الجمعة ٢٤ آذار (مارس) ٢٠١٧
بقلم حسين سرمك حسن

ليلة تسليم جلجامش لليهود (16)

باتا الذكر يتحوّل إلى رمز أنثوي!:

وفي صباح اليوم التالي تمّ ذبح الثور، ولكن - والثور الذبيح يُحمل على أكتاف الناس - أدار عنقه، ورمى قطرتي دم ؛ قطرة عند كل باب من بابي جناح الملك، تحوّلتا إلى شجرتي لبخ - Persea، وهي شجرة دائمة الخضرة يتكرر ذكرها كثيراً في الميثولوجيا المصرية، والمصريون القدماء يعتبرونها: "شجرة إيزيس"، أي أن باتا الذكر تحوّل إلى رمز أنثوي من رموز الإلهة الأم!!

يُخبر أفراد الحاشية الفرعون بالمعجزة الجديدة، فيذهب بحلته الملوكية ليجلس تحت ظلال إحدى الشجرتين تتبعه الأميرة. وهنا يقول باتا – مرّة ثانية - لزوجته الخائنة، بأنه زوجها باتا، وأنها هي التي خططت لقتله.. إلخ. فتطلب الأميرة – مرّة ثانية هي في الحقيقة الثالثة بعد حادثة قطع الأكاسيا - من الفرعون من جديد أن يقسم بالإله "رع" بأن يستجيب لكل ما تطلبه منه، فيُقسم لها، وتطلب منه، هذه المرّة، أن يقطع الشجرتين، ويصنع لها خزانة جميلة. استجاب الفرعون، وبينما الملكة واقفة تراقب – بتشفّ ٍ - ما يفعله النجارون الماهرون بالشجرتين، استجابة لطبها، طارت قطعة خشب ودخلت فمها، وابتلعتها، وبعد عدّة أيام (وليس كما يقول ناجح: أيام وشهور)، ولدت الأميرة طفلاً. أُخبِر الفرعون بأنه قد وُلِد له طفل، وجلبوه له، وخصّصوا له ممرضة وخدما، وأقيمت الإحتفالات في أنحاء المملكة كلّها. ثم جلس الملك، وأقام يوما مقدّسا لتسمية الطفل الوليد، وكان يضعه في حِجره. وقد أحبّه الملك كثيراً، وربّاه ليكون نائب الملك على مملكة كوش - King’s Son of Kush أو The Viceroy of Kush (وسنرى بعد قليل أهمية هذه الإشارة التي لم يذكرها ناجح ولا سليمان مظهر). ثم – بمرور الأيام – جعله وصيّاً على البلاد كلها. وبعد أن رحل الفرعون إلى السماء (وهو تعبير فرعوني عن موت الفرعون)، دعا الوصي كل أعيان مصر كي يمثلوا أمامه كي يقص عليهم كل ما حصل له، فحضروا وأحضروا زوجته (أمّه) أمامه أيضا، وقاموا بمحاكمتها، واتفقوا معه في الحكم الذي أصدره عليها.

ما أهمّية منصب "نائب الملك على كوش"؟:

الآن أعود إلى ما وعدت القارىء به قبل قليل، وهو مراجعة معنى أن ينصّب الفرعون، باتا، نائبا له على مملكة كوش.

(مملكة كوش تُنسب إلى كوش بن حام، واتخذت هذا الاسم إبان تتويج (الارا النوبي) أول ملوك الأسرة الخامسة والعشرين النوبية الذي غزا مصر وضمّها إلى دولته.
والمنطقة من حوض نهر النيل التي تُعرف بالنوبة والواقعة في الحدود الحالية للسودان وأجزاء من مصر، كانت موطن ثلاث ممالك كوشية حكمت في الماضي، الأولى بعاصمتها كرمة (2400 - 1500 ق.م.)، وتلك التي تمركزت حول نبتة (1000 - 300 ق.م.)، واخرها مروي (300 ق.م. - 300م).

وما يهمنا هنا أنّ هذا اللقب (نائب الملك على كوش) استخدم في وقت الأسرة الثامنة عشرة (1570 – 1293 ق. م )، وتحديدا في عصر الفرعون تحتمس (1527 – 1515 ق. م) (109)، حيث بدأ تنصيب شخص على مملكة كوش ليكون نائبا عنه ومسؤولا أمامه عن شؤون إدارتها. ولم يكن شرطاً أن يكون هذا الشخص من أقارب الفرعون (اي من نسل مقدّس)، بل قد يكون من عامة الشعب. ولهذا استخدم كاتب الحكاية هذا اللقب كي يبرّر تنصيب الفرعون لباتا على مملكة كوش لأنه لا يحمل أصلا ملوكياً فهو فلّاح بشري بسيط.

من مخاطر المنهج الواحد الجامد:

وهنا علينا التنبيه على واقعة مهمة جدا، قبل أن يقع المحلّلون منّا المتحمّسون والمنحازون أصلاً لمفاهيمهم، في مصيدة الـتأويل الأوديبي. فقد حبلت الأميرة بقطعة خشب طارت من جسد باتا الشجرة وهي تُقطّع، وابتلعتها، لتنجب طفلا كان هو باتا نفسه. هذه ليست من تمظهرات العقدة الأوديبية، بل هي تعبير عن الدور المزدوج الذي كانت تلعبه المرأة في الحياة الفرعونية: فقد كانت زوجة وأم في وقت واحد. وهذا الأمر يثير في أذهاننا ضرورة أن لا نتمسّك بتفسيرات أحاديّة مهما كانت ونغفل العوامل الإجتماعية والثقافية. وهنا، أيضاً، يتجلى دور عامل مهم آخر جرى في الحكاية، وهو الأصل المقدّس للزوجة حين قامت الآلهة بخلقها، فهو تمهيد لتوفير شرط أساسي كي يكون باتا من أصل مقدّس، وبالتالي صالحاً لوراثة الفرعون خصوصا أنه لم يكن الإبن الحقيقي للفرعون. أضف إلى ذلك علاقة باتا بالآلهة التاسوعاء في منتصف القصة، فالقداسة التي تضفيها الآلهة ساعدته في وقت حاجته إليها.

وهناك إشارات كثيرة في القصة تحيلنا إلى انفصال مصر القديمة إلى قسمين، فخلال كل تاريخ مصر القديمة، وحتى في الأوقات التي كان فيها القطر موحّداً سياسياً ومستقرّاً، كان من المعروف أن مصر تنقسم إلى منطقتين:

مصر السفلى وهي التي في الشمال وتشمل دلتا النيل،

ومصر العليا التي في الجنوب.

وفي بداية القصّة كان يُشار إلى باتا بأنه فريد لا يوجد مثله في البلاد لأنّ فتوة الآلهة فيه. أضف إلى ذلك أنه كلّما غضب واحد من الأخوين كان يوصف بأنه تصرّف مثل "نمر من مصر العليا"، وفي ترجمة أخرى "مثل فهد من الجنوب".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى