رواية «ساق البامبو»للكويتي سعود السعنوسي

، بقلم محمد علّوش

"ساق البامبو" رواية متميزة للأديب الكويتي سعود السنعوسي والتي فاز عنها بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2013 وهي رواية تسجل تواريخها بين الفلبين والكويت، وتؤرّخ لبعض الأحداث التاريخية والسياسية والدينية، وتتناول الرواية موضوع البحث عن الهوية في الكويت ودول الخليج العربي من خلال حياة الراوي، وهو ابن كويتي وفلبينية، وتدور أحداثها في هذين البلدين. ومع أنها ليست الأولى في التطرق لموضوع العمالة الأجنبية في دول الخليج، إلا أنها تتصف بسلاسة الأسلوب بعيداً عن التعقيد والتعمق في التحليل، وتتجلى ازدواجية هوية البطل حتى من خلال اسمه المزدوج عيسى/خوسيه / هوزيه.

هناك مسارات في حقل دراسات الهوية في الرواية العربية ينطلق منه سعود السنعوسي؛ ففي الأدب الروائي العربي هناك عدة روايات تحدثت عن ازدواجية الهوية وإشكالية التعايش مع الآخر بين فضاءين فضاء الأرض الأم، وفضاء البلد المضيف، وكيف تتم عملية تشكيل وبناء الهوية الخلاقة والمتعايشة مع الآخر، أو المصطدمة معه والرافضة له، نستذكر بهذا الاطار العديد من الروايات التي كتبها روائيون عرب، ولكن الاختلاف في رواية "ساق البامبو" أن الروايات السابقة تتحدث عن فضاء الهوية في سياق الهجرة من بلد أُم إلى فضاء آخر، بينما رواية سعود السنعوسي تتحدث عن إنسانٍ دماؤه وانتماؤه هجين بين الكويت والفلبين، الجميع اصطدم بين هذه العوالم الروائية التي يحاول فيها المرء بأن يرتبط بذاك الفضاء الجديد، ولكن وكأن ذاكرة الأهل والوطن والسنين الأولى من حياة الأبطال هي من تعيدهم إلى البلد الأصل، محدثين انقلابًا روائيًّا ثوريًّا على أطروحات المنظِّرين لثقافة الاختلاف والتعايش السلمي بين الفضاءات المتعددة، بالعودة إلى الثقافة الأم، وإنتاج نصوص أدبية تحرك اتجاه الإنسانية إلى العودة إلى الوطن.

طرحت الرواية تساؤلات نقدية عميقة حول تداخل الدين والثقافة عند العرب، وعن السطحية التي تطغى على الخطاب والممارسة الدينية عند العرب.

الرواية محمّلة بالكثير من الأحداث البسيطة في شكلها والعميقة في بعدها الإنساني، وتدور احداث هذه الرواية عن شاب ولد من خادمة فلبينية تعمل لدى عائلة كويتيّة احبها النجل الوحيد لهذه العائلة وهو "راشد" وقد تزوجها خفية عن اهله، عندما عرف الاهل بسر هذا الزواج والطفل أصرّوا أن يتخلى الزوج عن زوجته وطفله لأنه وحسب المجتمع الكويتي فان هذا يشكل عاراً للطبقة الغنية المعروفة هناك فكان أهم شي لديهم الصيت وليس المال حسبما يقولون، ونشأ هذا الشاب "هوزيه" او "عيسى" في موطن أمه في مانيلا - الفلبين نشأة فقيرة ينتظر ان يأخذه ابيه إلى الجنّة الموعودة (الكويت) كما وصفتها له أمه، فقد كان كلما تصعب عليه الحياة في الفلبين يتذكر بان هناك جنة تنتظره في الكويت فيصبر، وخلال هذه الفترة كان " هوزيه " يبحث خلالها عن نفسه او ماهية شخصه وعن دينه وعن وطن يحتويه.

هوزيه لم يعرف دينه هل هو المسيحية مثل أمه او مسلم لأنه سيذهب إلى الكويت، وينتهي المطاف بهوزيه واجدا ان اباه قد فارق الحياة اثناء حرب الخليج بين الكويت والعراق ولكنه يعود إلى الكويت عن طريق صديق والده " غسان " ليجد نفسه في عالم غريب ومختلف جدا عما سبق، طبعا كما رفضت جدته قدومه إلى منزلها وهو صغير رفضته أيضا وهو كبير جاحدة به، لكنها كانت تخبئ في اعماقها حبها له لامتلاكه صوت ابيه ولأنه الرجل الوحيد الذي يحمل اسم العائلة "الطاروف" لكن كما قلت سابقا في الكويت الصيت أهم من المال.

عاملته جدته كأنه شاب فيليبيني ورتبت له غرفة في ملحق البيت كالخدم، ثم اكتشف هوزيه انه يملك اختًا من ابيه اسمها "خولة" فيسعدان هما الاثنان بهذا النبأ، كانت خولة بمثابة المعجزة التي انقذت هوزيه من رفض جدته لما كانت جدته تكن المحبة لأخته "خولة"، يوما بعد يوم اصبحت جدته ترق له وتظهر مودتها اكثر، لكن هوزيه كان يشعر بالوحدة بسبب عدم اعتراف عائلته به فلم يشاركوه في الاعياد ولا يخالطوه بالعائلة، وأيضا لم يعرف ما هو دينه بسبب فكرة قد تكون وصلت بشكل خاطئ عن الإسلام والداعين له، سطحية الدين في المجتمعات، وأيضا هو لم يعتبر ان الكويت وطنه لأنه لم يشعر بجو العائلة والأمان فيها فهو لم يتخطى شكل وجهه الفيليبينيّ، في النهاية فضح سر العائلة بان لها ابنا فيليبينيا وسرعان ما انتشر الخبر، فقرروا طرده من البلاد ولكن هوزيه لم يقبل لكنه في النهاية استسلم للأمر الواقع فقد اضطر للسفر بسبب ما قالته عمته من ظرف قاسيه لتجبره على السفر لأنه كان يؤثر على سمعتها ومقامها عند عائلة زوجها، فهو أيضا لم يشعر بان الكويت بلده ونص رواية "ساق البامبو" هي عبارة عن ما كتبه هوزيه حول حياته ورؤيته للحياة الاجتماعية في الكويت والفلبين.

