الخميس ٢٣ آذار (مارس) ٢٠١٧
بقلم فاروق مواسي

صنّاجة العرب- جولة مع اللقب

ميمون بن قيس هوأعشى قيس.

لقب "الأعشى" لضعف بصره، فكُنّي أبا بصير تفاؤلاً.

مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة، وفيها داره ثم قبره، ومنفوحة جزء من مدينة الرياض اليوم.

عُرف بالأعشى الأكبر، لأن هناك عددًا من الشعراء من لقّبوا بالأعشى، لعل أبرزهم بعد شاعرنا: أعشى باهلة، عامر بن الحارث بن رباح، وأعشى بكر بن وائل، وأعشى بني ثعلبة، ربيعة بن يحيى، وأعشى بني ربيعة، عبد الله بن خارجة، وأعشى همدان، وأعشى بني سليم وهو من فحول الشعراء في الجاهلية.

حكى الأصمعي عن ابن أبي طرفة:

كفاك من الشعراء أربعة: زهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب...
وقيل لكثيِّر أو نُصيْب: من أشعر العرب، قال:

امرؤ القيس إذا غضب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب".

(انظر ابن رشيق: العمدة، ج1، ص 78 باب المشاهير من الشعراء.)

صنّاجة العرب:

لقب الأعشى "صناجة"، وقالوا إن اللقب نسب إليه لأنه كان يُتغنى بشعره، وعلى ذلك اشتُهر به. "في شرح المقامات للمطرزي كان يقال للأعشى صناجة العرب لكثرة ما تغنّت بشعره" (نقلاً عن السيوطي: المزهر، ج1، ص 431.)

وفي (لسان العرب) كانت التسمية للأعشى صنّاجة- "لجودة شعره"، وفي كتاب الثعالبي (لباب الآداب، ص 225): "لكثرة ما تفنن في شعره"، وكنت قرأت في (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء) للراغب الأصفهاني أن معاوية هو الذي أطلق عليه اللقب بسبب إطرابه.

الكلمة (صنج) هي فارسية: دائرتان صغيرتان (ويقال كذلك- صفيحتان) من النحاس يُصفق بإحداهما على الأخرى، ويُمسكان بأصابع اليد، والظاهر أنها معربة عن اللغة البهلوية فأصلها (الجنك)، ومن معانيها الربابة، والصنّاج عازف الربابة.

انظر (صنج) في لسان العرب حيث يميز بين نوعين منها.

كذلك: (آدي شير: معجم الألفاظ الفارسية المعربة، ص 108).

من خلال تتبعي للفظة واستخدامها في شعر الأعشى، وأوليته في استخدامها أرى أنه اكتسب باللفظة وبسببها لقب "صناجة العرب"، وأراني أستبعد مسألة التغني بشعره، فهو ليس وحيدًا في تفوقه أو في غنائيته، وقد عاصر فحول الشعراء.

لنقرأ تكرار اللفظة في شعره- في ديوانه:

ومستجيبٍ تخالُ الصَّنْجَ يُسمعه
إذا تُرَجِّع فيه القيْنةُ الفُضُلُ
فالمستجيب هنا هو العود يجيب الصنج ويشاكله.

ثم ذكر (الصنج) في قصيدة أخرى:

ترى الصنجَ يبكي له شجوَه
مخافةّ أن سوف يُدعى بها

يعني أن الصنج يبكي مستجيبًا للدفّ بكاء الحزين، مخافة أن يلومه اللائمون.

وفي قصيدة أخرى يذكر آلات موسيقية ويقول بعدها:

"يجاوبه صنجٌ إذا ما ترنما"

ومنها:

وطنابيرَ حسانٍ صوتُها
عند صنجٍ كلما مسَّ أرنّْ
وإذا المُسمع أفنى صوتَه
عزف الصنجُ فنادى صوتُ ونْ

بل يستخدم كلمة (صنّاجة) في البيت التالي:

ومُسمعتانِ وصنّاجةٌ
تقلِّبُ بالفّ أوتارَها

أي تطربنا مغنيتان وعازفة تقلّب بأناملها أوتار الصنج.

لا يعجبن أحد من تلقيب شاعر بسبب لفظة، فلدينا نماذج كثيرة من ذلك:

ومنهم طَرَفة، واسمُه عمرو بن العَبْد، سمي طَرَفة بقوله:

لا تَعْجَلا بالبُكاء اليوم مُطَّرِفاً
ولا أميريكما بالدار إذ وقفا

ذو الخِرَق الطَّهَوي، وهو خليفة بن حَمَل، سمي بذلك لقوله:

لما رأت إبلي هَزْلَى حَمُولتها
جاءت عجافًا عليها الريش والخِرَق

شاس بن نهار ولقب الممزَّق لقوله:

فإن كنت مأكولا فكن خيرَ آكل
وإلا فأدركْني ولما أمزَّقِ

ومنهم غَيلان بن عُقْبَة سمي ذا الرُّمة بقوله:

وغيرِ مشجوجِ القفا موتودِ
شعث باقي رُمّة التقليد

ومنهم زياد بن معاوية الذُّبياني، سُمي النابغة بقوله:

وحلت في بني القَيْن بن جَسْر
وقد نبغت لنا منهم شئون

ومنهم عمرو بن سعيد بن مالك، سمي المرقِّش بقوله:

الدارُ قَفْر والرُّسوم كما
رَقّشَ في ظهر الأديم قلم

ومنهم جرير بن عبد المسيح الضَّبي سُمي المتلمِّس بقوله:

فهذا أوانُ العِرْضِ جُنّ ذُبَابُه
زَنابيرُه والأزْرَقُ المتلَمِّسُ

(نماذج أخرى تجدها في كتاب السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج1، ص 434- باب من لقب ببيت شعر قاله).

من المهم والطريف أن أذكر أنني بعد أن فرغت من كتابة المقالة قلت:

لا بد من تصفح مادة الأعشى في كتاب ابن قتيبة (الشعر والشعراء، ج1، ص 258)، فإذا به يفاجئني:

"ويسمى "صناجة العرب" لأنه أول من ذكر الصنج في شعره، فقال:

ومستجيبٍ تخالُ الصَّنْجَ يُسمعه
إذا تُرَجِّع فيه القيْنةُ الفُضُلُ
إذ شبّه العود بالصنج".

هل أبقي على المادة؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى