ياهودايزم..«تقنيات لعبة السلطة» الجزء الأول

، بقلم وديع العبيدي

[1]

العالم في دوامة. في دائرة مغلقة. حجرة معتمة. حياة بيزمنت، أقبية، انفاق، انحطاط وابتذال. فوضى، ضجيج، صداع، انفصام، زهايمر، صرع، مسخ، نسخ، وسخ. هل هو عالم واحد، ام عالمان، او عوالم متعددة. لا. انه عالم واحد.

عالم واحد في الجوهر والاساس، في الاساليب والاطر،في الافكار والايديولجيات، في الدوافع والغايات، الاسباب والنتائج. عالم قائم على الكذب والتزوير، والمسخ والتكرار، عالم يعتاش على الغلط وتكرار الغلط وترقيع الغلط وتقديس الغلط، حتى غاب عن البشر ما هو الغلط.

غلط شائع، مقصود، وتدميري، صار هو اساس العقل والمنطق، والفكر والاعتقاد، والاجتماع والاقتصاد، الهوية والثقافة، الدين والمعتقد، العلمانية والالحاد، التطور والتطرطر، العولمة والحداثة، الايمان والايفولوشن، والعقل والغيبيات.. كلها مسميات وأطر، ومناهج، خرجت وتخرج من منبع واحد، وتدور على محور واحد.

والناس.. البشر، واحد، يقومون بعمل واحد، يكررون شيئا واحدا، يخدمون هدفا واحدا، يتناحرون بينهم، وينسون انهم واحد. الحياة استنساخ، والناس روبوت، والتاريح فكشن. وعندما يدركون انهم واحد، يعودون، ويفندون انفسهم، وينسبون الاشياء للاختلاف، لماذا؟.. لكي يبقوا سادرين في عتمة الدوامة، ويستمرون في الدوران والصداع، ولا يريدون ان يشعروا باللاجدوى.

ما زال العالم، يؤرقني. هذا العالم، يعني الحياة، كل الوجود. وفي مركزها هذا الانسان، معيار الوجود، سيده واداته، الانسان المنفصم/ المنقسم على ذاته، بين العقل والغريزة، بين عالم المثل والافكار السامية، ومستويات الغريزة واللذة، الانسانية والوحشية، المثالية والانحطاط. الانسان العاجز عن الفكاك عن نفسه، وعن ادراك الاجوبة، او وقف تداعيات الاسئلة.

ثمة صراع بين العقل- بالمفهوم الفلسفي-، وبين العالم- بالمفهوم العام-، واتجاههما متنافر.
قوة العالم العالمي انه جسدي دموي حيواني غريزي براغماتي متوحش ليس له مبدأ حقيقي ولا مضمون حقيقي، شعاره البقاء للاقوى – من القوة الجسدية المادية حتى اقصى درجات ومفاهيم التوحش، كما جرى دائما، في مناسات ومظاهر متعددة. وكما جرى خلال الممارسات الاستعمارية والصهيونية والنازية واخيرا.. وليس اخرا.. ممارسات داعش.

العالم وهم، والوجود عدم، وكل ما هو – داخل- الوهم والعدم، هو عبث.

ولا جديد. لا جديد تحت الشمس. هاذه جملة.. ليست رومانسية او تعبير ادبي مجرد، ولكنها خلاصة عقلية فلسفية لرحلة البحث والسؤال، في العالم والوجود. جلجامش او زرادشت او بوذا او أي رمز ثوري لمجازفة العقل، هو الذي استنتج ان – لا جديد تحت الشمس-. وهذا هو جوهر ومغزى ما وصل الى ادراك سليمان داود يسي الجامعة: (كل شيء تحت السماء باطل، كل ما تعمله يد الانسان باطل وباطل اباطيل!).

ارنولد توينبي اعتبر ان اكتشاف الانسان لليد، وبدءه في استخدام يده لتصنيع مستلزمات معيشته، وانتاج غذائه كان بداية الحضارة، ونقطة تحول البشر من مرحلة الالتقاط والاعتماد/ تبعية الطبيعة، الى تغيير الطبيعة، بما يناسب احتياجات الانسان ورغباته وافكاره.

هكذا انتقل الانسان من التجوال في الغابات والنوم فوق الاشجار، الى المبيت في الكهوف والمغاور والاوجار، وصولا للاستقرار في – طوفة/ دارة- بيت. والبيت هو مبتدأ التحضر والاستيطان، والتمدن والاجتماع والتطور والسياسة.

كل الاشياء تبدأ، - مثل الطفل-، غلطة عفوية، مغامرة بريئة جميلة، ثم يتغير معناها وشكلها عندما تكبر.

الفكر الاقتصادي، في بداياته الفلسفية والنظرية، عندما كان الفكر الاقتصادي طفلا بريئا وجميلا ومغريا، تحدث عن مفاهيم: [التشغيل الكامل، الصحيح، الدقيق، تقليل نسبة الخطأ والتلف، تحقيق الافضل، الامثل، الاعلى، الاقصى،].

خلال عملي في النمسا، في معمل سيارات، كانت توجد لوحة ارشادات وتعليمات معلقة قرب مفاتيح السيطرة، وتتغير من وقت لاخر. في لوحة التعليمات جدول الانتاج اليومي المطلوب، بالنوع والكم، وبجانبه، نسبة التلف.

بالنسبة لي، التلف هو الخطأ. وبالتالي، فأن هدفي، هو تقليل نسبة الخطأ للحد الاقصى، وفي ذلك تحقيق لجودة العمل، او ما تعلمناه في الاقتصاد، الانتاج الامثل، والتشغيل الكامل.

قبل انتهاء العمل بربع ساعة يأتي (العريف) او مدير القسم ويلاحظ الانتاج ومدى الالتزام بجدول الانتاج. لاحظت مع الوقت، انهم يقومون بالقاء بعض من الانتاج في حاوية التلف، وكنت أقول لهم انها غير تالفة، أو اسأل عن سبب اتلافها.

صار بعضهم، يأتي خلال وقت العمل، واحيانا، خلال ذهابي للاستراحة، ويرفع درجة حرارة الماكنة، اكثر من المقرر. وفضلا عن لهب الحرارة التي تحرق الوجه واليد، كانت نسبة التلف تزيد، ولا استطيع السيطرة على الانتاج بالمواصفات المطلوبة.

انتاجنا يتعلق بقطع غيار السيارات، التي تتعرض لسلسلة من الفحوصات العلمية والعالمية، لان سوق السيارات عالمية، داخلة في المنافسة الدولية، وهي السيارات الالمانية.

المهم، هو نسبة التلف. المهم هو الاساس النظري للانتاج. بالنسبة للمعمل، يجب ان تكون نسبة يومية محددة من التلف. زيادتها كالنقصان. ولا يوجد في عرف المعمل، انتاج امثل، او تشغيل كامل او طاقة قصوى. هاته تدخل في سياقات اخرى. لكن ليس من غير (تلف). لا بد من نسبة – خطأ-.

في الدرس الاحصائي، شيء يدعى معامل الارتباط. وقيمة معامل الارتباط، هو دائما يساوي [واحد]. رقم (1) واحد. لا شيء في يمينه او شماله. وكانت المسألة الاحصائية التي يستغرق حلها ساعات، وعمليات حسابية متداخلة، تتوقف على النتيجة الواحدة والمطلقة: (واحد)- رقم صحيح.

في معظم المسائل الرياضية، ثمة نسبة للتقدير، النتيجة ومعها كسور. ولكن في الرياضيات الاحصائية، لا بد ان تكون النتائج ارقام صحيحة وثابتة، ومن غير كسور او تقدير. لا اعرف صورة الامر الان. اكيد ان الفكر الاحصائي تغير او تطرطر ايضا.

خلال عملي في (جراينر) تعرفت الى شاب – كنا نصف انفسنا بالشباب-، ايراني لطيف، نشأت بيننا علاقة استمرت لما بعد العمل. صديقي الايراني، عايشني خلال مرحلة الاسئلة والتناقضات تلك، فروى لي حكاية: اعرضها هنا، ضمن سياق الموضوع.

كان شخص – كالعادة- يبحث عن عمل. وبعد مدة، وبمساعدة من المقربين حصل على فرصة عمل. اوصاه الوسيط المقرب، ان يكون مخلصا في عمله ويقدم افضل ما لديه، ويكون دقيقا في المواعيد، لكي لا يخيبه مع الاغا.

وهاته كلها حرص عليها والتزم بها كأفضل ما يكون، وكان يجهد نسه ويضحي من وقته من اجل مصلحة العمل. وبعد مدة غير طويلة على هذا الحرص، تم اقالته من العمل. فاستغرب العامل، وقال لصاحب العمل: أي قصور في عملي، أي خطأ ارتكبته يا أغا. لكن الاغا رفضه.

وامام حيرته واضطرابه لفقدانه العمل، وهو العامل النشيط والمخلص، نصحه احدهم قائلا: انت تعمل باخلاص ومثابرة، وهذا جيد، ولكن اخلاصك واجتهادك في العمل اكثر من اللازم، وهذا يثير بقية العالمين، ويكشف انك تعمل افضل منهم، فربما يطردهم رئيس العمل، وربما يجعلك مديرا عليهم، وهم اقدم منك في العمل.

والافضل لك، عندما تعمل، ان تلاحظ طريقة عمل زملائك، ومعدل سرعتهم، فلا تعمل افضل منهم حتى يحبوك، ولا تميز نفسك عليهم، فيعتبروك منافقا او وصوليا.

وبعد مدة حصل صاحبنا على عمل جديد، وقرر الاستفادة من النصيحة، فصار يتباطأ في العمل، ويتقاعس ويكثر من الاستراحات، حتى كان اكسل الجميع. وبعد مدة، رفضه صاحب العمل الجديد، وكالعادة، لم يوضح له سبب رفضه.

وعاد العامل الخائب الى صاحب النصيحة قائلا: اغا.. لقد عملت كل ما اوصيتني به، وتخليت عن الاخلاص والمثابرة، ومع ذلك رفضوني، فماذا أعمل؟..

هنا ظهرت الحكمة الذهبية للشرق القديم، الممثلة، بضرورة الاعتدال والتوسط بين هذا وذاك، [فلا تجعل يدك مغلولة الى عنقك، ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوما محسورا]-(الاسراء 29).. فواقع العمل الراسمالي لا يريد مخلصين كفوئين ولا يريد فوضويين لا اباليين.

السؤال الان: كيف يمكن فهم فلسفة العمل او فلسفة السلوك في العالم الراسمالي الامبريالي الذي نعيشه، رغما عنا؟.

ماهي طريقة التصرف، العمل، السلوك الذي يجعلنا مؤهلين للحياة والفكر الغربي؟..

وهل علينا التكيف والانسجام معه، ام السلوك باعتقاداتنا وقناعاتنا والالتزام بحقنا في اثبات انفسنا وتاكيد هوياتنا، ضمن ما يسمى صراع/ صدام الثقافات/ الهويات/ المدنيات؟..

كيف نعيش في عالم متغير، متقلب، خارج عن طاقة احتمالنا؟..

وهل ثمة منطق يقوم عليه النظام العالمي، ام أنه مجرد خبط عشواء؟!..

[2]

"على الانسان تغيير العالم، لا تفسيره فقط"- كارل ماركس

ذات يوم.. كان سورن كيركجورد الدنماركي [1813- 1855م] جالسا في مقهى، عندما خطر له سؤال: ما هو عمل الفيلسوف؟..