في الحقيقة يوجد الكثير من القضايا الهامة التي تجتاح مجتمعنا العربي بين أسطر الرواية كمشاركة المرأة في الحياة السياسية، وحقوق الاجانب الضائعة، وبعض العادات التي توجد في الكويت.

لم يأت هذا النجاح محض مصادفة ولا ضربة حظ للروائي الشاب سعود السنعوسي، بل إن الرواية التي أفرط المادحون في الثناء عليها تستحق ذلك لأنها "إحدى أفضل وأنضج وأذكى الروايات العربية التي قرأتها في السنوات الأخيرة" بحسب أحد نقادها الكبار، وما أكثرهم.

رواية "ساق البامبو" للروائي سعود السنعوسى، أدهش الكثيرين أنها الرواية الثانية له فقط، بعد روايته الأولى "سجين المرايا"، ورغم ذلك، ورغم حداثة تجربته مع الكتابة الروائية، فهو يطرح بصورة عميقة للغاية، سؤال الهوية والانتماء، ليس فقط هوية المكان والاسم والجنسية والدين، ولكن هوية الاكتشاف والبحث والمعرفة، فكرة ضرورة انتماء الإنسان الذي يطرد عنه شبح الوحدة، ورحلته الصعبة في العالم بعد أن عرف وفهم وأراد، ففي الرواية نفس وجودي واضح، ومذاق إنساني عذب، رغم أنها تخلق تفاصيلها المحلية الواقعية بكل دقائقها من قلب عالمين متباعدين هما الكويت والفلبين.

ينسج سعود السنعوسي ملامح شخوصه، وينتقد مجتمعه بشجاعة وصدق وذكاء، الكويت الصغيرة كما تبدو في عيون شاب جاء إليها، يحلم الكاتب عبر بطله بوطنٍ يمزق ما يحيط بأهله، وقد تناول الكاتب في كلّ جزء من هذه الأجزاء سيرة "عيسى" في فترة زمنيّة دلّ عليها عنوان الجزء، مثل قبل ميلاده منذ جاءت أمّه خادمة إلى الكويت، فرارًا من قسوة والدها، وبعد ميلاده في الكويت وترحيله إلى الفلبّين مع أمّه، وعيشه في بيت جدّه، ورحيله عن بيت جدّه وعمله بالتّدليك والعلاج الطبيعيّ، وتعرّفه على شباب كويتيّين، وتدبير سفره وعودته إلى الكويت، وعيشه في غرفة ملحقة ببيت جدّته، وتنكّر جدّته له حتّى بعد عودته؛ لخوفها على بناتها من الطّلاق إذا علم أزواجهنّ بوجوده في بيتها، وخروجه من بيت جدّته، وسكنه وحيدًا في الجابريّة في الكويت، ومعاناته كثيرًا من الوحدة الّتي عاشها، وعمله في أحد المطاعم في الكويت، وهذا العمل غير مقبول للكويتيّ عند الكويتيّين، واضطراره إلى الرّحيل عن الكويت لتنكر عائلته له، وعدم قبولهم لأنّ يعيش في الكويت بل أغلظت له عمّته نوريّة بالقول، ووصفته بأقذع الأوصاف، وأمرته أن يغادر الكويت، بل بلغ بها الحقد أن طلبت من مسؤولي المطعم الّذي يعمل فيه أن يطردوه من العمل فطردوه، وطلبت من أمّها، الّتي هي جدّته، أن تمنع عنه الرّاتب الشّهريّ فمنعته.
لغة الرّواية لغة عربيّة فصيحة، وفي ذلك دليل على إجادة المترجم للغة العربيّة، حيث لا تشعر أبدًا أن هذه الرّواية مترجمة، وأنا هنا أسجل استغرابي من موضوع الترجمة كون الروائي عربياً والترجمة عربية.

ومن أهم ما تميزت به هذه الرّواية هو الوصف الدّقيق والمتقن، الّذي يصل إلى أدّق التّفاصيل، فتكاد ترى ما يجول في نفس الموصوف من خواطر ومشاعر، والوصف في هذه الرّواية يطرح أمام ناظريك صورة واضحة جليّة لكلّ ما وصف فيها من إنسان ونبات وحيوان وبناء وأثاث. فيصف في الإنسان مثلًا: ثيابه، ومشيته، وعيونه، ووجهه، وحاجبيه، ويصف طلاقة الوجه، وعبوسه، وحزنه، وسروره، وما يفكر به،، فجاء الوصف كـ "فيلْمٍ سينمائيّ" يتحرّك أمام ناظريك.

والوصف في هذه الرّواية قلّ أن تجد مثله في أيّ رواية أخرى، وأنا لم أجد مثله في أيّ رواية عربيّة قرأتها، وصف يصل إلى أدّق التّفاصيل، أو قلْ هو وصف يستعصي على الوصف، انها رواية التفاصيل اذن.

بدون أدنى شك فالرواية قوية بلغتها وسرديتها وقوية في موضوعها وفي المعطيات والظروف التي خلقتها، والروائي الشاب الذي كتب هذه الرواية سيكون له بالتأكيد شأنٌ كبير وحضورٍ لافت في مسيرة الأدب العربي والكويتي على وجه التحديد.