طاهر البرنبالي .. انتصار المستحيل

، بقلم أحمد الخميسي

العزيز طاهر البرنبالي. دعني أعتقد أنك تسمعنى، وأنك الآن ترفع رأسك وتفتح عينيك منصتا إلي ما أقوله بنظرة رصينة. ألا يملؤنا الايمان بأن الأحباء الراحلين بعيدا ينصتون إلينا؟ فنجلس بين أياديهم ونحكي لهم مافاتهم؟ ونطلب المشورة ونقطع الوعود؟. قبل نحو أسبوعين من رحيلك كلمني الصديق الشاعر سمير الأمير قال لي: "طاهر يمر بحالة صحية حرجة اكتب عنه إذا استطعت". ولم أستطع. كنت قد كتبت عن مرضك في المرة الأولى عام 2003، وكان مازال لدي حينذاك شعور أن الكتابة قد تجدي أو تفيد أو توقظ ضميرا لدي نظام ودولة ومؤسسات ثقافية رسمية ضميرها كله في حسابات البنوك. ثم توالى بعد مرضك رحيل الأصدقاء: نعمات البحيري، وفاروق عبد القادر، ومحمد ناجي، وخليل كلفت، وأبو المعاطي أبو النجا، وغيرهم ممن رحلوا في صمت، إلي أن استقر في ضميري أن المثقفين الشرفاء عندنا يرحلون من غير الحد الأدنى من العناية لأنهم لم يحسنوا تمرير التحايا وازجاء الشكر وتدبيج المقالات. أو أنهم يضربون في الشوارع إذا خرجوا للاحتجاج على وضع أو آخر، أو أنهم يختطفون من الشوارع كما حدث مع عبد الحليم قنديل في نوفمبر 2004، أو يموتون حرقا من الاهمال كما تم في مسرح بني سويف عام 2005، أو يموتون بلا دواء ولا علاج كما حدث مع فتحي عامر الشاعر الذي ظل عامين يشكو من الكبد فلما توفي في يناير 2005 صرح المسئولون عن الثقافة بأن الفقيد"باغتنا بموته"! ولم يكن لدي فتحي عامر ما يكفى لنفقات العملية في مجتمع المليارات المنهوبة والملايين التي تراكمها الراقصات، والصفقات المشبوهة، ولم يكن لديه سند لا في وزارة ولا غيرها. كل ما لديه كان قلمه الصغير المسنون الذي لم يكتب سوى الحقيقة. أو أن يموت المثقفون الشرفاء لدينا من العزلة والتجاهل والمرارة كما تم مع جمال حمدان وغيره. ولابد أن وراء تلك اللوحة الكبيرة القاتمة من عذاب الشرفاء قوة غاشمة، تعجب منها أديب اسحق عام 1879 بقوله:"واعجباه! إنا أمة عظيمة ولا قوة لنا، وأرضنا خصبة ولا نجد القوت، نشتغل ولا نجني ثمرة الاجتهاد، ونؤدي الضرائب الباهظة فلا تعد كافية .. ونحن في سلم خارجي وحرب داخلية، فمن هو ذلك العدو الخفي الذي يسلب أموالنا ويفسد أحوالنا؟!". وردا على تلك القوة الغاشمة شاركت أنت في مظاهرات طلابية واعتقلت في 29 مارس 1981، وأنت في الثالثة والعشرين من عمرك، ثم اعتقلت من جديد عام 1989، لكنك خرجت من المعتقل لتكتب قصيدتك: "مافيش بديل .. يا تعيش نبي .. يا تموت ذليل.. مالناش بديل .. الا اختيار المستحيل.. إلا انتصار الفجر على الليل الطوي.. إلا امتلاك بكرة الجميل.. شمس ونخيل" وضمها ديوانك الأول" طالعين لوش النشيد" 1989، ومن بعده توالى صدور دواوينك"طفلة بتحبي تحت سقف الروح" عام 1994، و" طارت مناديل السعادة" عام 1999، و"طريق مفتوح" في 2004، و" طلعت ربيع" 2007، غير ما نشرته من دواوين الشعر للأطفال.

وخلال كل تلك السنوات الطوال لم أقرأ لك يوما مقالا أو عبارة أو تصريحا تغازل فيه مسئولا حكوميا، أو قوة باطشة، ولم أسمعم يوما ولم أرك تحطم قامة الكلمة وتسحق زهرها تحت قدمي وزير أو رجل دولة. وحين أتأمل رحيلك، أرى نفسي، وأرى الملايين من المحاصرين بين مطرقة المليارات المتوحشة وسندان الفقر المدقع، بين صناعة الأكاذيب الضخمة وعجز الحقيقة حافية القدمين، أرى مصر الجائعة التي تمشي تحت سطح مصر المتخمة ولا يشعر بها أحد، ونحن نمشي معها، من دون صوت يذكر، ولدينا أمل يشبه البسالة المحكوم عليها بالموت، أمل تعلقت به قصائدك وأنت تنشدنا :" ما تعيطوش لو مت متعكر.. بكره اللسان اللي صان .. يجرى عليه السكر". ومرضت أنت بشدة ، عاودتك آلام الكبد ، فهمست لزوجتك قبل وفاتك بفترة تقول لها:" أمي ماتت ودلوقت ما فيش حاجة أخاف أجرحها لو جرى لي شيء". ماتت من كنت تخشى عليها من الحزن. ونحن؟ ألسنا أخوتك؟ ورفاق دربك ورحلتك؟. دخلت المستسشفى المتاح أمامك، وارتفع صوت الكثيرين يطالبون وزارة الثقافة واتحاد الكتاب برعايتك، لكن من دون جدوى. لم يشفع لك إبداعك الشعري على مدى ثلاثين عاما عند وزارة الثقافة فتحظى باهتمامها وهي التى تنفق الملايين على مهرجانات الصخب الأجوف. لكنك كنت تعلم أن الكذب والسلطة وجهان لعملة واحدة، وكنت قد تخيرت طريقك من زمن طويل:"مفيش بديل.. يا تعيش نبي .. يا تموت ذليل"، وكنت تعلم أن الشعر والكتابة هو :"أن تهجر معسكر القتلة" وقد هجرته ولم تعد تنتظر عطفا من جهة ولا منة من أحد. وفي يوم الجمعة 3 مارس فارقتنا، صاعدا إلي أعلى تشتبك بروحك كل ورود وكلمات المحبة، يقودك عطرها إلي أخوتنا الراحلين : محمد ناجي ، وأبو المعاطي أبو النجا، وفتحي عامر، وكل الذين صوبوا إبداعهم إلي صدر أعداء الحياة والابداع. أنت الآن هناك، ونبقى نحن هنا، أبصارنا مصوبة إلي جدار الظلمة العالي، ونحن نردد بصوت خافت معك "مالناش بديل.. إلا اختيار المستحيل.. مالناش بديل غير انتصار الفجر على الليل الطويل"، نجلس نترقب خيط نور، وليس بين أيدينا سوى أمل، مقيد اليدين والقدمين عاجز عن الحركة، أمل في انتصار المستحيل، في أن تشملنا بالعدل والكرامة سماء أخرى نسعد بومض نجومها.


أحمد الخميسي

- دكتوراة في الأدب الروسي عضو المجلس الاستشاري لديوان العرب

من نفس المؤلف