فأجابته نفسه: تبسيط الحياة!.. ثم ضرب الطاولة بقبضة يده، وهو يقول: إذن، واجبي هو تعقيد العالم!..

كم شخصا جلس في مقهى على مدى الزمن..

كم مقهى وجدت على الارض عبر الزمن..

كم فكرة عبرت من افاق مقاهي العالم.....

كم كانت اعمار مرتادي المقاهي، وما طبيعة اهتماماتهم ومشغولياتهم؟...

كم من جلاس المقاهي يجلسون لوحدهم، ويستغرقون في أذهانهم؟..

المقاهي العربية هي دور التسلية والعاب النرد والدومينو!..

متى كانت المقهى دار علم ومعرفة واكتشافات تغير شكل العالم وجوهره؟..

المقهى مكان لمضيعة الوقت والسخرية والهذر والقدح والنميمة وترويج الاشاعات الرخيصة..

المقهى العربية جريدة مفتوحة، تتكشف فيها اخبار المحلة والمدينة وفضائح التجار والحكومة والعوائل والوكلاء من كل نوع... مجرد مكان لتصيّد الاخبار بطريق الالتقاط والقرصنة..

المقهى.. الجامع.. الملهى الليلي.. هاته اركان الحياة العربية/ المدنية على مدى القرون..

استمرار هذا الثالوث المتوارث على مدى القرون يثبت، حقيقة [الجدب] التاريخي..

اسبينوزا الهولندي هو الاخر بدأ من حالة او مكان عام، كان مع بضعة من اقرانه عندما قدحت في ذهنه [فكرة] سوف تجعل منه [مواطنا عالميا].. وتفتح على يده اوسع ابواب [نقد الدين]..
لا اتحدث هنا عن الافكار – العظيمة-، ولكني اركز على طبيعة الاشخاص، وطبيعة الظروف والخلفيات الاجتماعية التي شكلت – حاضنة- ابداعية، لانتاج الافكار العظيمة، او اصحاب الافكار العظيمة..

كارل ماركس تجمعه بمارتن لوثر قواسم اجتماعية عائلية مشتركة.. كلاهما كان من قمة الطبقة المتوسطة، كان والده محاميا معروفا [مركز اجتماعي واقتصادي وسياسي].. وكلاهما رسم له والده ان يتخرج محاميا ويحافظ على مستوى العائلة.. وكلاهما، سوف يتمرد في اللحظة الاخيرة، ويجمع بين خذلان –الأب- واضافة مجد اكبر لاسم العائلة..

رغبة مارتن لوثر اتجهت للاهوت ونقد الكنيسة في اخر لحظة، وماركس رغب في الفلسفة اكثر من المحاماة..

مارتن لوثر اصيب بالتوحد واعتزل في الدير، واستغرقته حالة [خوف ورعدة] التي تحدث عنها كبركجورد، امام جملة:[أنه قد اعلن غضب السماء، على جميع ما يفعله الناس من عصيان واثم، فيحجبون الحق بالاثم!]-(رو1: 18)

في هاته العبارة بعدان رئيسان، بعد ديني، وبعد واجتماعي. ارجو القارئ عدم الفصل بينهما، لادراك الفهم الصائب، لانه لا قيمة للبعد الديني، عند تجريده من المضمون والاطار الاجتماعي. فالدين ظاهرة اجتماعية، والمغزى من العلاقة بالسماء، هو الارتقاء بالعلاقات بين البشر.
العلاقة بالسماء من غير انعكاس اجتماعي منسجم بالطبيعة والاتجاه، انما يكون مجرد رياء.. وهو تفريغ للعلاقة والسلوك، واحالتها للعبث ومضيعة الوقت والجهد..

فالثورة التي قادها مارتن لوثر، استندت الى جملة واحدة.. استندت الى استغراقه في جملة واحدة، هي جوهر التجديد والاصلاح والنقد الديني منذ (1517م) وحتى نهاية كل شيء.
هل ثمة جملة او كلمة استغلقت ذهنك وملكت عليك وقتك، وجعلتك تترك كل شيء في الوجود، وتتفرغ للتامل والتفرس والتفكر والاستغوار في اعماقها؟....

الواقع، ان كل المخترعات والمكتشفات والافكار العظيمة، ولدت من التأمل والتفكير والصراع والمعاناة الفكرية بسبب جملة او كلمة أو لحظة او حالة اجتماعية معينة؟.. وكل فيلسوف او عالم او مفكر، تتلخص تجربته واضافته في كلمة او جملة لا غير!.

كارل ماركس استغرقه سؤال مغزى الفلسفة، شأن كيركجورد، كان احد الهيغليين الشباب، ويشارك في حلقات المناقشة الفلسفية باشراف فيورباخ، ولكنه، بدل التوصيف والتبسيط والتعقيد، جعل [التغيير] وظيفة الفلسفة!..

كيف للفلسفة التي كانت، لما تزال نخبوية برجوازية، ان تغير العالم؟..

هل تغيير العالم يكون من الأعلى؟.., او من الأسفل؟.. وكيف يحصل التغيير من الاسفل؟!..
هاته هي اضافة كارل ماركس!.. التغيير اولا، والتغيير من اسفل ثانيا، والتغيير من الداخل ثالثا.. والتغيير واجب كل فرد اخيرا.

فبحسب ماركس، كل فرد معني بتغيير نفسه، التغيير نحو الافضل والاكمل [الفضيلة والكمال]..

وظيفة الفرد.. الواعي/ المسؤول/ الايجابي/ الثوري.. من خلال اجراءات التغيير، صناعة تاريخ جديد، وتحرير التاريخ من التكرار والدوران حول اضرحة الماضي!..

شعار ديكارت: انا أفكر، إذن أنا موجود!

شعار ماركس: أنا أتغير –للافضل-، إذن انا موجود!..

شعار لوثر: أنا حرّ، إذن أنا مؤمن!..

لا ايمان بلا حرية، ولا حرية بلا ايمان.

لا انسان بلا حرية ولا انسان بلا ايمان.

الايمان دالة الفضيلة/ (المثل)، والفضيلة هي الحرية.

– ملحوظة: مفردة ايمان –هنا- لا علاقة لها بالدين كنظام اجتماعي منصرم-!.

لدى كيركجورد وماركس ولوثر وفولتير واسبينوزا ونيتشه، اقترنت الفكرة الابداعية بالتقنية: الترجمة الاجتماعية والمتوالية التاريخية. فالانسان: النشاط الاجتماعي هو دالة الحياة ومغزاها ومعناها وغايتها. النشاط هو دالة الحركة والتغيير والتقدم – خلاف التكرار والتطرطر- واكتشاف قارات وجغرافيات جديدة، تضاف الى الحصيلة المعرفية وارشيف مكتشفات السابقين.
كثيرون من الناس، من مجتمعات الارض، لا يخطر لهم سؤال الاضافة- التجديد- التغيير، وتقديم مبرر لوجودهم على الارض، ومغزى تلك الحواضن الاجتماعية والعائلية والثقافية التي يقتصر وجودها على الالتقاط والاستهلاك والقرصنة على فتات الغير، ورفع معدل المديونية التاريخية..

من اشكاليات الراهن العالمي، فضلا عن ريادة الغرب في الفكر والتكنولوجيا، ان النسبة العظمى من المنسوجات والالعاب والسلع الاستهلاكية هي منتجات صينية، ونادرا ما تجد سلعة لا تحمل عبارة [made in China]..

عالمنا ينقسم الى خندقين: عالم منتج، وعالم مستهلك.

العالم المنتج يصنع الحياة والتاريخ ويبرر وجوده الايجابي، ومن خلال عمله يستمر في التطور والانتاج وابداع الافكار..

والعالم المستهلك لا يصنع الحياة ولا يساهم في صناعة التاريخ ولا يبرر وجوده السلبي، ومن خلال امعانه في الاستهلاك، يزداد تخلفا وتبعية وتشوها وعنفا!..

قل لي كيف تعيش أقول لك من أنت!

قل لي ماذا تفعل، اقول لك من انت!..

قال ارسطو القديم: اعرف نفسك!..

والمأثور العربي يقول: رحم الله امرأ عرف – قدر- نفسه!..

[3]

"كثيرا ما قصدت أن آتي اليكم، أيها الاخوة.. كما لو انّ عليّ دينا، لليونانيين والرومان، للمتعلمين والجهّال.. فانا في غاية الشوق، أن ابشر بينكم، بكلّ ما لدي، انتم الذين في روما، ليكون لي ثمر من بينكم ايضا، كما لي من بين الامم الاخرى!"- (رو 1: 13- 15)

أوربا ولدت في حضن/ أحضان الكنيسة. الكنيسة التي صنعها بولس، هي التي انجبت أوربا المعاصرة. الكنيسة إذن، اقدم من أوربا. وللموضوع صلة!.

بولس الطرسوسي هو شاول البنياميني، فريسي من الفريسيين، ومن تلاميذ غمالائيل: أحد اعضاء المجلس اليهودي الأعلى (سنهدريم)، معلم شريعة يتبع المذهب الفرّيسي، محترم عند الشعب-(أع 5: 34). وفي يومه، كان لليهود مدرستان: احداهما تأخذ بالتقليد الشرقي الارثوذكسي، والثانية تعلم الشريعة والتقليد الى جانب العلوم والفلسفة والمنطق. الثانية كان يقودها غمالائيل، الذي كان من تلاميذه المقربين او المتفوقين شاول الطرسوسي.

ومعنى كلمة شاول – بالعبرية-: مستعار. يقال لمولود المرأة لا يكون لها ولد: فتقول: اقتنيت/ استعرت طفلا من عند الربّ-(تك4: 1). ومعنى كلمة باول/ بولس-باليونانية-: صغير، وهو الاسم الذي اختاره شاول الطرسوسي لنفسه- تواضعا واتضاعا- لما تبع طريق يسوع الجليلي، وهو في طريقه الى دمشق.

بولس الطرسوسي لم يكن من تلاميذ يسوع المعروفين، ولكن، من المحتمل انه من تلاميذه السرّيين او السلبيين. أي ممن كانوا يلاحقون يسوع واتباعه لمراقبة حركاته وأعماله، والتربص به بكلمة أو جواب لمحاكمته او الوشاية به لدى السلطات.

بعد اتباعه طريق يسوع، صار واحدا من الرسل، والمشهور انه (بولس رسول الامم)، مقابل بطرس الرسول الى اليهود. ومعروف ان اليهودية – تاريخيا وكتابيا- لا تقبل التبشير لغير اليهود بالوراثة: أي الجسد. وفي البدايات اعتقد التلاميذ ان رسالة المسيح خاصة باليهود، باعتبار المسيحية طائفة يهودية، وليس التبشير للامم- الامم: اصطلاح كتابي يقصد به: غير اليهود- حتى جاء بولس وتخصص بحمل البشارة للامم.

قام بولس الطرسوسي بثلاث رحلات/ حملات تبشيرية باتجاه اوربا، وهي بحسب ابعادها الجغرافية/ البلدانية، كالتالي:

قبرص والاناضول/ اسيا الصغرى، رافقه فيها برنابا القبرصي/[اع 13: 4- 14]، وهي مركز الكنائس السبع المشهورة في سفر الرؤيا [رؤ1- 3]

مقدونية واليونان، رافقه فيها سيلا. ابتداء من مقدونية وانتهاء بكورنثوس التي بقي فيها ثمانية عشر شهرا/ [أع16: 6- 18: 18، 20]، وفي طريق عودته مرّ ببعض الكنائس التي بشّرها في رحلته الاولى.

الاسكندرية وكريت ومالطه الى ايطاليا وروما/ [أع 27- 28]، وكان فيها معتقلا لغرض المحاكمة امام القيصر نيرو.

ويعتقد البعض، بناء على [رو15: 29]، انه قام برحلة رابعة تصل الى اسبانيا. لكنه امر خارج الاحتمال، كون رسالة رومية كتبت قبل موعد زيارته لروما. وزيارته لها كانت للمحاكمة، ولم تتحقق تلك الزيارة كما اراد لها، لينطلق منها الى شبه جزيرة ايبريا. والمعروف –بحسب التقليد- ان زيارته الاخيرة الى روما انتهت باعدامه عام (67م)، مع بطرس الرسول في عهد القيصر نيرو [37/ 54- 68م].
*
جغرافيا اوربا التاريخية..

أوربا هي القسم الشمالي الغربي من خريطة العالم، والمحددة طبيعيا بالبلاد شمال حوض البحر الأبيض المتوسط، والممتدة شرقا الى شبه جزيرة الاناضول/ أسيا الصغرى- تركيا الحالية- حتى حدود بحيرة قزوين شرقا، وجنوبا في شمال العراق حتى مدينة سامراء الحالية على دجلة، ومنطقة شرق البحر المتوسط حتى غرب مجرى نهر الفرات.

وهذا يعني ان بلاد الشام/ سوريا الكبرى وكل تركيا الحالية هي جزء من أوربا التاريخية.

معناه، ان وادي الاردن وفلسطين وسيناء تدخل ضمن حدودها.

وكان بولس بحكم ميلاده في طرسوس الواقعة على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط جنوبي غربي الاناضول، يهوديا بالعائلة، يونانيا بالثقافة، رومانيا بالمواطنة والجنسية.

وبحكم انتمائه الوطني الثقافي والجغرافي، كان مشروعه لنقل بشارة يسوع، التي مثلت برنامجا بديلا للهللنستية، الى مقدونية واليونان وروما مركز الامبراطورية العالمية يومذاك.

العام 2008م خصّصته الفاتيكان للاحتفال بالذكرى الالفين لولادة الرسول بولس الطرسوسي، بوصفه مؤسس الكنيسة الاوربية، والقامة الثانية في بناء صرح المسيحية في العالم بعد السيد المسيح. خلال سنواته الاخيرة التي شهدت محاكمته واعدامه، سمحت له السلطات فيها، ان يقيم في بيت خاص، يستقبل فيه زائريه ويكتب الرسائل الرعوية الى الكنائس التي افتتحها خلال حياته: [عب 13: 24]. ويرى البعض، من خلال اجتماعه مع بطرس و اثنين من كتبة الاناجيل، ان بولس اشرف على مراجعة معظم اسفار العهد الجديد المكتوبة في عهده، ما خلا اسفار يوحنا اللاهوتي المكتوبة لاحقا.

في تلك الاقامة التي ضمت بطرس الرسول المتهم الى حانبه، رافقه خلالها جملة من ابرز تلاميذه، وفي المقدمة منهم لوقا الطبيب ويوحنا مرقس وكثيرين اخرين. لوقا هو المرافق الشخصي لبولس في رحلاته الاوربية، وهو كاتب الانجيل الثالث ومسجل سفر اعمال الرسل المتضمن حياة الكنيسة الاولى بعد السيد المسيح.

ولوقا الطبيب هو اليوناني الوحيد بين كتبة الاناجيل، وهو الاكاديمي الوحيد وكان رساما، وينسب اليه التقليد انه اول من رسم صورة العذراء مريم الاصلية والمحفوظة نسختها في الفاتيكان، وعنها اخذ الرسامون التقليد.

أما مرقس فهو كاتب الانجيل الثاني. وكان ابن اخت سمعان بطرس واصلهم من ليبيا. وكان مرقس مرافقا لبطرس، ولم يكن من التلاميذ لصغر سنّه. لكن التلاميذ كانوا يجتمعون في بيت والدته مريم التقية /(اع 12: 12) – اخت سمعان بطرس- منذ ايام يسوع، وكان الصبي يستمع ويرافق الجماعة الاولى.

وفي (كو 4: 10) يصف بولس الرسول مرقس بانه ابن اخت برنابا الذي اسمه الاصلي يوسف من سبط لاوي ويحمل الجنسية القبرصية/(اع 4: 36). وهذا يعني ان كلا من يوسف برنابا وسمعان بطرس شقيقان ولهما اخت اسمها مريم ام يوحنا مرقس. وقد رافق يوحنا مرقس بولس وبرنابا في اول رحلة كرازية/(اع 12: 25)، يقدر تاريخها في العام (50م)، ولكنه فارقهم في بمفيلية/(اع 13: 13) ولم يكمل الرحلة معهم، مفضلا الالتحاق بخاله الاكبر بطرس.

وبحسب التقليد القبطي، رافق مرقس بطرس في زيارة الاخير الى مصر ومكوثه ستة اشهر في بابيليون المصرية/(1 بط 5: 12). وربما كان مرور بطرس بمصر خلال رحلته الى روما لمحاكمته بتهمة حريق روما المشهور (عام 67م) في عهد الامبراطور نيرو.

ويبدو ان مرقس بقي في مصر لمدة، اكمل فيها ترتيبات كنيسة الاسكندرية المصرية، ولذلك يعتبره التقليد المصري كارز الديار المصرية ومؤسس كنيستها. ولابد انه واصل الرحلة الى روما ملتحقا ببطرس وبولس الذي يثني عليه وعلى خدمته واخلاصه: [2 تي 4: 11، فيل 1: 24].

فالعائلة المسيحية الاولى المؤسسة للكنيسة الرسولية الجامعة في الشرق والغرب، اجتمعت في روما – عاصمة الامبراطورية الرومانية- خلال الاعوام [65- 67م] بحسبما اتاحته لهم ظروف المحاكمة والشهادة.

تلك الامبراطورية التي قادت حملة اضطهاد الكنيسة الاولى طيلة القرون الثلاثة، هي التي ستنحني لصليب يسوع المسيح، وتجعل من عقيدته/(الصراط المستقيم): الديانة الرسمية لامبراطورية بيزنطه العالمية التي ستحكم العالم حتى القرن الخامس عشر الميلادي.

وكأن كلمات بطرس الذي أعدمه امبراطور روما عام 67م هي التي ستعود تقرع ذهن الامبراطور قسطنطين العظيم عام 317م لتغيير النظام العالمي واشاعة نهج سوسيوثقافي يشكل جوهر الهوية الثقافية للمركزية الغربية.."اعلموا جميعا، وليعرف شعب اسرائيل كله، انه باسم يسوع الناصري الذي أنتم صلبتموه، والذي أقامه الله من بين الاموات، باسمه يقف هذا الكسيح أمامكم في تمام الصحة!.. يسوع هذا هو الصخر الذي أنتم رفضتموه، أيها البناة!، وهو نفسه صار حجر الزاوية الأساسي. وليس بأحد غيره الخلاص. اذ ليس تحت السماء، اسم آخر، قدمه الله للبشرية، به يجب ان نخلص!"-(اع 4: 10- 12).

فبجهود بولس وفريق معاونيه الكبير، تأسست الكنيسة الغربية، واكتسبت أوربا هوية ثقافية اجتماعية، لما تزل تدين للمسيحية بقيم الحرية والمحبة والتعاون والتسامح، المشكلة لجوهر المواثيق الاممية والدولية السائدة.

(يتبع..)