هل الأخلاق شئ ضروري لبقاء الإنسان؟

، بقلم محمد زكريا توفيق

مبدأ الاختيار الطبيعي والصراع من أجل البقاء، يعملان فقط داخل المجتمعات المكتظة الغير مستقرة وأثناء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. الأمهر في قيادة السيارة يتفادى حوادث الطريق وينجو بحياته. الأقدر على الإدارة والعمل المنظم يحتفظ بوظيفته ويصعد إلى مراتب أعلى داخل الشركة. وهكذا.

ربما هذا ما كانت تعنيه إدارة الرئيس الأمريكي السابق "جورج دبليو بوش" بمفهوم "الفوضى الخلاقة". الفوضى وعدم الاستقرار، يجعلان عوامل الاختيار الطبيعي والصراع من أجل البقاء يعملان على إظهار الأفضل في القيادة والإدارة، وفي نظم الحكم، السياسية والاقتصادية. المجتمعات الراكدة الآسنة المستقرة، مثل العالم العربي اليوم، لا تنتج تقدما أو حضارة.

ما هي علاقة الأخلاق بمبدأ الاختيار الطبيعي؟ هل يمكن أن يكون لهذا المبدأ دور في بناء الأخلاق؟ الأخلاق كما نعرفها، تأتي كتعاليم إلهية من السماء. بدونها ينتشر الفسق والفجور وعظائم الأمور.

الأخلاق في الأديان تستلزم وجود الله والشيطان والخلود وانتصار الخير على الشر والجنة والنار. عدم وجود الثواب والعقاب، لا يدفع الناس إلى التضحية اللازمة لكي تعمل القيم الخلقية كما يجب.

لكن داروين يقول: إن بداية الأخلاق لم تأت أصلا تطوعا، أو كأعمال مجيدة نادي بها الحكماء والأنبياء من فراغ. لقد أتت كضرورة بيولوجية تساعد على بقاء النوع. كلام عجيب!

جدودنا الأولون كانوا يعرفون الأنانية والشفقة على الضعيف. اندمجت هاتان الخصلتان المتعارضتان مع بعضهما وتحولتا إلى رغبة في مساعدة الغير. على أمل أن يقوم الغير بمساعدتنا بالمثل. أعطي جارتي طبق بسكويت يوم العيد، وهي بدورها ترد الطبق مليان بهدية مماثلة.

عندما يستضيف أعرابي في خيمته بدويا تائها في الصحراء، ويقدم له الماء والغذاء، نسمي هذا كرما. لكنه في الواقع أكثر من مجرد كرم. إنه بوليصة تأمين ضد خطر الموت جوعا وعطشا.

ماحدث للبدوي يمكنه أن يحدث للأعرابي. الكرم في الصحراء ليست خصلة نفتخر بها فقط بين القبائل ويتحدث بها الركبان، إنما هي ضرورة وصندوق ضمان اجتماعي. يجب أن يشترك فيه الجميع.

من لا يكرم الضيف في الصحراء، يصبح خارجا عن الجماعة ومساهما في تدميرها. المجتمعات التي تكثر فيها القيم الخلقية، تنمو وتزدهر ويزداد عددها. هذا ما نعنيه بمبدأ الاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح الذي يعمل وراء الأخلاق.

للفيلسوف الألماني عمانويل كانط (1724-1804م) رأي في الأخلاق. فهو يقول أنه ليست الأديان فقط، وإنما العقل أيضا يفرض على الناس واجبات أخلاقية.

الأخلاق عمل منطقي، وليست مجرد أوامر إلهية فقط. لهذا وُضِع كانط بين مفكري عصر التنوير. إنه يقول، إن سبب الأخلاق علمي لا ديني، " شئ كده بالعقل". ومن قبله، ألف أرسطو كتابا في الأخلاق، لم يذكر فيه كلمة واحدة عن الجنة، أو عذاب القبر والحرق بالنار.

القيم الخلقية يمكن استنتاجها بالعقل فقط. يقول كانط، علينا أن نتصرف كما لو كانت الحكمة من تصرفاتنا، هي عمل قوانين عالمية لكل الناس، بدون أن تتعارض مع المصلحة العامة.

نحن كمخلوقات عقلانية، من واجبنا طاعة العقل. وسوف أبسط فكرة كانط هذه في الأمثلة الآتية:

لنفرض أنك استلفت من صديقك مبلغا كبيرا من المال. لنفترض أيضا أن الصديق لم يراع أصول الصداقة، وقام بالمطالبة بالمبلغ وملاحقتك ومضايقتك. مما جعلك تقول في نفسك، لو قمت بقتل هذا الصديق الرزل، سيكف عن ملاحقتي، وأفوز بالمال دون مطالبة.

لكن كمعجب بفلسفة كانط وملتزم بأفكاره، سوف تختبر تعميم مبدأ القتل عالميا. وتسأل نفسك، ماذا يحدث لو لجأ كل واحد منا إلى قتل الآخرين لتحقيق أغراضه؟ طبعا هذا سوف يكون من الجنون. لأنه لن يُبقي أحدا يمكن أن نطبق عليه القانون الأخلاقي.

ماذا بالنسبة لنقيصة "الكذب"؟ هل يمكن أن أعمم مبدأ الكذب، وأن أجعل منه مبدأ عالميا؟ كيف يستقيم أي شئ، لو كانت كل الناس شيمتها الكذب؟ الأخبار في الصحف ومحطات التليفزيون والراديو، كلها كذب في كذب. تصريحات المسؤولين كلها كذب. نصائح المحامي أو الطبيب، كلها كذب. وهذا هو حالنا اليوم، فهل يستقيم أي شئ؟

إذا كان القانون العالمي هو "كل واحد يقوم بالسرقة". هذا أيضا غير ممكن. لأنه سوف يخل بمبدأ الملكية الخاصة. ويصبح كل واحد منا، قادرا على الاحتفاظ بما في يده طالما أبقى سيفه شاهرا، حتى يستطيع حيازة المسروق وحمايته. هذا يجعلنا نعود إلى قانون الغاب.

يقول كانط، علينا أن نعامل الناس كما نحب أن يعاملوننا به. تعاملنا يجب أن يكون غايات وليس وسائل. مبدأ ميكافيللي "الغاية تبرر الوسيلة" مرفوض تماما. لا تستغل الآخرين لما فيه مصلحتك. الأخلاق تشمل احترام كرامة وآدمية كل فرد كإنسان.

كانت المبادئ الأخلاقية لكانط، لها تأثير عملي كبير على قضايا المساواة والتفرقة بسبب الجنس أو الدين أو العرق. وكان كانط، حريصا على أن يجعل التمسك بالأخلاق القويمة، نوع من الواجب الإنساني. لكي أنتمي للإنسانية، يجب أن ألتزم بالأخلاق. وعندما يفعل أحدنا شيئا مشينا، نصفه حقا بأنه "ليس بني آدم".

لكي تنتمي إلى هذا الجنس البشري، يجب أن تتمسك بالأخلاق. لأن هذا في مصلحتك كفرد، ومصلحة الجنس البشري ككل. فعل الصواب كواجب في رأي كانط، أفضل بكثير من فعل الصواب تحت تأثير الشفقة والعطف، أو طمعا في الجنة والحور العين، أو خوفا من عذاب النار.

المعرفة الإنسانية محدودة كما يقول كانط. لذلك، يجب على الأخلاق أن تتعدى النظرة الضيقة التي تنحصر في المنفعة الشخصية المؤقتة للفرد. الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بمفرده بمعزل عن باقي الأفراد. من هنا تصبح الأخلاق ضرورة للعيش في المجتمعات.

هناك فلسفة أخلاق أخرى ظهرت في القرن التاسع عشر، وكانت تنافس فلسفة كانط الأخلاقية. هي الفلسفة النفعية (Utilitarianism). كان من روادها الإنجليزيان: "جيريمي بنتام" (1748-1832م)، و "جون ستيوارت ميل" (1808-1873م).

النفعية مدرسة أخلاقية تقول إن القيمة الأخلاقية للفعل تتحدد بمقدار إسهامه في النفع العام. الأخلاق ليست مبنية على العقلانية كما يقول كانط، إنما مبنية على العواطف، على الشعور والهوى. بهدف الحصول على السعادة لأكبر قدر من الناس.

الفيلسوف جيريمي بنتام يقول بأن الهدف الأساسي والوحيد للوجود البشري على هذه الأرض هو الاستمتاع بالحياة والسعادة. كل ما عدا ذلك سراب في سراب. المقصود بذلك متعة الأكل والشرب والجنس والسعادة الأرضية عموماً.

إذا أمضيت حياتي في الحزن والهم وشايل طاجن ستي، دون اقتناص المتع والشهوات، أو دون التمتع بأطايب الحياة، فهذا يعني أني لم أستفد شيئا ولم أعش أصلا. هذه هي نظرية "بنتام" في إيجاز.

لكن جون ستيوارت ميل أضاف إلي فلسفة بنتام في الأخلاق بعدا جديدا هو الضمير الداخلي. كان يقصد بذلك أن المتعة لا تكفي كفلسفة للحياة، حتى وإن كانت ضرورية، إنما ينبغي أن نضيف إليها الإحساس الداخلي بالواجب تجاه الآخرين وآلامهم.

بالرغم من أن بنتام يحاول تحقيق سعادة البشر عن طريق المطابقة بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع ككل. إلا أن ستيوارت ميل يضيف: إننا لن نجد السعادة الشخصية إلا إذا بذلنا كل جهدنا لتحقيق سعادة الآخرين. هذا يعني رفضه للأنانية الفردية السائدة في بعض مجتمعات الغرب.

بالتالي لا ينبغي أن نفهم كلمة الفلسفة النفعية هنا على أساس أنها فلسفة مصلحية للفرد، إنما على أساس أنها تحقق المنفعة والمصلحة للآخرين كأنها مصلحتنا الشخصية

لكن داروين يقول وهذا هو بيت القصيد: إن الاختيار الطبيعي متمثلا في الغريزة والعادة هو المصدر الحقيقي للأخلاق. نمارسها بدون وعي وبدون شعور بالسعادة في كثير من الأحيان. أي أن الأخلاق سببها بيولوجي لا ديني.

الاختيار الطبيعي وراء كل القيم الخلقية، سواء جاءت كتعاليم دينية أو عن طريق كانط أو النفعيين. لكن أتباع داروين قاموا باشتقاق قيم خلقية واقتصادية منحرفة عن نظريته، تختلف عن القيم التي يعنيها داروين نفسه.

أشهرها جاء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحت عنوان "الداروينية الاجتماعية". التي تقول أن التقدم الاجتماعي يحدث فقط عندما لا تعوق الحكومات أو القيم الخلقية، القوي والذكي، وتمنعه من تسلق الهرم الاجتماعي لكي يصل إلى القمة.

الداروينية الاجتماعية جاءت من مبدأ البقاء للأصلح لداروين. مؤسسها هو أحد معاصري داروين، الإنجليزي "هيربرت سبنسر" (1820-1903م).

قام سبنسر باستبدال التأثير البيولوجي في نظرية داروين بالتأثير الإجتماعي في نظريته. ومبدأ البقاء للأصلح بالنسبة للأفراد، بمبدأ البقاء للأصلح للقيم الاجتماعية. لقد تأثر داروين ب "سبنسر"، وسبنسر بداروين. تعبير "البقاء للأصلح"، استعاره داروين من سبنسر. وجاء بمعنى النضال من أجل البقاء.

الذين ينجحون في البقاء أحياء، هم الأفضل والأحسن والأقدر على البقاء. هذا المبدأ، كما يقول سبنسر، ينطبق على أشياء أخرى منها الأخلاق والمؤسسات.

لكن سبنسر قام بتحريف أفكار داروين. فهو يقول إن الصراع من أجل البقاء، ينتج عنه تميز الذين نجحوا في البقاء أحياء عن الذين لم ينجحوا وانقرضوا. أي أنهم أفضل. ويساوي التطور للأفضل بالتقدم في اتجاه هدف مرسوم.

لم يقل داروين البقاء للأفضل. وإنما قال البقاء للأصلح. والفرق بين القولين كبير. الأصلح يعني الأصلح للحياة في هذه البيئة الجديدة. قد تكون الحيوانات المنقرضة أفضل وأجمل وأقوى من الحيوانات التي استطاعت البقاء على قيد الحياة. لكنها لم تستطع لسبب أو لآخر مواءمة الحياة الجديدة.

بالنسبة للولايات المتحدة، نجد الداروينية الاجتماعية تنطبق مع أفكار الحزب الجمهوري، وهو يمثل المحافظين وعتاة الرأسمالية والعولمة.

الدولة يجب أن ترفع يدها عن الإنتاج وتتركه للقطاع الخاص. الاقتصاد يجب أن يُترك للمنتصر لكي يحصد ثمار انتصاره. الضحايا هم مجرد ضحايا بالضرورة. لا يجب مساعدتهم حتى من الحكومة.

لا يؤيد سبنسر مساعدة الحكومة للفقراء، وهو مع رفع الدعم عن رغيف العيش وعن المحروقات والإسكان والتعليم والصحة. الفقراء أثبتوا فشلهم وعدم قدرتهم على المواءمة. فيجب تركهم وشأنهم، لكي يتغيروا أو يموتوا. ويا رب يموتوا وريحونا. مثل الأحياء التي تنقرض بسبب عدم مواءمتها للبيئة.

رجل البترول الأمريكي الشهير "جون روكفلر" في أحد خطبه قال ما يلي: "نمو المؤسسات الضخمة، يمثل البقاء للأصلح. الورود الأمريكية يمكنها أن تنتج الألوان الزاهية والأريج العاطر الذي ينعش الفؤاد، إذا قمنا بالتضحية بالحشائش والنباتات الصغيرة التي تنمو حولها. ليست هذه أعمالا شريرة. إنما هي طبيعة الأشياء. قوانين الطبيعة وقوانين السماء."

من ينظر إلى بلادنا اليوم ويراقب ما يحدث بها، يرى أننا نستعير من الأمريكان مبدأ الداروينية الاجتماعية وتداعياتها الاقتصادية. البقاء للأصلح للشركات العملاقة والعولمة.

وليذهب الدعم والفقراء والضعفاء إلى الجحيم. لكن الأصلح يا سادة كما يقول داروين، لا يعني بالضرورة الأفضل. من قال أن الذباب والبعوض والصراصير أفضل من أحياء أخرى انقرضت في الماضي والحاضر. الصراصير أصلح منا على البقاء. وسوف تبقى حية بعدما يبيد الجنس البشري نفسه بنفسه. بالاحتباس الحراري أو بتلوث البيئة أو بحرب نووية قادمة لا محالة.


محمد زكريا توفيق

كاتب مصري مقيم في نيويورك

من نفس المؤلف