين هلالاً
يكملُ دورته
في القادمات"(24).

إن الحنكة الجمالية تتمثل في البراعة والمماحكة النسقية التي تزيد شعرية الموقف العاطفي الصوفي الابتهالي،وكأن حنان الشاعرة ليس على واقع معين،وإنما على رؤيا تبحث عن حضورها وسط الغياب،وهذه الرؤيا تتمثل في البحث عن السر الروحي،كما في الأنساق التالية:[كنتُ وجهَك القمحيّ/وسرّ غواياتِ الوقتِ الورديِّ،ومفتاحَ بوابةِ صبري]؛ وهذه الأنساق اللغوية تفور بالحساسية والشعور والجمال،وكأن غواية الشاعرة غواية روحية تبحث عن محمولها الرؤيوي إزاء عالم مفتوح،على كل الاحتمالات الوجودية.

وبتقديرنا: إن المماحكة النسقية هي التي تحفز النصوص الشعرية،وترقى بمتغيرها الجمالي في بنية القصيدة الشعرية عند نجاح إبراهيم،كما في قولها:

"دهشتي البكر نشرتْ غلالتها
على مدىً من بوحٍ
فمن أيّ قمرٍ أرتشفُ الضياءَ
وهذي الأصابعُ
ألفُ قمرٍ يواكبُ رعشتها؟
وصوتٌ من أقصى اللهب
يعطّر القميصَ بتسبيحِ البرقِ
فأشهقُ ملءَ صحوي:
أنا التي استفاقتْ
ورأتْ نبياً راشحاً بدعوتهِ
صادرَ في أضلعي أعشاشَ اليقين
والعسل المرّ"(25).

إن الدهشة التعبيرية التي تمتاز بها هذه الأنساق لتبعث على التأمل والاستغراق في موحياتها الدلالية والرؤيوية،فالشاعرة متصوفة لدرجة العشق الروحي المطلق،لعالم ما ورائي تحلم به وتتمناه،عالم من الغواية، والدهشة، والنشوة الروحية،ولهذا، كثفت المماحكات النسقية الفاعلة التي تحرك الموقف الصوفي،وترتقي بشعرية الصورة والحالة الوجدية المتعلقة بها،والمفتوحة على خضم واسع من الدلالات والرؤى الصوفية المفتوحة،كما في قوله:[ فمن أيّ قمرٍ أرتشفُ الضياءَ/ ألفُ قمرٍ يواكبُ رعشتها/وصوتٌ من أقصى اللهب /يعطّر القميصَ بتسبيحِ البرقِ]، وهنا،ارتقت الشاعرة إلى حيز من التكثيف الإيحائي( صادر في أضلعي أعشاش اليقين/ والعسل المر)،وكأن الشاعرة ترسم الحالة الصوفية بمزيد من التكثيف والإيحاء والحراك الجمالي.
2- الحياكة الجمالية:

ونقصد ب( الحياكة الجمالية): حياكة الأنساق اللغوية المباغتة التي تترك القارئ يسبح في بحر من التأملات، والإشراقات الجمالية؛ومن خلالها تتكشف مدى الجودة والصنعة الفنية،ومن هذا المنطلق تعد الحياكة الجمالية أو المهارة الجمالية في التشكيل من محركات الشعرية ومؤثراتها الفاعلة، لاسيما حين تدخل الشعرية في تكوين الرؤيا،وتكثيف إيحاءاتها.
وبتقديرنا: إن الحياكة الجمالية- في قصائد( أغنية للبلشون الحزين)- تتأسس على مغريات الصورة،وعمق الرؤيا الجمالية المرتبطة بها،بمعنى أن متحولها الجمالي مبني على حراك الدلالات، وتتابعها النسقي، على شاكلة المقتطف الشعري التالي"

"هل كانت محضُ مصادفةٍ
أن تطيرَ رائحتُكَ
كي تحط ّعلى هُدبي
تسيل على رقبتي غواياتٍ
تُحيي العروقَ الزرقْ؟
تختبئ التماعةُ عَيني
في عروةِ قميصِ الحريرِ
وأزهارِ ربطةِ العنقْ"(26).

إن عمق الحياكة الجمالية تتمثل في تتابع الأنساق العاطفية التي تتضمن الكثير من الرؤى والدلالات المفتوحة،فالشاعرة ترسم المشهد الشعري برائحة الأنوثة وعبقها ،ورائحة الأنس والصبابة والوله والتوق الروحي إلى ذكورة الحياة،بإشعاع جمالي يمتلك فيوضاته الصوفية، وملامحه الجمالية عبر شعرية هذه الأنساق ،البالغة الإثارة والتحفيز/كما في قوله:[ هل كانت محضُ مصادفةٍ /أن تطيرَ رائحتُكَ /كي تحط ّعلى هُدبيٍ ]،فهذا السكون والوداعة الأنثوية تفيض بشعريتها على النسق الشعري،لتشي بدلالاتها الممتدة،ورؤاها العميقة،وكأن الشاعرة ترسم لواعجها العاطفية عبر هذا المد التكثيفي الذي تشتغل عليه قنوات الدلالة بمتغيراتها الكثيرة، لتشي بواقع الحالة العاطفية،وحالة الأنس والانسيابة الروحية التي تفيض بها الأنساق الشعرية.
وبتقديرنا: إن شعرية القصيدة- عند نجاح إبراهيم- تتمحور على محرق الحياكة الجمالية وفنية المنظور الجمالي أو فاعلية الرؤيا الجمالية التي تولدها في الأنساق الشعرية، لتأتي شعرية القصيدة مضاعفة في زخمها العاطفي وتوقها الجمالي.

ومن مؤشرات ودلائل الحياكة الجمالية، الشذرات التصويرية المباغتة ذات المغزى الدلالي والنمنمة التشكيلية المراوغة على شاكلة المقتطف الشعري التالي:

أنحتُ..
حرماني وشماً
على بياضكَ المهيب
آه لو تجيء!!
تحرّرُ الشوقَ المصلوبَ على قضبانِ النافذة
تنزعُ صدأ نظراتي
تمسحُ ماعلقَ على المرآة
من صوتٍ حزينْ"(27).

هنا، تبرز شعرية الرؤيا عبر الدلائل والمؤشرات الجمالية التي تظهر بالارتكاز على الشذرات التصويرية المباغتة، التي تأتي غاية في الاكتناز والتنامي الجمالي،كما في هذه الشذرات التصويرية المباغتة،:" أنحتُ..حرماني وشماً على بياضكَ المهيب"، وهذه الرؤية الجمالية تتأكد أكثر من خلال فاعلية الموقف الجمالي،وعمق الصورة المتخيلة، على شاكلة الصورة التالية:[ آه لو تجيء!!تحرّرُ الشوقَ المصلوبَ على قضبانِ النافذة]؛وكأن الشاعرة تتفنن بالأنساق والشذرات التصويرية لتحقق مبتكرها الجمالي، وهذا دليل أن الشاعرة نجاح إبراهيم تستغل البنى الاستعارية المفاجئة لإبراز متحولها الجمالي في شكل النسق،وحيوية الصورة.

3) الدهشة التصويرية:

ونقصد ب (الدهشة الجمالية): دهشة الصورة، أو النسق التشكيلي الذي ترتبط به الرؤيا،محققة إثارتها وتناميها الجمالي،وهذا يعني أن إثارة الصورة وقلقلتها نسقياً تبرز مدى فاعلية النسق التصويري،وشعرية الموقف الجمالي في تشكيلها،ومن هذا المنطلق، تعد الدهشة الجمالية من مؤشرات الرؤيا الجمالية الخلاقة،لاسيما عند ترتبط هذه القلقلة النسقية بفاعلية الرؤيا ومكمن ثقلها الجمالي.

وبتقديرنا: إن خصوبة الرؤيا الشعرية، ومردودها الجمالي الخلاق- في قصائد (أغنية للبلشون الحزين)- تتأسس على مرجعية الصورة،وبراعة الأنساق التصويرية المماحكة في نسقها لتبرز كفاعلية رؤيوية خلاقة في تكثيف الحدث،وتعميق التجربة،كما في قوله:

"فرحاً
تطفئ لظى القلبِ
بسحائب الندى
تسقي يباسَ العشبِ
في عينيّ
تحملني ريحاً
تحت جناحيها
غمامٌ!
آفاقٌ!
وفجرٌ!
أرتلُ قدّاس ياسمينها
في الشامْ."(28).

هنا،تتأسس الشعرية في هذه الأنساق على متحولها الجمالي، من خلال دهشة الصورة ،وقيمة المتغير الجمالي في إبراز سموقها الفني، كما في قولها:(فرحاً /تطفئ لظى القلبِ
بسحائب الندى /تسقي يباسَ العشبِ في عيني)،وهذا يعني أن الشاعرة من خلال الدهشة التصويرية ترتقي باللغة الشعرية،وتبرز قيمة الحدث،وعمق الصورة المرتبطة بالموقف الشعري. وهكذا ارتقت الشاعرة نجاح إبراهيم في أنساقها التشكيلية لتحقق قيمة عظمى في النسق الشعري كما في قولها:

"ما الذي قادني إلى برودتها؟
والدّهشة أمامَ رذاذٍ فضيّ
في ليلِ زقورتها
بحجم ما في الليل من ليل
فبعد عشرين صمتاً ثقيلاً
وطياتِ شغفِ ترابٍ ظامئٍ
منذ ألف ألف ناهبة
ما في عينيّ من ترقّبٍ لزرقةٍ
قيل إنّها: واهبة
يا منى الرّوح!
هلمّي.."(29).

هنا،نلحظ درجة البراعة التصويرية،والدهشة النسقية التي تتأسس على جمالية التشكيل اللغوي الفاعل في التقاط الشذرة التصويرية المراوغة التالية: [والدّهشة أمامَ رذاذٍ فضيّ في ليلِ زقورتها]،فالشاعرة تختار النسق الشعري المتحرك،الذي يكشف عن حالة الوله الصوفي وحالة الانعتاق، وهذا ما يوضحه أكثر توجهها في هذا المقتطف الشعري:

"أطلقْ
سراحَ النار
من جسدي
وفكْ أزرار شهوة
الجلنارِ
واحرصْ
على ما في المسامِ
من شغفٍ وأشواقِ
وكرومِ الخصر
وأشعلْ فتيلَ
البوح
لهباً
واتبعْ مسرى الهسيس
ما تراه يبتغي
الأسيرُ
غيرَ طعمِ الانعتاق"(30).

هنا،تتأسس شعرية المقتطف الشعري على الدهشة التصويرية المراوغة التي تخفي درجة من التكثيف والإيحاء،في بث الحالة الصوفية،وحالة الانعتاق التي تحس بها، فالشاعرة تحاول أن تبني النسق الجمالي الخصب في الدلالات،والإيحاءات المتتابعة، على شاكلة الأنساق التالية:[وأشعلْ فتيلَ البوح لهباً /واتبعْ مسرى الهسيس/ما تراه يبتغي/الأسيرُ غيرَ طعمِ الانعتاق]؛فالحالة الصوفية التي تملكت الشاعرة في هذه الأنساق تدلل على الحراك الشعوري، في تعميق الحالة الوجدية وتفعيلها.

وهكذا يمكن أن نعد الشعرية اليوم –لاسيما في هذه القصائد- شعرية الحالة الصوفية، أو شعرية الموقف الجمالي المتحرك الذي يرتبط بشعرية الموقف أو الرؤيا،وهذا يدلنا أن شعرية القصيدة الحداثية شعرية مراوغة تنفتح على آفاق رؤيوية واسعة في الإثارة والتحفيز.

4) المراوغة النسقية:

ونقصد ب (المراوغة النسقية): الطريقة الفنية الملائمة في الانتقال من شكل نسقي إلى آخر، بمنتهى الإثارة والتحليق الجمالي؛وتبعاً لهذا تتحدد شعرية المراوغة النسقية الفاعلة بمردودها الجمالي الخلاق، وتعدد الأنساق المماحكة في نسقها شكلاً ودلالة؛ ولعل من المفيد الإشارة إلى أن اللعبة الجمالية المنتجة إبداعياً تزداد درجة إثارتها تبعاً لفاعلية الانتقال من نسق جمالي إلى آخر،وطريقة التعبير الخلاقة التي تنتجها لتصل إلى أقصى درجات الشعرية في شكلها ومنحاها الجمالي.

وبمنظورنا: إن الكثير من التجارب الشعرية تعتمد المراوغة النسقية نقطة توهجها وإثارتها الشعرية،ويمكن أن نمثل لها بتجربة الشاعر أدونيس، وقباني، وأبو عفش،وفايز خضور، وغيرهم كثير، ولا يمكن أن ننكر الكثير من الأسماء العربية التي شكلت اتجاهاً مغايراً في طريقة التعبير الجمالي والتلاعب الفني المثمر في حركة الأنساق بما يحقق لها درجة من التميز والإثارة والتخليق الإبداعي.

وتعد تجربة الشاعرة نجاح إبراهيم في قصائد(أغنية للبلشون الحزين) قمة في التفنن والتلاعب بالأنساق اللغوية بما يحقق لها التميز في شكلها اللغوي، ومنحاها الاستعاري الجمالي المتقد،وكأن الشاعرة تبني الحدث الجمالي والرؤيا المتقدة شكلاً،ومعنىً،بإثارة جمالية واستقطاب فني مثمر، على شاكلة قولها:

"السيوفُ
عراةً نمشي في ليلِ
الضياع..
الغبارُ المرُّ
لا ينفكّ يجرحُ الحناجرَ
وسطوعَ المرايا
وأخي اللاهثُ خلفي
يغويه دمي
فيقصُّ أجنحةَ جسدي
يقدّ قميصي
من قبلٍ..
ومن دُبرِ"(31).

هنا،تتأكد شعرية المقتطف الشعري السابق من خلال فاعلية المراوغة النسقية التي يعتمدها الشاعر بالانتقال عبر تقنية السرد؛ من نسق جمالي إلى آخر،وهنا،يبدو إيقاع السرد الوصفي مثيراً،تبعاً لحراك الأنساق، وتفاعلها، وانسجامها في النسق الشعري؛ولعل فاعلية السرد،ودينامية الصور المتحركة التي تفيض بدلالاتها كان لها أبلغ الأثر في إبراز شعرية اللغة،وحراكها الدلالي والمشهدي المتتابع:(السيوفُ /عراةً نمشي في ليلِ /الضياع..الغبارُ المرُّ)؛إن هذا الأسلوب المتحرك يشي بمهارة الشاعر في إجراء النسق الشعري بأسلوب توصيفي سردي شائق،ناهيك عن أسلوب التناص الذي تتبعه الشاعرة في تعميق الموقف،وإبراز الحالة الشعورية بألقها وتكثيفها الفني.

وبتقديرنا: إن تنوع مسارب الشعرية،واختلاف مؤشراتها وبناها الجمالية تحقق إثارتها في قصائد(أغنية للبلشون الحزين)؛ من خلال بداعة الرؤيا،والأسلوب الجمالي في التعبير عنها؛ وكأن متنفس إبداعها يتخلق من رحيق اللغة والرؤيا الجمالية الخلاقة التي تنبني عليها حركة قصائدها في تشكيلها الفني الخلاق والمؤثر؛ وكأن الحدث الشعري الذي تتمركز عليه قصائدها ينبني على المراوغة النسقية ،بالانتقال من نسق إلى آخر؛ ليصل النسق الشعري إلى أوج التنامي والتأثير الجمالي، على نحو ما نلحظه في قولها:

"لاهثةً أطوي الأسئلة
وخلفَ كتلةِ الآهات
ألملمُ شظايا ظلّي المترعِ بالانكسار
وصرختي المذبوحة
والتياعات الهوى
فأدعو الرّوحَ قيامة
يمتدّ قلبي مواسمَ زغاريد
تستطيلُ يداي
واسعاً يغدو صدري
بحراً يحتضنُ السرَّ
القصائدَ.."(32).

بادئ ذي بدء،نقول: إن شعرية المراوغة النسقية في قصائد(أغنية للبلشون الحزين) تتأكد من خلال سحر اللغة،ودهشة الإسنادات البديعة التي تؤسسها هذه القصائد في متغيرها ومتحولها الجمالي،وذلك بالانتقال من نسق إلى آخر ؛ ومن رؤية إلى أخرى،ومن صورة إلى صورة،لتتأسس القصيدة في توجهاتها البليغة؛وفنيتها الآسرة على بداعة المراوغة النسقية،وتأثرها في إنتاج الرؤيا الخلاقة المنتجة لمختلف القيم والإفرازات الجمالية.

وبتدقيقنا- في النسق الشعري السابق- نلحظ بلاغة الرؤيا من خلال شعرية الأنساق اللغوية ومتحولها الجمالي: (لاهثةً أطوي الأسئلة /وخلفَ كتلةِ الآهات /ألملمُ شظايا ظلّي المترعِ بالانكسار)؛ إن فاعلية هذه الأنساق تتأكد من خلال مدلولها وارتباطها بالرؤيا مباشرة؛ وهي لغة البحث عن شيء ما ،عن عالم روحي تسمو إليه الشاعرة،باحثة عن وجودها،عبر سلسلة الأسئلة الممتدة؟،وكأن بحثها ليس بحثاً عن واقع بديل لهذا الواقع،وإنما بحثها عن عالم رؤيوي وجودي مفتوح تسعى إليه وتحلم به؛وكأن كثافة الأسئلة وتمددها في سياقات هذه القصائد إلا لتؤكد عالمها ووجودها الروحي المترع بالصبابة والوله النشوة الروحية.

وهكذا،تتأسس قصائد (أغنية للبلشون الحزين) على شعرية الرؤيا،وبلاغة متحولها الجمالي، لتؤكد شعريتها على اختلاف تحولات هذه القصائد،واختلاف مشاربها الشعرية،ولذلك، فإن شعرية هذه القصائد تتمحور على فاعلية الرؤيا،وتحفيزها للمتلقي.

وتأسيساً على هذا نصل إلى النتائج التالية فيما يخص فاعلية الرؤيا الجمالية في قصائد(أغنية للبلشون الحزين)،ألا وهي:

إن شعرية الرؤيا الجمالية تتنامى بالموقف الجمالي وإثارة الصور والمشاهد المتحركة،ذات الشذرات المراوغة والقيم الجمالية التي تنبجس عنها، لتسهم –بشكل مباشر- في تخليق شعرية هذه القصائد،مما يدل على تكثيف الرؤيا الجمالية التي ترتكز عليها هذه المجموعة من أول كلمة فها إلى آخر كلمة في متنها النصي.

إن شعرية الرؤيا وفاعليتها الجمالية في مجموعة(قصائد للبلشون الحزين) تتأسس على رشاقة البنى السردية وتفاعلها مع الموقف الجمالي الذي امتازت به الصور السردية الممطوطة،لتأتي استطالتها لغاية فنية تتمثل في التنفيس عن الحالة الشعورية المحمومة التي تعيشها.

إن شعرية الرؤيا،ومؤشراتها الجمالية في قصائد هذه المجموعة،مردها التنويع في التقنيات الجمالية،والتنويع بالدلالات الصوفية والروحية،وكأن ثمة انفتاحاً واسعاً في حركة الدلالات،لتشع بأكثر من دلالة أو موقف،أو رؤيا،وهذا سر من أسرار خصوبتها وفاعليتها الجمالية.

إن شعرية الرؤيا وفاعليتها الجمالية تتأكد في قصائدها البوحية الذاتية التي يطغى فيها عنصر السرد على غيره من التقنيات الفنية الأخرى،ولعل التوصيف السردي المشهدي للأحداث،يزداد في مثل هذه القصائد لإغناء الموقف الشعري، وتعزيز الرؤيا.

لنجاح ابراهيم

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى