في بيت هوجو

، بقلم إبراهيم مشارة

باريس بسمائها الرمادية وجوها البارد منحتني حيوية وخفة ذلك اليوم فخففت صباحا إلى البلاص دي فوج (الساحة الملكية) كما كانت تسمى في الدائرة الرابعة بنايات مزينة بأقواس من لدن عصور النهضة مغلقة في شكل مربع على حديقة جميلة موشاة بالزهر تعطر الأجواء بأريجه ، لونها الأحمر يشع حماسة للحياة وتعلقا بالإبداع ففي اللون القرمزي تعبير عن شبق الحياة وبهجة الهوى وأريحية الروح حين تنطلق مبتهجة بالحياة بالفن بالإبداع ، في الزاوية من البنايات المغلقة على الحديقة الشقة التي سكن فيها فيكتور هوغو شاعر فرنسا الأثير وقصاصها الملهم (1802/1885) وقد أقام بالشقة القابعة في الطابق الثاني من 1832إلى سنة1848مع زوجته وأولاده الأربعة ،مساحة الشقة 280 مترا مربعا وبإيجار سنوي قدره 1500فرنكا، مازالت السلالم كما هي تصعد وأنت تستلهم روح مبدع البؤساء وتتشمم عبق رواياته وتتذكر إن كنت قارئا له رواية أحدب نوتردام ويطوف بخيالك جمال (الأسمرالدا) وشهامة كواسيمودو، كما لا تنسى كوزيت في قصة البؤساء في جولتها الاعتيادية إلى حديقة اللكسمبورغ، بجوار البناية شقة أخرى سكن فيها الشاعر تيوفيل غوتييه من سنة(1828إلى سنة1834) ، الشقة المكونة من خمس غرف تطل إطلالة ساحرة على الساحة وتم استعادة الأثاث والديكور الذي وسم الحياة الفنية والاجتماعيىة والثقافية لهوجو في مراحل حياته المختلفة قبل المنفى وأثناء المنفى وبعد المنفى ففي كل حجرة لون مميزوديكور خاص ومقتنيات خاصة فالغرفة الأخيرة غرفة الموت تتميز بالسرير الذي مات عليه هوجو في 22 ماي 1885 في شارع فيكتور هوجو حاليا بالدائرة السادسة عشرة محاطا بأقاربه وعلى الجدار لوحة للرسام ليون جلاس(1842/1932) تجسد الشاعر في النزع الأخير، وحين كان هوجو في المنفى ولع بالحضارة الشرقية والصينية خاصة فجهزغرفة مزينة بستائر موشاة بالرسوم الصينية ،احتوت الغرفة على صحون وأدوات فنية صينية والألوان ساحرة مبهجة ملهمة بعبق الشرق وسحره،كما تحتوي الشقة على غرفة العمل التي كان يعمل بها والمكتب الذي كان يكتب عليه واقفا وحتى الريشة التي كان يستعملهاومن محتويات الشقة لوحات فنية جميلة كلوحة (مدام هوجو) التي رسمها لويس بولونجيه(1806/1867) ولوحة أخرى للبنت (ليوبولدين ) في عامها الرابع من نفس الرسام وهذه الفتاة بالتحديد شكل موتها صدمة للوالد المكروب فقد ماتت غرقا مع زوجها وتمثال رخامي لهوجو كهلا من نحت الفنان دافيد دانجار(1856/1788) وقد نحت هذا التمثال سنة1838ولوحة أخرى لابن هوجو فرانسوا فكتور هوجو (1818/1873)من رسم أوجست دي شاتييو، كما تحتوي إحدى الغرف على سيوف وصحون أهديت إلى الشاعر العظيم من قبل شارل العاشر،كما تحتوي الغرفة على مخطوطة هوجو (عمال البحر) ومن المعروضات الطاولة التي كتب عليها (ملحمة القرون) وفي غرفة العمل ذات اللون القرمزي تلك التي شهدت مجد هوجوالأدبي بروائعه المسرحية وروايته الخالدة (البؤساء) لوحة (ليوجين هوجو) أخ الشاعر الذي اشترك مع أخيه في حب فوشير لذا لم يجدهوجو صعوبة في إقناع ابنة الجيران أديل فوشير بحبه، وبادلته حباً بحب وتوجت علاقتها بالزواج، وهو في التاسعة عشرة من عمره، ، بالرغم من أنه كاد يقتل بسببها يوم الزفاف، إذ أن شقيقه أوجين كان يحب نفس الفتاة، فلم يحتمل أن تزف إلى فيكتور، فحمل الفأس محاولاً قتل شقيقه لكن المحاولة لم تنجح، وفقد أوجين عقله بعدما فقد حبه وعاش بقية حياته في مصحة نفسية، ليموت عام1937 على إثر الأزمة النفسية. ومن اللوحات الموجودة بالشقة لوحة من رسم (إليزا فيكتورين)(1790/1873) لكواسيميدو يحمل الأسمرالدا في رائعة هوجو(أحدب نوتردام) ولوحة لانطوان ريفيلو(1810/1864) تصور مشاهد من نوتردام دي باربي،تتعدد الألوان في الغرف بين الذهبي والقرمزي والأخضر فالسكينة تحفها والجمال يغشاها والفن يملأ كل زاوية وكل شبر عاش هوجو نصيرا للحق داعما للعدل الاجتماعي مجددا كارها للتقليد فقد قال قولته المشهورة (يجب علينا أن نخلص الشعر من موضوعات مأخوذة من عصور غير عصورنا) في إشارة إلى التمرد على القيم الجمالية الإغريقية، والتمهيد للرومانسية التي شهدت مجدها مع هوجو وفينيه ولامارتين وموسيه وغيرهم، لقد عارض هوجوحكم الإعدام وساند النظام الجمهوري ولما اانتخب نابليون الثالث رئيساً للجمهورية وهو ابن أخ نابليون الأول 1769 ـ 1821 ناصبه فيكتور هيجو العداء فأراد نابليون الثالث اعتقاله، فهرب فيكتور هيجو من بارس عام 1851 في شهر كانون الأول إلى بروكسل عاصمة بلجيكا وألف كتاباً ضد نابليون الثالث أسماه "نابليون الصغير" فطلبت فرنسا من بلجيكا إبعاد فيكتور هيجو من أراضيها، فأبعدته إلى إحدى الجزر البريطانية في بحر المانش وهي جزيرة جرسي، ثم إلى جزيرة أخرى في بحر المانش.

أما قضية إسلام فيكتور هوجو فقد ظهرت مرة قصيدة للشاعر بعنوان ( العام التاسع الهجري)يقول «هوجو»:

«كما لو أنه كان يشعر بأن ساعة رحيله قد حانت
وقور، لم يوجه كلمة لوم أو عتاب لأحد
كان أثناء مشيه يصافح العابرين»
ومن بعض أبياتها أيضا:
«كان ينصت إلى المتحدثين، وكان آخر من يتكلم
وكان فمه دائم الذكر لاهجا بالدعاء
يأكل قليلا، ويربط على بطنه حجرا»

لقد تحدث هوجو فى تلك القصيدة الطويلة عن كل شىء عن النبى صلى الله عليه وسلم: وصفه بأنه كان يحلب شاته ويخيط ثيابه ويجلس على الأرض.

تحدث «هوجو» عن مولده وعن سقوط شرفات إيوان كسرى.. تحدث عن حجة الوداع، وعن أنه طلب من الناس أن يقتصوا منه إن كان ظلم أحدا منهم، وتحدث عن ثناء النبى صلى الله عليه وسلم على المسيح، وكيف أنه جاء مكملا لتعاليمه.، وتحدث عن أبى بكر وعائشة، وعن ملك الموت.

لقد أثارت هذه القصيدة على وجه التحديد، جدلا كبيرا بين فريق المؤكدين لفكرة اعتناق «هوجو» الإسلام والرافضين لها. وكلا الفريقين يتهم الآخر بإخفاء الحقيقة؛ إذ يؤكد الداعمون للفكرة أن «هوجو» نطق الشهادتين لكن الجماعات الصهيونية والماسونية والمتعصبين أخفوا ذلك منعا لتأثير ذلك الأمر الخطير فى الآخرين، وقد تعرض جارودي لحملة تعتيم وكتم للصوت بسبب إسلامه من جهة وكتابه في تفنيد المحرقة اليهودية من جهة أخرى حتى لم يجد ناشرا لكتبه وإتيين دينيه الرسام العالمي لا تجد له ترجمة في قاموس لاروس فقد أسلم ودفن ببوسعادة فيما يصف المعارضون ذلك بأنه هراء، وأن المسلمين لا يجيدون إلا ترديد وترويج الإشاعات، وإن كنت شخصيا أميل إلى تقدير هوجو لمحمد عليه السلام وإعجابه بشخصيته تماما كتولستوي ودوستويفسكي ولامارتين وجوته وغيرهم.

ومن العجيب أن يتصدر أحد أشهر المواقع الفرنسية على الإنترنت -وهو موقع «الرد العلماني- لدحض هذه الشائعة!، مطالبا المسلمين بتقديم وثيقة تثبت إسلام فيكتور هوجو!!.

أما الموقف السلبي في حياة هوجو فقد كان تأييده لاحتلال الجزائر والظاهر أنه تعرض لمكيدة من جنرالات فرنسا فقد أوهموه أنهم ذاهبون لتمدين الجزائر وانطلت الحيلة على الشاعر العظيم فساند الحملة الفرنسية ولكنها عثرة ولكل كريم عثرة .

تبقى المقولة الخالدة لهوجو في نظري على كثرة أقواله (من فتح مدرسة فقد أغلق سجنا) فعلموا وتعلموا فمجتمع متعلم بطال خير من مجتمع أمي بطال كما قال العقاد ذات مرة.